هل توجد دراسة سوسيولوجية جريئة الرؤية والرؤيا، حتى تفيدنا بواقع التحول الذي طرأ على الأسرة العربية جرّاء الفرجة التلفزيونية؟ 2 كان التلفزيون في أواسط الخمسينات، في هذا الذي ندعوه حينا بالوطن العربي وأحيانا بالعالم العربي، وقد نعجز عن تسميته لاحقا، إذا أخذنا بالاعتبار مجمل ما سوف يجري عليه من تحجيم (من الحجامة والحلاقة) حتى ينال ملاحظة : قريب من المتوسط في نظر سيدة العالم الآن : (الولاياتالمتحدةالأمريكية). لقد طالت هذه الجملة الاعتراضية. كان التلفزيون القومي والقطريّ والعشائري والعائلي والفردي وسيلة إعلامية خطرة وهامة، يبث فيها صاحبها ما يريد من المعلومات والصور والأشرطة والكلمات والشعارات والأغنيات والمسرحيات والمنوعات وفق كراس شروط سري وغير معلن مفاده أنه لا يجوز الخروج عن الخطوط الكبرى المرسومة، ذلك أنّ التلفزيون الرسمي عليه ناس رسميون يختارون اختيارا حرا من مالك المؤسسة، حاكما عاما (قطاع عام) كان أو حاكما خاصا (قطاع خاص). ويشاء التطور الإعلامي الآن، أن تنقسم القناة الواحدة الى قنوات فرعية وسواقٍ ومجار لا تخرج عن فلسفة النهر الأكبر في مجمل برامجها. ويشاء القطاع العام أن يتخلى عن احتكارية المشهد الإعلامي، مكرها أو راضيا، فيسمح بوجود قنوات أخرى تنطلق ظاهريا لاختطاف المتفرجين من القنوات الرسمية، فيهرع النظارة بمحض اختيارهم في الظاهر، إلى القناة الجديدة بحثا عن الجديد ومللا من هذا القديم، ثم يكتشف السادة النظارة أن هذه القناة لم تختطفهم غصبا عنهم، كل ما في الأمر أن اتفاقا سريا يتمّ بين القنوات الرسمية حتى تفوّت في الجمهور للقطاع الخاص. ويكتشف المتفرج، بعد فوات الأوان، أن قناته الجديدة (زوجته للمتفجرين الذكور) ليست غير زوجته القديمة الأولى وقد عادت بمسوح جديدة ومشطة جديدة وأنه ما زال يراوح مكانه أمام التلفزيون الذي لا همّ له غير التهام الوقت. 3 الوقت في التلفزيون مسألة صحراوية بكل معاني التصحر (بعيدا عن فلسفة السياحة الصحراوية المحترمة القائمة على التهام عطش المتفرج الغربي إلى الصحراء العربية المترامية الأطراف التي ترعى فيها الغزلان والطيور النادرة، وتسبح في رمالها الأبصار). ويتهم التلفزيون اتهامات لا تخلو من الوجاهة هي أنها تصحّر الذهن وتلتهمه بدل أن تلهمه. أساليب التصحر في التلفزيون العربي، العام والخاص، انطلقت من أن المتفرج العربي مخزون ومكدود الذهن، ويعود منهوكا إذا كان عاملا، وذهنه متعب إذا كان عاطلا، لذلك لا بد من إعطائه هذه الوصفة الصحراوية الأساسية القائمة على فيتامين المسابقات التثقيفية الإشهارية، وعلى الإشهار الذي لا هدف له غير دعوة المتفرج إلى الاستهلاك (أو طلب الهلاك لميزانيته المحدودة أصلا أو إغراقه في الديون اذ اقتضى الأمر) فالتلفزيون، اجمالا، لا يعنيه ذهن المواطن ذلك أنّ جيبه هو الأساس، واعترافا من فقهاء الفرجة بأن المتفرج مفلس بالأساس، وطمّاع بالسليقة، فإنها تنمّي فيه قدرته على أن يصبح حلمه من أجل أن يقلع من ميناء الفقر ويحرق مراكب العودة الى دنيا الحرمان. 4 إننا لا نجد ثقافة ترشيد الاستهلاك لدى المواطن العربي إجمالا، ولفقهاء التلفزيون آراء معقولة، ننقل بعضها : لا بدّ من الوجه الحسن. ولا مناص من الترفيه، ولا مندوحة من جذب اهتمام الجمهور العريض، ولا مفرّ من المقابلات الرياضية الحاسمة. وهذه آراء تنقصها الوجاهة، فالوجه الحسن لا يخلو، بالضرورة، من الثقافة الحسنة، وإذا كان لا بد من المرأة، فالمرأة العربية الحسناء والمثقفة موجودة. ولكن شروط التلفزيون إجمالا قاسية على هذا الجمال. وجذب اهتمام الجمهور يحتم السؤال عن طبيعة هذا الجمهور الذي لا يعرف ما يريد إلا بعد أن يقول الفقيه التلفزيوني : «الجمهور أمي، ويحبّ البساطة والسباحة في التفاهة». 5 لكأني أشعر أن التلفزيون العربي يصرخ في وجه متفرجيه من طلاب المعرفة من المهد إلى اللحد بما يلي : «أنا لا أثقف، اذهبوا الى المكتبات، لا تبحثوا في مأكولاتي عن الثقافة، أنا لا أهتم إلا بالالتهام، أما الإلهام فشأن آخر لا يعنيني». ولا عجب أن نرى أولياء يخافون على أولادهم من التلفزيون ومعلمين يتحسرون على التلميذ المفلت من قبضة اهتمامهم بعد أن صارت مراجع التلميذ هي المنوّعات وأبطالهم من المسلسلات، لا من القصص والروايات المعروفة، ونجومهم من لاعبي الكرة، أو العارضات، لا من الأدباء والفلاسفة والحكماء وأصحاب الرؤى والآراء. 6 وتزداد الأمور تعقدا مع القنوات الخاصة التي بشرت بالخلاص من «الخطاب الرسمي» و»اللغة الرسمية» و»الحواجز الرسمية»، غير أنّ السؤال هو : «إلى أين تمضي هذه القنوات بهذه الجماهير العاطلة التي التهمت وقتها، وغذت أطماعها في الثروة، وسهلت عليها اللغة، فصارت عفوية وفارغة وخالية من أي روح يمكن أن تدفع المتفرج إلى أن يحرّك ذهنه لصناعة جيل يتميّز بالإلهام والقدرة على محاورة الأفهام والتأهيل لاستقبال هذه الألفية بعين قادرة على التهام المعرفة وإلهام العقل.