بقلم الأستاذ نبيل بن فرج المحامي (بنزرت) لقد كثر كما يبدو.. عدد المترشحين للعمادة وعضوية الهيئة الوطنية للمحامين، وسينتظرون نيل رضى وثقة القاعدة العريضة التي ازدادت اتساعا وشروخا على مرّ السنين لبقاء الباب مشرّعا للوافدين على المهنة ممن توفرت فيهم الشروط القانونية فانتسبوا إليها من كلّ الآفاق والمستويات العلمية وحتى الوظيفية وبقدر ما كانت طاقة الاستيعاب متهيّئة وقادرة على تقبل المرشحين الجدد طال أمد البحث عن حلول لمسائل وإشكاليات التغطية الاجتماعية التأمين على المرض والسمسرة... وحصانة المحامي وما يجب أن يتمتع به من ضمانات قانونية أثناء مباشرته لعمله. تعاقب عمداء عديدون وهيئات وطنية منتخبة إلا أنّ الأسئلة المحيّرة والمكدّرة لراحة لسان الدفاع بقيت هي نفسها ويطرح بإلحاح شديد يدعو للحيرة في كلّ مناسبة انتخابية وكأنها مطالب جديدة. لقد أصبحت المطالب القديمة الجديدة تضاف إلى مهنة الأتعاب فتضاعف من أتعابها إلى حدّ الإرهاق في مجابهة تحديات اللحظات الوهنة ومفاجئات الأيام الثكلى. ولكن بالرغم من مصاعب ومعوقات المهنة بقيت المحاماة مطمح وهدف أجيال متعاقبة بل وحلبة صراع لنخبها النيرة وتنافس حرّ بين شرائح وأطياف وألوان متباينة من أجل الفوز بمشعل تمثيل القاعدة وتسيير هياكلها وخدمة مصالحها.. هذا التنافس الذي يبدو عفويا ونزيها وبعيدا عن الحسابات الضيّقة والتحالفات الظرفية يخفي ظاهرة باتت مبعث حيرة وتخمينات جمّة وتدعو للتفكير الجاد والرصين في الباعث الحقيقي والمحرّك الأساسي لجذوة الرغبة في الترشح والفوز التي انتابت جلّ المترشحين خاصة وأن عددهم فاق المعدّل المعهود ومرشّح للإرتفاع ومنهم أسماء تكرّرت واجترّت حتى عادت من عناصر الديكور الانتخابي وكأن النبض الجديد انقطع وتجمّدت شرايين العطاء... إنّ التنافس في حدّ ذاته محمود لأن لا أحسن من تعدّد الخيارات والمطارحات الفكرية ولكنه في الآن نفسه يمكن أن يكون مفتاح المغامرات لا تحسب نتائجها في غياب محكّ المحاسبة وضوابط المسألة أثناء الفترة النيابية وبعدها والتي يمكن أن تؤدي إلى العزل أو تجميد العضوية وذلك بتقوية سلطة الجلسات العامة (الجمعية العامة) وجعل قراراتها نافذة. ففي غياب تلك المساءلة الرادعة أو الرقابة القاعدية لكلّ المؤتمنين على مستقبل المهنة أصبحت هذه الأخيرة ساحة سباق كثر فيها المتنافسون... بدون رهانات واضحة وإن كانت أهدافهم معلنة بوضوح ودقة رغم آفاقها الشبقية ورموزها القزحية التي تشكّل سحر وجمالية الطيف، وبكلّ تأكيد فإن التنافس طبيعي إن لم يكن غريزيا يثري الأرضية الفكرية والنظرية وينير السبيل إلى الهدف المنشود بقطع النظر عن النوايا والمطامح الحقيقية للمترشحين التي لا تنجلي إلا عبر الممارسة والتجربة وغالبا ما تكون بعد فوات الأوان.. فيصبح حينئذ تكرارا مملا لسيناريوات ضرورية ولكنها عديمة الجدوى والفاعلية بدون إرهاصات الفعل والعمل لتحقيق المطالب بمعزل عن المراقبة وقوّة الدفع إلى الأمام التي تمثلها إرادة القاعدة بواسطة الجلسات العامة العادية والغير عادية. وتستمرّ العملية الانتخابية مؤثثة بشتى المواقف والتنظيرات والأطروحات المطليّة بالمساحيق الفضفاضة والإيديولوجيات المحنطة والزاخرة بمفردات الحرية والتغيير.. والدفاع عن الدفاع إلا من مرادفات الصدق والنزاهة.. وتبقى القاعدة العريضة الصامتة والمهمشة تنظيميا وهيكليا صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير والتنوع دوما حذرة ومشاكسة ولا ترضى بالدوني والوقتي المستمرّ ومساحيق المبادرات حتى ولئن اغترت ظرفيا بطقوس وردية تبشر بأحلام برّاقة سرعان ما يخبو لمعانها وتتبخّر مع هبوب أولى نسمات الفجر وتقلّص عتمات ليلة صاخبة ومترعة بكؤوس الضجر الذليل والفرح البائس وتغدو أحلامها يقظة متحدية عهر المواقف المستعارة وصخب الحماس الكاذب عندما يكشف صندوق الاقتراع عن نتائج جازمة وحقائق غير مشتهاة من ألوان الطيف الذكي وموزاييك الثرثرة البلاغية.