يعد الإرهاب ظاهرة القرن الحادي والعشرين، فكل دول العالم تتسارع اليوم وكل يوم على محاربته والقضاء عليه، فهو سمة العصر الحالي . وأحد عناصره الأساسية اعتماد ظاهرة العنف المباح الذي لا يقف عند حدود دولة معينة . فبعد حادثة 11 ستمبر/أيلول 2001 أصبح الإرهاب يطرق أبواب الدول واحدة تلو الأخرى سواء في أمريكا أو في أوروبا أو في الشرق الاوسط، فما يكاد أن يضرب هذه الدولة حتى ينقض على الأخرى .إن الإرهاب هو في الحقيقة ليس وليد العصر الحالي إنما هو قديم قدم التاريخ، إذ إن تاريخ البشرية مملوء بالحروب المتكررة والمآسي في مختلف بلدان العالم . تعددت أشكال الإرهاب فمنه إرهاب الدول القوية للدول الضعيفة أو غير القادرة على مجابهتها عن طريق شن الحروب غير المبررة، كما حدث في أفغانستان والعراق، وهذه الحروب تعتبر نوعاً من أنواع الإرهاب القديم- الحديث . إضافة لما تمارسه “إسرائيل” ضد الشعب الفلسطيني . إن إرهاب الدول القوية وتحكمها بمصائر وقدرات دول أخرى والتدخل في شؤونها المصيرية وتخطيطها لمستقبلها السياسي وحسب مصالحها الذاتية، وبما يتناقض مع مصالح تلك الشعوب التي تحكمت في مقدراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية . وهناك نوع آخر من الإرهاب يسمى إرهاب الدولة لمواطنيها في قمع حرياتهم والتضييق عليهم في حق إبداء الرأي أو التعبير عنه، أو حق التظاهر، أو اختيار مرشحيهم في الانتخابات، وإشراك المرأة في المناصب السيادية وما شاكل ذلك . ويصعب تحديد مفهوم الإرهاب، فلا يوجد تعريف موحد للإرهاب لحد الآن، ذلك لاختلاف أشكاله وأنماطه وأسبابه واختلاف أساليب الجماعات الإرهابية ومعايير النظر إليها، إلا أن التعريف العام لوزارة الخارجية الأمريكية لعام 1998 للإرهاب يحدد على أنه عنف مقصود ومدفوع بدوافع سياسية وموجه ضد غير المقاتلين من قبل جماعة معينة بهدف التأثير في الجمهور . ويتمييز هذا التعريف بالشمول، غير أن دولاً أخرى لها تعريفات مغايرة . أما علماء الاجتماع فقد حددوا تعريف الإرهاب بأنه عنف غير متوقع صادم، غير شرعي موجه ضد غير المقاتلين، ويضم المدنيين والعسكريين ورجال الأمن في أوقات السلم، أو ضد الرموز بهدف إثارة الرأي العام حول أهداف سياسية أو دينية أو الضغط على الحكومات أو الافراد للضغط عليها وتحقيق أهدافها المرجوة . أما جون جالتينج أستاذ بحوث السلام في جامعة هاواي فيصف أنواعاً كثيرة من الإرهاب مثل العنف والعنف ضد الطبيعة أو الجرائم الايكولوجية كجرائم التلوث والأمطار الحمضية، والإرهاب ضد الذات كالادمان على المخدرات والكحول والتدخين أو الانتحار الذاتي، والعنف ضد الأسرة كالإساءة إلى الأطفال والعدوان الجسدي والكلامي عليهم، والإرهاب ضد الأفراد كالسلب والنهب والاعتداء والاغتصاب والقتل، والإرهاب ضد مؤسسات الدولة كالفساد المالي والإداري، والإرهاب والعنف الأهلي أو ما يسمى بالحروب الأهلية وغيره من أشكال الإرهاب والعنف . إن العمليات الإرهابية التي تستهدف أهدافاً حساسة لأية دولة مثل الأهداف السياحية، والسفارات وقنصليات الدول الأجنبية، والمؤسسات والوزرات، والمراقد الدينية، إنما تستهدف إسقاط هيبة الدولة، وايصال رسالة إلى المواطنين بأن دولتهم غير قوية ويسهل اختراقها ومواجهتها، وأنها غير قادرة على حمايتهم . ومثلما حدث في 11 سبتمبر/أيلول 2001 في أمريكا، وفي تفجيرات لندن لعام ،2005 وتفجيرات الأردن ،2005 ومدريد ومصر وجاكرتا والهند والمغرب والجزائر وموريتانيا، فضلاً عن العراق وافغانستان وباكستان الاكثر شمولا بالعمليات الإرهابية . وتجدر الإشارة هنا إلى التفريق بين الإرهاب والمقاومة المسلحة المشروعة التي تستهدف المحتل فالمقاومة تختلف اختلافاً جذرياً عن الإرهاب الذي يستهدف الأماكن الحيوية للدولة والمواطنين الأبرياء العزل، أما المقاومة فهدفها واضح هو تحرير البلاد من براثن المحتل وأعوانه وهذا ما أقرته الشرائع السماوية، وجميع المواثيق والقرارات الدولية . إن الرد على العنف بعنف أكبر هو الخطأ بعينه، وهذا الشيء لا يقبله العقل ولا المنطق، إذ إن الحل الوحيد الأمثل هو اعتماد الأسلوب الديمقراطي لأنه الأجدر والأقدر وهو وصفة الشفاء لمرض تعددت أشكاله وأنواعه، وذلك لأن الديمقراطية تقوم على أساس احترام الكرامة الإنسانية، وهي مصدر حقوق الإنسان جميعها أي بمعنى أنه يجب التعامل بالتساوي في الكرامة الإنسانية وأمام القانون . والديمقراطية العالمية هي الجامع المشترك الأكبر بين الدول الآمنة داخلياً واجتماعياً على الرغم من اختلافها في التاريخ واللغة والثقافة والدين، وهذا يعني مطالبة مجمل الأقليات العرقية والاثنية والدينية في العالم بحقوقها في الديمقراطية لضمان تمتعها بحقوقها الإنسانية، وكما أن الإرهاب متنوع بأشكاله وألوانه، كذلك الديمقراطية فهي متنوعة بأشكالها وأنواعها . فهناك الديمقراطية الأصيلة وهي الديمقراطية الخالية من الرياء والفساد والتكلف، والديمقراطية الفاسدة أو الزائفة، والديمقراطية المراوغة وغيرها، والحل الأنسب هو في اعتماد الديمقراطية الأصيلة التي تتميز بأن الشعب يكون فيها مصدر السلطات والمصدر النهائي للتشريع والقوانين بالفعل والتصرف لا بالشكل أو النص فقط، والفصل بين السلطات والرقابة المتبادلة، وتداول السلطة في مرحلتي الذهاب والإياب منها أي احترام حق الشعب في اختيار من يمثله ويحكمه وخضوع المنتخبين للمساءلة القانونية، واعتماد أسلوب التعددية الحزبية، ومؤسسات المجتمع المدني، وحرية الصحافة ووسائل الإعلام، واحترام حقوق الأقليات الإنسانية، وجعل المواطن قيمة عليا في المجتمع، واحترام الحريات العامة المدنية والسياسية، فضلاً عن تكافؤ الفرص في التمثيل البرلماني بين الرجل والمرأة على حد سواء . إن الديمقراطية حق تكفله جميع القوانين والدساتير المشروعة، وهي قبل كل شيء حق أباحه الله لبني البشر، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى كرم بني آدم وجعلهم خلفاءه في الأرض، وهذا يعني ان الإنسان قيمه كبيرة ولها مكانتها في المجتمع وعلى الجميع احترام حرياته وقراراته وارائه ومعتقداته فالكل سواء أمام القانون الإلهي، والقانون المدني . إذن الديمقراطية هي ثقافة وقيم نشأ عليها الفرد والمجتمع، وهي سلسلة كاملة من العمليات المؤسسية وغير المؤسسية القادرة على إحداث التغيير السياسي والاجتماعي، وضمان الحرية الكاملة والمساواة وتحقيق العدالة المطلوبة في المجتمع، وهذا الشيء مطلوب في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وكما هو الحال في المجتمعات الغربية . والديمقراطية الحقيقية لاتنشأ من فراغ أو من شعارات رنانة، وإنما تنشأ وتتعزز من خلال تعليم وترويض ديمقراطي مستمر، يقوم على أساس التعبير الحقيقي عن حرية الرأي والتفكير الناقد البناء الذي يقوم على أساس معطيات واقعية، وهذا هو حقيقة الكمال الأخلاقي والمواطنة الصالحة التي تتأسس عليها المجتمعات الديمقراطية، التي عليها أن تدعم بكل ما أوتيت من قوة هذا النهج البناء من حيث الترويج له في الإعلام والصحافة والتلفاز والقضاء العادل النزيه . وفي حقيقة الأمر أن الديمقراطية هي التي تنبثق من داخل الشعوب ولا تأتي مستوردة من الخارج لا تمت بصلة لواقع هذه الشعوب، وهذا ما أكده مالكوم ريفكند وزير الخارجية البريطاني الأسبق وعضو مجلس العموم في الشأن العراقي إلى ان (العراق يحتاج أجيالاً عدة كي يشفى من الأمراض التي أصيب بها جراء تأسيس ديمقراطية على أسس طائفية، وأنه لا يمكن بناء ديمقراطية عبر الاحتلال الخارجي وإنما بواسطة قوى المجتمع الداخلية . وتعمل الديمقراطية على تلبية جميع احتياجات الفرد الأساسية من الغذاء والمأوى والأمن، ويأتي الأمن المفقود الذي نلاحظه اليوم على وجه الخصوص في كل من العراق وافغانستان وباكستان في مقدمة أولويات الدول، فما يكاد يمر يوم دون عمليات إرهابية تستهدف أرواح الأبرياء العزل، فضلاً عن بقية دول العالم المتستهدفة . وهذا الأمر يقتضي من أي مجتمع كان عربي أو إسلامي أو غربي العمل على احتواء التطرف والمتطرفين بإجراء الحوار المباشر البناء واعتماد الأسلوب السلمي، إذ لا يجوز مواجهة العنف بالعنف، فالتصرفات الخاطئة تنشأ عن معتقدات خاطئة فلا يمكن تعديلها عن طريق الضغط الجسدي والنفسي، قد يكف الفرد عنها نتيجة الخوف لأجل محدد وتظل تسيطر عليه المعتقدات الخاطئة حتى إذا ما وجد الفرصة المناسبة خرج ليحقق معتقداته . فلابد من إصلاح السلوك البشري باعتماد الطرق السياسية والدبلوماسية والحلول المرضية لكل من الحاكم والمحكوم والقضاء على آفة الإرهاب التي تهدد المجتمعات الشرقيةوالغربية على حد سواء . الخليج:السبت ,07/11/2009