«يروى ان زيد بن ثابت رضي اللّه عنه ركب يوما فأخذ ابن عباس رضي اللّه عنه بركابه (أي أمسك دابته ليركب) فقال له زيد: تنح يا ابن عم رسول اللّه ص. فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا. فقال زيد: أرني يدك، فاخرج يده فقبلها وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا. ان احترام عبد اللّه بن عباس للعلماء والمعلمين نابع من عقيدة قرآنية ثابتة، لأن اللّه جل في علاه رفع أهل العلم فقال (يرفع اللّه الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) فوجب علينا أن نرفع من شأن العلماء كما رفعهم اللّه، فليس عجيبا من ابن عباس ان يأخذ برسن دابة زيد العالم الرباني ليساعده على الركوب. وهذه مهمة العبيد والخدم أن يقوموا بذلك، ولكن لا غضاضة في هذا العمل إذا كان الراكب عالما تنتفع به الأمة، مع العلم ان عبد اللّه بن عباس قد لمع نجمه بعد وفاة الرسول ص كواحد من مشاهير الصحابة في العلم، وليس هو بإنسان عادي، فهكذا احترام العلماء بعضهم بعضا، وليس يعرف الفضل إلا ذووه. علم ابن عباس الناس من هذا الموقف ان خدمة العلماء قربة إلى اللّه، أرشدنا إليها الاسلام وما قوله (هكذا أمرنا ان نفعل بعلمائنا) إلا حقيقة تبين ان خدمة العلماء مما أمرنا به في شرعنا. نعم، ان الأمة التي تحترم علماءها وتنزلهم المنزلة اللائقة لهي أمة التقدم والازدهار، والرقي، كما ان الأمة التي لا تحترم العالم والمعلم هي أمة حكمت على نفسها بالجهل والتخلف والتبعية، إذ المعلم المهان لا ينتج ولا يخترع ولا يؤلف ولا يطور، بل هو مكبوت خانع في زاوية الاهمال لا يلتفت إليه. زد على ذلك ان الجيل الناشئ ينظر إلى وضع هذا المعلم المهين فلا يشتهي أن يكون مثله، إذ يترفع هذا الفتى أن يكون مستقبله كهذا العالم، بل يتطلع وهذه طبيعة الانسان إلى مهنة يحصل منها على الرفعة والمكانة في المجتمع ويحظى باحترام الآخرين. كما ان العالم الرباني يقابل الاحترام بمثله، ويبحث فيمن يحترمه عن مزية يظهر له احترامه كذلك، فقد وجد زيد بن ثابت في تلميذه عبد اللّه بن عباس كونه من آل بيت النبوة، فبادله القبلة بمثلها، وأبدى له احترامه لآل بيت النبي ص لأنه عليه السلام أمرنا ووصانا بآله، فما علينا إلا ان نقدم لهم كل احترام وتوقير. فواشوقي إلى مجتمع كمجتمع الصحابة يسود فيه المحبة والاحترام، وينزّل كل واحد من أفراده منزلته اللائقة به.