بسم الله الرحمان الرحيم مقصلة المراقبة الإدارية آل خوجة في دائرة الاضطهاد صدر عليه حكم بالسجن لمدة ستة سنوات يوم 14 فيفري 1999… و عرف في غياهب السجون البعض مما عرف إخوانه في فضاءات التشفي و معتقلات الموت البطيء أو الموت قطرة قطرة ( على غرار الديمقراطية قطرة قطرة).. و قد نعود إلى معاناته داخلها.. و كان يوم 3 مارس 2003 يوم انتقاله من " السجون الصغيرة" إلى السجن الكبير.. و كما للسجون الصغيرة فنون في التشفي و التنكيل فللسجن الكبير فنون كذلك.. و لعل من أبرزها "المراقبة الإدارية" ذلك الحكم التكميلي الذي لم تبخل به مختلف الهيئات القضائية التي كان لها "شرف" المساهمة في إزاحة خصم سياسي من المشهد العام التونسي من أجل إحكام القبضة على مختلف بقية مكوناته، لم تبخل به على الأغلبية المطلقة من قيادات حركة النهضة و أعضائها و المتعاطفين معها و من شاركها في الخلفية العقائدية عموما… طلبوا من صاحبنا الحضور لديهم للإمضاء في دفتر خاص أعدوه للغرض.. و مع أن بدعة الإمضاء هذه قد اختلقوها ليا لعنق القانون و كسرا لعظامه- و هذا ما أجمع عليه رجال القانون- فأن صاحبنا لم يمتنع عن ذلك بل طالب بقرار وزير الداخلية الذي أوكلت السلطة القضائية مطلق التصرف في هذا الشأن دون أدني اعتبار لمختلف مصالح المحكوم عليه بها.. رأوا في هذه المطالبة تحديا لهم و لسلطتهم المطلقة و لم يراعوا فيه إلا و لا ذمة..فأوقفوه من جديد و لم يمض على سراحه شهران فحسب.. و مثل أمام محكمة ناحية منزل بوزلفى التي لم تر فيما فعلوا أي مخالفة للقانون رغم أن المخالفة أجلى من أن يتشكك فيها الأعشى بل الأعمى.. أصدرت حكمها بإدانته بالسجن لمدة ثلاثة أشهر… ثم كان الاستئناف بعد مدة قصيرة و لم تساير هيئة المحكمة الابتدائية بقرمبالية ما رآه السيد حاكم ناحية منزل بوزلفى فقضت براءته و حكمت عليه بعدم سماع الدعوى… كان ذلك يوم 5 جوان 2003… و كان ما كان مما يجب ذكره ليبقى في يوميات العدالة دليلا "ناصعا" على استقلالية القضاء في هذه الديار..غادر صاحبنا السجن بمقتضى ما أصدرته محكمة قرمبالية الابتدائية… لكنه لم يلبث في هامش الحرية غير أسبوع يتيم فقد حنت إليه عنابر الموت قطرة قطرة... ماذا وقع يا ترى…؟؟؟ عقبت النيابة العمومية الحكم بعدم سماع الدعوى على هذا " المجرم الخطير الذي قبض عليه متلبسا بتقويض السلم الاجتماعي و تخريب الأمن العام و الخاص و تكدير "فرحة شباب تونس و التلاعب بالاقتصاد الوطني و الهرطقة السياسية و التجديف الديني"..عقبت النيابة العمومية الحكم يوم 6 جوان أي بعد يوم واحد من صدوره… و نظرا للخطورة القصوى أولته محكمة التعقيب ما يستحق من أهمية فاعتبرته ذا طابع استعجالي يحظى بالأولوية المطلقة، و انكب قضاتها الأفاضل على ملف القضية حال تسجيله لدى كتابتهم.. و أن تركنا القضاء جانبا و عدنا "للأعين التي لا تنام" فإنهم قد أعادوا الكرة من جديد مع صاحبنا، و طالبوه بالإمضاء فرفض مجددا معربا على استعداده لفعل ذلك بعد تبليغه فرار ا لزير.. فلم يفعلوا وأثاروا الدعوى ثانية… ولمزيد إبراز مدى قدرتهم وصولتهم لم يطلعوه على قرار الوزير رغم حصولهم عليه… و يوم مثوله مجددا أمام المحكمة رافع السادة المحامون بما رأوه مناسبا لإثبات براءة موكلهم، و من المفيد هنا أن أذكر و لو بإيجاز ما دفع به الأستاذ محمد عبو إذ قال مشيرا إلى الطابع غير العادي لسير القضاء: أرجو من جنابكم يا سيد القاضي أن تستعمل كل صلاحياتك و كل قدراتك و كل معارفك و كل.. من أجل بلوغ هذه المدة القياسية على مستوى العالم في سرعة التقاضي، أفي أسبوع واحد تعقب النيابة الحكم و يسجل و يسند إلى هيئة تعقيبية فتنظر فيه شكلا و مضمونا ثم تصدر حكمها بنقضه، و تعود القضية من جديد إلى الابتدائية فتسجل و تسند إلى هيئة أخرى… أيتم هذا في مثل هذا الوقت القصير بكل المقاييس...؟؟ .. و جمع صاحبنا سبعة أشهر سجنا نافذة فورا، أربعة أشهر عن القضية التي نقضت محكمة التعقيب حكمها و ثلاثة أشهر عن القضية الثانية التي أثاروها ضده عند رفضه الإمضاء مجددا بعد صدور الحكم بعدم سماع الدعوى… و انتقل صاحبنا في تلك المدة بين سجن مرناق و سجن صواف.. الذي غادره في اتجاه مركز "الأمن الوطني"بصواف من ولاية زغوان.. و في هذا المركز بالذات، أي في مركز لا يرجع إليه بالنظر إذ أن صاحبنا يقيم ببلدة منزل بوزلفى من ولاية نابل.. و مع ذلك- و خير البر عاجله- سألوه إن كان مستعدا للتوقيع في مركز الأمن عملا بتعليماتهم في ترتيب المراقبة الإدارية.. فأجاب بما كان من فهمه السليم للقانون روحا و معنى، أي أنه رفض الإمضاء قبل الاطلاع على صريح هذا الأمر في قرار وزير الداخلية بالتنصيص على ضرورة الإمضاء... كان لسان حالهم يقول "هذه شوكة لم تنكسر، و يجب كسرها كلفنا ذلك ما كلفنا.. هذه شوكة قد تثير آخرين و تبعث فيهم حمية الممانعة و التمرد على تعليماتنا، و في ذلك ما فيه من جرأة غير مرغوب فيها و من تطبيق لقانون لم يوجد ليطبق.." استشاروا شياطين الإنس و الجن... و وجدوا الحلّ... كل الطرق التي تؤدي إلى كسر هذه الشوكة مباحة، و كل المكائد يمكن أن تحبك،و كل المؤسسات لا يمكن لها أن تخالف إشاراتهم.. قرروا إيقاف والده الشيخ الذي بلغ من العمر عتيا... أوقفوه و هو الذي قدم إلى صواف محدثا نفسه بالرجوع إلى البيت صحبة ابنه... ماذا ارتكب المسكين؟؟ لا شيء.. هل احتال على الآخرين فسلبهم سياراتهم الفاخرة... أم استحوذ على مساحات شاسعة على الشواطئ دون أدنى وجه حق و في انتهاك صارخ للملك العمومي البحري... أم تاجر في الممنوعات فأخل باقتصاد البلد... لم يفعل المسكين ما يمكن أن يكون مبررا ليس للإيقاف بل ليقف أمام عون أمن وقفة خاطفة و عابرة... بل صرحوا بهتانا و إثما أن الشيخ قد تعلقت به قضية.. أين، متى في حق من أخطأ: أسئلة لا يمكن الإجابة عنها... ومع ذلك قضى الشيخ الجليل ليلته موقوفا في مركز صواف... وقع إيقاف الشيخ الكبير لتتواصل مأساة العائلة... خرج الولد ليقع إيقاف الوالد.. و اكتشف مهدي الأمر بعد خروجه من مركز الأمن... - "أين الوالد؟" - "أوقفوه.." - "الحمد لله الذي لا يشكر على مكروه سواه" هل من المفيد البحث عن سبب اعتقاله؟ لا ليس من المفيد ذلك.. فهم أعوان تنفيذ، و بعد هذا و قبله يستطيعون اختلاق ما يشاؤون كمبرر لهذا الإيقاف... لنمض لما بعده... هكذا كان يفكر مهدي تلك اللحظات... - " متى يحال الوالد على محكمة التعقيب التي ادعيتم أنه مطلوب لفائدتها؟" - " يوم الثلاثاء القادم" - "من الجمعة إلى الثلاثاء يعني خمسة أيام، لماذا؟" - " ليس لنا سيارة تنقله إلى محكمة التعقيب، و أول سيارة تأتينا من تونس يوم الثلاثاء" كان عم قد بلغ من العمر اثنين و سبعين سنة، و هو يعاني من مرضين مزمنين: القلب و ارتفاع الضغط... و رضخ مهدي للأمر الواقع: لا بد من استئجار سيارة تقل والده مع عون أمن إلى محكمة التعقيب إن كان يريد اختصار مدة الإيقاف.. و هذا ما تم فعلا يوم السبت.. قضى الشيخ ليلته في زنزانة مركز الأمن بصواف.. و في الصباح الباكر، كان الجمع في اتجاه تونس العاصمة.. حضر من السادة المحامين الأستاذ أسامة بوثلجة و الأستاذة سعيدة العكرمي.. كان المدعي العام في غاية الوضوح: أن الأمر لا يستحق حضور السادة وكلاء الدفاع، و أن ليس هناك كم مبرر لهذا الإيقاف.. و أمر بإطلاق سراحه... و كان مهدي بين خيارين أحلاهما مر: إما الخضوع لطلباتهم و الحضور في مركز الأمن على ما فيه من تعسف جلي و انتهاك صريح للقانون و تضييق عليه ف يسبل كسب لقمة عيشه... أو أن يطال هذا التعسف بل الاضطهاد أفراد عائلته بدءا من والده الطاعن في السن... و كان الخيار الأخير خياره و إن كان على مضض... و تمت سنوات المراقبة على ما فيها من عنت.. على ما فيه من تضييق على لقمة العيش... على ما فيه من تجويع و عنت.. تنتهي المدة لكن يبدو أن السادة لم يكفهم ذلك... فاختلقوا من الأسباب ما أخروا به تاريخ انتهاء المدة قانونا... و لعله من المفيد أن نذكر أن مهدي الذي كان يحضر في مركز الأمن مرة في الأسبوع منذ العديد من الأشهر طلب منه الحضور يوميا منذ بداية العام الجاري.. وهو ما أحدث في الواقع ضررا بالغا بالسيد مهدي بوصفه فلاحا تاجرا... حيث منع من تسويق منتوجاته حيث تعود فعل ذلك فأخل بالتزاماته إزاء المتعاملين معه و في ذلك ما فيه من ضرر بسمعته التجارية.. و الأن و قد انتهت السنوات الخمس مند يوم 8 مارس الماضي،فقيل له ك أن المدة تنتهي يوم 17 أفريل أي يوم بلوغ قرار الوزير و مع ذلك فهم حريصون على مواصلة تمديد العمل بالمراقبة الإدارية أي يعني مزيد تجويعه و التضييق عليه و على عائلته... ألم نقل منذ أمد أن المراقبة الإدارية هي مقصلة من مقاصل التغيير... جرجيس في: 26 أفريل 2008 عبدالله الزواري المصدر: بريد الفجرنيوز