في الوقت الذي تحافظ فيه الشاعرة فضيلة الشابي على حضور دائم في مستوى النشر فإنها اختارت الابتعاد عن الساحة الثقافية والمهرجانات والملتقيات الادبية. فضيلة الشابي شاعرة لها صوتها الخاص وعزلتها التي تعتبرها قدرها وهي الشرط الأول للكتابة. "الشروق" التقتها في هذا الحوار. * اخترت العزلة والابتعاد عن الحياة الثقافية كيف ترين هذه التجربة الآن؟ الكتابة كفعل وجود تتطلب قدرا كبيرا من العزلة وأكاد اقول ان الكتابة كفعل وجود لا يمكن ان تستغني عن العزلة. الكتابة رحلة عمر والعزلة كذلك. انا اقسّم الوحدة الى نوعين: الوحدة التي يختارها الكاتب هذه المسافة بينه وبين وسط ثقافي معين والوحدة التي تفرضها ظروف الحياة. الوحدة الصغرى والوحدة الكبرى كرؤية للكون هذه ثقيلة جدا وهي ترافق وجود الانسان والكاتب تحديدا وانا عشت «ليس مائة سنة من العزلة» فحسب عنوان ماركيز وإنما عشت وأعيش هذه العزلة الى آخر لحظة في عمري. لماذا هذا الاختيار؟ انا كاتبة تونسية عربية منذ بداياتي لاحظت رغم المجهودات والتجارب لرجال الثقافة ظلت الساحة الثقافية فيها الكثير من الغوغائية والانتهازية الفكرية التي لا أتحمّلها. انا لا اتعامل مع هذه المظاهر السيئة وهي التي دفعتني ان ابتعد عن الوسط الثقافي. صحيح ان المرحلة البورقيبية قضت على العقلية القبلية لكن هذه العقلية خبيثة جدا حافظت بأشكال اخرى في الاخوانيات والمجاملات... تفشت وسط هذه المظاهر السلبية التي لا تلائمني واخترت من البداية هذه المسافة. هذه العزلة اخترتها منذ 35 سنة، اخترت الابتعاد عن الوسط الادبي التونسي واعتقد العربي لأن كل بلد عربي فيه ظواهر سلبية. اخترت هذه المسافة لكي يكون الكتاب. غيابي على الساحة الثقافية المهرجانية لان كتابتي نقدية بالاساس. اعتقد ان الكاتب والمثقف الحقيقي عليه ان يقف موقفا نقديا من مجتمعه بالمعنى الفلسفي. هذا موقفي الى آخر لحظة في حياتي. كتابتي ناقدة بالمعنى الفلسفي للكلمة انا لا آتي من الماضي ولا من الحاضر بل من المستقبل. انا دافعت عن الحرية والاستقلالية... السلطة العربية همّشت الفكر العربي وأبعدته عن ان يكون مركز قوة واخترت الحرية. * كيف وصل نصّك الى بولونيا لتختاره باحثة بولونية خاصة أنك امرأة لا تجيد فن العلاقات العامة؟ اتصلت بي هاتفيا ولم اكن اعرفها، اعلمتني انها دخلت المكتبة الوطنية وأرادت ان تقوم بدراسة جامعية عن الادب النسائي التونسي اطلعت على بعض كتاباتي واختارت نصوصي دون ان اعرفها. * هل تتابع فضيلة الشابي اخبار المشهد الثقافي؟ طبعا، الوجوه العريضة للمشهد اتابعها لكن المشهد الثقافي التونسي فيه الكثير من الصراعات الدنكشوتية التي لا احبذها انا مع الجدل الفكري لكن ما يوجد الان هو جدل عقيم بلا محتوى ولا معنى. * اخترت التفرّغ للكتابة ومغادرة التعليم كيف تعيشين هذه التجربة؟ هو ليس تفرغا، التفرّغ هو ان تحافظ على راتبك الشهري لكن انا معتكفة... نظرا لظروف صحية طلبت التقاعد النسبي وعلى اي حال نظافة الروح هي القيمة التي ادافع عنها. * أغلب كتبك كانت على حسابك الخاص، كيف نجحت فيها؟ هي تجربة قاسية ومريرة وفي آخر الامر لم اخترها، ظروف النشر لم تلائمني في البداية اذ ان دور النشر في البداية رفضت كتابتي لأنها مغايرة ربما مما دفعني سنة 1988 اقدم على نشر كتبي على نفقتي الخاصة رغم معرفتي بمحدودية او مقروئية الكتب وزارة الثقافة تقتني مني كمية تساعدني على التكلفة وبهذا المبلغ انشر الكتاب الموالي اغلب كتبي في البيت اذ انها لم تصل الى القراء في تونس في حين وصلت الى اوروبا عن طريق بعض الناس الذين لا اعرفهم، فالكتب طيور مهاجرة... تجربتي في نشر كتبي اعتبرها نضالا لكن الان اشعر بكثير من الارهاق ولا اعرف الى متى سأواصل هذه التجربة. * كيف ترين نهاية النفق بالنسبة للوضع العربي؟ اعتقد ان العرب مطالبون بالنظر الى مصالحهم حتى يقع تعديل موازين القوى في العالم. لكن العرب للاسف فرّطوا في مصالحهم خلال 50 عاما التي عشته كأني بالعرب يريدون ان يستظلوا بالغرب وامريكا بدلا من ان يبحثوا عن مصالحهم وهذا ما قادهم الى عودة الاستعمار. ما يؤلمني ان افكار الوحدة التي عاشت عليها اجيال من العرب حققتها اوروبا. نحن كعرب الآن نعيش ملهاة شبيهة بمسرح شكسبير المأساة العربية مضحكة مبكية. اكتفينا بدور المتفرج في العالم.. النقطة الثانية اننا لا نحترم انفسنا وحينما نحترم انفسنا سيتغيّر سلوكنا. العالم يعيش تكتلات عظمى ونحن العرب نكتفي بدور الملاحظ ما حدث ان العرب تفتتوا وغاب الموقف العربي الموحد انا عربية منقرضة لكن سآتي من المستقبل.