في ظلّ التحوّلات التي تشهدها المنطقة العربية عموما والخليجية خصوصا طفت على السطح مسألة مشاركة المرأة في القرار الذي يهمّ الحياة العامة سواء كان ذلك على مستوى الخيارات أو المشاركة السياسية. ومثل هذا الخطاب يعتبر غير عادي بالنسبة للمجتمعات الخليجية التي كانت تعتبر المرأة عنصرا ثانويا وخاصة على المستوى السياسي. ما هي إذن الملابسات التي تختفي وراء هذه التحوّلات؟ هل ان المرأة الخليجية هي التي تتحرك في اتجاه هذا الخطاب الجديد؟ أم ان واقع العلاقات الدولية والضغوطات العالمية هي التي دفعت إلى البحث عن واقع جديد للمرأة الخليجية؟ هذا السؤال على الرغم من عمقه لن نستطيع التعرض إليه جملة وتفصيلا في مثل هذه الورقة نظرا وان مثل هذا الطرح بحاجة إلى دراسة معمّقة تأخذ بكلّ ملابسات الاشكالية المطروحة وترسباتها ونتائجها خصوصا وأنها تستهدف عنصرا هاما في المنظومة الاجتماعية وهي المرأة. الواقع الجديد والخطاب الجديد ومهما تكن ملابسات ودواعي هذا التصور الجديد لمكانة المرأة في المجتمع الخليجي فإن تسارع الأحداث الدولية اثر أحداث 11 سبتمبر الأمريكية والحرب في أفغانستان والعراق دفعت عديد التيارات الفكرية في العالم إلى ضرورة النظر في واقع المرأة الخليجية ودفعها إلى المشاركة في الحياة العامة وهذا الاتجاه دفع حتما إلى خطاب جديد يدعو المرأة الخليجية إلى دخول غمار الواقع السياسي وتجسّم ذلك في تحرك المرأة السعودية ومشاركتها لأول مرة في لقاءات عامة هامة مثل لقاء مكة خلال شهر ديسمبر الماضي أو منتدى جدة الاقتصادي في جانفي أو مشاركات المرأة الخليجية في دول أخرى في عديد التظاهرات والمناسبات السياسية وبدأ الحديث عن تقبل للدور الجديد للمرأة الخليجية الذي يخرجها من حالة التهميش التي كانت عليها. هذا الخطاب الجديد سيؤدي حتما إلى تصور جديد للمشاركة النسائية في القرار العام وهو ما من شأنه أن يشكل قطيعة مع واقع عاشته المرأة الخليجية بعيدا عن مواقع القرارات العامة. ولو نظرنا إلى هذا التحوّل من منظار مطلق للتركيبة الاجتماعية الخليجية فإنه يشكل زلزالا في مقومات التركيبة الاجتماعية الخليجية ولكن إلى أي حدّ سيهز هذا الزلزال الواقع المعاش أو على مستوى الانتظارات متوسطة أو طويلة المدى؟ تحولات خطيرة ولكن وبمنظار سوسيولوجي يسود اعتقاد لدى عديد المحللين والدارسين الاستراتيجيين ان الواقع الاجتماعي الخليجي مقبل على تحولات خطيرة وخاصة على مستوى دخول المرأة المنتظر في الحياة العامة وتحديدا في الواقع الاقتصادي والسياسي. فالمرأة الخليجية كانت في السابق تعتمد على نظام الوكالة في مصالحها الاقتصادية وهي مغيّبة تماما في الواقع السياسي ودخولها المباشر لهذا المحيط الجديد سيطرح العديد من الاشكالات والتحولات في المعاملات واتخاذ القرار. ولكن الخطر يكمن في أن الرجل في المجتمع الخليجي العادي لم يتقبل هذا التحوّل رغم انطلاق وسائل الاتصال في الحديث عنه حيث أن البعض من وسائل الاعلام بدأت تتحدث عن موقع جديد للمرأة مغايرا تماما لصورتها الرائجة حاليا وهي لغة لم يتعودها المجتمع الخليجي حتى ان البعض من وسائل الاعلام بدأت تطرح حتى موقع المرأة في العبادات وهو توجه آخر. إذا بدأ الخطاب الاتصالي والرسمي يلوّح إلى هذه التحولات إلى جانب اقتران ذلك بخطاب جديد حول تحولات المنظومة التربوية الخليجية والعربية. إذن التوجه هو نحو مقومات ثابتة في الواقع الاجتماعي الخليجي بدأ التحرك نحو تقويضها وهنا تكمن مخاطر التحولات. الخط الأحمر والاتجاه المسموح وفي ظلّ هذا الخطاب الجديد وهذا الواقع المنتظر للمرأة الخليجية لم تصمت عديد الأصوات ورفضت هذا النسق السريع للتحولات في واقع المرأة وانطلقت العديد من التحركات الرافضة لمشاركة المرأة في التظاهرات العامة حتى ان البعض ذهب إلى حدّ تحريم ذلك ولعلّ المثال الواضح ما حدث من فتاوى بخصوص مشاركة المرأة السعودية في منتدى جدة الاقتصادي الأخير، هذا الخط الأحمر وغيره من ملامح الرفض للواقع الجديد للمرأة الخليجية يقابله أيضا حديث عن الاتجاه المسموح وهو الذي يستهدف مناهج التربية والتعليم وهو التحرك نحو المستقبل واعداد خليج المستقبل برؤية ومقاربات جديدة مغايرة للواقع الحالي. إن الحديث عن واقع جديد للمرأة الخليجية يبدو متسرعا لأن تحويل واقع متجذّر ومنغمس في التاريخ ومتواصل في العادات ليس بالبساطة التي يمكن أن نتصورها فالتحولات يجب أن تكون تدريجية لأن المسّ بالمقومات الثابتة لن يؤدي إلا إلى ردود فعل عكسية وهنا تكمن مخاطر التحوّل غير المدروس والسريع والذي لا يخضع إلى خطة محكمة تأخذ بعين الاعتبار مختلف مظاهر الواقع الاجتماعي الخليجي بمكوناته ومؤثراته. إن المجتمع الخليجي مطالب بدراسة التحوّلات وآثارها ولعلّ اعداد الخطط والدراسات المحكمة هو السبيل الأنجع لتحقق معادلة الثابت والمتحول المحظور والمسموح في ظل أجواء التحولات العالمية. لقد أثبت التاريخ الانساني ان العواصف في العلاقات الدولية غالبا تتجه إلى الهدوء بعد مرور العاصفة فلننتظر هدوء العاصفة لوضع البرامج والخطط لأن قرارات العواصف تحجب الرؤية وسط الرمال الهوجاء ومن يدري لعلّ الآخر يبحث عن هذا الوضع لتمرير خططه!