* بقلم : ياسين الوسلاتي (رفراف) هل تُهدى الحرية إلى الشعوب؟ وهل يكون ذلك إن حصل فعلا مجانا و»على رحمة الوالدين»؟! وهل يؤتى بالحرية إلى البلدان من وراء الخلجان والبحار والمحيطات؟ وعلى أيّ أساس يقع اختيار الشعوب التي قرّر لها الآخرون أن تتمتع بالحرية؟ وهل «تخرج الصدقة من الحبس»؟! ولماذا العراقيون دون غيرهم قرّر بوش أن يَهَبَهُمْ الحرية وأن يذكرهم صباحا مساء بأنه ما أرسل جيوشه إليهم وما قتل واعتقل الكثير منهم وما دمر بيوتهم ومنشآتهم وبنيتهم الأساسية إلا ليزوّدهم بالحرية ومشتقاتها وما إصراره على كلّ ذلك وما إلحاحه على إلحاق الهزيمة ب «الارهابيين» إلا حبّا فيهم (أي العراقيين)؟ وهل تحوّل الأراضي العراقية الى ساحة يحارب فيها بوش «الإرهاب» كان مخططا له مسبقا ويتنزّل في اطارالحرية؟ وما ذنب العراقيين إن كانت أمريكا تحارب ما تسمّيه الإرهاب؟ ولماذا يموت العراقيون بسبب كلّ ذلك؟ ثم لماذا لا يستقرّ بوش على قرار : فإما أنه يريد أن يوفّر الحرية للعراقيين وإمّا أنه يريد أن يحارب «الإرهاب» على أرض العراق؟ وهل إذا تخاصم سعد وسعدية «يوضع سعد اللّه في الحبس»؟! وهل كُتب على الشعب العراقي المعاناة الدائمة بسبب الولاياتالمتحدةالأمريكية وسياساتها؟ وهل حقا صار النفط نقمة على العراقيين بدل أن يكون نعمة تضمن لهم الرفاه والعيش الكريم، وصار موتا يتعقبهم حيثما كانوا بدل أن يكون حياة لهم يقيهم شرّ الحاجة وشرّ التسوّل باسمهم من قبل الغير في المحافل والمؤتمرات الدولية؟ فهذا الشعب العربي عانى الويلات إثر الويلات على مدى أكثر من عشرين سنة، فبعد الحرب العراقية الايرانية وبعد حرب التحالف الثلاثيني ضد هذا البلد العربي وبعد الحصار القاسي الذي امتدّ على أكثر من اثني عشر عاما وبعد حرب الولاياتالمتحدةالأمريكية سنة 1998 ضدّه، بعد كل ذلك طلع الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن على العراقيين بحرب أخرى أطلق عليها إسم حرب الحرية والهدف منها ظاهريا تحرير الشعب العراقي ولكن الهدف الحقيقي بطبيعة الحال هو تحرير النفط العراقي ليصبح تحت سيطرة الولاياتالمتحدةالأمريكية وتصرّفها. ولعل هذا الهدف لم يعد خافيا وهو معروف لدى القاصي والداني. ولكن المؤلم حتما هو ما آل إليه حال الشعب العراقي المسكين بسبب حرب بوش من أجل الحرية، فالأرض العراقية صارت مسرحا لتصفية الحسابات القديمة والجديدة، وكل من «يسال مغرفة دقيق» من الولاياتالمتحدةالأمريكية يتوجه الى العراق ويحطّ رحاله هناك ويفعل ما يحلو له. ومن كان على خلاف مذهبي أوعرقي أو قبلي أو سياسي مع شخص أو جهة أو حزب أو عشيرة فليستغلّ الفرصة وليصفّ الحسابات لأن الوضع مناسب لكل ذلك ومن كان لا يحلم حتى ببقاء يوم واحد في العراق صار يقيم هناك في مبان خاصة به يرتع في بلاد الرافدين ويعيث فيها فسادا. فالعراقيون يترصّدهم الموت حيثما كانوا فهذه سيارات مفخخة تنفجر أمام المدارس والمباني السكنيةوفي الشوارع تحصد الأرواح بلا عدّ، وتلك طلقات الجنود الأمريكيين الطائشة وغير الطائشة التي تطال الأطفال والنساء والشيوخ والشباب وعلى بعضو لمجرّد شك فيهم ولمجرّد أن الجندي الأمريكي مرعوب وخائف ومتوتر و»على أعصابه» فيضغط على الزناد ولا يعنيه من يموت من العراقيين ولا من يُصاب منهم بل وصل الأمر بالدبابات الأمريكية الى أن أن تدهس الأطفال العراقيين دون رحمة. وهكذا صار المواطن العراقي يبحث عن الشعور بالأمن والكرامة لنفسه ولزوجته ولأطفاله، ولم يعد يعنيه أي شيء آخر، أما الحرية التي وعد بها بوش العراقيين فقد انتحرت على أسوار بغداد يوم دخلها المحتلون الجدد، انتحرت الحرية لأنها ترفض أن تزفّ الى العراقيين على ظهور الدبابات وفي رؤوس الصواريخ وفي أفواه المدافع وفي خطب حماسية على المنابر تُقابل بتصفيق كلّه نفاق ومجاملة وتتنزّل في إطار «كلام الليل الذي كان مدهونا بالزبدة»، انتحرت احتجاجا على ما آل إليه حال العراقيين. انتحرت كي لا تكون أداة طيعة في أيدي الأمريكيين لتحقيق أغراضهم ومصالحهم في العراق، انتحرت لأنها تعلم أن من وعد بها العراقيين كاذب وهو أعجز من أن يوفرها ويتيحها لهم، انتحرت لأنها تعلم أن كارثة حقيقية ستحلّ باسمها في العراق، انتحرت لأنها ترفض أن يُقتل الشعب العراقي ويعتقل ويجوّع ويقطع عنه الماء الصالح للشراب والكهرباء باسمها وباسم نشرها في العراق، انتحرت لأنها لا تقبل أبدا أن يسرق الشعب العراقي وتستنفد خيراته، انتحرت لأنها لا ترضى أن يتسوّل الآخرون باسمها وباسم الشعب العراقي لإعمار العراق، انتحرت لأنها تستحي أن تنتهك حرمات البيوت العراقية الآمنة باسمها وتحت أية ذريعة. لقد انتحرت الحرية ولكن الادارة الأمريكية أخفت الأمر ومازالت الى حدّ الآن، تريد أن تقنع الجميع بأنها ماضية في نشر الحرية في العراق وتوفيرها للعراقيين على الرغم من أنف «الإرهابيين».