هناك جدال الآن بدأ يبرز على مستوى الفكر، بين التيارات الاسلامية ذاتها.. ويبدو الحزب الاسلامي الذي يقود السلطة في حرج من أمره، كيف ترى الجدل والمشهد الآن؟ هناك جزئية هامة في هذا الجدال، في الاستدلال le raisonnement يقولون الشعب هو صاحب السيادة ولذا إذا ملك السلطة عبر الأغلبية فهو سيّد في ما يفعل. مثلما يقولون لنا الآن عن المجلس الوطني التأسيسي، بما أن لديهم الأغلبية فالمجلس سيد نفسه إذن، هم ينتهون إلى فكرة، بما أن الشعب مسلم، فلماذا لا يطبّقون تعاليم التراث الفقهي في الإسلام.
ولكن هذا الاستدلال ينطوي على مخاطر كبيرة على المجتمع وينطوي على تناقض داخلي (داخل من يقوم بهذا الاستدلال) لأن الذي يجعل مبدأ له، أي من يقوم بوضع مصادرة أولى أي هدفه الدولة المدنية، فعليه أن يلتزم بمستلزمات هذا المفهوم السياسي الحديث لأن الجمهوريات الحديثة وبالتخصيص الدولة الديمقراطية التي ترتكز على اختلاف الآراء والتداول على السلطة المشروع وترتكز أسسها على المبادئ العامة لحقوق الانسان والخاصة، والمعترف بها دوليا أي ترتكز أيضا على احترام الحريات الخاصة والعامة، وبالأساس حرية الاعلام والرأي وحرية المعتقد والمساواة التامة بين الجنسين.
ما لم يكن هذا فليس هناك مشروع لدولة مدنية، بمعنى أن الدولة التي من المفروض أن تكون محايدة، إن هي رضخت لمعتقد معين، في اتجاهاتها وفي هيكلتها، سوف لن تتعامل مع مواطنين أحرار ولكن مع أتباع ايديولوجيين ومريدين، وهذا النمط من الحكومات التي فيها أتباع ومريدن، هي أنماط سياسية قديمة. وقد سادت في العصور القديمة والوسطى.
ونتيجة لذلك أنا برأيي على النهضة إذا أرادت أن يكون لها دور إيجابي في المرحلة الراهنة والمقبلة أن تتخلص من البعد الاسلاموي وأن تقتصر على البعد السياسي. تبقى حركة سياسية ذات مرجعية دينية، ولكنها حداثية لأن الغرض من الحزب السياسي هو ممارسة السياسة، وحتى لا يعاب عليها توظيف المعتقد الديني في الحياة السياسية. في الحقيقة، وفي هذا السياق، لم يجادل أحد في تونس، للمسلمين أن يمارسوا السياسية. ونحن نرى في البلدان الغربية هناك أحزاب سياسية حداثية وديمقراطية ذات مرجعية دينية (مسيحية) «الديمقراطية المسيحية»...
لكن المسوّغ الحقيقي لهذه الامكانية هو انها تنشط ضمن ضرب من ضروب الفكر اللائكي الذي يعني الفصل بين الدّين والدولة. نحن قلنا من البداية أن لا أحد يجحد عن النهضة ان تكون حزبا له مرجعية دينية ولكن ما نتحاشاه بل ونرفضه أن تكون النهضة حزبا اسلاميا Parti Islamiste بمعنى انها تكون متناقضة مع ما تدّعيه بخصوص الدولة المدنية، لأن مفهوم الدولة المدنية لا يتسع مثلا تضمين الشريعة في الدستور لأن الدولة المدنية بها مؤسسات وضعية وهي التي تشرّع. والدولة المدنية ليس بها مجلس أعلى ديني (على غرار ايران) يكون المرجعية في كل القرارات والقوانين التي تتخذ وتسنّ.. والدولة المدنية الحديثة هي التي ترفض أن يفرّق بين أفرادها أي بين المواطنين لا اجتماعيا ولا دينيا وعرقيا ولا على أساس الجنس... الدولة المدنية هي التي تعتبر ان المواطنين سواسية مطلقا. لذا فإن الدولة التي لا تعترف بالمساواة التامة بين الجنسين فهي تكون خارجة عن المفاهيم الأساسية للدولة المدنية. في آخر الأمر ما قد أراه شخصيا هو ان النهضة قد يكون من الأجدر بها في هذه المرحلة، أن تقلّص من بعض طموحاتها المتبقية من تصوراتها القديمة حينما كانت حركة اسلامية. لأنها آراء تتماهى أكثر مع الفكر السلفي. وأن ذلك سيجعلها ترتد الى الوراء وتتورط في الفكر الرجعي... ولعل جملة المقترحات الموجهة الآن للحكومة في مبادرات للاتحاد العام التونسي للشغل ومبادرة المسار ومبادرة الجمهوري ومبادرة السيد منصور معلى، لعلها تتفق كلها على ضرورة تخلّي النهضة عن فكرة الهيمنة على المجتمع من خلال الواجهة الدينية. وأن ترجع الى حجم سياسي صرف كحزب. لأن النهضة ان فعل ذلك فإنها تصبح حزبا يتدخل مباشرة في آراء الناس وفي أخلاقهم وفي سلوكاتهم الذاتية والتي لا تهم أي حزب سياسي على الاطلاق. فهي أمور تهم الدعاية ربما ولكن لا تعني أحزابا سياسية. والمبدأ في كل ذلك أنه ما دام الشعب مكوّن من أفراد يمارس كل فرد منه سلطته بصفة مفردة (في الانتخابات امام صندوق الاقتراع) فلا مجال الى الاحتكام للمجموعة سواء كانت قبلية او عرقية...
أين يمكن ان تضع فعل ومشاركة الحزبين المكوّنين الى جانب النهضة للترويكا، هل تعتقد أنهما حزبان معدّلان لنشاط النهضة أم هما متماهيان معها وفق «ضرورة السلطة»؟
ما أعرفه من جرّاء بعض النقاشات هو أن الحزبين المشاركين للنهضة، كل من «المؤتمر» و«التكتل» والمعلن عنهما هو أنهما يسعيان داخل ما يسمى ب«الترويكا» الى تأمين الحراك السياسي الدائر في تونس اي تأمين الوصول للدولة المدنية. وهذا الدور المعلن هو في اعتباري هو بمثابة الكابح للانزلاقات الممكنة التي قد تحصل للنهضة.
لأن النهضة بحد ذاتها فيها تيارات. وحتى لا تنحرف الثورة التونسية عن شعاراتها وأهدافها المعلنة وأقصد الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية... اذن حتى لا تنحرف الى أهداف أخرى لم يُعلن عنها الذين قاموا بالثورة وأعني الشعب. فمثلا من الاهداف التي نستغربها هي تصحيح اسلام المجتمع... فهذا لم يكن بأي حال من الأحوال هدفا او شعارا للثورة. نحن لنا مشكل وجود حكم «طاغية» وحكم «مافيات» ومشكل تشغيل... ولكن التفتت الذي نلاحظه على مستوى الحزبين المذكورين والانشقاقات قد تضعف المهمة المناطة بعهدتهما...
هل تعتقد وانطلاقا من أحداث السفارة الامريكية وجامع الفتح ومن قبلهما بعض المحطات أن المواجهة قد دقّت ساعتها بين النهضة والتيارات السلفية والجهادية؟
نعم، لعل هذه الأحداث التي ذكرت وقد مرت علينا، قد تجعل النهضة تنتبه أكثر فأكثر الى خطورة المرحلة وتشعّب القضايا المطروحة وخاصة خطورة المد السلفي لأنها (النهضة) مسؤولة عن فتح أبوابه... ولعل هذا هو الذي سيجعل النهضة تتجذّر أكثر، وهذا المطلوب منها، تتجذر أكثر في عملية الاصلاح السياسي الذاتي التي تقول انها دائبة عليها...
اذن هل تعتقد ان النهضة أمام امتحان الآن؟
نعم هي أمام امتحان عسير.. إما ان تكون حزبا حداثيا لأن القول بأنها حزب مدني لا معنى له كما ذكرنا... وإما أن تكون النهضة كما كانت في الاصل اتجاها اسلاميا سلفيا...
هل تعتقد ان الفرصة مازالت سانحة أمام النهضة لكي تختار؟
مازالت الفرصة باعتقادي سانحة ولكن على شرط ان تقوم الدولة بمهمتها كدولة في هذه المرحلة الانتقالية. بمعنى أنها تحرص على السلم الاجتماعي وترعى حرية الرأي وتقاوم العنف الخارج عن السلطة. تقاومه جهرا وعلنا والا تنهار الدولة. النهضة الآن لها مهام دولة ترعى الحريات وتقاوم العنف السياسي المنظّم... الدولة المدنية الحديثة تنبذ العنف الخارج عن الدولة وترعى الحريات، لأن الأنماط القديمة للدولة بما فيها الأنماط التي سادت في العصور الوسطى. قبل وجود نمط الدولة الأمة l›Etat Nation فالدولة بما فيها الدول الاسلامية القديمة والحديثة بما فيها دول الخلافة، كانت بالمعايير الحديثة للعلوم السياسية انما كانت وتعدّ دولا استبدادية مهما حاول بعض المؤرّخين تزويق وتجميل التاريخ.
وهنا لست بحاجة الي ترديد بعض المراجع لدينا الغربية أو الاسلامية والعربية ومنها ما كتب علي عبد الرزاق «محمد الاسلام وأسس الحكم» والكواكبي أيضا ومحمد الشرفي وعبد المجيد الشرفي.. كلهم يبيّنون أن المماهاة بين الدين والسلطة هي مماهاة بين السلطة السياسية والسلطة الدينية وأنها ظواهر سياسية لا تتأصّل في الاسلام كدين، بل تتأصّل في الظروف الاجتماعية التي حفّت بكل نظام معيّن في الاسلام وفي غير الاسلام.. بحيث ثمّة قطيعة راضحة بين الأنماط الحديثة والقديمة في الحكم لا بدّ من اعتباره.. وهذه القطيعة قليلا ما ينتبه إليها.
في ما تتمثل هذه القطيعة؟
القطيعة حصلت عندما انبلج عند جديد للفرد كمواطن.. للإنسان كمواطن.. فقد كان الفرد تابعا لقبيلة.. وكان في فئة أو كان في طائفة دينية أو غير دينية.. هو جزء لا يتجزّأ منها.
بدأت الحداثة عندما ظهر الفرد كذات طليقة.. بل قيد جماعي ولا عرقي ولا طائفي.. وزن الذات الطليقة أصبحت هي كفرد تتحكّم في الدخول أو الانتماء في المجموعات التي يريد أن ينتمي إليها.
فإذا كان معتقنا لدين فيعي ذلك أنه يتديّن روية.. وهو الذي يختار الحزب السياسي الذي يريد النشاط فيه وهو الذي يختار المنظمات التي يناضل منها.. وهذا صاحب الثورات في الغرب، والمجموعات لا تتغلّب على الفرد. فالحجّة التي تستعمل مرفوضة في المجتمعات المدنية.. والقاتلة إن شكل الدولة ينبع من المجموعة الأغلبية. ما يتفق عليه الأفراد والأحرار عبد صيغ وطرق سياسية يقع تفيعلها عبد الانتخابات والوفاقات، ولكن انطلاقا من حرية الفرد.
هل هناك دعامة فلسفية لهذا الأمر؟
نعم هناك دعامة فلسفية وحضارية لهذا التحول العظيم الذي حصل للانسانية وأقصد عصر الأنوار.. ثم لا ننسى أن مولد الذات الحرّة جاء مع «ديكارت».. وفكرة العقد الاجتماعي ولدت مع «روسّو» و«هوبس».. بحيث لا يمكن اليوم تصوّر أي ارتداد علي هذا الوضع الذي وصلت إليه الانسانية وبالتالي لم يعد ممكنا الارتداد الى طرق للحكم تنتمي الى العصور السابقة.. فمن يطرح الخلافة اليوم كمن يطرح علينا عودة الامبراطوريات القديمة.
وفق هذا التشريح الأخير للواقع العالمي والاسناني، كيف يرى د. محمد علي الحلواني المشهد العربي الاسلامي اليوم خاصة وأن الأحزاب الاسلامية الصاعدة الى الحكم نجدها تتماهى من حيث خياراتها الاقتصادية مع سياسات البنك العالمي وصندوق النقد الدولي، حتى إذا ما استجدّ احتجاج شعبي على هذه السياسات تخمد أصواته من خلال القضاء والقدر مثلا.. وهذا الأمر يناسب خيارات هذه المؤسسات المالية العالمية التي ترعى الرأسمالية المتوحشة حين قامت الثورات ضد هذه السياسات؟
أنا أرى العالم العربي الاسلامي، بمنظار الاقتصاد وعلم الاجتماع وعلم التاريخ ولا أراه من منظار المعتقدات وإن دأبنا على رؤيته من هذه الزاوية، فإني أراه عالما متخلّفا وأنا لا أخجل من النعت.. العالم العربي والاسلامي يشكو من التخلّف. أولا التخلّف الاقتصادي والتخلّف العلمي والتخلّف التقني وأحيانا حتى التخلّف الأخلاقي. هناك من يرى وهم في الأغلب من التيارات المتديّنة، هناك من يرى أن ظاهرة التخلّف تنمّ عن فقدان التديّن الصحيح.. وقد يفسّرها خروج عن الايديولوجية والعقائدية التي تبعث فيهم روح المبادرة، وكأن أصحاب هذا الرأي يقولون إن غياب التديّن الصحيح هو سبب تخلّف الأمّة.. بحيث الحلول تبدو سهلة، بالقول كما يقول «الاخوان المسلمون في مصرك الاسلام هو الحل بينما الأمر أعقد بكثير من هذا الأمر نحن متخلّفون، ليس لأن هناك أفول وخمود للفكر الديني كما يدّعي البعض ولكن لأسباب فكرية واضحة، لأنه بعد القرن الرابع عشر بدأت الحضارة العربية الاسلامية في الانحدار على جميع الأصعدة. وأساسا المجال العلمي.. فقد غاب العقل الخلاّق.. والعقل النقدي.. بينما كانت حضارة العرب والمسلمين مزدهرة بفعل ازدهار العلم، كل الثورات العلمية ا لمؤسسة للعلوم الحديثة حدثت في الغرب. الفيزياء تأسّست مع «غاليلاي» فكانت الثورة «القاليلية»، وشطبت الفيزياء القديمة، كذلك في مجال الكيمياء.. و«كوبرنينغ» أطاح بالفكرة السّائدة سابقا في جميع الحضارات.. ولكل ثورة استلزاماتها التقنية والاجتماعية والحضارية من هذه الثورات..
أين الاستعمار من كل هذا؟
الاستعمار زاد الطّين بلّة، وهو جثم على هذه المجتمعات لأنها رخوة.. وقد زادها الاستعمار تخلّفا على تخلّف..
إذا أخذنا الواقع اليوم بكل حياد وموضوعية، نجد دون مواربة، أننا أمّة غير مساهمة ولا مشاركة في الحضارة الانسانية.. وقد توقفنا منذ قرون.. وليس البارحة؟
اليوم بعد حركات التحرّر الوطني وبروز الكيانات الجديدة، التي كان من جملة أهدافها الأخذ بمقومات الحضارة العلمية والسياسية، سجلت اليوم الكثير من الاخفاقات. أولا: الدولة الوطنية لم تف بوعودها على جميع الأصعدة التعليم والعلوم والاقتصاد بقينا في المشهد العام من ناحية البنية علي طريقة ما ذكره سمير أمين، فبقينا في تبعية.
ما هي الحلول؟
هذا ما نحن بحاجة الى مجابهته للخروج من هذا التخلّف، أنا ضدّ مني قول أن تونس تطوّرات الى درجة أنه لم يعد ينقصنا إلا التتويج السياسي.. علينا أن نبذل الكثير من الجهد، لنجد الطريق القويم لحلّ هذه المعضلة.
ما ألوم عليه الاسلاميين أنهم يدّعون أنه ينقصنا الواعد الديني وما ألوم عليه الديمقراطيين السطحيين، بما يعتقدون أنه تنقصنا فقط الديمقراطية، في حين أن ال يمقراطية جزء من كل وهي سطح لعمق. مشكلة شعوبنا ومعضلة مثقفينا أنهم يأخذون الأمور عن سطحياتها؟
ولنا في المعطلين عن العمل وبحجمهم الكبير أحسن مثال على ذلك، فهذه الشريحة من المعطلين لا تفسّر فقط كما يقال بعدم وجود رأس المال ونقص في الاستثمار أو عدم حنكة حكومة في السيطرة على هذه المشكلة، ليس هناك حكومة قادرة على حلّ المشكلة. عندنا مشكل بنيوي، اقتصاد بلداننا اقتصاد تابع ومتخلّف.. فنحن لا نشارك كتونسيين رلا بنسبة زهيدة في كل مصنوع، لذلك وبسرعة فاذقة نصطدم بمعضلة البطالة، حتى وإن أصدقنا النيّة في تشغيل الناس، فإننا لا نستطيع لأننا لا نتحكّم سوى بنسبة 01٪ من مسالك الانتاج، لأن الانتاج هو في الأصل إنتاج إبداعي وهندسي.. وهذا موجود في البلدان المتقدّمة وليس موجود عندنا..