الوضعية الاقتصادية في تونس صعبة لكن ليست كارثية وبالإمكان تجاوزها بفضل عدة حلول. ذلك ما توصل له خبراء اقتصاديون في ندوة حول « تونس سنة 2020» حضرها جاك أتالي، المستشار الاقتصادي الخاص للرئيس الفرنسي الاسبق فرانسوا ميتران . قال جاك أتالي، كبير خبراء الاقتصاد في العالم، أن تونس نجحت إلى حد الآن في مسارها الانتقالي، بشهادة العالم، وأن القوى العالمية على يقين بأن أي فشل في تونس يعني فشل مسارات بقية الثورات . وأضاف أتالي، في ندوة اقتصادية كبرى نظمتها شركة الوساطة في البورصة «ماك» ( MAC) بمناسبة مرور 20 عاما على تأسيسها، ان وصفة النجاح لتونس في قادم السنوات لا بد أن تمر عبر الاستقرار السياسي والتسريع في نسق الاستثمار والعناية بالبنية التحتية ومحاربة البطالة وارساء دولة قانون وديمقراطية حقيقية والحفاظ على الدولة بعيدا عن الديكتاتورية وتطوير المنظومتين التربوية والصحية.
على الحافة ..لكن
وبالنسبة للوضع الحالي في تونس قال أتالي أن تونس اليوم بلد مفرط التداين ويمر بصعوبات على صعيد البطالة والفقر وهو ما قد يوحي للوهلة الاولى ان البلد على حافة الانهيار. لكن تونس في رأيه قادرة على تجاوز ذلك لانه يوجد تفاؤل فيها حول التطور المنتظر للناتج الداخلي الخام ولتقلص الانفاق العمومي والبطالة بفضل تموقعها المتميز والامكانيات المتوفرة لديها .
غاز الشيست ..لم لا؟
وحول المستقبل في قادم السنوات، قال أتالي أن الولاياتالمتحدةالامريكية ستواصل في قادم السنوات البقاء على عرش القوى العظمى بفضل «غاز الشيست» الذي سيوفر لها مخزونا طاقيا وانتاجا هائلا سيُغنيها حتما عن بترول وغاز الخليج العربي وسيحولها إلى بلد مُصدر للطاقة. وقد يكون اتالي لمّح بذلك إلى ما يحصل اليوم من جدل في تونس حول غاز الشيست وامكانية أن يمثل ذلك « حلا طاقيا» هاما لتونس في قادم السنوات للخروج من حالة التداين .
الصين والفلاحة والدعم
في كلمة ألقاها بالمناسبة، قال الخبير الاقتصادي أحمد الكرم ( ر.م.ع. بنك الامان ) ان على تونس اليوم الالتفات إلى وجهات اخرى (إلى جانب اوروبا) ستشكل في المستقبل مركزا كبيرا للحيوية الاقتصادية أهمها الصين التي سيرتفع عدد سكانها وسيتطور فيها مستوى العيش بما سيجعلها « غول» استهلاك في السنوات القليلة القادمة ويمكن للاقتصاد التونسي ان يستغل ذلك عبر التصدير وعبر الاستثمار المباشر في الصين وعبر الشراكة مع الصينيين وعبر جلب سياحها. كما أشار المتحدث ايضا إلى امكانيات «تونسية» اخرى قادرة على اخراجنا من الازمة مثل غاز الشيست والطاقات المتجددة واصلاح الفلاحة وتطويرها بما يتماشى مع حاجيات التصدير ( الزراعات الكبرى ). وشدد المتحدث ايضا على ضرورة التقليص من نفقات الدعم حتى تقدر ميزانية الدولة على الوقوف على قدميها .
و افريقيا
أضاف أتالي ان القرن القادم سيكون «قرن افريقيا»باعتبار التطور المنتظر في عديد دول القارة على مختلف الاصعدة في ظل ما تختزنه القارة السمراء من امكانيات وثروات طبيعية هائلة ومن كفاءات بشرية منتظرة ( في ظل تطور التعليم والصحة والرغبة في التطور وتنامي فئة الشبان والطبقة الاجتماعية المتوسطة وما سيترتب عن ذلك من تطور في الاستهلاك وفي الاستثمار.). وبامكان تونس حسب أتالي ان تستغل هذه الوضعية عبر مزيد الانفتاح على محيطها الافريقي والمغاربي إلى جانب مواصلة الانفتاح على اوروبا وهو ما قد يساعدها على تطوير نسيجها الاقتصادي .
طاقة وصحة وتعليم وشبكات
يتطلب حتما حسب أتالي تطوير الامكانيات الطاقية للبلاد ( أشار مرة اخرى لغاز الشيست وللطاقات المتجددة) وتطوير المنظومة الصحية التي يترتب عنها ارتفاع مُؤمل الحياة و وتحسن الصحة بما يترتب عنه ارتفاع المردودية والانتاجية في مختلف القطاعات وتطور الاستهلاك والتقليص من النفقات العمومية والخاصة للعلاج والدواء. كذلك لا بد من تطوير المنظومة التربوية ومنظومة الشبكات (النقل الجوي والبري والبحري والحديدي الاتصالات الحديثة – الطاقة – الماء ... ) .
على خطى الثورة الفرنسية !
لمّح أتالي إلى أن نجاح الثورة التونسية قد يتطلب وقتا طويلا يمتد لعدة سنوات مستحضرا بلده – فرنسا – التي اندلعت فيها سنة 1789 ثورة شعبية مثلها مثل تونس، ثم مرت طيلة السنوات الموالية بعدة تقلبات، منها الديكتاتورية والملكية والحروب الاهلية وغيرها قبل ان يستقر فيها الوضع على ما هو عليه اليوم من ديمقراطية وتطور على كل الاصعدة .. اتمنى لتونس مسارا مماثلا لكن في وقت أقل بكثير مما حصل في فرنسا .. وتونس بامكانها اليوم ان تجد لها مكانا هاما في السياق العالمي بالنظر إلى عدة اعتبارات وان ترسم لها طريقا مستقبليا لو توفرت عدة شروط ، يقول جاك أتالي .
على طريقة ال«وستارن» !!
حول التداين المفرط الذي لجأت اليه الحكومة التونسية الحالية، والذي قد يصعب مهمة الدولة على الصعيد الاقتصادي في قادم السنوات، قال جاك أتالي انه لا داعي إلى كثرة التشاؤم لأن حل الافراط في التداين لجأت اليه قبل تونس عدة دول بما فيها العظمى. وأضاف أتالي أنه يوجد احساس لدى الدول ( مثلها مثل البشر) يقول إنه لا حل للخروج من أزمة تداين مفرط غير مزيد التداين ثم التداين والتداين ..على امل ان يأتي شيء ما فجأة ( على طريقة أفلام ال«وستارن» ) لينقذنا من الازمة وليُخرجنا من تلك الحالة على غرار اكتشاف حقل نفطي أو مقطع هام او انتعاشة غير منتظرة لاحدى الصادرات او للفلاحة او للسياحة إلخ .. بما قد يساعد على خلاص الديون والنهوض من جديد. وقال أتالي ان ذلك ممكنا في تونس .