خلقت المتغيرات التي فرضتها الحداثة واقعا جديدا داخل الاسرة العربية التي تعتبر الأم عمودها ومرجعيتها الاساسية. فخروج المرأة الى العمل وانشغالها كامل اليوم بوظيفتها ادى بشكل او بآخر الى تراجع دور الأم داخل الاسرة واثّر بالتالي على علاقاتها بابنائها. ورغم اعترافهم بدورها وتعبها لأجلهم فإن الزوج والابناء غالبا ما يرمون الأم بتهمة التقصير مهما فعلت لإرضائهم وهو ما يجعلها في حالة نفسية سيئة يطبعها التمزق والشعور بالذنب. لكن المفارقة هي ان معظم الرجال لو خيّروا بين الارتباط بربة البيت أو الموظفة فإنهم يختارون الثانية دون تردد لأسباب اجتماعية ومادية. فهل المرأة العاملة مقصّرة فعلا في حق اسرتها وهل انها حقا كما يتهما البعض ام ناقصة الأهلية ولا تستحق لقب الامومة كاملا؟»هندة» موظفة باحدى الشركات الوطنية منذ اكثر من عشرين عاما تقول: «لماذا تتهم المرأة العاملة بالتقصير في حق اسرتها، مع انني ارى العكس من ذلك فالموظفة تبذل قصارى جهدها لتلبية طلبات الابناء والزوج والسهر على حاجياتهم يحفزّها في ذلك شعور داخلي بالتقصير، مما يجعل عطاءها بلا حدود، عكس الكثيرات من ربات البيوت اللاتي يقضين الساعات الطويلة في التحدث عبر الهاتف او مع الجارات او في التسوق وتضيف «هندة» غيابي في النهار لم يؤثر يوما على علاقتي بأطفالي لانهم يكونون بدورهم في مدارسهم وفي المساء يجمعنا المنزل ولا يشغلني اي شيء عنهم، فأنا اهتم باعداد اكلهم وملابسهم ومراجعة دروسهم ولا انام قبل ان يخلد جميع من في البيت الى النوم، لأكون اول من يستيقظ في الصباح.. وبدورها ترفض «دليلة» حجج بعض النساء حيث يتذرّعن بالانشغال بالوظيفة ويهملن اطفالهن وأزاوجهن. تقول «دليلة» : المرأة الحكيمة هي التي تنجح في ايجاد توازن بين طموحاتها الذاتية وواجباتها نحو اسرتها، فلا يجوز لها اهمال الابناء والانشغال بعملها نهارا والدروس المسائية والذهاب الى قاعة الرياضة في يوم العطلة الاسبوعية او الخروج مع الصديقات فتلك هي الانانية بعينها وانعدام لروح المسؤولية. وتضيف دليلة: انها تعرف نساء كثيرات من هذا الطراز حيث يعشن لأنفسهن ولا يبالين بالزوج والابناء، ومثل هؤلاء تقول «دليلة» سيندمن لاحقا عندما بكبر الابناء دون اي رابط نحو الأم حيث يتوجه اهتمامهم اما الى الاب او الى الاصدقاء الذين يصبحون المرجعية الوحيدة لهم وهنا مكمن الخطر. **طموح قاتل »فاتن» تشتغل في ميدان التعليم تحمد الله لأن عملها يتيح لها قضاء اكبر وقت ممكن ببيتها مع زوجها وابنائها وهي لا تتصوّر نفسها يوما بعيدة عنهم مهما كانت الظروف. غير ان فاتن تشير الى ان الطموح المبالغ فيه قد يدفع بالبعض الى ارتكاب اخطاء لا تغتفر في حق ابنائهن، وتذكر لنا ما فعلته احدى زميلاتها السابقات التي تركت ابناءها الثلاثة رفقة والدهم للعمل باحدى دول الخليج، كل ذلك من اجل المال وهذا خطأ فادح تعتبره فاتن وقد بدأت الزوجة تحصد نتائجه فبعد عودتها النهائية بعد ست سنوات من الغربة بدأت الأم تشعر بالغربة بين اطفالها وزوجها وهي على ابواب الطلاق. كل ذلك بسبب الطموح الزائد الذي يجني على صاحبه احيانا حسب تعبير فاتن . روضة موظفة تتساءل باستغراب هل يعني هذا ان ربة البيت هي الزوجة والأم المثالية وتجيب: «لا اظن ذلك فزوجة اخي التي لا تعمل يشتكي زوجها وابناؤها من اهمالها الكبير ويحاولون دفعها الى ايجاد عمل يخرجها من حالة الملل التي تعيشها وتجعلها تمضي الساعات الطوال في اشياء غير مجدية كالثرثرة في الهاتف والتجوال في الاسواق. وتقول روضة ان نجاح المرأة العاملة في مهمتها تجاه اسرتها يتوقف على عاملين اساسيين الاول هو مدى قدرتها على التضحية. من اجل الغير ومدى تفهم المحيطين بها وتقديرهم لدورها وهو ما يخلق علاقة فيها الكثير من الانسجام والتفاهم بين كل افراد الاسرة. لذلك تنهي روضة حديثها بأنه لا مجال لاتهام كل النساء العاملات بالتقصير والقول بأن كل ربات البيوت امهات وزوجات مثاليات. **رأي مختص الدكتور «م.ه» مختص في علم النفس الاجتماعي يؤكد ان العلاقات الاسرية قد طالتها المتغيرات نتيجة تظافر عوامل عديدة وليست الأم هي المسؤولة الوحيدة على تغيّر شكل هذه العلاقة. فالأم لم تعد هي المرجعية الاولى والوحيدة في حياة الابناء كما في السابق نتيجة كل التطوّرات التي تحدث بسرعة اكثر مما نتصوّر. فقد اصبح في حياة الابناء اكثر من مرجعية بالاضافة الى الوالدين هناك الاصدقاء وكذلك التلفزيون وكل وسائل الاتصال الحديثة، وهو ما يؤثر بشكل كبير في تشكل شخصية الابناء سواء كان ذلك بموافقة الوالدين او دون ذلك. لكن ذلك لا يجب ان يثني الوالدين والأم بالدرجة الاولى على القيام بمسؤوليتها كاملة تجاه ابنائها حتى توفر لهم خلفية اخلاقية وفكرية. وتشكل لديهم حصنا يحميهم من كل الاخطار التي قد تحملها العوامل الخارجية. ويقول الدكتور (م.ه) ان المرأة التي تتمتع بالنضج الكافي وروح المسؤولية قادرة على توفير هذه المناعة لأبنائها وخلق علاقة مميزة بينهاوبينهم بغض النظر ان كانت موظفة او ربة بيت.