نشرنا في عدد الأمس دراسة تاريخية وسياسية أعدها الأستاذ عادل كعنيش حول خلفيات الأحداث التي عاشتها منطقة الأرمن إبان الحرب العالمية الأولى، وقد تعرض خلالها إلى أن الحكومة التي انبثقت عن حركة الاتحاد والترقي التي كانت مخترقة من الصهيونية العالمية هي التي كانت وراء الاضطهادات والتقتيل الذي عرفته بلاد الشام وكان كذلك وراء المجازر التي ارتكبت في أرمينيا عقب انتصار الروس في المعارك التي دارت بينهم وبين القوات العثمانية ، وقد نسب للأرمن أنهم خذلوا العثمانيين في هذه المواجهة العسكرية وفروا من ميدان القتال واليوم ننشر الجزء الثاني والأخير من هذه الدراسة. إن دراسة الأحداث التاريخية التي جدت قبل وإبان قضية الأرمن تقود إلى الاستنتاجات التالية : أولا : إن الأحداث التي عاشتها منطقة الأرمن في سنة 1915 كانت في فترة اضطلاع حركة الاتحاد والترقي بالحكم في تركيا، هذه الحركة لم تكن تعبّر عن وجدان الأتراك بقدر ما أنها حركة مخترقة من الصهيونيين أنفسهم وقد جاءت هذه الأحداث نتيجة ردود فعل من عموم الناس لأسباب لها علاقة بالهزيمة السريعة التي سجلت على الحدود مع روسيا، أو نتيجة ممارسات أجهزة السلطة المتمثلة في رموز حركة الاتحاد والترقي، وقد اعتبر مصطفى كمال أتاتورك في شهادته أمام المحكمة بمناسبة محاكمة زعماء الاتحاد والترقي «لقد ارتكب مواطنونا جرائم لا يصدقها العقل ولجؤوا إلى اشكال الاستبداد التي لا يمكن تصوّرها ونظموا أعمال النفي والمجازر وأحرقوا أطفالا رضعا وهم أحياء بعد أن صبّوا عليهم البترول واغتصبوا النساء والفتيات أمام ذويهم مقيدي الأرجل والأيدي». فهل هنالك اعتراف أبلغ من هذا وهل هنالك فائدة في نبش التاريخ من جديد لتأجيج الأحقاد فقد بقت محاكمة زعماء حركة الاتحاد والترقي، وبالرغم من أن هذا الحكم لم يتسن تنفيذه لتحصن بعضهم بالفرار فلقد وقع يوم 15/03/1921 قتل طلعت باشا زعيم هذه الحركة على يد شخص أرميني ووقع إلقاء القبض على القاتل فتمسك أثناء محاكمته بأنه نفذ حكم المحكمة الصادر في سنة 1919 فتم على ذلك الأساس تبرئة ساحته. ثانيا : ان الأتراك وان يقرون بهذه الأحداث فهم يرفضون الاعتراف بأنها تشكل جريمة إبادة جماعية بإعتبار أن عددا كبيرا من الأتراك مات أثناء هذه الفترة التي كانت صلب الحرب العالمية الأولى، وقد نال إستبداد حركة الاتحاد والترقي أطرافا متعددة شملت عرب الشام والأرمن، فلا فائدة اليوم في جرّ الطرف التركي إلى حلبة محاكمة تاريخية جديدة ما دام ان الشعب التركي نفسه كان مغلوبا على أمره فهو لا يتحمل مسؤولية حكام سلبوا إرادته واستبدوا به وما كان لهؤلاء الحكام ان يصلوا إلى سدّة الحكم لولا تورط أطراف خارجية وفي مقدمتها الحركة الصهيونية التي كانت هي أصل الداء لكل المشاكل التي حصلت في منطقة الشرق الأوسط خلال القرنين 19 و20. ثالثا : ان الهدف من الحملات التي يشنها الغرب بين الفينة والأخرى على تركيا ليس الدفاع عن القيم الإنسانية بل هو استغلال نشاط مجموعات أرمينية بالغرب لإحراج تركيا خاصة فيما يتعلق بانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي وذلك لخلق تعلات جديدة لأن الإقرار بجريمة الإبادة الجماعية يجرّ تركيا إلى باب التعويضات وهو باب سوف لن يغلق إذا ما تمّ فتحه. أمام هذه الحملات المتكررة والتي سوف لن يكون القانون الذي أصدرته الجمعية الوطنية الفرنسية آخر مراحلها بدأت التحركات في إسرائيل للنسج على المنوال الفرنسي وكان من الضروري على رئيس الحكومة التركية أن يتحرك وهو ما يفسر تقدم السيد رجب طيب اردوغان سنة 2005 باقتراح للرئيس الأرميني روبار كوتشاريان لتكوين لجنة مشتركة لإعادة قراءة التاريخ لكن وزير الخارجية الأرميني علّق على هذه الدعوة بأنها محاولة غير مقبولة لإعادة صياغة التاريخ. إذا كان موضوع أحداث الأرمن خلال الحرب العالمية الأولى هو مؤسف للغاية فإن آخر من يمكن أن يبدي أسفه على هذه الأحداث هي فرنسا وبدرجة أكثر إسرائيل. فبالنسبة لفرنسا لأن ما أحدثته جيوشها من إبادة وتنكيل سواء بالجزائر أو مدغشقر أو الكامرون أو ساحل العاج أو الهند الصينية هو أكثر من الخيال وهذه التصرفات لم تكن نتيجة أعمال عسكرية طائشة بل كان ذلك نتيجة سياسة ممنهجة سلكتها فرنسا الاستعمارية فقد روج روّاد الفكر والفلاسفة بفرنسا لهذه المرحلة فبل الشروع فيها على الميدان وفي هذا الصدد نتذكر ما قاله فيكتور هيڤو سنة 1847 «توجد هوة كبيرة بين فرنسا وافريقيا تشمل الجوانب الثقافية والسياسية والدينية لذلك فإن الالتقاء بين الطرفين غير ممكن، هنالك تنافر كبير ولابد من احتلال الأراضي الافريقية لأن الدم الأوروبي هو الكفيل وحده بخلق القدرة على العمل الفلاحي الذي هو المصدر الحقيقي للثروة». أما أرنست رونان الفيلسوف الذي نظر للاحتلال فقد اعتبر ان «الصينين خلقوا لكي يكونوا عمّالا ، والزنوج لكي يكونوا مزارعين أما الأوربيون فقد خلقوا لكي يحملوا السلاح ويكونوا الأسياد». هذه الأفكار وغيرها هي التي روجت لانتشار الحركة الاستعمارية بمركب يقوم على التفوق وقد جندت فرنسا كل من سلك المعلمين والأطباء ورجال الدين لتعميق فكرة الخضوع لدى سكان البلدان المستعمرة حتى يقتنعوا أن ما تقوم به فرنسا هو لمصلحتهم وأنه عليهم أن يكونوا مدينين لفرنسا. ان الفكر السياسي الفرنسي قد تعامل في معظمه مع الحركة الاستعمارية وكأنها درس حقيقي في الوطنية وقد تناسى أن الاستعمار قد سلك سياسة ذات مكيالين فكانت القيم الإنسانية وحقوق الإنسان محلّ تمجيد بفرنسا بينما وقع التعامل مع سكان البلدان المستعمرة على أنهم من درجة ثانية وقد نقل التاريخ أن الجنرال قاليني قد فرض على كل رجل في مدغشقر أن يعمل مدة 50 يوما في السنة بحساب تسعة ساعات عمل في اليوم مجانا في وقت ألغيت فيه العبودية بفرنسا منذ زمن طويل كما أن الفرنسيين قد حرصوا خلال الحربين العالمتين على أن يشكل أبناء المستعمرات الخطوط الأمامية بالجبهات القتالية مما أدى إلى هلاك أغلب المقاتلين التابعين للمستعمرات كما أن حفر الأنفاق في الجبال لمدّ الطرقات والسكك الحديدية ومدّ شبكات المترو كانت كلها من الأعمال الشاقة والصعبة التي جند لإتمامها سواعد أبناء المستعمرات فالدم الافريقي كان أبخس ثمنا من الدم الأوروبي وما بالك بدم المواطن الفرنسي. كنا نعتقد أن الحقبة الاستعمارية قد مرّت بلا رجوع بفكرها وحملاتها العسكرية وبضحاياها فقد بلغ عدد الجزائريين الذين قتلوا أثناء الحرب التحريرية وخاصة من 54 إلى 1961 ما يناهز المليون ونصف شهيد ولكن يبدو أن الكثير من النخب الفرنسية مازالت لم تتخلص من كبريائها وغرورها فحتى الوزير السابق الفرنسي بيار شوفنمان الذي يعتبر شخصية سياسية قريبة من العرب لم يتورع على القول في إحدى مقالاته «كفى خجلا مما قمنا به بالجزائر فنحن من مكن الجزائريين من السلاح الناجع لتحرير بلادهم وذلك بنشر الثقافة والتعليم» كما أن فيليب دوبلازي قد قدم سنة 2003 مع عدد هام من النواب مشروع قانون للجمعية الوطنية الفرنسية تضمن الثناء على الحقبة الاستعمارية بالجزائر. كما أن قي سرمون نشر مقالا بجريدة لوفيغار سنة 1993 عنوانه «هل يتعين إعادة احتلال افريقيا» بالإضافة إلى جان لاجنفياف الذي نشر بدوره مقالا بعنوان «كل الفخر بأن كانت لنا امبراطورية استعمارية». ان العناد الذي يتصف به سلوك هؤلاء السياسيين مرّده ان فرنسا تتردد كثيرا في فتح أرشيفها وإعادة صياغة التاريخ حول نقطتين هامتين الأولى تتعلق بحكومة فيشي والتواطؤ الذي حصل بين شق من الفرنسيين والنازية وهو أمر لا يعنينا أما النقطة الثانية فتتعلق بالتاريخ الاستعماري لفرنسا والمجازر التي ارتكبت بالجزائر حيث أقدم المعمرون بقسوة لا توصف على إهانة سكان البلاد الأصليين وحرضوا الجيوش الفرنسية على البطش بهم وقتلهم وإبادتهم وهو أمر كان متوقعا من هؤلاء المعمرين الذين كانت غالبيتهم من المحكوم عليهم أو من المنحرفين اللذين جيء بهم للجزائر للتخلص منهم. لم تقتصر عمليات الإبادة الجماعية على تقتيل الجزائريين فقد عرفت أقطار إفريقية نفس الأحداث وذلك كما حصل في ساحل العاج في 19461950 والكامرون سنة 1955 ومدغشقر سنة 1947 وتونس بوجه أقل في الأحداث التي عاشتها منطقة تازركة في 1952 فرغم قساوة هذه الأحداث مازال التعتيم متواصلا بالنسبة لها لأن القيادات الفرنسية لا ترغب في فتح أي باب للتعويض عما حصل. لكن في كل بلاد بقدر ما فيها من مستبدين فإنه لابد أن يكون فيها الأناس الخيرون فلم يمنع التعتيم الرسمي على الأحداث التي عرفتها العديد من البلدان الإفريقية من ظهور كتاب وسياسيين شرفاء بفرنسا مزقوا الصمت المريب وقد أصدر الكاتب الفرنسي جان ماري كولمباني كتابا بعنوان «معوقات الجمهورية» جاء فيه «ماذا يقال عن العنف اللامبرر الذي مارسه الفرنسيون بالجزائر وفي كلدونيا الجديدة فهذا العنف شكل تصادما كبيرا مع قيم الجمهورية». إن المؤسسة الإستعمارية بفرنسا قد ألحقت ضررا لا يوصف بقيم الجمهورية لذلك فإن فرنسا مدعوة اليوم إلى إيجاد توافق بين قيمها الخالدة وما أحدثته مؤسستها الإستعمارية من أعمال غير مقبولة . إن التوافق الذي يتحدث عنه جان ماري كولمباني لا يكون إلا بإعتذار رسمي من فرنسا لشعوب البلدان التي احتلتها وأساءت إليها . فقضية الاعتذار التي تثيرها فرنسا ضد تركيا وتستعد إسرائيل لتمريرها أمام الكنيست الإسرائيلي هي أشياء مطلوبة من هذين البلدين قبل غيرهما وكان من الأحرى على الجمعية الوطنية الفرنسية أن تصدر بيانا يتمّ خلاله الاعتذار عما حصل من مجازر بالجزائر على أيدي فرنسا الاستعمارية وهو يساعد على تنقية الأجواء بالكامل بين الطرفين. أما في إسرائيل فلا تنتظر أن يكون المسؤولون فيها على استعداد لكي يآخذوا أنفسهم فهم مازالوا في صلفهم وغرورهم الذي لا يمكن كسره إلا بمواصلة المقاومة. إننا نفهم جليا أن القانون الذي صدر مؤخرا بفرنسا حول موضوع أرمينيا ليس بصحوة ضمير لدى النواب الفرنسيين بقدر ما هو مناورة سياسية جديدة لإحراج تركيا ومنعها بشتى الوسائل من الالتحاق بالاتحاد الأوروبي وكذلك لأشياء أخرى قد تكون الغاية منها استمالة الناخبين من اصل أرميني للتصويت من جديد لفائدة الأغلبية الحاكمة في فرنسا و كل ذلك يجري تحت غطاء الاعتبارات الإنسانية التي لا علاقة لها بالموضوع ولكن بقدر ما ستبتعد تركيا عن الاتحاد الأوروبي بقدر ما ستقترب من محيطها التاريخي وهو العالم العربي الإسلامي وهذه قضية أخرى بالنسبة لإسرائيل. انتهى