أيّام مرّت على احتفالات رأس السنة، التي تتّسم عادة بالتنقلات الجوية المكثفة بين مختلف جهات العالم، ولكن حرارة التحذيرات من امكانية حدوث عمل ارهابي لم تتراجع، حيث استمرّ إلغاء بعض الرحلات الجوية وخاصة تلك الرابطة بين بعض المدن الأوروبية والأمريكية على الجانب الآخر من المحيط. وقد فرضت واشنطن على شركات نقل عالمية استخدام حرّاس مسلحين خلال الرحلات، وهو قرار أثار ردود فعل متباينة وصاحبت طائرات عسكرية طائرات ركاب فوق العاصمة الأمريكية.. كما تعطلت رحلات وتمّ استجواب مئات المسافرين، ووضعت قوائم عديدة لمشتبه بهم، وعمّت الفوضى حتى ان واحد من ضمن المشتبه بهم كان طفلا.. ومن البديهي التكهّن بجنسيات هؤلاء المشتبه بهم في تلك الرحلات، ممّن دفعهم حظهم العاثر الى امتطاء تلك الطائرات، التي تؤمّن رحلات على خطوط حسّاسة.. وعلى الرغم من حالة الاستنفار القصوى فإنه لم يتم الاعلان عن كشف أي «مخطط إرهابي» أوعن وجود «خلية إرهابية» تخطّط لتفجير أو لاختطاف، ولكن الجهات القائمة وراء هذه التحذيرات نجحت فقط في خلق حالة من الهوس الأمني في صفوف المواطنين الغربيين العاديين وخاصة الأمريكيين الذين أصبحوا يعتقدون أنهم في مواجهة عدو خفي يتربص بهم، في كل مكان وزمان، وخاصة في لحظاتهم الحميمية. وقد نجحت هذه الدعاية في نحت وجه مرعب لهذا العدو، رسمت له ملامح معيّنة، وأعطته هوية وجواز سفر معينين، وأصبح وجوده يقينا يفترض أعتى ردود الفعل. إن حالة الهوس هذه وجدت لتبرير مواقف وسياسات عامّة، ارتكبت فيها هذه الادارة الأمريكية، باسم الوقاية من وقوع أعمال إرهابية، جرائم في حق شعوب عديدة على وجه الأرض وهي بتغذية هذا الهوس الأمني، إنما تبرر ما اقترفته، باعتبار ان كل ما حدث في العراق خاصّة، كان لتجنيب المواطن الأمريكي تكرار ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر، وهي بذلك تدفعه الى امضاء صكّ على بياض، لمواصلة ما بدأته بافغانستان والعراق، في مواقع ودول أخرى من العالم، باسم الوقاية من مخاطر إرهابية محتملة، معتمدة في ذلك على ما وقع في الحادي عشر من سبتمبر، وهي أعمال، على الرغم من بشاعتها، ومن خطورة تداعياتها، تظلّ معزولة، ولا تبرّر ما ارتكب باسمها من جرائم حتى الآن.