في تعليقه على احالة ملف جدار الفصل العنصري الذي أقامه شارون اعلن وزير الخارجية الفرنسي رفضه لهذه الاحالة... معللا ذلك باعتراضه على البحث عن حل قضائي لمسألة سياسية... وهو تقريبا نفس الموقف الذي تمترست وراءه المجموعة الاوروبية لتعلن معارضتها لهذه الخطوة. هذا الموقف الفرنسي والاوروبي يكشف نفاقا بيّنا وانتهازية ظاهرة... لأنه يهدف في الاصل الى تخليص اسرائيل من حرج ادانة قضائية لخطوة سياسية أراد من خلالها شارون رسم الحل النهائي للقضية الفلسطينية بالاعتماد على الغطرسة وعلى القوة لفرض امر واقع مناف للقانون الدولي وللقرارات الاممية. هذا الموقف الفرنسي والاوروبي منافق وانتهازي ايضا لأن اوروبا عامة تدّعي انها ديمقراطية وتقبل بالرأي الاخر وتحترم رأي الاغلبية... وما دامت اغلبية الدول في الجمعية العامة للأمم المتحدة قد اقرت عرض المسألة على رأي محكمة العدل الدولية للاستئناس به في بحثها عن حل سياسي فإن قيم الديمقراطية التي تتشدق بها اوروبا كانت تقتضي احترام رأي اغلبية الدول... ام أن هذه دول من درجة عاشرة ولا وزن لها دوليا ولا قيمة لاصواتها في ميزان العلاقات الدولية حتى تنكر عليها اوروبا حقّها في ممارسة صلوحياتها في اطار ما يخوّله لها ميثاق الاممالمتحدة؟ هذا من حيث الشكل، أما من حيث المضمون فان نفاق اوروبا وانتهازيتها يبدوان أكبر وأخطر... لماذا؟ لأن مأساة الشعب الفلسطيني تتواصل منذ اكثر من نصف قرن جرّب خلالها كل الاساليب والطرق... واجبر خلالها على تجرّع كل المسّكنات وعلى اللهث وراء أوهام الشرعية الدولية والحلول والطبخات السياسية.. وأوروبا تعرف قبل غيرها أن الشعب الفلسطيني لم يجن شيئا لحدّ الآن.. بل ان هذا الجدار الملعون يأتي لمصادرة حلمهم وحقهم في دولة وطنية تقوم على الحدود التي أقرّتها قرارات الشرعية الدولية والتي جاء هذا الجدار لإجهاضها.. وهو ما حتّم التحرّك في اتجاه محكمة العدل الدولية لاستصدار حكم بإلغاء هذا الجدار ووقف بنائه في انتظار وصول الحل السياسي.. وفي غياب مثل هذا التحرّك الذي يبقى عبارة عن قشة يتمسّك بها الغريق فإن الجدار سوف يفرض أمرا واقعا يرسم به شارون «الحل السياسي» وفقا لمنطق القوة وبصفة أحادية لا تحترم قرارات الشرعية الدولية.. فهل أن فرنسا وأوروبا تستكثران على الشعب الفلسطيني تمسّكه بهذه «القشّة» وهو الغارق منذ الأربعينات في هول الغطرسة الصهيونية التي شرّدت الملايين ونثرتهم في المنافي وتستعبد الملايين وتخضعهم لأبشع وأفظع صنوف الاحتلال؟.. فهل ينتظر الفلسطينيون حتى يجدوا أنفسهم داخل معازل كالهنود الحمر حتى لا يعكروا مزاج أوروبا التي لا تريد لجهة قضائية أن تنظر في مسألة سياسية؟ ثم لماذا لم تتحرّك أوروبا طيلة هذه العقود لإيجاد هذا الحل السياسي أو فرضه وإراحة الفلسطينيين والعرب أجمعين عناء التوجه الى محكمة العدل الدولية؟ وكم يجب أن يصبر شعب يحرم من كل حقوقه وتداس كرامته وتنتهك سيادته باعتراف عشرات القرارات الأممية حتى تقتنع أوروبا بأن قرارا قضائيا يمكن أن يساعد في حلّ قضية سياسية؟ وختاما لتنظر أوروبا في هذا المنطق الأعرج وفي هذا النفاق القاتل الذي يتهم الفلسطينيين «بالخروج عن النص» حين يقاومون الاحتلال بالطرق القانونية.. وتتهمهم ب «الارهاب» حين يقاومونه بأجسادهم الطرية.. ولنقل ماذا يجب على الفلسطينيين أن يفعلوا؟ هل يرحلون مثلا من فلسطين ليرتاح شارون وترتاح ضمائرهم النائمة ؟