"فارس": الخطة المطروحة للتفاوض تشمل تقييد مرور السفن يوميا عبر هرمز لمدة أسبوعين    ترمب يعلن وقفا لإطلاق النار لمدة أسبوعين وطهران تتحدث عن نصر عظيم    عراقجي يعلق على نقاط مهمة في اقتراح وقف إطلاق النار    جامعة كرة القدم تقر عقوبة الايقاف لمدة أربع جولات في حق اي حكم يرتكب أخطاء فنية    وقف اطلاق النار الأمريكي الإيراني يشمل إسرائيل وحزب الله    ترامب يؤجل الهجوم المقرر على إيران لأسبوعين    قبل فقدان الذاكرة.. إشارات خفية تكشف الإصابة بالخرف    لماذا يجب الانتباه لمعدل ضربات القلب؟ وكيف تُخفضه؟    عاجل: تونس للطرقات السيارة تعلن برنامج أشغال جديد وتنبه السائقين: التفاصيل    أخبار المال والأعمال    اللواقط الشمسية في تونس: من خيار بيئي إلى رافعة اقتصادية    اعترافات صادمة لقاتل الوزير والسفير يوسف بن حاحا... قطعت الكهرباء وضربته بجسم صلب على رأسه!    الكتاب الورقي في مواجهة القراءة الإلكترونية ...صراع البقاء أم شراكةفي المستقبل؟    كيف تُغذّي الصهيونية المسيحية نرجسية ترامب؟    عاجل/ البيت الأبيض يكشف حقيقة عزم ترامب استخدام سلاح نووي في إيران..    عاجل/ اثر زيارة لرئيس الدولة: اعفاء هذا المسؤول من مهامه..    عاجل/ وزير التجارة يعلن عن بشرى سارة للتونسيين بخصوص عيد الاضحى..    تونس تحتفي مع المجموعة الدولية باليوم العالمي للصحة تحت شعار " معاً من أجل الصحة/ ادعموا العلم"    الفرق الطبية بمستشفى فطومة بورقيبة بالمنستير تنجح في إجراء عمليتي زرع كبد لطفلين خلال 72 ساعة فقط    قريباً-وداعًا للفارينة: تونس تعتمد خبز النخالة المدعم...السوم هكا باش يكون    بطاقتي ايداع بالسجن في حق موظفين سابقين بمؤسسة اعلامية عمومية اشتكاهما منشط اعلامي مشهور    أبطال أوروبا: برنامج مواجهات الدور ربع النهائي    إدارة الحرس الوطني تعلن عن إجراء تحويل جزئي في حركة المرور بإقليم الحرس بسيدي بوزيد يوم 9 أفريل    أشبال تونس يتأهلون رسميًا لكأس إفريقيا تحت 17 سنة بالمغرب    تونس تحتاج إلى نحو 40 ألف تبرّع إضافي بالدم لتغطية حاجياتها الوطنية السنوية    المنارات: الاطاحة بوفاق اجرامي خطير روع تلاميذ المؤسسات التربوية بالبراكاجات وعمليات السلب    المركز الثقافي الدولي بالحمامات يستضيف سلسلة من المعارض التشكيلية المتنوعة لفنانين من جنسيات مختلفة    عاجل/ الحرس الثوري الإيراني يهدد أمريكا وحلفاءها..    مسؤول إيراني: جهود باكستان لوقف الحرب تقترب من "مرحلة حاسمة"    جمال بن سالم مدربا مؤقتا للاولمبي الباجي خلفا للطفي السليمي    تضمّ أكثر من مليار مُستهلك: فرصة واعدة أمام تونس لاقتحام السوق الرقمية الإفريقية    قضية اغتيال الشهيد بلعيد..تطورات جديدة..#خبر_عاجل    تونس: 10,982 حاجًا جاهزون لموسم الحج    سبادري TN الأسطوري : علاش غالي وعلاش يحبوه ؟    الرابطة الأولى: قضية النادي البنزرتي وأيمن الحرزي تعود للواجهة.. والحسم اليوم    حي النصر: إيقاف مروّج مخدرات حاول الاعتداء على أعوان أمن بسلاح أبيض وغاز مشل للحركة    من تبرسق إلى العالمية... إياد بوريو بطل تونسي يُبهر العالم!    البحارة الستة المفقودين: سفينة عسكرية تساهم في البحث عنهم    ارتفاع عدد قتلى حوادث المرور منذ بداية السنة وإلى غاية 5 أفريل الجاري    سفارة تونس ببروكسال تنظم تظاهرة اقتصادية للترويج للاستثمار التونسي وزيت الزيتون    فتح باب الترشح للمشاركة في عروض الدورة 38 للمهرجان الدولي بنابل    ناسا تدرج الكسكسي ضمن وجبات مهمة في رحلتها إلى القمر    كأس حليب كل يوم... شنّوة يعمل لبدنك؟    اليوم النجم يواجه الترجي... ماتش نار في حمام سوسة...وقتاش؟    التوقعات الجوية لهذا اليوم..    قفصة: تلميذة تضرم النار في جسدها داخل المعهد    بطولة مونزا للتنس : معز الشرقي يودع المنافسات منذ الدور الاول بخسارته امام السويسري ريمون بيرتولا    شنوّة صاير اليوم؟ إضراب يشلّ الإعدادي والثانوي    عاجل: قيس سعيّد يعاين إخلالات خطيرة وإهدارًا للمال العام بالمنستير    رئيس نقابة الفلاحين: أسعار الأضاحي يمكن أن تتراوح بين 800 د وتصل إلى مستويات أعلى بكثير    سليانة ...نجاح تظاهرة الملتقى الجهوي للمسرح    لحياة أسعد وأبسط.. 6 دروس في الاكتفاء الذاتي    حلم دام 30 سنة بصفاقس ...جمعية «الرفيق» للأطفال فاقدي السند تدشّن مقرها الجديد    الخميس 09 أفريل الجاري ... وكالة احياء التراث والتنمية الثقافية تنظم يوما تطوعيا لتنظيف وصيانة الموقع الاثري بأوتيك    مواطنة أوروبية تعتنق الإسلام في مكتب مفتي الجمهورية    الإتحاد الوطني للمرشدين السياحيين يستنكر قرار مراجعة معاليم الدخول إلى المواقع والمتاحف الأثرية دون التشاور مع الأطراف النقابية المتداخلة في القطاع    مع الشروق : «كروية الأرض» شاهدة على أن التاريخ لا يموت في اسبانيا!    ظاهرتان فلكيتان مرتقبتان في تونس في 2026 و2027    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لماذا تسيّست الدعوة الإسلامية؟ : الدكتور راشد الغنوشي
نشر في الفجر نيوز يوم 23 - 03 - 2009

لئن اشتركت الحركات الإسلامية في مرجعية الإسلام كتابا وسنة وإجماعا، فهي تختلف في الصبغة العامة التي تصطبغ بها كل واحدة منها باختلاف الملابسات التي حفت بظهورها.
ففي بلد خاضع للاحتلال الأجنبي المرجح أن تكون هموم التحرير هي الغالبة عليها، بينما في بلد يعاني من تأثيرات الغزو الثقافي والعلمنة الطاغية على هوية البلاد الإسلامية المنتظر أن يكون الهمّ الأعظم للحركة الإسلامية الدفاع عن مقومات الشخصية الإسلامية ومواجهة ضروب العلمنة السائدة مواجهة فكرية عقدية وتربوية، وهو ما كان عليه الأمر في تونس نهايات الستينيات من القرن العشرين المنصرم، وكان يمكن أن تستمر حركة دعوية فكرية دون انخراط كلي في السياسة، فلم لم يحدث ذلك؟
"
لم يمر عقد ونصف على استقلال تونس حتى أخذت بذور التحديث البورقيبي تثمر محاصيلها، من طريق الاستخدام المفرط لمؤسسات دولة حديثة شديدة التمركز لتفكيك الإسلام عقائد وشعائر وقيما ومؤسسات، باعتبارها عوائق في طريق الإستراتيجية العليا للدولة
"
1- لم يمر على "الاستقلال" (1956) عقد ونصف حتى أخذت بذور التحديث البورقيبي تثمر محاصيلها، من طريق الاستخدام المفرط لمؤسسات دولة حديثة شديدة التمركز لتفكيك الإسلام عقائد وشعائر وقيما ومؤسسات، باعتبارها عوائق في طريق الإستراتيجية العليا للدولة التي يلخصها شعار بورقيبة الأثير "اللحاق بركب الأمم المتحضرة".
فكان طليعة قرارات الاستقلال الأولى: تفكيك المؤسسة الزيتونية، الحارس لمقومات الشخصية العربية الإسلامية لتونس وأعظم قلعة لحضارة الإسلام في أفريقيا، وكان يومئذ يزاول التعليم فيها بمختلف مراحله 27 ألف طالب، وكانت قد قطعت شوطا بعيدا في طريق الإصلاح، استيعابا للعلوم الحديثة في إطار الإسلام ولغته العربية، فكان قرار شطبها بمثابة التقويض لأسس البناء وزلزالا لهوية البلاد واستهدافا للغة وللدين وللأخلاق.
وتلاحقت الضربات على البناء فكان إلغاء المحاكم الشرعية ومصادرة الأوقاف التي كانت تتصرف في حوالي ثلث الملكية الزراعية، مكرسة لخدمة مؤسسات المجتمع الأهلي كالتعليم. وحتى شعائر الدين لم تسلم من الاستهداف فكانت الدعوة الرسمية لانتهاك حرمة رمضان من قبل رئيس الدولة نفسه في غرة شهر رمضان 1961 حيث احتسى عند الظهيرة كوب عصير على ملأ من شعبه، مفتيا إياه بحالة الجهاد ضد التخلف!!
وحتى عقائد الإسلام الكبرى كالألوهية والنبوة والجنة والنار ومعجزات الأنبياء والقرآن نفسه لم تسلم، فقد تعرضت في خطب الرئيس للقصف، الأمر الذي دفع أئمة كبارا في العالم الإسلامي لاستتابته. وباسم تحرير المرأة تبنت دولة الاستقلال إستراتيجية شاملة منها تحديد النسل والإجهاض.. وإباحة الزنا –بشرط التراضي- وحظر الحجاب.. أفضت خلال أربعين سنة إلى تصحّر للنسل وإلى تفكيك شامل للأسرة وتعريض جملة البناء المجتمعي للتحلل ووضعه على طريق الانكماش والشيخوخة والفناء، في سابقة فريدة في عالم الإسلام والعالم الثالث الذي يشكو وفرة النسل، بما جعل حاجة البلاد ليست لفتح المزيد من المدارس بل للشروع في إيصاد أبواب المئات منها لنضوب المنابع.
ومن ذلك فإن المتقدمين لشهادة الباكالوريا لسنة 2009 قد انحدر عددهم بأكثر من 17 ألفا عن السنة الماضية، فضلا عن تراجع نسب الزواج وارتفاع نسب الطلاق والعنوسة والإجرام.. وكلها ثمار لنظام فاشي علماني متطرف، أرساه بقوة الدولة عهد "الاستقلال" وسوّقه باسم تحديث مغشوش.
2- ولدت الحركة الإسلامية بدايات السبعينيات، دعوة تجديدية لأصول الإسلام وللالتزام بشعائره، صلتها بالسياسة اليومية رقيقة، ولدت كأحد أهم دفاعات المجتمع التونسي عن مقومات شخصيته ووجوده واستمراره عربيا مسلما وامتدادا للأمة، وليس تابعا صغيرا لأمم الغرب.
ولأن الطلب كان قويا على مقومات هذه الهوية بسبب تفاقم الشعور بالخطر فقد نمت بسرعة، فأعادت بفضل الله الحياة للمساجد وللمصاحف وللشعائر ولقيم الإسلام، تجسّر العلاقة بينها وبين عالم الحداثة في معاهد التعليم والجامعة والإدارة، وتمتدّ بها تباعا إلى كل مؤسسات المجتمع النقابية والثقافية والسياسية انطلاقا من منظور الإسلام التوحيدي الشامل الذي يدعو المؤمنين ليعبدوا الله الواحد الأحد بكل نفوسهم وفكرهم وجوارحهم مخلصين له الدين في كل مسالكهم ومناشطهم، وإلا فهو الشرك الظاهر أو الخفي.
"
تمثّل صور الرئيس المنبثة في كل مكان رمزا للسلطة المهيمنة على كل شيء والحاضرة في كل مكان والمهددة لكل من تحدثه نفسه بانتهاج سبيل غير سبيله، في محاولة للحلول محل الله في مخيال الناس
"
3- يمكن للمواطن في ظل نظام ديمقراطي تعلوه سلطة القانون أن يختار لنفسه نوع النشاط الذي ينسجم معه فينضوي في جمعية متفرغة لذلك المنشط، قد تكون سياسية وقد لا تكون لها علاقة بالسياسة، فيحقق أعلى درجات فعاليته دون أن يصطدم بالسياسة ولا هي تصطدم به، ولا ينشغل بها أصلا، ولكن في نظام شمولي فردي مركزي ستجد السياسة تلاحقك وتحيط بك حيثما اتجهت، إلا إذا آثرت حياة الخمول والدعة.
وتمثّل صور الرئيس المنبثة في كل مكان رمزا للسلطة المهيمنة على كل شيء والحاضرة في كل مكان والمهددة لكل من تحدثه نفسه بانتهاج سبيل غير سبيله، في محاولة للحلول محل الله في مخيال الناس. ومن ذلك اعتقال عدد من الشبان اعتادوا ممارسة لعبة الكرة إثر صلاة الفجر، والتهمة أنهم لم يحصلوا على ترخيص مسبق. ودوهمت من طرف الشرطة حفلات عرس اختار أصحابها إحياءها بموشحات وأناشيد دينية، بديلا عن الفنون الهابطة وأم المعاصي، باعتبارها مناشط أصولية، فانقلب العرس مأتما.
4- في ظل نظام من هذا القبيل ما كان يمكن تخيل أن تترك دعوة إسلامية تقوم على منظور إسلامي شامل لتنمو بشكل طبيعي، حتى ولو كانت في صيغة "جماعة التبليغ" البعيدة عن السياسة فقد تعرضت للاعتقال، فكان أول الاصطدام في المسجد الذي تعتبره السلطة ملكا لها تعيّن أئمته من قبل أعضاء الحزب الحاكم بل في كثير من الأحيان من الشرطة المتقاعدين، بينما يعتبره أهل الدعوة -كما كان الأمر في تاريخ حضارة الإسلام- ملكا لله، يديره المجتمع الأهلي عبر علمائه وجمعياته ومذاهبه وطرقه.. وامتد الصدام إلى المعاهد والجامعات.. لينتهي إلى الشارع، وفي حالات إلى الجبال.. ليس لك من خيار في مجتمع استبدادي، زبانية القمع في كل مكان يسدون كل طريق إلا أن تصطدم بهم، وتخوض غمار السياسة، فتواجه الاستبداد من أجل تفكيك مؤسساته بدءا بقوانينه وانتهاء باستبعاد القائمين عليه أو خضوعهم لحكم القانون وإرادة الناس.
ولذلك رغم أن الحركة الإسلامية في كل مكان نشأت حركة دعوية ثقافية فإنها ما إن حققت قدرا من النمو حتى تنبهت دولة الاستبداد لها فاستدارت لها لتوجه لها مدافعها، ولا تزال تفعل ذلك معها ومع غيرها ممن رفض أن يكون معارضة مؤنّسة مدجنة.
ليس في مثل هذا النوع مناص من ممارسة السياسة المفضية حتما إلى المواجهة مع الاستبداد، وليس المعارضة المعترف بها في الأنظمة الديمقراطية وبحقها في منافسة السلطة وحتى الحلول محلها، فهذه لا مكان لها حيث يسود الاستبداد، المواجهة لوضع أشد من الاحتلال بل هو نائب عنه، وهو ما يجعل الحديث عن مجتمع مدني في ظل الاستبداد حديثا حالما أو مخادعا يشبه الحديث عن مصالحة مع الاحتلال.
5- وكان حتما لازبا على نظام شمولي حداثوي فردي شديد التمركز أن يدخل في حلقات لا تنتهي من القمع لمعارضيه بكل اتجاهاتهم سواء أكانوا من داخل حزبه الأوحد (جماعة ابن يوسف، المستيري، ابن صالح..) أم كانوا من خارجه (يساريين، شيوعيين، نقابيين، ليبراليين، عروبيين، إسلاميين، حقوقيين..). لم يكن منتظرا من نظام من هذا الصنف أن يترك مجالا لأي منشط ثقافي أو سياسي وحتى رياضي أن ينشأ خارجه ويترك له فرصا للنمو المستقل عنه، فكل ما هو خارجه هو في صراع وجودي محتم معه حتى ينهيه أو يحتوي، ولذلك يمكن اعتبار تاريخ دولة الاستقلال ليس هو بحال تاريخ تداول السلطة بين التيارات السياسية بل هو تاريخ تداولها القمع والسجون والسلخ والتعذيب والتهجير.
"
لم تعرف السجون في تونس لحظة لالتقاط الأنفاس، فحلّ فيها اليساريون محل اليوسفيين وحل النقابيون محل اليسار وحل الإسلاميون منذ سنة 1981 محل أولئك فسجن منهم يومئذ 500 وفي سنة 1987سجن منهم عشرة آلاف وفي 1992 سجن منهم ثلاثون ألفا
"
لم تعرف السجون لحظة لالتقاط الأنفاس، فحلّ فيها اليساريون محل اليوسفيين وحل النقابيون محل اليسار وحل الإسلاميون منذ سنة 1981محل أولئك فسجن منهم يومئذ 500 وفي سنة 1987 سجن منهم عشرة آلاف وفي 1992 سجن منهم ثلاثون ألفا، أطلقت آخر دفعة منهم الآونة الأخيرة منهم الرئيس السابق للحركة أستاذ كلية الطب صادق شورو بعد أن أمضى 18 سنة معظمها في سجن انفرادي، سيم فيه أشد النكال.
ولأنه تجرأ على التصريح لبعض وسائل الإعلام بأنه لا يزال معتزا بانتمائه للنهضة، وطالب بالسماح لها بالنشاط القانوني، فقد أعيد اعتقاله ولمّا يستكمل استقبال المهنئين، ليحكم عليه مجددا بسنة سجنا. لم يغفر له أنه قاد حركته إلى نصر ساحق في انتخابات 1989، قرروا تزييفها ومعاقبة الفائزين بالاستئصال.
6- أما من الناحية النظرية التأسيسية فإن السياسة ليست شيئا ملحقا بالإسلام طارئا عليه وإنما هي من أصوله، وذلك إذا فهم كل من الإسلام والسياسة على حقيقته، على اعتبار السياسة فن رعاية شؤون الناس بما يحقق العدل فيهم والتعايش بينهم والسعادة لهم ووزع بعضهم عن بعض، وهل جاءت النبوات لغير تعريف الناس بربهم وبالغرض من وجودهم وبالقيم وبالموازين وبالشرائع الكفيلة بما يحقق مصالحهم وسعادتهم في الآجل والعاجل؟ وهو ما يجعل الإسلام مسيسا بطبعه، رافضا من منطلق قاعدة التوحيد أساس كل بنيانه أي صورة من صور الشرك، إن في مستوى الاعتقاد أو في مستوى السلوك الفردي أو الاجتماعي، خضوعا لأي مصدر آخر من مصادر الإلزام والتشريع ليس مستمدا من شرائع الله "وهو في السماء إله وفي الأرض إله". وفي مجتمع مسلم تمثل آليات الحكم الديمقراطي أفضل سبيل لهذا الاستمداد.
7- وتاريخيا, منذ العهد المكي -رغم أن الفئة المؤمنة كانت تعيش مضطهدة في ظل أعراف وأحكام قبلية جاهلية- بدأت تهيئتها لأحكام الإسلام، فاقترن مثلا الحديث عن الصلاة بالحديث عن الزكاة، وظل صاحب الدعوة عليه السلام يبحث جاهدا عن أرض تؤوي دعوته بعد أن رفضها كبراء مكة والمتحكمون في ضعفائها، حتى إذ ظفر بها في خيبر بدأت الشرائع المفصلة تتنزل تباعا حسب الحاجة، وتأسس على ذلك النموذج واقتداء به وقياسا عليه واستمدادا من مقاصده فيض من الفقه، ما احتاج المسلمون على امتداد تاريخهم وحضارتهم لاستمداد تشريع من خارجه لتنظيم حياتهم في كل المجالات.
واستمر الأمر على ذلك حتى نكبت الأمة بالاحتلال الغربي، فما تلبّث بأنموذج الحياة الإسلامية وما قام عليه من شرائع وقيم حتى أخذ في إزاحته وإحلال تشريعاته العلمانية محله مبشرا بمنظورات فكرية وقيمية وفلسفية تقصي الإسلام عن شؤون الحياة والحكم وتعزله في أضيق نطاق تمهيدا لطرده جملة.
8- ومع أن الحركة الإسلامية في تونس قد واجهت التطرف العلماني السائد الذي تولى كبر قيادته وفرضه بأدوات الدولة الزعيم بورقيبة وواصله بأفدح خلفاؤه، ولم يكن أمامها غير تفنيده انتصارا لرؤية الإسلام التوحيدية، إلا أنها هنا لم تطرح في الساحة التونسية شعارات معتادة لدى حركات الإسلام مثل شعار الدولة الإسلامية، معتبرة أن المشكل اليوم ليس استبدال قانون شرعي بقانون وضعي -رغم أهمية ذلك- وإنما المشكل هو غياب فكرة القانون ودولة القانون وسيادته في ظل النظام القائم، ولك أن تقول غياب قيمة الحرية وسلطة الشعب لصالح سلطة الدكتاتور وتسلط الدولة على كل شؤون المجتمع بما فرض على الحركة الإسلامية أن تعتبر المحور الرئيسي لعملها هو محور الهوية والحرية والعدالة، وليس محور الشريعة، مع أنها كلها من مقاصدها، وهو ما عبرت عنه جميع وثائقها بدءا من وثيقة البيان التأسيسي إلى ميثاق حركة النهضة وسائر أدبياتها وبالخصوص إنتاج رموزها الذين يعتبر إسهامهم مهمّا في تطوير خطاب الحركة الإسلامية وبالخصوص في المغرب العربي صوب تبني النموذج الديمقراطي في الحكم والمعارضة والتأسيس له وتأصيله وتخريجه على أصول الإسلام باعتباره أفضل ما توصلت له الخبرة البشرية تطبيق الشورى ومقاومة أصل الشرور: الاستبداد، ليست هي بالتأكيد بالمثالية، ولكنها أفضل الموجود وقابلة للتطوير عبر النظر والتطبيق، حتى إن خير ما مدحت به الديمقراطية أنها أقل الأنظمة سوء.
والحق أن أهمية الديمقراطية إنما تتأكد إذ تقارن بالبدائل عنها، وهو ما يجعل العاقل يبرأ بنفسه أن يؤول نقده للديمقراطية إلى ما آل له النقد الماركسي، الذي أرسى أشد الأنظمة فردية وتوحشا.
"
يظل الحذر من تيارات إسلامية جعلت ديدنها تكفير الديمقراطية من دون وعي وانتباه إلى أنها ضحية لغياب الديمقراطية وأنها دون وعي تسوق المياه إلى مجاري الدكتاتورية تطيل ليلها
"
9- وعلى نفس المنوال ينبغي أن يظل الحذر من تيارات إسلامية جعلت ديدنها تكفير الديمقراطية من دون وعي وانتباه إلى أنها ضحية لغياب الديمقراطية وأنها دون وعي تسوق المياه إلى مجاري الدكتاتورية تطيل ليلها، إلا أن الثابت أن هذه الجماعات ليست مندرجة ضمن التيار الوسطي العريض الكادح مع كل الكادحين من أجل مقاومة الاستبداد بأي برقع تبرقع، وأخطرها ما تبرقع بالإسلام، وذلك حتى لا نفاجأ بسجون ومهاجر تزدحم بالمعارضين تطاردهم أنظمة ترفع شعارات الإسلام والعياذ بالله من كل استبداد وبالخصوص ما رفع سيف الإسلام على معارضيه.
10- ثم إنه في الأخير، لطالما عيب على المسلمين بأثر عصور الانحطاط انصرافهم عن الدنيا وشؤونها إلى عوالم الروح واليوم الآخر، حتى جعل المصلحون هدفا أساسيا من أهدافهم استعادة الوعي بالدنيا وتأصيل الاهتمام بها والتأكيد المتكرر أن عمارتها مقصد للدين وطريق إلى الآخرة، فكان زعماء حركة التحرير يتصدون للطرق الصوفية ويتهمونها بتزييف وعي الناس، محرضين على الثورة، داعين المسلم إلى الكفاح والجهاد والكدح، إلا أنهم ما إن قضوا وطرهم، حتى أخذوا يبذلون أقصى الوسع في دفع الناس مجددا إلى حياة يغيب فيها الوعي السياسي، فطاردوا التسيّس على كل صعيد وخصوصا في الجامعات، التسيس الذي صنع قيادات هذا الجيل، دافعين الناس إلى الانغمار في خصوصيات أغراضهم ومطامحهم الشخصية الصغيرة، مشجعين طرقا وزوايا وضروبا من الشطح والدروشة طالما قاوموها زمن الحاجة إلى التسيس، شاهرين سيوفهم في وجه الإسلاميين بتهمة تسييس الدين.
وهم من دفعهم إلى التسيس وحتى إلى الإرهاب، ولم تسلم من قمعهم حتى جماعة بعيدة عن السياسة مثل جماعة التبليغ. وليست كل السياسة في الإسلام -عند التحقيق في خطابهم ومسالكهم- مذمومة، فما هم بعلمانيين أصلاء، يتركون الدين للمجتمع الأهلي، كلا بل هم الأحرص على تسييسه ولكن في اتجاه واحد يخدم سلطانهم، لتلهج المنابر بمآثرهم، نقيضا لمقاصد الدين: أن يكون الدين كله له، مخدوما لا خادما، وأن يكون الله وحده معبودا، لا الملك. قال تعالى "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" الذاريات.
11- ولأن الله قد كتب لهذا الدين البقاء، ولأن الحاجة إليه تزيد والطلب عليه يشتد، فقد فشلت كل مخططات تهميشه أو استحواذ السلطان عليه، فهو يتحرر من قبضته يوما بعد يوم وينقلب على ظلمه وفساده، لا سيما أمام الفشل المتفاقم للمشاريع التي تقدمت بدائل عنه في تنمية الأمة والدفاع عنها. ومسار القضية الفلسطينية يؤكد هذه الحقيقة التي عبر عنها الشاعر:
سيذكرني قومي إذا جدّ جدّهم ** وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
المصدر: الجزيرة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.