عندما كنت صغيرا كانت مساحة الدنيا تسعها عيني.. كانت الحياة بسيطة... السنة أربعة فصول... ورد في الربيع مطر في الشتاء شمس وبحر في الصيف... وأوراق تسّاقط من الاشجار في الخريف... كانت الالوان الأساسية لا لبس فيها وكانت العلاقات لا لبس فيها... العائلة هي الحصن والدفء والحنان... كان الليل سكونا تؤثثه حكايات جدتي.. حكايات فضائية بلا تلفاز... لانها تنبت لخيالنا اجنحة فنطير الى عوالم اخرى حيث الخير ينتصر على الشر وحيث النهايات السعيدة... فننام بلا رعب... بلا خوف مدركين ان الحق في مأمن وان الفقير قد ينزع فقره دون ضربة حظ في البروموسبور... كانت اميرة الحكاية اجمل من بروك شيلدز والامير اكثر وسامة من توم كروز... كنا نأكل بشراهة ونتلذذ طعاما بلا لحم لأننا كنا نجوع... لم تكن تزعجنا كل هذه «البسكويتات» التي تتكدس على شاشة التلفاز... كنا نصنع لعبنا وعجلاتنا بأيدينا ولا نقتنيها من التماسيح التجارية العملاقة... اطباء ومدراء ومهندسون راجعوا دروسهم على ضوء فتيل زيت او شمعة باكية... كان حلمنا قريبا تطوله ذراعنا.. كان المعلم في عيوننا سيّد هذا العالم... طويلا... حاسما.. ويعرف كل شيء. وكان جيراننا اذا فاحت رائحة طعامهم يأتينا صحن ساخن قبل ان يسيل لعابنا.. كنا نحسب اننا فهمنا كل شيء.. ثم كبرنا... بدون إذن كبرنا... بدون علم كبرنا... وكلنا تقدمنا في السن كلما زادت الدنيا تعقيدا... وزدنا قناعة بأننا لا نفهم فنحاول وعبثا نحاول... الاخضرار فقد خضرته... والخيال فقد حلمه ورائحة طبيخ الجيران سدّت عليها الابواب وحق الجار... زحف البلاستيك على كل شيء... من الحاويات الى المشاعر يهزم الشر الخير لان الخير ساذج... صارت العين تأكل وتسمع وتخزّن ما يريد الآخرون ان ترى... صار المعلم يخجل من «السمسار»... كانت المقاهي ملاذا للمتقاعدين وصارت اليوم ملاذا للشباب... الكلام النابي اطرد من فاتهم القطار السريع... ابناء العائلات صاروا ابناء شوارع لان الهوة اتسعت بينهم وبين اهلهم... نسق الحياة يجرّ الجميع من الرقاب ولا يتوقف الواحد ليسأل: ماذا فعلت بحياتي... يا أولادي يا هذه المرأة التي احببت وكتبت فيها شعرا... اين اصحابي وماذا صنعت بأحلامي... دفء العائلة... امان الجار... حكايات جدتي الجميلة... روموت كنترول للتلفاز... روموت كنترول للمكيف.. روموت كنترول للسيارة وفي غفلة منّا لا ننتبه الى اننا نحن ايضا نتحرك بالروموت كنترول... الظروف تضغط على الأزرار.. الهث... اقترض... «دبّر راسك»... الهث... الهث الى ان تفرغ شحنة البطارية... وقتها تنتهي مدة صلوحيتك... والبقية... تعرفها.