في أحيان كثيرة، يحدث لكلام الحق أن يراد به باطل.. ويحدث للقيم السامية والأفكار النبيلة أن تتحول الى مطيّة يركبها الاستعمار لينفذ الى العقول والقلوب ومنها الى الديار فيستعبد أهلها ويستبيح محتوياتها.. والشعوب العربية خدعت قديما بهذه الشعارات البرّاقة التي وجدت من يشرع لها الأبواب ويبيح لها الأوطان.. فلم يكد المتخفّون وراء هذه القيم والأفكار والمبادئ ينتصبون بيننا حتى نزعوا الأقنعة وكشروا عن أنيابهم فظهرت وجوههم القبيحة ونواياهم الخفية.. وبقدرة قادر تحوّلت شعارات «نشر أنوار العلم» والتبشير ب»قيم الرجل الأبيض» الى حملات استغلال واستعباد وتجهيل ونهب للخيرات وكبت للمشاعر الوطنية وسعي محموم لاقتلاع خصوصيات هويتنا العربية الاسلامية من جذورها.. كل ذلك لنزداد نحن غرقا في غيابات الجهل والفقر والتخلف ويزدادوا هم سطوة وثراء. هذه الأيام، ومن غريب المفارقات وبعد كل هذه العقود تأتينا وجوه غريبة أخرى متسربلة بقيم ومبادئ وأفكار جذابة وخلاّبة ويطلب منا أن نحطم الأسوار ونفتح الأبواب وقبلها القلوب والعقول عسانا نرتقي الى مرتبة الآدمية ونقتلع تأشيرة العبور الى «قريتهم الكونية». الحملة الجديدة تأتي تحت عنوان «الاصلاح» وتعد العرب وباقي مكونات «الشرق الأوسط الكبير» ب «عسل الحرية» وب»ترياق» الديمقراطية و»لبن» حقوق الانسان. والغريب أن مهندسي هذا المخطط الجهنمي ولشدّة تشبعهم وايمانهم بقيم الديمقراطية التي يبشرون بها لم يكلفوا أنفسهم عناء مجرّد استشارتنا وأخذ رأينا في الموضوع واستقراء تصوراتنا للمسألة بما أننا نحن أصحاب الشأن ويفترض أننا الأدرى بخصوصيات مجتمعاتنا والأدرى بما ينفعها وبما يتلاءم مع عاداتها وتقاليدها ومع عقيدتها الدينية وموروثها الحضاري عموما. «باعة الديمقراطية» الجدد ولأنهم «متشبعون جدا» بهذه القيم ولأنهم «يعرفون» ما يصلح لنا أكثر من أنفسنا فإنهم ارتأوا أن يفرضوها بصفة أحادية وفق وصفة مغلقة علينا قبول ما جاء فيها دون رأي أو نقاش.. في حركة تحيلنا رأسا على ممارسات أبشع الدكتاتوريات التي عرفها التاريخ وكذلك على عتاة الاستعمار المباشر الذين سبق وان اتخذوا مثل هذه المبادئ مطية ليجثموا على صدورنا ويستغلونا أفظع استغلال. ليس هذا فقط، بل ان «باعة الديمقراطية» والمتباكين على حال حقوق الانسان في الدول العربية لم يكلفوا أنفسهم عناء القاء نظرة على ما يحدث للشعب الفلسطيني وما يرتكب في حقه من انتهاكات وفظاعات بواسطة آلة حربية مزودة بأحدث أدوات وآلات القتل.. ولتكتمل معالم هذه اللوحة السريالية ولتبلغ العبثية مداها فإن هؤلاء زجّوا بالسفاح شارون، الذي يرسل الدبابات والجرافات «تتفسح» في الشوارع الضيقة للمخيمات الفلسطينية فتحيلها الى ركام، صلب ما يسمونه «حربهم على الارهاب» وتوّجوه «رجل سلام». ووفق هذه الازدواجية المقيتة والمكاييل المصلوبة فإنه يطلب من الشعوب العربية أن تصدّق بأن شارون «ديمقراطي» وأن داعميه بالمال والسلاح «ديمقراطيون» وأن القتل والتدمير والتجريف والتجويع وارهاب الدولة التي تمارسها الدولة الصهيونية ما هي الا من أدوات «العلاج الديمقراطي» لأمراض الفلسطينيين المزمنة. كما يطلب من الشعوب أن تنساق وراء هذه الشعارات الزائفة.. وأن تلهث وراء وصفة الاصلاح المعلّبة القادمة على ظهور حاملات الطائرات وعلى أجنحة صواريخ كروز... وأن تصطف بالتالي وراء المروجين لهذه الوصفة فتنقلب على حكامها وعلى حكوماتها فتجد هي المنقذ لاصابتنا في مقتل واخضاعنا لهذا النوع الجديد من «الاستعمار المريح» الذي يضمن وضع اليد على الخيرات وعلى البشر وعلى الأسواق ومصادرة الحاضر والمستقبل والقوم يلعبون ويضحكون... ان الشعوب العربية اكتسبت من الوعي والنضج والتحصين ما يجعلها لا تنخدع بهذه الشعارات البراقة وما يمكنها من تلافي هذا الفخ الذي يقدم لها سمّ الاستعمار في عسل الديمقراطية.. وهذه الشعوب الحيّة والتواقة الى الاصلاح ليست قاصرة وبإمكانها شق طريقها بثبات واتزان وفي إطار من الانسجام التام مع خصوصياتها ومع مقومات هويتها ومع موروثها الحضاري.. وهي تدرك جيّدا لادراك أن قيم الديمقراطية وحقوق الانسان ليست وصفات جاهزة تصدّر وليست رداء فضفاضا يصلح لكل المقاسات. وقد بعث اجتماع وزراء الخارجية العرب المنعقد أمس بالقاهرة رسالة أولى في هذا الاتجاه.. وبقية الرسائل في الطريق وهي تحمل كلها رسالة واضحة مفادها: نعم للإصلاح لكن بأيدينا وليس بيد الغريب.