تعرفت في ملتقى الرواية العربية والألمانية باليمن على الروائي العراقي طه حامد الشبيب، الذي تحصل على جائزة نجيب محفوظ للرواية سنة 2000. سبق للصديق سليم دولة أن أثار فضولي حول هذا الروائي بعدما التقى به في العراق قبل سقوط بغداد. وقد كان سليم متحمسا له حماسا شديدا وكان يسعى لطبع احدى روايات الشبيب في تونس على نفقته (نفقة سليم). في أول جلسة مطولة مع هذا الروائي العراقي الصاعد، تشعب بنا الحديث من الأدب الى العراق الراهن ومواقفه مما يحدث في بلده. كان يصف أعماله الروائية بأنها تعبئة مضادة للقبح الذي كان سائدا في بلده، ويتكلم بنزق وبكثير من الاعتداد بالنفس هذا ما جعلني أدعوه الى أن يكون كلاما مسموعا أو مقروءا من قبل من يهمهم الأمر لعله يطلعهم على نوعية تفكير كاتب عراقي جديد. سألته : هل أن الأدب العراقي قبلك، مثلما تصفه، كان كله أنموذجا للقبح، أو كان بعضه، لكي تأتي أنت وتقوم بتعبئة أدبية مضادة؟ لم أكن أقصد الأدب حين تحدثت عن القبح، مع أن جزءا كبيرا منه كان مسخّرا، كان أداة من أدوات النظام النموذج الذي قصدته نموذج سياسي كنت أعده نموذجا للقبح الإنساني وكان علي أن أتخذ موقفا من هذا النموذج، وما قمت به فنيا يمكن أن ينخرط في تيار التعبئة المضادة للقبح، والتعبئة هنا لكي أكون واضحا ليست بمعناها الثوري ولكن بمعناها الإنساني. * لكن التناقض في كلامك هو أن ذلك النموذج السياسي الذي تصفه بالقبيح وتتباين معه هو الذي سمح لك بنشر كل أعمالك الأدبية في عهده واشتهرت عراقيا وعربيا في ذلك العهد. ليس ثمة تناقض، إذ لو كنت قدمت كتاباتي بوصها انتاجا سياسيا، بمعنى أنها تعنى بالمسميات، لما كان سمح لها بالنشر، ولكن ما حدث أنني قدمت أعمالا روائية تعني بهمّ إنساني محض، وأظن أنه من الصعوبة بمكان على أي نظام في العام أن يعاقب أعمالا كهذه... أنت أصبحت «تشيطن» النظام العراقي السابق وتخرجه من دائرة الإنسانية، مع أنه هو الذي سمح بنشر أعمالك الأدبية التي تصفها أنت بأنها ذات توجه إنساني... فكيف لنظام غير إنساني أن يسمح بنشر أعمال إنسانية؟ سماح النظام لأعمالي (بوصفها إنسانية) لا يعني أنه يتماهى مع صفة الإنسانية، بل لنقل أنه لم يتسطع أن يفعل شيئا بازائها، أي أن تلك الأعمال كانت تضع المؤسسة الثقافية في مأزق. هذا المأزق لا أظن أنهم كانوا قادرين أن يفتحوا ثغرة ولو بسيطة في جدرانه... * لم أفهم كلامك الغامض... كان نظاما متسامحا مع نشر الأعمال الأدبية، أعمالك خاصة، وهناك غيره من الأنظمة لا تتسامح في مثل هذه المسألة؟ حسنا لندخل في التفاصيل اذن... كنت قبل سؤالك هذا أفضل الكلام بصورة عامة، المؤسسة الثقافية السابقة لم تنشر لي أي عمل من أعمالي الثمانية باستثناء رواية «الأبجدية الأولى» سنة 1996، وقد كان تولى هذه الرواية خبيران، الأول امتدحها فنيا لكنه ذيّل تقرير الخبرة بجملة مفادها أنه لا يتحمل التأويلات التي تحدث عند قراءة النص، ولذلك اقترح أن تعرض على خبير فكري، وقد عرضت فعلا على الأستاذ حميد سعيد، وكان آنذاك وكيلا لوزارة الثقافة والإعلام، هذا الرجل ومثله عدد غير قليل من قيادة النظام السابق، كانوا في تقاطع مع النظام نفسه، ولكنه تقاطع غير معلن، فكانوا يحاولون أن يبثوا اشارات متفرقة في الأوساط التي يعملون فيها، هذه الاشارات سيفهمها اللبيبون لكي تدخر في ذاكرتهم ليوم أسود محتمل. وقد كان حميد سعيد موفقا في بث اشارته تلك لي، ومن خلالي إلى من أعرفهم، فسجل الجميع تلك النقطة لصالحه، وقد قمت بواجبي هذه الأيام وأعلنت عن هذه الحسنة (الموقف) في الصحف لحميد سعيد، على أن يستثمرها المنصفون لصالحه... هذا عن رواية الأبجدية الأولى، أما الروايات الباقية كنا نعرضها على ما يسمى يومذاك «رقابة المطبوعات» وقد وفقت في العثور على من يتواطأ معي مثل القاص عبد الستار ناصر الذي كان يعمل خبيرا في وزارة الإعلام سابقا، وقد هرب من العراق نهاية 1997 ليعلن معارضته من الخارج، اذن فالمؤسسة لن تسمح اطلاقا لو وقعت أعمالي بأيدي رجالها المخلصين... هذه قصة أعمالي يا سيدي... * نعرف أن أغلب أعمالك نشرت بعد 1996 وبعد 1997... بدون تبسيط ممل وحديث عن حميد سعيد وعبد الستار ناصر... أنتم تتحدثون عن نظام دموي شرير وشيطاني، ومن المؤكد أن تلك الصفات لو كانت حقيقية لما كنت أنت ولا أعمالك على قيد الحياة... إن مجتمعكم العراقي كانت فيه فسحا من الحرية بدليل وجودك أنت كاتبا وشخصا؟ لحد الآن لم أذكر مفردة دموية... لا أدري كيف استنتجتها؟... ومع ذلك فالحقيقة على الأرض تقول وتؤكد أنه نظام دموي... نعود إلى نقطتنا : لماذا كان عليه أن يستهدفني دمويا ولم ترد في كتاباتي أية كلمة تقصده بالذات، فإذا كان الأمر كذلك، أعني معاقبة النصوص التي تلعن نموذج القبح ومنتجيه... فمن الأولى حرق القرآن والإنجيل مثلا... ومع ذلك هناك دائما فسحة للمعجزات. * إذن أهلا بك معجزة من أرض المعجزات... ولكن عبر كل الدكتاتوريات نعرف أن حربا لا هوادة فيها بين النصوص الأدبية الحقيقية بالمعنى الإبداعي وبين تلك الدكتاتوريات... أنت الآن أمام خيارين : إما أن نصوصك ليست نصوصا ابداعية... أو أن دكتاتوركم لم يكن دكتاتورا؟ أولا لم أقصد بالمعجزة ذاتي أنا، بل بقائي هو المعجزة. ثانيا هذه الزاوية التي تحددت بخيارين تبدو أضيق مما يسمح به المنطق. لقد عرضت لك في اجابات سابقة طبيعية بناء أعمالي، وهذه الطبيعة إن لم تكن غالبا تسخر من الدكتاتوريات، بمعنى أن لها قدرة ذاتية على التسرب من قبضته... وهكذا فلا خيار من الخيارين صحيح للأسف الشديد... حقا يبدو أن لك جانبا معجزيا في المحافظة على حياتك والاستفادة من كل الأوضاع بما في ذلك وضع الاحتلال الأمريكي لبلدك العراق حيث تقيم الآن؟ الواقع أن الظرف الحالي ظرف تقبلناه على مضض شديد، وقد خطط له أن يكون ظرفا لا مندوحة منه، أي ما يشبه في لعبة الشطرنج ما تسمى النقلة الحكم أو النقلة التي لا بد منها، فقد جاء هذا التخطيط، كما أفهم أو كما أراه كمراقب وكمثقف ضمن استراتيجية قديمة لدوائر الهيمنة العالمية الكبرى. إن الشعب العراقي يعرف جيدا أن الشخص الذي كان يحكمه أريد له أن ينجز واجبات معينة وآخر تلك الواجبات تسليم العراق. لقد حدثت عدة محاولات انقلابية، لعلها عشرات، في كل تلك المحاولات كان الأمريكيون وربما غيرهم يكشفونها ويشون بالمخططين لها للحاكم وبالطبع لقي الجميع حتفهم، وهذا جزء مما كان للعراقيين فعله على طريق واجبهم الوطني... * تقصد أن واجبهم الوطني كان يقتضي تسليم بلادهم للاحتلال الأمريكي؟ كلا، كلا... كنت أعني نضالهم قبل مجيء الأمريكان، العهود السابقة وأنا قادم لك في الحديث... وأتى جانب آخر في النضال تمثل في الانتفاضة التي حدثت في آذار /مارس 1990 حيث تعاون الأمريكان مع النظام القائم آنذاك في سحقها كما هو معروف وذهب ضحيتها مئات الآلاف من الشعب العراقي، هنا سقط في أيدي العراقيين، فكان الاستنتاج واضحا أمامه : إن ذلك الشخص لن ينتزعه من كرسيه غير الذي أجلسه، وقد جاءت الأحداث بما يحرجنا أمام العالم أجمع، فموقف القابل للاحتلال «الظاهري» لا يحسدنا عليه أحد... على أن الأمريكان يعلمون علم اليقين بأنهم لن يهنؤوا طويلا بهذه الحال، فليس أمامهم سوى شهور فحسب، بعدها سيتجلى أمامهم بكل تفاصيله شعب ثورة العشرين من القرن الماضي التي قادها العراق ضد الانقليز. * يذكر أن الروائي طه حامد الشبيب من مواليد بابل 1953 وهو شيعي غير طائفي حسب قوله، يعمل متخصصا بالتحاليل المرضية، اتجه الى الرواية بعد حرب الخليج الثانية في التسعينات، كشكل من أشكال الهجرة الداخلية، أصدر ثماني روايات : إنه الجراد 95 الأبجدية الأولى 96 مأتم 98 الضفيرة 99 خاصرة الرغيف 2000 الحكاية السادسة 2001 مواء 2001 طين حري 2003).