المقاومة الفلسطينية يوم الذكرى التاسعة والخمسين لتأسيس الجامعة العربية. ولا أعرف إن كان صاحب «اليد» الخائنة التي مهّدت الطريق أمام صواريخ الطائرات في اتجاه الجسد الهش، قد «حسبها» جيدا وهو يخون. لا أعرف إن كان الامر مقصودا لكني متيقن من ان الرجلين فكّرا مليا قبل أن يفعلا، فللإسخريوطيّ حساباته حين باع بالامس يسوع الناصري بحفنة من فضة أو وهو يبيع اليوم شيخ غزة ببركة من دم. والإسخريوطي هو ذاك الرجل الذي خان نبيه وتكلّم مع قادة الجند كيف يسلمه اليهم، وهو أيضا هذا الذي يشي بالمقاومين ثم يشمت أو يصمت. ولكل زمن وقضية أكثر من يهوذا. قال يسوع : «ولكن هو ذا يد الذي يسلّمني معي على المائدة. وابن الانسان ماض كما هو محتوم. ولكن ويل لذلك الذي يسلّمه...» اعترف ان المقارنة تقف عند هذا الحد،واذا كان لابد لها من تبرير، فهو يكمن في ضرورة مساءلة «مفهوم الخيانة» من جديد. لقد تسرّع الكثير من مثقفي العالم في دفن هذا المفهوم، والحال انه اليوم من أكثر المفاهيم اشتغالا وعبثا بمصائر الناس. نحن اليوم أمام عالم يخون قيمه أي أفضل ما أنجزه الانسان على امتداد تاريخه وجغرافيته، وما من خلاص الا وهو يبدأ من التخلي عن تبييض صفحة الخيانة، والجرأة على مواجهتها بحقيقة وجهها في المرآة. اعترف ايضا ان للخيانة معلّمين وتلاميذ، ولعل أنجب تلاميذها اليوم هذا الذي يقود شعبه الى العار متطاوسا أمام كاميرات التلفزيون. في تلك الأيام الغابرة كان الاسخريوطي يبيع «ربّه» ويبكي، أما هذه الأيام فها هو طاووس يشيد بمهارة زبانيته في اصطياد الروح البشرية، مطمئنا الى ظل حارسه الامين، واثقا من حذقه اللعبة العالمية الجديدة : الارهاب باسم محاربة الارهاب. لم يسبق للارهاب ان تبجّح بنفسه بمثل هذه الوقاحة ومن على قمة الديمقراطية «الوحيدة» في الشرق الاوسط. فهل من خيانة للديمقراطية أكثر من هذه؟ كان الشيخ ياسين سنة 1991 سجينا حين خاطب قضاته قائلا : «لقد تجرّع الشعب اليهودي كأس المعاناة وعاش مشتتا في العالم، واليوم انه الشعب نفسه الذي يجبر الفلسطينيين على تجرع هذه الكأس. التاريخ لن يسامحكم...» كلمات يرددها أيضا الكثير من عقلاء اليهود. فمن الذي سقط في غزة؟ وما الذي يسقط مع كل شجرة تقتلع وكل بيت يدمّر وكل روح تزهق؟ أليست أسطورة الضحية اليهودية؟ أليست أسس قيام اسرائيل؟ الغريب أن كل هذا «الارهاب» يحدث باسم محاربة الارهاب، فهل أصبح للارهاب كرّاس شروط مثلما هو الشأن في التجارة، يخوّل للبعض احتكار ممارسته و»التمتع به» دون البعض الآخر؟ لقد قمنا بتصفية «ابن لادن الاسرائيلي» هكذا سوّق شارون جريمته. والمقصود ضمنيا ان من حق اسرائيل تصفية «ابن لادنها» ما دامت أمريكا تفعل. لنقل بوضوح ومن البداية إن الارهاب مرفوض شكلا وممضونا. ولكن هل تم تعريف الارهاب؟ لماذا أصبح من السهل على كل من هب ودب تصفية «غرمائه» بمجرد اعتبارهم «ابن لادنات» وارهابيين؟ الجميع يعرف ان هذه المقارنة مضللة، واذا افترضنا صحتها فلماذا لا يكون جزّار صبرا وشاتيلا ميلوزفيتش فلسطين؟ ولماذا لا تكون اسرائيل صربيا الشرق الاوسط؟ لماذا يقر الجميع بأن الدفاع عن النفس ومقاومة الاحتلال حق مشروع الا حين يتعلق الأمر بالمستضعفين؟ لماذا يعتبر البعض سقوط ضحايا من المدنيين في اسرائيل دليلا على الارهاب، في حين يكون سقوط المدنيين العرب او المسلمين مجرد «أضرار جانبية»؟ والى متى يتم ارجاء طرح السؤال الحقيقي : كيف لمن لا يجد الحليب ان يتخلى عن رضاعة الدم؟ دمار كبير يتربص بالعالم، وفي الأفق حرب إبادة جديدة تتحول فيها ضحية الامس الى جلاّد. الجميع يعرف ذلك لكنه يجعجع خارج الموضوع. لقد أتقنت «الضحية المحترفة» مهنتها، مهنة تأثيم الغرب كله كي ترتع كما تريد. استطاعت «الضحية المحترفة» ان تُحكم التغلغل في دوائر النفوذ المالي والانتخابي والاعلامي في أهم بلاد العالم. هكذا صار من حقها ان ترتكب الجريمة وأصبح من واجب العالم ان يشعر بالإثم. ولو وقف الامر عند منطقة لهان، لكنه طال مصداقية المنظومة التي تحكم العالم كلّه. ومن أين المصداقية اذا كانت منظومة «الشرعية الدولية» منحازة وغير ملزمة للجميع، تستنكر الارهاب اذا كان ملتحيا، وتعشقه اذا كان في هيئة طاووس؟ بتعبير آخر : اذا كان رب البيت للطبل (الارهابي) ضاربا، فكيف نلوم أطفال البيت اذا هم رقصوا على وقع الجراح النازفة؟ ليس من حلّ أمام العالم (غربا وشرقا، دفاعا عن نفسه لا عن الفلسطينيين) غير الانتباه الى ضرورة مواجهة حقيقته في المرآة. رؤية طواويسه غير الجميلة. عليه ان يكره في نفسه ما يجب ان يكره. عليه أن يقرأ من جديد شكوى أريان في مدائح ديونيزوس : «كوني حذرة يا أريان. إن لك أذنين صغيرتين. إن لك أذنيّ. ضعي فيهما كلمة حكيمة. ألا ينبغي كره النفس أولا اذا كان ينبغي حبّها؟ أنا متاهتك...»