قرر الرئيس الأمريكي ، تشكيل لجنة تحقيق حول المعلومات الاستخباراتية التي ضخمت ملف الأسلحة العراقية المحظورة... وتبعه في ذلك رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير... ترددات القرار الأمريكي، وصل صداها الى استراليا وإلى اسبانيا وإلى إيطاليا، فقد طالبت حركات المعارضة في هذه الدولة، حكوماتها بايجاد تفسير لموقفها (دعم القرار الأمريكي باعلان الحرب على العراق) بعد فشل الادارة الأمريكية في اثبات وجود أسلحة دمار شامل لدى العراق وهو الأمر الذي يدحض أهم مبرّر، ساقته الإدارة الأمريكية في حملتها على العراق، وساندتها في تلك الحملة حكومات بريطانيا واستراليا واسبانيا وايطاليا، حين تحدث قادة هذه الدول عن مخاطر الأسلحة العراقية المحظورة، مرددين حرفيا، المبررات الأمريكية... وقد جاء قرار تشكيل لجنة تحقيق مستقلة، من قبل الرئيس الأمريكي بعد، تجاهل طويل لهذا الأمر، كما جاء تحت ضغط المرشحين الديمقراطيين، وخاصة بعد أن أعلن رئيس فريق المفتشين الأمريكيين عن أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة، ان هذه الأسلحة غير موجودة. ولكن هل ينوي الرئيس الأمريكي البحث فعلا في جدية العمل الاستخباراتي الذي أدى الى «اليقين» بوجود أسلحة دمار شامل عراقية؟ وهل أن مبرر «الأسلحة العراقية» قرار اتخذه السياسيون، أم هي حيلة نسج خيوطها رجال المخابرات؟ الوقوف على الحقيقة، في هذه القضية، لا يبدو مسألة خارقة أو ملحة بالنسبة للإدارة الأمريكية، فلجنة التحقيق التي أعلن عن تشكيلها الرئيس الأمريكي، مدعوة لتقديم نتائج عملها بعد الانتخابات الأمريكية، وبذلك تقصي الإدارة الأمريكية، نهائيا، امكانية اساءة نتائج التحقيق الى عملية اعادة انتخاب بوش الابن، حيث ستوفر مرحلة التحقيق، التي ستمتد على حوالي عشرة أشهر، في أقل تقدير، متسعا من الوقت، تتراجع خلاله حدة الموقف لدى المرشحين الديمقراطيين المطالبين بفتح هذا التحقيق بعد «استجابة» الرئيس الأمريكي لمطلبهم، ثم إن التحقيق سيعالج، المعلومات الاستخباراتية، حول ملف الأسلحة العراقية، بما يؤشر الى وجود نية لبحث أسلوب عمل المخابرات فقط، حول هذا الملف وبما يقصي تماما فرضية أن يكون قرار الحرب، قد اتخذه السياسيون أولا. وإذا ما عدنا إلى مرحلة الاعداد للحرب، فإن التناغم كان واضحا بين رجال السياسة ورجال المخابرات، وكلنا يذكر أن جورج تينت «اضطر» أمام الكونغرس لاعلان مسؤولية جهازه، عن بعض المعلومات الخاطئة بشأن ملف الأسلحة العراقية المحظورة التي أدلى بها الرئيس الأمريكي... وأن الرئيس «ردّ الجميل» بتجديد ثقته في مدير مخابراته. وقد كان واضحا أن الفريقين يعملان بتداخل كبير، بل إن السياسيين، وخاصة وزير الدفاع، ونائبه، ومستشارة الأمن القومي، كانوا يضعون «الفرضيات»، وكانت مهمة فريق المخابرات، هي تبرير وتجميل هذه الفرضيات... وبالتالي فإن البحث في أداء فريق المخابرات بمعزل عن مدى تورط السياسيين، هو الخطوة الأولى للابتعاد عن الحقيقة، حقيقة ملف أسلحة الدمار الشامل العراقية، المفتعل، والذي بررت به الادارة الأمريكية، عدوانا مدمرا ضد العراق، أطاح بقيادته الشرعية وقتل الآلاف من أبنائه. ثم إن إطالة أمد التحقيق، سوف يجعل النتيجة المنتظرة من هذا التحقيق، غير مفيدة، وغير مؤثرة على الوجود الأمريكي في العراق. فإذا كانت الادارة قد أخطأت، في قرار الحرب، من خلال اعتمادها على مبررات لاغية، وغير شرعية، فإن التصرف المنطقي المفترض، بعد ذلك هو الانسحاب من العراق، والتعويض لشعبه عن الدمار الذي حلّ به. ولكن هذه الفرضية غير مطروحة تماما بالنسبة للجمهوريين، وحتى الديمقراطيين، فإنهم وعلى الرغم من الضجة التي تثار حاليا، بشأن عدم دقة مبررات الادارة في إعلان حرب العراق، إلا أنهم يتمسكون بما يعتبرونه «دعما للجيش الأمريكي، وهو يخوض حربه» كما يعتبرون أن خروجهم من العراق ينبغي أن يكون خروجا مشرفا، بما يجعلهم يلتقون في نهاية الأمر مع موقف الجمهوريين، من الدور الذي يفترض أن يلعبه الأمريكيون في العراق وكذلك من شكل الوجود العسكري الأمريكي في هذا البلد حتى بعد تسليم السلطة الى العراقيين... وإذا كان قرار تشكيل لجنة تحقيق في الولاياتالمتحدةالأمريكية، قد عجّل بفتح تحقيق في بريطانيا، وربما سيدفع الى فتح تحقيقات مماثلة في الدول التي تورطت حكوماتها بمساندة قرار العدوان الأمريكي، فإنه من باب أولى وأحرى، أن تقوم منظمة الأممالمتحدة بتشكيل لجنة تحقيق دولية، في ما تم من تلاعب بشأن أسلحة الدمار الشامل العراقية، وقد دارت أغلب فصول المسرحية الأمريكية البريطانية في رحاب الأممالمتحدة، ومجلس الأمن، كما عملت لجنة التفتيش الأممية السابقة بتنسيق تام مع الولاياتالمتحدةالأمريكية، وبالتالي فإن لدى منظمة الأممالمتحدة، مبدئيا، ما يكفي من المبررات، ومن المسؤولية، لفتح تحقيق في هذه القضية، ولاتخاذ ما ينبغي اتخاذه من قرارات لمعالجة ما حصل للعراق والعراقيين جراء هذه «المعلومات الاستخباراتية» المضللة.