اللّغة هي قبل كلّ شيء استعمال يومي يملأ كلّ لحظة من حياتنا، بما في ذلك زمن أحلامنا. وهي منطوقة كانت أو مكتوبة، تنهض بوظائف شتى، لعلّ أخطرها الوظيفة الاجتماعية التي تتجلى في الممارسة بمختلف أشكالها. وهي باختصار «تموّل» حقل النشاط الانساني كلّه. ومع ذلك فاللّغة ليست بريئة ولا محايدة، وبخاصة في وضع مثل وضعنا نحن العرب، حيث تعاني العربية من اكراهات شتى وهي تغادر للعاميات والدخيل كثيرا من الألفاظ الدالة على أشياء كلّ يوم، وتكاد تشرف على العالم من عل.. أو هي تحاذيه ولا تلامسه. هكذا يتهيأ لنا نحن الذين لم نغادر منازلنا ولها في قلوبنا منازل ولكننا نقيم في عالم أجنبي كما كتب أحمد بيضون وننطق بلساننا.. ومع ذلك لا ننفكّ نترجم.. فتتغيّر لغتنا بقدر ما نتغيّر. وقد لا يخفى أن التحوّل البلاغي كثيرا ما ينمّ على تغيّر أو تحوّل اجتماعي، إذ من الثابت أن طريقة الكلام أو شكله هي محتواه، وأن كل مضمون ايديولوجي يجد شكله الخاص به ولغته وبلاغته. في إعلامنا العربي تجري كلمات كثيرة.. وهي ذات جرس عربي.. ومع ذلك لا نجد فيها أو في بعضها ما يناسبنا إلى لغتنا ويمتّ إلينا بما هو حظّنا منها، وذريعتنا إلى القول فيها. من ذلك مثلا احتفاء بعض مهرجاناتنا الأدبية بمقولة «العولمة».. حيث يدير البعض هذه الكلمة دون أن يعي خطورتها ما تعلّق الأمر بالثقافة أو الأدب. وربما كان الأجدر استعمال مقولة «الكونية» ضدّ مقولة «العولمة» فالكونية أفق محمود يجدر بالانسان أن ينخرط فيه. وهي قيمة انسانية تتناسب وثراء الوجود الانساني، لأنها لا تلغي الاختلاف والتعدّد. بل تسعى إلى ادماجهما في سياق من التناغم. على حين ان «العولمة» كما يصرّفها أهل السياسة وتقنيو الاقتصاد العالمي تقوم على المجانسة والتنميط ومحو تاريخ طويل صرفت فيه الشعوب حياتها وأفنت مصائرها من أجل اغناء تنوعها وتطوير اختلافها وخلافها أيضا. وهذا ما ينبغي التصدي له، في تقديرنا.. ولكن ليس ضمن فضاء العولمة بل ضمن فضاء الكونية الذي لا يحوّل الاختلاف إلى خلاف، وإنما يجعله شرط إمكان الحوار. فالكونية أفق وجود.. وأما العولمة فهي استيطان مقنّع في أرض الآخر. والأدب لعمقه الأخلاقي (أي الأخلاق باعتبارها قيما انسانية تدور على الحريّة والمراهنة على السعادة وليس من جهة كونها آداب سلوك) لا يسعه إلا أن يكون صديقا لمقولة الكونية. من هذه الكلمات أيضا.. أعني تلك التي نترجمها دون أن نتنبّه إلى مكرها.. كلمة «تنازلات».. فكثيرا ما نسمع هذا المسؤول العربي أو ذاك يطالب اسرائيل بتقديم «تنازلات».. وكأن خروج الاسرائيليين من الأرض الفلسطينية المحتلة تضحية أو تنازل عن حق. هذا وغيره مما لا يتّسع له هذا الباب، يبيّن بجلاء أن كلّ تعبير يحمل في طيّه وعيا خاصا أو رؤية خاصة، ويشير إلى انتماء ايديولوجي أو ثقافي صريح. فكلّ شيء يجري في ثنايا اللغة.. بما في ذلك هذا الصراع الدامي الذي يخوضه بعض أبناء أمتنا في العراق وفلسطين.. فاللغة ليست بنية محايدة.. بل قد تكون أداة خداع وتدليس وإيهام. ولنا عودة إليها وعليها في باب قادم.