في لقاء خاطف على هامش الندوة الدولية التي تنظمها كلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية حول القانون الدولي علق الأستاذ رافع بن عاشور استاذ القانون بالجامعة التونسية، على المخرج الذي اتخذه الموقف الأمريكي من التسوية بين الفلسطينيين والاسرائيليين بعد الزيارة التي أداها رئيس الوزراء الاسرائيلي إلى واشنطن وقال خاصة أن ما أعلنه بوش يفوق في خطورته وعد بلفور. ** ما هو الموقف من وجهة نظر القانون الدولي، ازاء التوجه الجديد الذي أعلنه الرئيس الأمريكي بشأن القضية الفلسطينية خلال زيارة رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي الى الولاياتالمتحدةالأمريكية. * من وجهة نظر القانون الدولي، فإن المواقف التي أعلنت عنها هي باطلة لأن كل ما تم احتلاله سنة 1967 يخضع لنظام قانوني معروف، ويعتبر أراض محتلة وفي 67، صدر القرار 242 عن مجلس الأمن الدولي الذي يأمر اسرائيل بالانسحاب من الاراضي المحتلة أو «أراضي محتلة» حسب الترجمة الانقليزية أو الفرنسية أي أن الطبيعة القانونية لهذه الاراضي، هي أنها أراض خاضعة للاحتلال والأراضي المحتلة، لها نظام معلوم في القانون الدولي بحيث لا يمكن أن تتحول الأراضي المحتلة بين يوم وآخر، الى ملك للمحتل، يمارس عليها السيادة. والمحتل له التزامات معينة بموجب الاتفاقيات الدولية، وخاصة منها اتفاقية جنيف الرابعة... أما ان يطرح الرئيس الأمريكي بوش امكانية التفاوض على أن يضع الطرف الفلسطيني بين قوسين مطالبته، هو والدول العربية الأخرى بالعودة الى حدود ما قبل جوان 1967 فإن ذلك هو من قبيل الموقف السياسي الذي لا يلزم سوى صاحبه. الولاياتالمتحدةالأمريكية لها اليوم من الثقل السياسي خاصة بعد ان انتفى التوازن السياسي في العلاقات الدولية ما قد يؤدي الى القبول بهذا الحل. ولكني أعود وأقول ان المسألة تظل سياسية، وليست قانونية. ** ازاء هذا الوضع كيف يمكن للغرب أن يتصرفوا سياسيا أو من وجهة نظر القانون الدولي؟ * ليس أمام العرب سوى التمسك بالشرعية ونحن في تونس نتخذ دائما مثل هذا الموقف ولكن لا ينبغي أن ننسى أن العرب قدموا في هذه القضية تحديدا، حلولا كثيرة، كلنا يذكر قمة فاس التي أقرت مخطط السلام الذي وضعه الملك فهد والذي يعود هو نفسه في ذلك إلى ما قاله الزعيم الحبيب بورقيبة سنة 1968 ثم قمة بيروت التي صادقت على مبادرة السلام العربية التي كانت مبادرة للأمير عبد الله، في البداية، والتي عرفت الكثير من التراجع عما أقر في مبادرة الملك فهد التي ارتبطت بقمة فاس. والموقف العربي الرسمي اليوم هو الذي أعلن عنه في قمة بيروت، أي تمسك العرب بهذا الموقف والتفاوض مع اسرائيل على هذا الأساس، وإن كانت اسرائيل ترفض خطة خريطة الطريق والتي تعد في سقفها أقل مما جاءت به مبادرة الأمير عبد الله على الرغم من أن خريطة الطريق كما هو معلوم هي مقترح أمريكي. إذن الرئيس الأمريكي اليوم قدم لشارون أكثر مما طالب به. وحسب ما تناقلته وكالات الأنباء فإن شارون نفسه لم يكن يتوقع مثل هذه الهدية من الرئيس الأمريكي وفعلا، رأيت بعض التعاليق التي تحدثت عن وعد بلفور الثاني لليهود وأعتقد أن المطروح الآن أخطر من وعد بلفور، لأن بلفور كان مجرد وعد، بل ان اقتراحات بوش وضعت الاطار نفسه الذي سيتم التفاوض فيه مع الفلسطينيين كما وضعت شرطا بضرورة تخلي الفلسطينيين عن المقاومة. ** شارون بدأ بعد بفرض الأمر الواقع تدريجيا فكيف سيكون عليه الوضع بعد وعود بوش، وما هو موقف القانون من الأمر؟ * المسألة تتعلق بالتوازنات السياسية والعالم العربي للأسف في موقف ضعف فادح. أما القانون فهو يعبر دائما عن موازين القوى مهما كانت هذه الموازين سواء كان الأمر يتعلق بالقانون على المستوى الدولي أو الداخلي واذا كان للدول العربية شيء من التأثير في هذا الميزان في هذا الظرف فاعتقد انه التمسك بالشرعية الدولية بما قد يعيد الى تنفيذ ما وقع اقراره في مجلس الأمن الدولي سواء القرار 242 أو القرار الذي أقر بعد حرب 1973 . ** في مثل هذه المرحلة من العلاقات الدولية التي آل فيها القانون الدولي الى ما آل اليه من محدودية الدور، ما هو دور رجل القانون إزاء هذا المأزق ألا تعتقدون أنه ربما من هنا يبدأ التفكير في ايجاد الصيغ القانونية التي قد تساهم في انقاذ الوضع؟ * هذا الملتقى الذي ننظمه حول القانون الدولي الآن يعكس رغبة رجال القانون في التمسك بخشبة النجاة التي نريدها وهي القانون، كالغريق الذي يتمسك بغصن يطفو به فوق سطح البحر هكذا نرى امكانية النجاة لأنه اذا ناقشنا المسألة من منظور التوازن السياسي فإن العرب خاسرون لأن المعادلة ليست في صالحهم.