ثمّة في التاريخ الانجيلي صورة وعبارة توجعان الذاكرة بشكل مزمن. أمّا الصورة فهي للوالي بيلاطس حين حاول إغراء العامة بإنقاذ «نبيهم» فأصرّ العامة بتحريض من الكهنة اليهود على انقاذ اللص باراباس... وأمّا العبارة فهي أيضا على علاقة ببيلاطس حين غسل يديه من دم أسيره قائلا: إنّي بريء من دم هذا الرجل، ودمه عليكم وعلى أولادكم. فأجابه جميع الشعب: دمه علينا وعلى أولادنا... عاودني الاحساس بهذا الوجع وأنا أعيش فيلم ميل غيبسون الأخير «آلام المسيح»، الذي أتاح لنا قراصنة الاعلامية الأفذاذ أن نشاهده على أقراص لايزر. الفيلم عنيف لا شك في ذلك، والعنف جزء من جماليته، لكن الأرجح عندي أنّ الوضوح العاري الذي عادت به هذه الصورة وهذه العبارة في هذا الفيلم، كان الدفاع الحقيقي وراء الحملة الشعواء التي شنّتها عليه اللوبيات الصهيونية، بتهمة معاداة السامية. لقد ذكرهم الفيلم بديونهم القديمة. ديون الدم التي عمل الجميع طيلة عشرين قرنا على محوها وطمرها تحت ركام من ثقافة الغفران المصطنع. بعد ألفي سنة، عاد الدم من جديد ليحاسب الأيدي التي تلوّثت به. ألا يخشى قتلة اليوم مغبّة القتل والقنص والاغتيال العلني والعقاب الجماعي الذي يرتكبون؟ ألا يعلمون أنّ الدم الفلسطيني والعراقي عائد عليهم وعلى أولادهم، ولو بعد آلاف السنين؟ «أنا أعرف هؤلاء الناس. أعرف كيف هم. إنّهم سيفعلون أيّ شيء كي يتمّ انتخابهم...» هل هكذا تكلم زرادشت؟ كلا، بل هكذا تكلم ريتشارد كلارك المسؤول السابق عن مكافحة الارهاب في البيت الابيض. أصيب الكثيرون بالدوار وخامرهم الشك في صحة أقوال الشاهد، لكن ما حدث يوم الاربعاء الماضي (14 أفريل) محا كل الشكوك. عقد بوش صفقة مع شارون معلنا عن بيع ما لا يملك: حق الفلسطينيين المهجرين في العودة، وحقّ الشهداء في عدم ذهاب دمهم هدرا من أجل أرضهم المغتصبة. علّق صائب عريقات وزير شؤون المفاوضات الفلسطيني على هذه التصريحات بما معناه إنّ على بوش وشارون إلغاء شهر رمضان أيضا. لكن ما لم يقله عريقات وغيره، إنّ القائد «الجمهوري» قد أثبت بهذه الصفقة «اللا تاريخية» صحّة كلام موظّفه السابق، وفعل «أي شيء» من أجل البقاء في الحكم. هكذا إذن، قام «راعي الخير» في العالم بما يقوم به أي «شرير» من الاشرار الذين أعلن عليهم الحرب، لقد اشترى «عرش الملك» بمصائر بشر من لحم ودم... من الواضح أن الصفقة بين قائدي «أجمل» ديمقراطية في العالم و»أكبر» ديمقراطية في الشرق الاوسط، هي صفقة بين شريكين في النظرة السياسية، إنّهما يمثلان التجسيد الكاريكاتوري للسياسي اليميني الغربي المعاصر: سياسي منتخب وفق الشروط الديمقراطية الحديثة، يتصرّف في الوقت نفسه بعقلية الامبراطور القديم. ثمة طبعا الكثير من الفروق بين «الامبراطور» الجديد وسلفه الغابر. في القديم كان الرعايا يساطون كالدواب دونما حاجة الى حجاج، أمّا اليوم فلابد من تزويق السياط والمرور عبر صناديق الاقتراع. وثمة جيش كامل من المموّلين والاعلاميين والقوادين والمؤلفة قلوبهم (كي لا نقول العملاء) يتكفلون بذلك، أي بالتسويق للانبطاح والاستسلام للسوط تحت مسميات لا حصر لها: حقائق الواقع الجديد، التحرير، الاصلاح، مكافحة الارهاب، الى آخر القائمة. وهم مستعدون لتحويل أي كان الى «إرهابي»، بل هم مستعدون الى «أرهبة» شعوب بأسرها من أجل تسويغ الاستعباد والاستغلال. هكذا يكاد البعض يصدّق اليوم ان الشعب الفلسطيني كلّه «إرهابي» لمجرد تشبثه بخيار مقاومة المحتل الاسرائيلي، ولا غرابة ان تتم غدا «أرهبة» الشعب العراقي كله، اذا تصاعدت مقاومته للمحتل، أي إذا تزايد انكاره للجميل الأمريكي!!! هكذا إذن يسقط القناع عن «سلام الشجعان» الذي نظّر له الكثيرون عن مكر أو بحسن نية، ليكتشف الجميع أنّ المطلوب هو سلام الخرفان. خرفان يراد لها أن تسمن دون مرعى وأن تثغو بحمد ذابحها وأن تمتنع حتى من السؤال «إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟» لكنّ الجميع ينسى أن الخرفان أمس واليوم وغدا ليست كلها «نبيّة»، ولا تساق الى المذبح طيّعة ذليلة، بل تركل وتنطح وتقاوم الموت. ولعلها لا تسلم الروح مغلوبة على أمرها إلا وقد صرخت عكس سلفها «حمل الله» الذي جاء يرفع خطية العالم: «أبتاه لا تغفر لهم، إنّهم يعلمون ماذا يفعلون...».