سئل مفكر أمريكي قبل سنوات عديدة (بداية التسعينات) وقد كان حديث الاعداد لقرن أو لألفية أمريكية لا يزال يتردد همسا ويتداول في مطابخ السياسة : ماذا تريد أمريكا من العالم تحديدا؟ أجاب بدقة وووضوح أنها تريد أن تحوّل الكرة الأرضية الى «سوبرماركت» ضخم جدا، لا حواجز ولا شغب فيه... بل انسياب كامل للبضائع والرساميل واستقرار.. بشكل يضمن أن يكون خراج التجارة العالمية لأمريكا طالما أنها صاحبة الفكرة المشروع... وصاحبة الفضل في تهيئة السوق العالمية وتأهيلها... وزاد صاحبنا وفصّل بالقول : بأنه سوف يكون من المقبول أمريكيا اسناد هذا الجناح او ذاك في هذا السوبرماركت الضخم لهذه القوة الدولية او تلك عربون شراكة او عنوان مجازاة ومكافأة، لكن شرط أن يتم كل شيء تحت علم أمريكا... وبما لا يخرج عن هيمنتها او يصطدم مع سلطانها... هذا الجواب هو في الواقع اختزال لقناعة ظلت منذ عقود تشق طريقها وتهيء رجالها ورموزها لاستلام مقاليد الأمور... وهو كذلك شعار لمرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وعنوان تفرّد أمريكا بالسيطرة على العالم وبسط نفوذها عليه... وهذا الاختزال والشعار والعنوان تحتاج حين تنزل الى أرض الواقع الى مرتكزات ووكلاء ومتصرفين لترسم حدودا ل»السوبرماركت» العالمي وتعطي ايقاعا للمعاملات والمزايدات والمضاربات داخل هذه السوق.. بشكل يحقق الولاء الدائم والمطلق ويضمن انسياب الخيرات والمليارات الى خزائن أمريكا.. ولأجل ذلك كان لا بد من فتح ورشات اقليمية لتهيئة الأجواء والظروف وتأهيل الساحات والأقاليم لاستيعاب «المقادير» الجديدة.. وتمرير الترتيبات اللازمة لتأمين الهدوء والاستقرار... الهدوء والاستقرار يحتاجان تقليم أظافر كل المشاغبين واطلاق رجال اطفاء «عالميين» لترويض كل مشاكس أما ترغيبا وإما ترهيبا.. ولإطفاء كل حريق إما رشا وإما ردما وتدميرا... وبذلك طلعت نظرية ما سمي «الحرب على الارهاب».. وبذلك انطلقت الدابة رافعة شعار «من ليس معنا فهو ضدنا»... وانسابت حمم النار الى أفغانستان لتحقق نصرا سهلا وتدق وتدا في خاصرة المارد الصيني وعلى مرمى حجر من الدب الروسي.. وكان لا بد بعد هذا من أن تتدحرج كرة النار باتجاه العراق.. ليكون عنوانا ملموسا لاستعراض العضلات ولتحقيق نصر عسكري مدوي يكفي لتركيع القريب ولترهيب البعيد.. ويكون قاعدة متقدمة تتدحرج منها كرة «إعادة التشكيل» نحو باقي المحطات تهيئة لما بات يعرف «الشرق الاوسط الكبير وشمال افريقيا» الذي هو في الواقع عنوان لسوق اقليمية ضخمة تمتد على مساحة الهلال الاسلامي (من المغرب الى أندونيسيا) وتزيد عليها قليلا.. سوق اصطفت لها أمريكا الوكيل منذ عقود وظلت تنمّي عضلاته وتمدّه بمقومات القوة الغاشمة والبطش والجبروت لتضمن استتباب الأمور لها تحت وكالته حين تنصرف هي الى مواقع أخرى لمقارعة دب روسي لا يريد ان يموت أو قوة أوروبية باتت تطمح لدور سياسي يوازي وزنها الاقتصادي او مارد صيني أفاق من سباته وبات يُعلن عن قرب انطلاقه الى أقاليم الله الواسعة بحثا عن مكانة وخدمة لمصالح توازي ما بات يحوزه من مقومات القوة من تعداد سكاني يوازي ربع سكان العالم ومن تمكّن من التكنولوجيا الدقيقة والمتطورة ومن قوة اقتصادية جبّارة جعلت كبار المنتجين والمنافسين يخرّون صرعى حتى في أسواقهم أمام بضاعته التي لا تقاوم سعرا ولا جودة. لذلك كان غزو العراق واحتلاله ضرورة حتمية للسيد والوكيل.. سيد «السوق العالمية» المعلن ووكيل السوق الاقليمية القادم... ففي هذا البلد نفط ودمار يستوجب اعادة اعمار.. وفي هذا البلد مقومات موقع استراتيجي فريد يمكّن من الامساك برقبة العالم من خلال الامساك بورقة النفط وبممرات التجارة العالمية.. كما يمكّن من موطئ قدم ومن محطة متقدمة وقواعد عسكرية ثابتة تبقى ضرورية لتمرير الترتيبات اللازمة بدءا بالجوار المباشر ووصولا الى المدى البعيد في أقاصي آسيا.. ثم ان غزو العراق واحتلاله وتدمير مؤسسات دولته وتهديد وحدته او حتى الوصول الى تقسيمه يساعد في ضرب عصفورين بحجر واحد.. الاول تمكين الوكيل الحليف الاسرائيلي من ثأر تاريخي ظل يلازمه ردا على السبي البابلي وعلى كل المغص الذي كان يسببه نظام الرئيس صدّام حسين الرافع لشعار تحرير فلسطين من الماء الى الماء، وهو ما يلزم لتمكينه من بسط هيمنته على كل الأقليم ويمهّد الساحة لشعار «اسرائيل الكبرى»... أما الثاني فيتثمل في خلق السابقة التي تحتاجها أمريكا في اعادة التشكيل أما بالخضوع والرضوخ واما بالتدمير والتقسيم ليتم فيما بعد اعادة تركيب حبات «الدومينو» كما ارتأى سيد السوق العالمية وبما يقتضيه حجم الوكيل الاسرائيلي. من هنا كان لكرة النار أن تتدحرج من العراق والى كل الاتجاهات وفي مقدمتها الاتجاهان الايراني والسوري.. ولولا صمود المقاومة العراقية وعنادها الذي أوقع الأمريكان في مستنقع حقيقي لكان المشهد مختلفا بالكامل الآن... ومع ذلك فإن الادارة الأمريكية لا تعدم الحيلة والوسيلة... وما لا يمكن تحقيقه بقوة السلاح وبلغة حاملات الطائرات يمكن تحصيله بالضغوط والمزيد من الضغوط... وهذه في الاصل نظرية تم التداول بشأنها قبيل غزو العراق واحتلاله.. وطلع وقتها منظرون برروا اندفاعهم الشديد نحو الحرب بكونها ضرورة قد تلجأ اليها أمريكا آخر مرة ليتم «غزو» البقية فيما بعد وتركيعهم بالضغوط السياسية وبالعقوبات الاقتصادية... وهي النظرية التي يتم التعاطي بها مرحليا مع سوريا لإجبارها على الانسحاب من لبنان وطرد فصائل المقاومة الفلسطينية من أراضيها ورفع اي غطاء عن حزب الله اللبناني ليصبح اقتلاعه واقتلاع كل نفس مقاوم أكثر يسرا وسهولة... كما أنها النظرية التي تفعّلها الادارة الأمريكية ضد ايران بغية التخلص من برنامجها النووي بشكل يمهّد لترويضها كقوة اقليمية ومن ثم اقصائها من معدلات وموازنات المنطقة بما يجعل الامور تدين للوكيل الاسرائيلي بعد اقصاء العراق من المعادلة.. لذلك نشهد نبرة التصعيد الأمريكي هذه الفترة في اتجاه دمشقوطهران... ولذلك يلح قادة البيت الأبيض على أنه لا سكوت عن البرنامج النووي الايراني وعلى أن حيازة طهران لسلاح نووي هو عنصر عدم استقرار... لأنه بالفعل سيكون بمثابة اعلان ولادة قوة اقليمية تمتلك كل مقومات لعب دور اقليمي ينافس الدور الصهيوني ويهدد بإفساد الطبخة الأمريكية لتهيئة السوق الشرق أوسطية قبل تسليمها للوكيل الاسرائيلي. فهل كانت ايران بالخصوص تدرك طبيعة الخفايا والنوايا حين سمحت بتدحرج كرة النار في اتجاه كابول وبغداد بما مكّن من وضعها بين فكّي كماشة؟ وهل أدركت كل القوى الدولية بأنها خسرت نقاطا ثمينة حين غضت الطرف عن اختطاف الملف العراقي ومعالجته بعيدا عن كواليس الأممالمتحدة والشرعية الدولية؟ وهل يدرك المجتمع الدولي بأن العراق بات ميدان الرماية وعنوان الفردانية في التعاطي مع القضايا الدولية؟ أسئلة على الجميع البحث لها عن اجابات قبل تدحرج كرة النار خارج العراق.