سوف نكون أكثر الناس سرورا، إذا ما تمكن الشعب العراقي من تجاوز محنته، وانخراطه في عملية سياسية حقيقية، وعودته إلى الحياة الطبيعية. لكن الذي رأيناه بمناسبة الانتخابات الأخيرة، ورغم اجتهاد المحطات التلفزية خصوصا «البدوية» منها لا يترك مكانا لأمنية سرور. وحقيقة كنّا نعلم أن عملية تجميل كبيرة سوف تتم بهذه المناسبة وأنه سوف يقع تصويرها وكأنها نصر مبين. وهذا للحقيقة أيضا وعلى المستوى الشكلي الاجرائي، حقّ من حقوق الذين يريدونذلك، بل وواجب عليهم الانخراط فيه. لكن ما كنّا نعلم ان عملية التجميل سوف تفشل تماما! فعلى متوى الصورة لم نشاهد ما يوحي بالنجاح في هذه الانتخابات إلا في منطقة كردستان وبدرجة أقل منطقة النجف أو محافظة النجف بالتحديد. وأتت الصور التي تم التقاطها في بغداد خيالية إلا من المعاني التي تقر بالفشل الذريع. ولربما لهذا السبب لم يتم بث الصور التي تتعلق بالمناطق الأخرى وبعضها شيعية. هذا من جهة ومن جهة أخرى رأينا على شاشات التلفزيون من يقول بأن نسبة المشاركة المعلنة قد تكون حقيقية، لكن عدد المرسمين بالمقابل قد لا يتجاوز 20 فقط. ولئن لا يوجد دليل قاطع على هذا الكلام إلا أنه لا يوجد أيضا دليل قاطع على ما ينفيه. إلا أن الثابت في هذه الحالة أن نسبة كبيرة من العراقيين أعلنت عن مقاطعتها لها، وأن عدة أحزاب حتى من بين تلك الممثلة في مجلس الحكم رفضت المشاركة فيها، كما تم يوم الانتخابات اقصاء حتى بعض ممن ساهم فيها على غرار ما جرى مع ما يسمى بحزب اللّه العراقي وهو حزب طائفي شيعي كان يركز على مناطق الجنوب وتحديدا على محافظات البصرة والعمارة والناصرية، وترشح للانتخابات لكنه منع منها يوم الانتخابات. وتبقى علامات استفهام كبيرة معلّقة حولها أي الانتخابات حتى بعد أن تمّ فيها ما بالامكان أن يتم ومن ذلك تصريح العلاوي بأن الاعلان عن النتائج سيتم بعد أسبوع أو أسبوعين!! لماذا هذه المدّة وأي أمر يبرّرها؟ ومن ذلك زلّة لسانه خلال لقاءه الأخير مع الفضائية البدوية «العربية» وقد قال فيها انه سيتم تعيين الشخصيات المعنيةوالتي دخلت السباق، وانه وأثناء بحثه القادم عن صيغة تضمن الوفاق وتمثيلية الذين لم يشاركوا سوف يسعى إلى جلب الكلّ إلى الجمعية الوطنية!! إضافة إلى ذلك كلّه فإن الجميع يعلم أن هذه الانتخابات هي أيضا حاجة أمريكية تبحث بدرجة أولى عن وضع مستقر ومقبول، وتشترط عملية سياسية تضمن اضافة إلى الاستقرار صعود شخصيات لا خلفية ايديولوجية لها خصوصا إذا كانت «إسلامية» ولا علاقات «تحالفية» خارجية لها يمكن أن تؤثر على نجاح العملية المطلوبة أو تهدد المصالح الأمريكية. وهو ما يعني ضرورة صعود شخصيات مقبولة أمريكيا وليس شعبيا، وهو أيضا ما لا يمكن أن تضمنه انتخابات نزيهة أو اختيار حرّ. بل الشيء الوحيد الذي يمكن أن يضمنه هو تحالف بين قائمة علاوي، وقائمة السيستاني، تزكّيه القائمة الكردية. وتسهر إيران على وجه الخصوص على المساهمة فيه. وقد بدأت ايران الخطوة الأولى في هذا المجال عبر إعلانها عن رضاها عما تمّ. هذا هو الفرز الوحيد الذي يمكن أن يضمن حياة العملية السياسية في العراق رغم تعقيداتها الكثيرة، لكنه أيضا لا يمكن له ضمان كل أسباب الاستقرار للعراق وتواصل عملية بحثه عن الخلاص المنشود، وهو أمر أشار له أيضا السيد إياد علاوي عندما اعترف بأن «الارهاب» سيتواصل في العراق وأن تشكيلات أخرى ستنضم له، من تلك التي لن ترضى عن التائج التي سيعلن عنها، ومن تلك التي ستجد أنها مقصية رغم مشاركتها في الانتخابات! بقي أمر هام لابد من الاشارة إليه، وقد سبق له، فريد زكريا رئيس تحرير النيوزويك (الطبعة العربية) عندما ركّز في سلسلة مقالات له على غياب استراتيجية أمريكية خاصة بالسنّة، مقابل التركيز على الاستراتيجية الخاصة بالشيعة لوحدهم، وقد سبق له وأن نبّه بأن هذا الأمر سوف يفشل كلّ حلّ ولن يقود إلا إلى النتائج الأسوأ. كما تبقى ضرورة الاشارة إلى أنه لم يكن في العراق بالامكان أحسن مما كان وأن كل هذا هو أقصى ما كان يمكن التوصل إليه وسط وضع باطل كلّه ومن الأول وبسبب ديمقراطية يمكن تسميتها بديمقراطية الجبر التي رأينا مآلاتها في الأخير. حيث تنقل هذه الكلمة المهيبة (الديمقراطية) من مكانة لا نظير لها إلى حالة تندرية لما يحف بها من اسفاف وتحايل. وستحمل الأيام القادمة من العراق ما هو أغرب!