محمد المحسن الادارة الجهوية للتعليم بتطاوين .. لا شك في أن سقوط العراق بيد قوات الاحتلال الأمريكي البريطاني هو زلزال كبير بجميع المقاييس، لا بمقياس رختر وحده. وحسبنا ان نقول انه قد زلزل فينا أكثر مسلماتنا، وخلق لدينا احباطا لا نعتقد أننا سنتخلص من ترسباته في المدى المنظور. ذلك ان بغداد بوجه خاص تمثل في نظرنا تاريخا كاملا من الحضارة والثقافة والتراث كما لها مكانة أسطورية في الذاكرة الجمعية للعرب ولها عمق تاريخي وحضاري لا يضاهى بين مدن العالم أجمع. لكن لابد من ان نستفيد من ذلك السقوط المريع دروسا هامة تعيننا على تجاوز المحنة. وأول هذه الدروس ان مسؤولية ما حدث لا تتعلق حُكما بالمبادئ الأساسية التي تربّت عليها أجيالنا وانما نضع هذه المسؤولية في الدرجة الاولى على أدعياء تطبيقها. أعرف مسبقا ان هذا الكلام «لحن قديم مستهلك» وان قطاعات كبيرة مما يسمى بالصحافة الثقافية انقضت بكل ثقلها على كل تلك المبادئ رابطة ربطا محكما بين العروبة والانظمة العربية وبين الاشتراكية وكبت الحريات وبين التأميم والفساد. والسؤال : ترى ماذا لو اتبعنا منطق هذه الصحافة فربطنا ربطا لا فكاك منه ما بين الديمقراطية والاحتلال الامريكي وما بين الليبرالية وإفقار الشعوب وما بين الحرية والاشتغال؟ إن مسؤولية المثقفين هي العناية بما سماه ادوارد سعيد وغيره «سياسة التفاصيل» لا يجوز ان نحكم على مبادئ نهضتنا الأساسية بالفشل، بل يجب ان نبحث أين فشلت هذه المبادئ على مستوى التطبيق، وكيف نطور مبادئنا لنتفادى اختلالات التطبيق، كيلا يُطاح بكل وجودنا فنغدو أذلاء أمام الادارة الأمريكية أيتاما على مائدة اللئام العرب الجدد أدعياء الديمقراطية والليبرالية والحرية. ما أريد أن أقول؟ أردت القول ان سقوط بغداد ذو أسباب أعمق من ان تلخّص بإشكالية «الدكتاتورية» او «غياب الديمقراطية» على ما حاول الكثيرون تفسير سبب الهزيمة العسكرية بالاستناد اليهما. فقد حسب هؤلاء أن رفض الدكتاتورية او الدفاع عن الديمقراطية يحتاجان الى تقديم تأويلات مبالغ فيها وغير دقيقة عند تقويم تجربة هزيمة في حرب، وقد تسنى لهم ذلك بالايحاء بأن مجرد قيام ديمقراطية او امتلاك المواطن لحريته السياسية يؤديان تلقائيا الى صمود الشعب في حرب غير متكافئة او الى التمسك بسيادة الدولة واستقلالها وعزة الوطن. ولكن بعض الحقائق تثبت عكس ذلك : فعلى سبيل المثال لم تستطيع الديمقراطيات في أوروبا ان تصمد في وجه الغزو النازي الذي راح يكتسحها الواحدة تلو الاخرى، حتى احتل الاراضي الواطئة وفرنسا متوقفا عند شواطئ بحر المانش. بل إن بعض تلك الديمقراطيات فتح لذلك الغزو الأبواب من خلال الانتخابات (كما حدث في النمسا مثلا) وبعضها تهاوى قبل ان تدخل قوات هتلر الحدود ك(تشيكوسلوفاكيا وبولندا مثلا)، واليوم نرى مجموعة من الديمقراطيات الحديثة في أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية حوّلت نفسها الى ما يشبه المرتزقة للعدوانية الأمريكية.. وكل ذلك لا يعطي أمثلة تؤكد ان الديمقراطية تودي تلقائيا الى الاستمساك بالوطن او استقلاله وعزّته غير ان هذا كله لا يعني انقاصا من أهمية الديمقراطية وانما دحضا لتحميلها ما لا تحتمل وتجنبا للتبسيطية في قراءة تجارب الحروب. ومن جهة ثانية ليس من الصحيح اعتبار كل نظام شمولي او قيادة تتسم بالفردية او الدكتاتورية او حزب متفرد بالسلطة عاجزا او عاجزة عن الدفاع عن الوطن واستقلاله. فعلى سبيل المثال خاضت الشعوب السوفياتية أكبر حرب وطنية وكسبتها تحت قيادة ستالين وستالين دكتاتور بامتياز وهنالك أمثلة مشابهة من الصين وفيتنام وكوريا وكوبا. إن التبسيطية بالقول ان الدكتاتورية وحزبها الشمولي لا يمكنها القتال او الصمود تشكّل الوجه الآخر للعملة التي تعزو الهزيمة الى غياب الديمقراطية. فرفض الدكتاتورية حتى ولو انتصرت في حرب وطنية كبرى يجب ان يبقى ثابتا بالرغم من ذلك الانتصار. ولهذا يتوجب البحث عن أسباب أعمق لحالات الانتصار في الحرب وأبعد من اشكاليتي «الدكتاتورية» و»الديمقراطية» ومن هذه الأسباب ايمان الشعب بالقضية التي يقاتل من أجلها ونوع التعبئة الايديولوجية والسياسية والقيمية والاخلاقية وتوفير حد من العدالة الاجتماعية او الوعود بتوفيرها والاقتناع بإمكان المقاومة وبإمكان انتزاع الانتصار بالصبر والصمود والمثابرة والقتال. وهنا يلعب التحليل السياسي وتقدير الموقف دورا هاما في اظهار نقاط ضعف العدو ونقاط القوة في جبهة المقاومة. ثم هنالك مزايا ينبغي ان تتوفر في القيادة بما يتعدى سمات الدكتاتورية والفردية او الجماعية والديمقراطية مثل : الشجاعة والتصميم والاستعداد للتضحية وحسن إدارة الصراع والذكاء واعطاء الثقة للناس بحكمة القيادة وثباتها على المبدإ والصمود حتى النهاية. ومن هنا عندما تفتقر القيادة أكانت دكتاتورية أم ديمقراطية الى أغلب هذه المزايا وتتسم اضافة الى ذلك بالفساد والتردد او بالانحلال والتبعية يحدث الانهيار امام الضغط الخارجي.. بحرب أو من دون حرب! واذن؟ اذا كان الهدف اذن من نقاش تجربة العراق هو كيف نهيئ بلادنا لامتلاك القدرة والمناعة وكيف نحمي استقلالها وأرضها من العدوان بالرغم من اختلال ميزان القوى العسكرية، فلابد من السعي الى توفير تلك الأسباب او أغلبها وعندئذ يمكن الحديث عن الديمقراطية واحترام حقوق الانسان ضمن ذلك السياق وفي خدمته ولا ينبغي ان يُنسى التشديد على الجانب الاخلاقي والتقشفي واحساس الجماهير بأن قادتها وعائلاتهم يتقدمونها في التضحية والابتلاء. وخلاصة القول ان الذين يريدون ان يدافعوا عن الديمقراطية لن يخدموها إن جعلوها الدواء لكل داء او اعتبروها «هي الحل» انما يجب ان يضعوها في حدودها وضمن قدرها فيحددوا أسباب الحاجة اليها وكيفية تحقيقها ضمن معطيات وخصوصيات معينة ولا يحوّلوها الى ايديولوجية وهمية لا تستطيع الرد على الحجج المقابلة والذين يريدون الهجوم على الدكتاتورية ليسوا بحاجة الى دعم دعواهم باتخاذ النظام العراقي السابق نموذجا. ما العمل؟ لقد بات لزاما علينا تجاوز مرحلة ما قبل 9 نيسان (أفريل) 2003، بعد ان بسط العدوان الامريكي البريطاني احتلاله على العراق وانهمك في تنفيذ أهدافه الحقيقية. فالمرحلة الجديدة تفترض ان تتأسس الجبهات على رفض الاحتلال ومقاومته، والحيلولة دون تمكينه من الارض، والا أصبح اقتلاعه أصعب. ولهذا من الخطإ البقاء في أسر الماضي او الاستمرار في اجترار ما حدث في 7 و8 و9 أفريل 2003 او ترك ما حدث في النفوس من صدمة وخيبة أمل يُقعدنا عن مواجهة التحديات الراهنة اي تلك التي تواجه العراق في مرحلته الجد يدة وتواجه سوريا ولبنان وفلسطين وايران وتهدد سائر الدول العربية.