اختتمت صباح أمس في المعهد العالي للغات الندوة التي نظمتها وحدة البحث في الحضارة العربية تحت عنوان «العرب بين العولمة الجارية وعولمة بديلة». صباح أمس قدّم كل من الأساتذة محمد الحدّاد ولطفي دبّيش وفرج معتوق ويوسف البحري مداخلات عن العولمة في جوانبها النظرية والتطبيقية. الأستاذ محمد الحداد قال في مداخلته التي كانت بعنوان : «العولمة والقوة روبارت كاغان نموذجا» أن سنة 1989 عرفت تحولات جوهرية في العالم اذ شكّل انهيار حائط برلين سنة 1989 بداية مرحلة وولادة حركة تنظيرية جديدة في الفكر الأمريكي والأوروبي. فبعد انهيار حائط برلين برزت ثلاثة اتجاهات أساسية في التفكير الغربي وكان كتاب «نهاية التاريخ» لفوكو ياما مبشّرا لهذه المرحلة الجديدة من التفكير فهذا الكتاب يمكن اعتباره أول صيغة لنظرية العولمة ويمكن اعتبار هذا الكتاب منظّرا للعولمة المتفائلة. وعلى عكس فوكوياما كان كتاب هنتنغتون عن صدام الحضارات هو المرجع الأساسي ربما لنزعة الحرب في الولاياتالمتحدةالأمريكية التي بدأت بالحملة على أفغانستان ثم العراق. فهنتنغتون ومعه المحافظون الجدد يعتبرون أن الغرب اذا لم يهاجم سيهاجم لذلك كانت تفجيرات 11 سبتمبر فرصة لهم لإثبات سلامة نظريتهم في ردع ا لشر» وهو ما تقوم به الادارة الأمريكية في حملتيها على أفغانستان والعراق. والاتجاه الثالث يمثله روبارت كاغان وأطروحته الأساسية هي انهيار الغرب والفصل بين أمريكا والغرب وتحديدا الولاياتالمتحدةالأمريكية وأوروبا على عكس الرؤية السائدة بأن الغرب واحد. ويرى كاغان أن هناك شرخا كبيرا بين الولاياتالمتحدة وأوروبا وانهيار الغرب كان بسبب اتّساع هذا الشرخ. ويتساءل كاغان عن الحكمة في هذه الحروب التي تقودها الادارة الأمريكية واعتبر أن أمريكا ترتكب نفس أخطاء القارة الأوروبية العجوز عندما قادت حملة عسكرية استعمهارية على الكثير من دول العالم ثم فشل هذا الاختيار لأن القوة وحدها لا تكفي لتغيير العالم وهذا ما تراه أوروبا الآن وتغض عنه الولاياتالمتحدةالأمريكية النظر. أما الأستاذ فرج معتوق أستاذ التاريخ في الجامعة التونسية فقدّم مداخلات بعنوان «أعباء العولمة في المغرب العربي والبديل».. واعتبر الأستاذ فرج معتوق أن تناول المغرب العربي هو حالة وليس حصرا فما ينطبق عليه ينطبق على العالم العربي. وتساءل عن ولادة العولمة وقال إن هذا السؤال طرح ملايين المرات ويمكن اعتبار اسكندر المقدوني من الأوائل الذين بشّروا بالعولمة بمعنى من المعاني أو ابراهيم الخليل عليه السلام الذي تنقل بين العراق وفلسطين ومصر ومكة ومازال ملايين المسلمين في العالم يكرّرون نفس الرحلة التي قامت بها زوجته هاجر بين الصّفا والمروة. وأكد على ضرورة الفصل بين العولمة والعالمية وهما شيئان مختلفان.. والعولمة نفسها تختلف الرؤية لها بين صحف بريطانيا مثلا وصحف فرنسا لأن لكل من الدولتين ارثها، واذا كان صندوق النقد الدولي عرّف العولمة بأنها ارتهان اقتصادي بين الدول بسبب التدفق الدولي لرأس المال والتطور التكنولوجي، فإن العولمة هي في نهاية الأمر فتح كل الأبواب أبواب الجنوب أما الشمال فهو مغلق ومحصن أمام الانسان رأس المال الأساسي وحتى الذين يتم قبولهم فليس اختيارا منهم لأن دول الشمال هي التي لها صلوحية القبول والرفض. فماذا يمكن أن يفعل المغرب العربي أمام المجموعة الأوروبية التي تضمّ 400 مليون نسمة أو في مواجهة مشروع التبادل الحر الأمريكي وهي تجمعات تفوق 400 مليون نسمة. فالناتج الخام السنوي لبلدان المغرب العربي الخمسة : تونسالجزائر ليبيا المغرب وموريتانيا أقل من الناتج الخام للأرجنتين.. وإذا لم تقم دول المغرب العربي بمشاريع حقيقية للاندماج قبل سنة 2010 فستذهب لقمة سائغة أمام اقتصاديات الشمال. وذكّر الاستاذ فرج معتوق بوحدة المغرب العربي في الحركة التحررية من الاستعمار في النصف الأول من القرن العشرين لكن الأزمة التي حدثت سنة 1975 بين الجزائر والمغرب والمعروفة بحرب الرمال جمّدت آفاق المطرب العربي الواحد. وحتى بعد قمة مراكش سنة 1989 مازال البناء المغاربي لم يعرف عمليا إنجازات حقيقية بسبب عديد المعوقات منها السياسية والبنيوية والتجارية، فالمبادلات المغاربية لم تتجاوز 5 من جملة المبادلات الخارجية لدول المغرب العربي. وانتهى الى القول بأن الاندماج الاقتصادي هو الحل لمواجهة سنة 2010. وقدّمت مداخلات أخرى للأستاذ لطفي دبّيش : قراءة في أصول العولمة النظرية وما كتبه التونسيون في العولمة للأستاذ يوسف البحري. وسننشر أعمال هذه الندوة قريبا في كتاب من اصدار المعهد العالي للغات.