اتحاد الفلاحة يستنكر    دعوة لمراجعة الاتفاقيات الضارة    قف: مجلس المنافسة والأسعار    تحضيرات استعادة النشاط السياحي    «كَابوس» 2017 في البال...الجامعة تُحذّر اللاعبين من «فخ» بوركينا فاسو    المنتخب الوطني : عودة 4 عناصر و«الطليان» يُتابعون الطالبي    مع الشروق..المصالحة الفلسطينية... الآن... الآن وليس غدا    كرم: البنوك تواجه ضغطا كبيرا    مع الشروق..المصالحة الفلسطينية... الآن... الآن وليس غدا    نهاية مأساوية..تجمّد 7 مهاجرين على متن قارب في اتجاه لامبيدوزا    بوركينا فاسو: العسكريون الذين استولوا على الحكم يعلنون فتح حدود البلاد الجوية    رئاسة الجمهورية: إنهاء مهام نادية عكاشة    المكي: نادية عكاشة كانت تتواصل مع الغنوشي بعد 25 جويلية بوساطة    حارس الرأس الأخضر يعتذر من ماني    اختطاف امرأة بقصر هلال: إيقاف ثلاثة أشخاص والزوج الفاعل الأصلي فيها محل 10 مناشير تفتيش    الليلة: الحرارة تتراوح بين درجتين و10 درجات    المنستير: تلميذ يطعن زميله على مستوى الصدر    منى زكي تلجأ إلى الله: ''اللهم اغفر ذنوبنا''    شبّهوها بنانسي عجرم: هل خضعت نبيهة كراولي لعملية تجميل؟    المهدية: تسجيل 4 حالات وفاة و422 إصابة جديدة بكورونا    اللجنة العلمية توصي بمواصلة العمل بإجراء حظر التجوّل    نادي حمام الانف يحصن دفاعه بضم شهاب بن فرج    النادي الإفريقي: الوحيشي يوضح بخصوص علاقته بالعلمي.. يشيد بالبدوي والزردوم.. وينفي مجاملته لخليفة والمنتدبين    إعلام من صندوق التقاعد والحيطة الاجتماعية لمتقاعدي الوظيفة العمومية    السيسي وتبون يتفقان على أهمية إنجاز الانتخابات في ليبيا بالتزامن مع خروج "المرتزقة" منها    وزارة التشغيل تعلن عن قائمة الاختصاصات المعنية بالتكوين المهني الأساسي عن بعد    تفاصيل القبض على 03 أشخاص مورطين في سرقة كمية هامة من المحركات التابعة لشركة فسفاط قفصة    اصطدام حافلة بسيارة خفيفة على مستوى منطقة العقبة    وزارة المرأة تعلن عن معايير إنتداب مربين وأساتذة شباب وطفولة وأخصائيين نفسانيين    دعوة إلى مراجعة الاتفاقيات التجاريّة المضرّة بتونس    منتخب كرة القدم: تحاليل كوفيد سلبية للشعلالي ومعلول ودحمان وتوزغار    الأمم المتحدة تحذر من أوضاع مزرية يمر بها المدنيون والنازحون في شمال سوريا    منع كاتب الدولة السابق عبد القدوس السعداوي من سفر.. وهذه التفاصيل    قضية "قتيل فيلا نانسي عجرم" تعود إلى العلن وخبيرة جنائية تكشف تفاصيل جديدة وتطالب بنبش القبر (فيديو)    الخطوط التونسية تعلق جميع رحلاتها من وإلى هذه الوجهة حتى إشعار آخر    صفاقس: تسجيل 908 حالة إصابة جديدة و04 حالات وفاة بفيروس كورونا    اليوم: تراتيب الإضراب العام في قطاع الصحة    بالفيديو: بايدن يعتقد أن الميكروفون مغلقا يشتم صحفيًّا    التونسيون استهلكوا 176 مليون لتر من الجعة في 2021    البنك العالمي: من الضروري إطلاق إصلاحات هيكلية لضمان انتعاش الاقتصاد التونسي    كأس الاتحاد الكويتي: طه ياسين الخنيسي يفتتح مشاركته مع نادي الكويت بتسجيله لثلاثية    نوال محمودي تتعرّض لتهديدات بالقتل (صور) #خبر_ عاجل    زهير بن حمد وداعا صاحب التوقيعتين.    عضو اللجنة العلمية يتحدث عن الوضع الوبائي خلال الموجة الخامسة من كوفيد-19    تنقيحات جديدة في موسم التخفيضات القادم    الكاميرون: ارتفاع حصيلة ضحايا التدافع أمام ملعب كرة القدم إلى ثمانية    ملتقى شكري بلعيد الدولي للفنون..تدشين مجسم عملاق للشهيد في مدينة صفاقس    وزارة الصحة: تسجيل 4 حالات وفاة و2834 إصابة جديدة بفيروس كورونا    منزل بورقيبة..يشوه وجه زوجته    البورصة السياسيّة..نزول..عثمان بطيّخ ( مفتي الجمهورية)    حمام سوسة: ورشة فنية لتلامذة مدرسة طريق تونس    مع الشروق.. الجزائر مصر ... مرحلة جديدة من العلاقات    علّقوا حبلا في باب منزلها: نوال المحمودي تتعرّض للتهديد بالقتل    قتيلة و3 جرحى بإطلاق نار في جامعة بالمانيا    ما هي الطريقة الكركرية التي أثارت ضجة في تونس؟    وزيرة الثقافة تدعو إلى إنقاذ المعالم الأثرية من الإندثار خلال زيارتها لجامع علولة بمدنين    رد نقابة المهن التمثيلية المصرية على الجدل الحاصل بشأن فيلم "أصحاب ولا أعز"    تحصينات حمودة باشا (1)...تونس تعلن الحرب على البندقيّة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حوار الطرشان وصمت الأموات بين السلطة والمعارضة(الجزء السابع )


بسم الله الرحمان الرّحيم
حوار الطرشان وصمت الأموات بين السلطة والمعارضة
كيف تحقيق الأمن الغذائي و السلم الاجتماعي
العودة حق واسترداده واجب
لا حياة كريمة بدون المحافظة على الهوية العربية الاسلامية
الحكمة تقتضي ترك عقلية تبسيط الأمور و استعجال النتائج و الاستخفاف بالآخر
لا تنمية بدون ضمان حقوقّ المواطنة

(الجزء السابع )
"واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا واذكروا نعمة الله عليكم اذ كنتم أعداءا فألّف بين قلوبكم" (آل عمران 103)
"قل هذه سبيلي ادعو الى الله على بصيرة انا ومن اتبعني وسبحان الله" (سورة يوسف 108)
" ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة"(النحل - 125)
" يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها و بث منهما رجالا كثيرا و نساء، و اتقوا الله الذي تساءلون به و الأرحام إن الله كان عليكم رقيبا، " (النساء - 1)

باريس في 10 سبتمبر 2008
بقلم : عبد السّلام بو شدّاخ، احد مؤسسي الحركة الاسلامية في تونس
الإصلاح المأمول : طرح الاستاذ مرسل الكسيبي مجموعة من الأسئلة على نفسه حول التجاذب المستمر طوال سبعة عشر سنة من المواجهة بين السلطة وقيادة الحركة الإسلامية أدت بالعديد من ابناء هذه الحركة سواء الى السجن او المنفى .
بعد كل ما حصل يقول الكسيبي حان الوقت للتوقف والتسائل عن مدى صوابية المسلك الذي اعتمده رموز التيار الاسلامي المعارض في الساحة التونسية. " ماشجعني أكثر على طرق هذا الموضوع مجددا وفي مثل هذه اللحظة الزمنية الهامة من تاريخ الجمهورية التونسية هو مابدأت ألمسه من مراجعات هامة وايجابية ومقدرة على صعيد جبهة الحكم برغم بعض العراقيل والتحديات في مسيرة الألف ميل ...مراجعات حضارية هامة تقدم عليها السلطة بقيادة رئيس الجمهورية التونسية السيد زين العابدين بن علي وجهود دائبة نحو تصحيح سليم وملح ومثمن لعلاقة الدولة بالهوية الوطنية في بعدها العربي والاسلامي المعتدل ...تطور اقتصادي وعمراني وتنموي بارز تشهده تونس برغم بعض العوائق في ملفات توزيع الثروة والتشغيل ..., انفتاح اعلامي مشهود برغم التدرج الواضح والمحتشم في بعض الملفات السياسية ..., محاولات هنا وهناك لاستثمار جهود اصلاحية مستقلة فرضت نفسها على مستوى المسرح السياسي الوطني ... كل ذلك في مقابل تعثرات حقوقية وأخرى سياسية في مسار رسم العلاقة ببعض مكونات الطيف المعارض ..."
الأسئلة التي يطرحها هي ارتهان الأجيال القادمة في صراع سياسي خاطئ حسب قوله حرّكته أحلام وردية و تطلعات بعض الزعماء في الحقل المعارض أو غريزة الدفاع عن المصالح و الاستقرار لمن هو في السلطة.
فبعد الاقرار بالتجاوزات الحقوقية في حق المعارضين وسجناء الرأي السابقين يتسائل كيف تفهّم مصالح السلطة مع الابتعاد عن الاوهام و المغامرات الغير محسوبة العواقب.
وفي انتظارإجاباته المفصلة عن الأسئلة التي يطرحها حول محاور المراجعة في الهلاقة بين المعارضة والسلطة و كيفية قولبة العمل الاسلامي ضمن منظومة حزبية معينة وعن العلاقة مع مؤسسات الدولة الوطنية و عن اولويات الاصلاح السياسي والحضاري في البلاد.
العودة الصيفية : كتب الاستاذ عبد الحميد العدّاسي تحت هذا العنوان "عام صعب مرّت به البلاد التونسيّة أو هو مرّ عليها، فجعل كثيرا من أهلنا في الحوض المنجمي بالجنوب التونسي يحصدون من زرعه الشائك بعض أرواح حلّقت حرّة باتّجاه ربّها تشكو له ضيق أرضهم وجدبها وظلم ناسهم وقسوتهم… يحدّثونه – وهو علاّم الغيوب – عن القوم يكشفون عوراتهم أمام نسائهم ليصرفوا أنظارهم عن حقوقهم الواقعة تحت أقدامهم المنتصبةُ فوقها سوءاتُهم… يحصون لديه – وهو السميع البصير – عشرات الضحايا من أهلهم وقد تناوشهم الرّصاص الحيّ الغادر المرتجف رعبا تحت تهديد زجاجاتٍ حارقةٍ قال عنها الوزير وردّد 'البندير' أنّها تأتي على الأخضر واليابس، حتّى أنّها لتُنسي النّاس ربّهم، فلا يخافونه وهم يقتلون، ولا يذكرونه وهم يكذبون وينافقون… يأسفون لديه – وهو الحكيم الخبير – عن أسْرِ رمزهم أو رموزهم الذين صاحبوهم حتّى ماتوا ثمّ ضعُفوا لمّا ماتوا فاغتال النّظام عزّتهم بإذلالهم، حيث واراهم السجن حتّى خفتت الحركة من حولهم...
عام صعب مرّت به البلاد التونسيّة أو هو مرّ عليها، فجعل الكثير من أهلها يندمون على فرحة مسروقة سرّبها إليهم - ببخل مُلفت - صانِعُ التغيير… فبمجرّد أن سرّح من السجن بعضَ أبنائهم، قنّن لهم حياتهم حتّى كرّه إليهم حياتهم وحياتهم، فتاقوا إلى السجن من جديد ينشدون فيه حرّيتهم المصنوعة بتعشيش الأمراض القاتلة في عظامهم…، علّهم يلقون الجوهري والمكّي والبوعزيزي والعياري والطاهر بن الطاهر وغيرهم من الأحبّة، فيحدّثوهم بحضرة ربّهم ذي الجلال والإكرام والعزّة التي لا ترام عن الصادق شورو ومحمد نجيب اللواتي والبشير اللواتي والهادي الغالي وبوراوي مخلوف ورضا البوكادي وإبراهيم الدريدي ونورالدين العرباوي وعبد الكريم بعلوش ومنذر البجاوي وإلياس بن رمضان وعبد النبي بن رابح وحسين الغضبان وكمال الغضبان ومنير الحناشي والشاذلي النقاش ووحيد السرايري ووصفي الزغلامي وعبدالباسط الصليعي ولطفي الداسي والصادق العكاري وهشام بنور ومنير غيث وبشير رمضان وفتحي العلج، وسليم بوخذير، وعن مئات أخَر بل عن آلاف - لم يذكروا أسماءهم فذكّرهم الله العليم أسماءهم - وما يلاقونه من الإهمال المتعمّد وما يتعرّضون له من الاعتداءات المتكرّرة التي لا ترقب فيهم إلاّ ولا ذمّة، ويذكرون لهم ما يلقاه عبدالكريم الهاروني وغيره من الأحرار من حصار أحصى عليهم الأنفاس وسعى إلى قطع كلّ علاقاتهم بالنّاس...
عام صعب مرّت به البلاد التونسيّة أو هو مرّ عليها، ولكنّ بعض التونسيين 'المقتدرين' من المُخْرَجين، المنزوين هناك في ركن من فصل الصيف، لا يزالون يقنعون أنفسهم والآخرين بأنّ رجوعَهم إلى البلاد حقّ لا ينازعهم فيه أحد، وأنّهم قادرون عليه ويفعلونه دون خشية من أحد ودون حرج من أحد... وقد سبق للبعض منهم أن فعله فما آذى النّظام الحاكم في البلاد منهم أيّ أحد…
وبهذا التبسيط وهذا الكلام، فإنّ الاعتصامات التي دامت في الحوض المنجمي زهاء الستّة أشهر والأرواح التي أزهقت بالجهة والتعويقات التي لحقت الكثير من الأهل والبلاء الذي يتعرّض له السجناء السياسيون أو ذوو الصبغة الخاصّة والحصار الذي طال كلّ الهيئات الحقوقية والضيق الذي لامس كلّ الفئات الإجتماعيّة والكمد الذي سكن أكباد أمّهاتنا وآبائنا حتّى قتل منهم الكثير هي ضرب من التضليل ونكران جميل التغيير، أو ربّما هي نوع من الثراء الخادم لمصلحة 'أمراء الحرب' أو 'مؤبّدي الخصومة'!...
لعلّ الإسلاميين قد تأخّروا في السماح لأبنائهم ونسائهم بزيارة البلاد حيث الأهل والأحباب والتراب والتاريخ والحال والمستقبل، وأنا مقتنع بأنّ ذلك كان خارجا عن نطاقهم، ولعلّه لا ضير كذلك في أن يلتحق بالبلاد من الرّجال زيارة أو استقرارا كلّ من رتّب لذلك بشكل راعى فيه ربّه ثمّ أمْرَ المسلمين وأمره، وقد عرفت من إخوتي الصادقين العاملين المخلصين من دخل وخرج دون كثرة ضجيج ودون بحث عن تبرير فعله الذي فعل، فقط، لأنّه كان مطمئنّا بربّه إلى ربّه بأنّ ما يقوم به اجتهاد يهدف منه وبه إلى الخير، وقد تفهّمتُه منه وإن اختلفت معه.
غير أنّ المؤاخذة واللوم يقعان على بعض النّاس ممّن يريد اغتصاب الشرعيّة منّا، نحن 'غير المقتدرين'، فيجعل من رجوعه إلى البلاد خدمة لل'مصلحة العامّة'، ثمّ لا يقتصد بعد ذلك في توزيع أوصاف غير منصفة وقد ينقصها الكثير من الحياء، فيجعل منّا الإمّعة الذي يتّبع قادة جُبلوا على حبّ المواجهة والكراسي، ويجعل منّا عديمَ أصل باع تونسه بموطن إقامته فنسي الأهل ودفء أحضانهم، بل وقد يجعل منّا الخائن الذي كفر نِعَمَ صانع التغيير الذي فتح ذراعيه لاستقبال كلّ أبناء بلده البررة الذين لا يعودون إلاّ صيفا...
أحسب أنّ العودة – وهي حقّ – لا تكون على حساب أهل البلاد ممّن هم داخلها وممّن هم خارجها... فالعودة هي زيادة مصداقيّة للنّظام الظالم في تونس، وهي بيان على زيف المقولات التي يردّدها النّاس في البلاد وخارجها، وهي دعوة لنزع صفة اللاّجئين عن الكثير منّا، وهي…، وهي…، (والقائمة طويلة)... فبرجليك – أيّها العائد الصاخب وأنت تطأ أرض المطار – تبطل دعوى مراقبة حركة النّاس أو منع السفر أو نفي النّاس في بلادهم... وبالابتسامة الصفراء التي يرسلها إليك العون فتقبلها منه دون حرج توافق على اعتداءاته المتكرّرة على أهلك من النّساء والرّجال على حدّ السواء…
وبتصرّفاتك التي تحدّث عن بعضها عبدالله الزواري في بعض رسائله تطمس أنّات المحتاجين واليتامي والثكالى وغيرهم من المحرومين الذين يدلفون على أرض فرحة الحياة!...
لأن تزور تونس فهو شأنك، ولكن افعل ذلك في صمت، فلا تؤذي غيرك بتهييجه وهو لا يقدر أو بتسفيهه وهو لا يكذب… برَّ أسرتك وأفرِحهم بما شئت ولكن لا تعتدي بذلك على أسر غيرك فتظهر لهم – قصدت أم لم تقصد - عدم برّ أبنائهم بهم، فإنّ ما تيسّر لك لم يتيسّر لغيرك ولا حتّى لأبنائهم… زُرْ كريما بلدك، ولكن لا تتحدّث عن العودة الكريمة فإنّها لن تكون كريمة في هذه الفترة، إلاّ إذا اعتبرنا أنّ الاستجواب في مقرّات الدّاخليّة من مقوّمات تلك الكرامة والسكوت عن الجرائم المرتكبة في حقّ التونسيين جميعا من مرتكزات تلك الكرامة والمقالات المحدّثة بالنّعم المعيشة من لوازم تلك الكرامة وتتفيه 'الأخ الفاضل' من متمّمات تلكم الكرامة!...
واعلم أنّه لو فكّر هذا النّظام في إكرام التونسيين لما قتلهم بصعق التيار الكهربائي عالي الضغط ولما رماهم بالرّصاص الحيّ ولما سلّط عليهم كلابه ينهشون لحومهم وأعراضهم وما تبقّى من البضاعة الزهيدة في دكاكينهم!… ولو فكّر في إدخال الفرحة على الأسر التونسية لأطلق أسراهم وقلّل من أعداد موتاهم واعتنى بمرضاهم وأعاد إليهم حقوقهم المسلوبة!... والله من وراء القصد…
عبد الفتاح مورو.. هل يمكن إخراجه من عزلته : كما كتب المناضل الحقوقي صلاح الدين الجورشي تحت هذا العنوان "لديّ رغبة جامحة في الحديث عن عدد من الشخصيات التي عرفتها عن قرب، وأرى أنها في حاجة إلى إنصاف أو تعريف وتسليط بعض الأضواء. فأخطر ما تعانيه بعض الشعوب أو الأمم هو قِصر الذاكرة أو نكران الجميل.
أريد التوقف هذه المرة عند شخصية معروفة جدا في تونس، وفي الآنِ نفسه لا يجهلها كثيرون في العالم العربي، خاصة الذين واكبوا نشوء الحركة الإسلامية التونسية وتطورها.
الشيخ «عبدالفتاح مورو» هذا المحامي الوحيد الذي لا يتخلى عن «الجبة» التونسية خارج أوقات العمل، وهو زيّ لازمه منذ أن كان يدرس بكلية الحقوق حين كان اليسار الراديكالي يقود الحركة الطلابية، إذ كان الطالب الوحيد الذي يخترق الحرم الجامعي بزي وطني كاد أن ينقرض من البلاد. كان عبدالفتاح مورو الرافد التونسي ضمن المجموعة التأسيسية للحركة الإسلامية.
فأستاذ الفلسفة راشد الغنوشي، عاد من سوريا حاملا معه فكر الإخوان المسلمين، وأستاذ العربية احميده النيفر كان في تلك المرحلة من مطلع السبعينيات لم يمض على انتقاله من الناصرية إلى الإسلام الحركي سوى فترة وجيزة، أما شباب تلك الفترة، فالأفكار مختلطة تماما في أذهانهم، مع تعلق عاطفي قوي بنموذج الإخوان، أما مورو فمساره كان مختلفا تماما.
بدأ عبدالفتاح مورو صوفيا، مع الطريقة المدنية ثم تم احتضانه من قبل بعض المتبقين من شيوخ الزيتونة و نخص بالذكر منهم الشيخ احمد بن ميلاد و الشيخ محمد الصالح النيفر و الشيخ بلحسن الخياري والشيخ الحبيب المستاوي و الشيخ محمد الأخوة و الشيخ محمد عباس والشيخ الزغواني في تونس العاصمة والشيخ عبد الرحمان خليف بمدينة القيروان وغيرهم كثير الذين لم اذكرهم الذين كانوا ينشطون بحذر خوفا من سطوة الرئيس بورقيبة الذي كان لا يطيق الزيتونيين.
لقد كان خطب الشيخ عبد الفتاح مورو في المساجد لم تكن أيديولوجية على الطريقة المشرقية، ولهذا كان يتفاعل معه بالخصوص عموم المواطنين الذين يحسن مخاطبتهم بيسر وبساطة.
كان عبدالفتاح مورو قاضيا، وعندما ارتأت قيادة الحركة في أواسط السبعينيات أن يستقيل من القضاء بحجة أن ممارسته غير جائزة لأن القوانين المعمول بها في تونس «غير إسلامية»، رفض القرار وتمسك بوظيفته وقد كان محقا، لأن ما صدر عن القيادة يومها يعكس مرحلة فكرية متشددة وغير ناضجة.
ثم دخل عبدالفتاح مورو السجن في أول محاكمة نصبت للإسلاميين في تونس عام 1981 وتعلم الكثير من مدرسة نبي الله يوسف عليه السلام التي وجد نفسه ضيفا عليها عن طريق الخطأ ودون تمهيد.
ويقول الاستاذ الجورشي ورغم أننا اختلفنا بعد ذلك، لكن بقيت بيني وبينه وشائج صداقة نسجتها أيام مرت كلمح البصر. ثم كانت لعبدالفتاح مورو وقفة شهيرة مع عدد من قيادات الحركة عندما قرروا الانسحاب من التنظيم، رفضا لمنهج التصعيد الذي تم انتهاجه في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، مختلفا في ذلك مع صديقه القديم راشد الغنوشي.
واتجهت نية الاستاذ عبد الفتاح مورو نحو تأسيس حزب إسلامي مغاير، غير أن المحاولة فشلت، لأن شروطها الذاتية والموضوعية لم تكن متوفرة. عبدالفتاح مورو هذا الرجل الذي يتمتع بذكاء حاد، وبشخصية مرحة، اختفى تماما من المشهد السياسي التونسي، أو يكاد، وقد زاره الجورشي مؤخرا في بيته، فوجد أن الأيام لم تزده إلا نضجا، لكنه بدا وكأنه حبيس إطار ضيق لا يليق بمكانته وتجربته وثقافته الدينية والقانونية الواسعة، يمكن اعتباره من التيار الوسطي الذي يستطيع أن يسهم بقوة في الحد من تصاعد خطوط السلفية المتشددة.
عبدالفتاح مورو هذا الرجل الذي كان كثير الترحال، لم يغادر تونس منذ أن عاد إليها من السعودية في سبتمبر سنة 1988، بسبب فقدانه لجواز سفره.
فإنه بمناسبة عقد قران ابنه، قام الساهرون على تنظيم شؤون المسجد بغلق أبوابه، مما جعل الشيخ عبدالفتاح مورو وضيوفه يقرؤون فاتحة العريس والعروسة في الشارع وأمام الجامع الموصد في وجوههم.
إلى جانب ذلك، بدأ عبدالفتاح مورو في إعداد تفسير لعدد من آيات القرآن الكريم، وقد اطلع الجورشي على بعض الأمثلة التي تكشف عن قدرة عالية في تأويل النص القرآني.
والسؤال الذي شغل الجورشي بعد زيارته هوكيف تُهدر مثل هذه الطاقة؟ ولماذا يُترك هذا الرجل الذي جاوز الستين يدور في حلقة مفرغة، لا مردود لها على مجتمع يحتاج لكل أبنائه؟
فمهما كان حجم المؤاخذات أو التبريرات التي تقدمها الأجهزة الإدارية والأمنية لاستمرار حرمان عبدالفتاح مورو من جواز سفره لفترة تتجاوز العشرين عاما، فإن ما قدمه هذا الرجل لتونس، يوجب إعادة النظر في التعامل معه، بتمكينه من حق السفر، للحج إلى بيت الله الحرام، ولقاء العلماء والمثقفين، وبذلك يتواصل عطاؤه إلى أن يلقى ربه و الله وحده هو المطلع على قلوب الناس وأفعالهم ، وكأنه ليس مواطنا حرا كريما له قدسيته التي تفرض احترام آدميته .
هل النموذج الإسلامي التركي أنموذجا:ً لا صلة بالحماسة لما يسمونه النموذج الإسلامي التركي الذي يجسده حزب العدالة والتنمية، بقدر صلته بالحرص على تركيا كدولة مسلمة لها دورها في هذا المحيط الإقليمي المضطرب، والحرص على الحد الأدنى من الهوية الإسلامية لتركيا في وقت يريد فيه جحافل العلمانيين المتطرفين نزع ما تبقى من معالم تلك الهوية.
الذين يتحمسون لتجربة العدالة والتنمية ليسوا سواء من حيث الدوافع والخلفيات، فهم يتوزعون على طيف واسع من البرامج والأفكار، يتصدرهم إسلاميون يعتقدون أن قادة الحزب يمارسون "التقية"، وأنهم مقيمون على برنامجهم الإسلامي، لكنهم يناورون من أجل التخلص التدريجي من سطوة العسكر والنخبة السياسية العلمانية المتطرفة.
ويشمل هذا الفريق؛ إلى جانب عدد من الإسلاميين، الكثير من جماهير الشارع العربي والإسلامي التي تتعاطف مع مفردات الظاهرة الإسلامية، لا سيما تلك التي تتعرض لهجمات من أطراف خارجية وداخلية مناهضة للإسلام.
الطرف الآخر المتحمس للتجربة يمثله فريق كان يتبنى الرؤية الإسلامية للدولة والمجتمع، وهو سليل التجارب الإسلامية الحركية في العالم العربي، لكنه ما لبث أن ارتد عنها، أو راجعها، معللا ذلك بعدم وجود شيء اسمه دولة إسلامية، وباكتشافه لعبثية فكرة تطبيق الشريعة التي قامت على أساسها الحركات الإسلامية.
وهذا الفريق يطالب الحركات الإسلامية بتغيير طبيعتها وهويتها من جماعات تنادي باستعادة المرجعية الإسلامية للدولة والمجتمع إلى مجموعات من السياسيين الذين لا يحللون ولا يحرمون، لا في السياسة ولا في القضايا الأخرى ذات الصلة بالمنظومة الاجتماعية والاقتصادية. وهؤلاء هم مجتهدون لم يغادروا مربعات التدين الحقيقي.
اما الفريق الثالث المؤيد للتجربة هو فريق علماني حقيقي بصرف النظر عن خلفيته الأيديولوجية ، وأحيانا يساري ما زال على فكره، كما أن من عناصره من ليسوا مسلمين، وأكثر هؤلاء لا يحبون الإسلام ولا الإسلاميين.
إنهم يريدون استدراج الحركات الإسلامية إلى لغة جديدة ليس فيها أي طعم ولا لون إسلامي، لا في الاجتماع ولا في الاقتصاد ولا في السياسة، وهم يفعلون ذلك اعتقادا منهم بأن هذا المسار هو الذي سينهي الحركات الإسلامية من الوجود، ومعها منظومة التدين التي انتشرت في الساحة العربية والإسلامية، في العشرين سنة الأخيرة.
والخلاصة أن هذا الفريق يمارس عمليا الاستدراج للحركات الإسلامية أكثر مما يمارس النصيحة التي تؤدي بتلك الحركات إلى تحقيق النجاح في الوصول إلى السلطة، لا سيما أنه يدرك تمام الإدراك أن مشكلة الإسلاميين مع الأنظمة العربية القائمة لا صلة لها بالأيديولوجيا، بقدر صلتها بالمعارضة ومنافسة النخب الحاكمة التي استأثرت بالسلطة والثروة. وهي منافسة لن تكون مقبولة من أي أحد حتى لو تنازل عن كل ثوابته الأيديولوجية، بل حتى لو كان من أبناء المؤسسة الحاكمة وأقرب المقربين إليها.
والحال أن وضع في تركيا يختلف عن حالة الدول العربية والإسلامية، حيث لا وجود لعلمنة قسرية أو إقصاء للدين على الصعيد الشخصي، وإن توفر على صعيد بناء الدولة، وثمة رؤساء وزارات وحكام متدينون أكثر من أردوغان، كما كان حال عبد العزيز بلخادم في الجزائر على سبيل المثال، إلى جانب بعض أركان الحكم في دول أخرى. كما أن المثال التركي لا يتوفر كذلك على صعيد البناء الديمقراطي، إذ إن ما يتوفر من معالم ديمقراطية في العالم العربي لا يتعدى ديمقراطية مزيفة اذ لا تسمح لحزب من خارج الفريق الحاكم بالفوز.
في تركيا، بالطبع لأن قطاعا من الأتراك يتبنون الاعتقاد بأن قادته إسلاميون يمارسون التقية، فإن ذلك قد يتغير في المستقبل، وقد يأتي يوم يستعيد فكرة المرجعية الإسلامية للدولة والمجتمع على ذات النسق المعروف.
إن ما ينبغي قوله هنا هو إنه إذا لم يكن ثمة نموذج إسلامي للدولة والمجتمع تتبناه الحركات الإسلامية، فلا داعي لإطلاق هذه الصفة عليها، ولتسمي نفسها بأي اسم آخر، ولتطرح برامج مختلفة يحاكمها الناس على أساسها، وليعلن هؤلاء وهؤلاء من "الإسلاميين السابقين" أنهم يقودون أحزابا هدفها السلطة وليس شيئا آخر.
أما أن يجري استقطاب الناس على أساس برنامج معين ثم يجري التنكر له بعد ذلك، فتلك لعبة لا تليق بالشرفاء. وقد كان قادة العدالة والتنمية منسجمين مع أنفسهم حين أعلنوا أنهم حزب علماني، ولا يزالون يرفضون بعنف مقولات البعض بأنهم حزب إسلامي، حتى لو أضيفت إليه عبارات مثل معتدل أو متنور أو ما شابه ذلك. نحن نحترمهم ونصدقهم، فضلا عن أن ما يفعلون يؤكد تصريحاتهم، حيث لا صلة لبرامجهم بالرؤية الإسلامية، لا في الاجتماع ولا الاقتصاد ولا السياسة، بما في ذلك موضوع الحجاب الذي جاء على أساس احترام الحريات الشخصية.
وأننا نتعامل معهم على هذا النحو، بينما نصر على أن استعادة المرجعية الإسلامية للدولة والمجتمع ليست برنامجا عبثيا أو سخيفا، بل هي حقيقة سيطاردها أناس آخرون، وإذا كان الكثير من الأحزاب الغربية ما زال يضع كلمة المسيحي في اسمه، ويتبنى المرجعية المسيحية للدولة، فأين العجب في حدوث ذلك في الساحة الإسلامية؟!
الفرق بيننا وبين الكثير من أولئك أننا ما زلنا، تماما مثل الكثير من الإسلاميين والعلماء، نصر على وجود نموذج إسلامي للدولة والمجتمع، وإذا كان ذلك النموذج لم يتبلور بعد، في سياق الدولة، فإن ذلك لا ينفي وجوده، فالنص القرآني الإسلامي المقدس والخالد والكثير من التطبيقات في السنة المطهرة، ليس كلاما يتلى في المآتم فقط، وإنما تعاليم باقية وصالحة للتطبيق، يمكن تنزيلها على حياة البشر بحسب ظروف الزمان والمكان.
وإذا كان الغرب قد استهلك قرونا من المساومات والحروب الأهلية حتى استقر على نموذح معين نسبيا فهو متغيّر على الدوام ، فلا عجب أن يأخذ المسلمون بعض الوقت لكي يستقروا على نموذج يستلهم رؤيتهم الخاصة.
هذا الكلام قد يعجب البعض، وقد لا يعجب البعض الآخر، لكنه الرأي الذي نعتقده ونتبناه، ولم نكتشف عبثيته كما اكتشف آخرون، بصرف النظر عما إذا كان اكتشافهم تعبيرا عن قناعة عقلية بالفعل، أم تبعا لتحولات من نوع آخر. قد يكون بسبب وطأة الهزيمة التي يعاني منها العالم الإسلامي، وكذلك فشل الحركات الإسلامية، مع أننا نعتقد أن هذه الظاهرة الإسلامية بكل مسمياتها هي التي تتصدى لهذه الحالة البائسة وتسعى للخروج منها ولقد اكستبت الحركات الإسلامية كل هذه الشعبية بسبب تبنيها للمنهج الذي يلتقي مع توجهات الغالبية من أبناء الأمة الاسلامية ، ليس من زاوية الدين والتدين فقط، ولكن من زاوية رفضها للفساد والاستبداد، وسعيها لاستعادة أمجاد الأمة ومقاومة الهجمة الصهيونية والغربية عليها، وإذا كان ذلك كله سينتهي لحساب البحث عن السلطة في دولة ما، فلماذا تتبعهم الجماهير إذن؟!
هل السلفية الإسلامية الجديدة أنموذجا:ً تطرح تجربة الإسلام السياسي الكثير من الإشكاليات حول الأسباب المؤدية إلى تعثرها في تحقيق أهدافها، لاسيما ما يتعلق بإقامة الدولة الإسلامية، وبصرف النظر عن الأصولية الشيعية الإيرانية، فإن التحولات البنيوية التي شهدتها نتيجة السياسات الدولية، وعلاقتها المتوترة مع النخب الحاكمة داخل الكيانات الحاضنة لها، وفشلها في وضع مشروعات سياسية وإنمائية فاعلة، أحدث تحولا نوعيا في ماهيتها يمكن أن نطلق عليه السلفية الإسلامية الجديدة.
فما هي خاصية هذا التحول عند حركات الإسلامية وهل الفقه الذي أنتجته هذه الحركات عاجز عن مواكبة العصر نتيجة الدمج بين الديني والسياسي؟
يعرف الباحث الفرنسي أوليفية روا السلفية الإسلامية بأنها "دعوة إلى أسلمة المجتمع من جديد عبر القاعدة الجماهيرية وليس عبر الدولة، والسلفية الجديدة تهدف إلى جعل الأفراد يعودون إلى ممارسة الإسلام في الحياة اليومية كالصلاة والصوم، على أن يرافق ذلك حركة مجتمعية من تحت من دون المرور بالدولة والسلطة".
في موازاة التعريف الذي تقدم به الباحث الفرنسي، يرى حسن الترابي أن الفكر الإسلامي شهد نكوصا مميزا، فقد انطلق من السياسي وها هو يعود إلى شكل من أشكال السلفية الجديدة، أي إلى نفي المسألة السياسية، «فالدولة الإسلامية لا يمكن توفرها إلا بمقدار ما يتوفر لنا مجتمع إسلامي، فالدولة تنشأ وتدول، أما المجتمع الإسلامي فيسعه أن يوجد، وجد طيلة قرون من الزمن دون أن تكون له دولة»([1]).
من هنا فإن معظم الحركات الإسلامية أجرت العديد من المراجعات المتعلقة بحقلها الاصطلاحي السياسي، فهي لم تعد تطالب بالحاكمية بل تدعو إلى تطبيق الشريعة وإلى الانخراط في العمل السياسي داخل دول لا ترفع شعار الدولة الإسلامية. عملا بقوله تعالى في سورة النساء اذ قال تعالى : " فلا وربّك لا يؤمنون حتّى يحكّموك فيما سجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت و يسلّموا تسليما " (النساء - 65)
القول في تفسير الطبري لسورة النساء في تأويل قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا )(النساء - 60)
قال أبو جعفر: وقد ذكر أن هذه الآية نزلت في رجل من المنافقين دعا رجلا من اليهود في خصومة كانت بينهما إلى بعض الكهَّان، ليحكم بينهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهُرهم. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن عامر في هذه الآية: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت "، قال: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فكان المنافق يدعو إلى اليهود، لأنه يعلم أنهم يقبلون الرشوة، وكان اليهودي يدعو إلى المسلمين، لأنه يعلم أنهم لا يقبلون الرشوة.
فاصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن من جُهَيْنة، فأنزل الله فيه هذه الآية: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك " حتى بلغ (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ). حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عامر في هذه الآية: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك "، فذكر نحوه = وزاد فيه: فأنزل الله: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك "، يعني المنافقين =" وما أنزل من قبلك "، يعني اليهود =" يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت "، يقول: إلى الكاهن =" وقد أمروا أن يكفروا به "، أمر هذا في كتابه، وأمر هذا في كتابه، أن يكفر بالكاهن.
حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي قال: كانت بين رجل ممن يزعم أنه مسلم، وبين رجل من اليهود، خصومة، فقال اليهودي: أحاكمك إلى أهل دينك = أو قال: إلى النبي = لأنه قد علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأخذ الرشوة في الحكم، فاختلفا، فاتفقا على أن يأتيا كاهنًا في جهينة، قال: فنزلت: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك "، يعنى: الذي من الأنصار =" وما أنزل من قبلك "، يعني: اليهوديّ " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت "، إلى الكاهن =" وقد أمروا أن يكفروا به "، يعني: أمر هذا في كتابه، وأمر هذا في كتابه. وتلا " ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدًا "، وقرأ: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) إلى (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (النساء - 65).
حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه قال: زعم حضرميٌّ أن رجلا من اليهود كان قد أسلم، فكانت بينه وبين رجل من اليهود مدارأة في حق، فقال اليهودي له: انطلق إلى نبي الله. فعرف أنه سيقضي عليه. قال: فأبى، فانطلقا إلى رجل من الكهان فتحاكما إليه. قال الله: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ".
القول في تفسير الطبري في تأويل قوله تعالى : (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء - 65) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " فلا " فليس الأمر كما يزعمون: أنهم يؤمنون بما أنزل إليك، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدّون عنك إذا دعوا إليك يا محمد = واستأنف القسم جل ذكره فقال: " وربك "، يا محمد =" لا يؤمنون "، أي: لا يصدقون بي وبك وبما أنزل إليك =" حتى يحكموك فيما شجر بينهم "، يقول: حتى يجعلوك حكمًا بينهم فيما اختلط بينهم من أمورهم، فالتبس عليهم حكمه. يقال: " شجَر يشجُر شُجورًا وشَجْرًا "، و " تشاجر القوم "، إذا اختلفوا في الكلام والأمر،" مشاجرة وشِجارًا ". =" ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت "، يقول: لا يجدوا في أنفسهم ضيقًا مما قضيت. وإنما معناه: ثم لا تحرَج أنفسهم مما قضيت = أي: لا تأثم بإنكارها ما قضيتَ، وشكّها في طاعتك، وأن الذي قضيت به بينهم حقٌّ لا يجوز لهم خلافه، كما حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " حرجًا مما قضيت "، قال: شكًّا. حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله: " حرجًا مما قضيت "، يقول: شكًّا. حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
حدثنا يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: " ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت "، قال: إثمًا =" ويسلموا تسليما "، يقول: ويسلّموا لقضائك وحكمك، إذعانًا منهم بالطاعة، وإقرارًا لك بالنبوة تسليمًا. واختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية، وفيمن نزلت؟
فقال بعضهم: نزلت في الزبير بن العَوَّام وخصم له من الأنصار، اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأمور. ذكر الرواية بذلك: حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يونس والليث بن سعد، عن ابن شهاب، أن عروة بن الزبير حدَّثه: أن عبد الله بن الزبير حدثه، عن الزبير بن العوام: أنه خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شِرَاج من الحرّة كانا يسقيان به كَلأهما النخل، فقال الأنصاري: سَرِّح الماء يمرّ! فأبى عليه، فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك. فغضب الأنصاري وقال: يا رسول الله، أنْ كان ابن عمتك؟ فتلوّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدْر، ثم أرسل الماء إلى جارك. واستوعَى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه = قال أبو جعفر: والصواب: " استوعب " = وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه الشفقة له وللأنصاري. فلما أحفظَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم الأنصاريُّ، استوعب للزبير حقه في صريح الحكم = قال فقال الزبير: ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك: " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم "، الآية.
حدثني يعقوب قال، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري عن عروة، قال: خاصم الزبير رجل من الأنصار في شَرْج من شِراج الحَرَّة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا زبير، أَشْرِب، ثم خلِّ سبيل الماء. فقال الذي من الأنصار من بني أمية: اعدل يا نبيَّ الله، وإن كان ابن عمتك! قال: فتغيَّر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عُرف أن قد ساءه ما قال، ثم قال: يا زبير، احبس الماء إلى الجدْرِ = أو: إلى الكعبين = ثم خل سبيل الماء. قال: ونزلت: " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ".
حدثني عبد الله بن عمير الرازي قال، حدثنا عبد الله بن الزبير قال، حدثنا سفيان قال، حدثنا عمرو بن دينار، عن سلمة رجلٍ من ولد أم سلمة، عن أم سلمة: أن الزبير خاصم رجلا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير، فقال الرجل لما قضى للزبير: أن كان ابن عمتك! فأنزل الله: " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا ".
وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في المنافق واليهوديّ اللذين وصف الله صفتهما في قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) . ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما "، قال: هذا الرجل اليهوديُّ والرجل المسلم اللذان تحاكما إلى كعب بن الأشرف. حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي، بنحوه = إلا أنه قال: إلى الكاهن.
قال أبو جعفر: وهذا القول = أعني قول من قال: عني به المحتكمان إلى الطاغوت اللذان وصف الله شأنهما في قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ) = أولى بالصواب، لأن قوله: " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم " في سياق قصة الذين ابتدأ الله الخبر عنهم بقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ )، ولا دلالة تدل على انقطاع قصتهم، فإلحاق بعض ذلك ببعض = ما " لم تأت دلالة على انقطاعه = أولى. فإن ظن ظانٌّ أن في الذي روي عن الزبير وابن الزبير من قصته وقصة الأنصاري في شِراج الحرة، وقولِ من قال في خبرهما:فنزلت " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم " = ما ينبئ عن انقطاع حكم هذه الآية وقصتها من قصة الآيات قبلها، فإنه غير مستحيل أن تكون الآية نزلت في قصة المحتكمين إلى الطاغوت، ويكون فيها بيان ما احتكم فيه الزبير وصاحبه الأنصاري، إذ كانت الآية دلالة دالة وإذ كان ذلك غير مستحيل، كان إلحاق معنى بعض ذلك ببعضٍ، أولى، ما دام الكلام متسقة معانيه على سياق واحد، إلا أن تأتي دلالة على انقطاع بعض ذلك من بعض، فيُعْدَل به عن معنى ما قبله. وأما قوله: " ويسلموا "، فإنه منصوب عطفًا، على قوله: " ثم لا يجدوا في أنفسهم " = وقوله: " ثم لا يجدوا في أنفسهم "، نصبٌ عطفًا على قوله: " حتى يحكموك فيما شجر بينهم ".
إذا انتقلنا من المستوى النظري إلى المستوى التطبيقي يمكن رصد هذا التحول في المبادرة التي أطلقتها الجماعة الإسلامية المصرية، والتي أكدت فيها على عدم جواز القول بتكفير الأنظمة الحاكمة أو كفر النظام الحاكم، وبالنسبة إلى جاهلية المجتمعات المعاصرة والكفر بالطاغوت خلصت الجماعة إلى أن القول بجاهلية المجتمعات كلام مطلق وغامض، فخروج بعض المسلمين عن دائرة الإسلام ووجود بعض المظالم والمعاصي في المجتمع المسلم لا يبرر القول بجاهليته، ولا يسوغ القول بتكفير أبنائه، «فلم يخل عصر من عصور الإسلام من مظالم، ومع ذلك لم نسمع أن أحدا ممن عاصر تلك العصور أطلق القول بجاهلية المجتمع أو النظام، فحقيقة الجاهلية مع عصيان أمر الله تعالى ومخالفته لا علاقة له بالكفر ولا يصح أن يستخدم لتكفير المجتمعات المسلمة لوجود بعض المعاصي والمظالم وإلا لقلنا بكفر كل المجتمعات المسلمة على مر عصور المسلمين»([2]).
من جهة أخرى أحدث دخول حركة الإخوان المسلمين العمل السياسي منذ أواسط التسعينيات تغييرات أساسية في إطارها العقائدي خاصة فيما يتعلق بإقامة الخلافة الإسلامية وتطبيق الحاكمية، فقد تبين أن هناك غيابا لهذه المعطيات في خطابها، وبدل التشديد على دولة إسلامية كبرى، طغى على منهجها التركيز على دولة مصر، فالانتخابات التي جرت عام 2005 لم ترفع فيها شعار الخلافة الإسلامية.
وبالنسبة إلى رؤيتها للعالم الغربي لم يعد هناك ترديد لمقولة مواجهة الغرب الصليبي، وبذلك ألغت من خطابها السياسي مفردات من قبيل: الحروب الصليبية، والطاغوت، وجاهلية العالم ولم تقدم الحركات الإخوانية المصرية خاصة الأجوبة العملية لمشروعاتها مما دفعها لطرح نظرية جديدة في فهمها السياسي نتيجة علاقتها الصدامية مع النظام الحاكم ومؤثرات السياسة الدولية.
ودخلت في مرحلة التطويع الذاتي بحيث أسهمت العوامل الداخلية والخارجية على تسريع وتيرتها، ولهذا تبين أن الثورة الإسلامية والدولة الإسلامية والاقتصاد الإسلامي هي مجرد مفاهيم لا يمكن تجسيدها في عالم يتجه إلى إعطاء الأولوية للعمل السياسي البرغماتي البعيد عن المفاهيم الإيديولوجية الجاهزة، فالشيوعية أثبتت فشلها ، والإسلاموية أحدثت تصحيحا لأهدافها ولو بشكل بطيء، رغم التسييس الحاد للمعطى الديني عند كافة التيارات الإسلامية.
لذلك فان الفشل في بناء الخلافة المنشودة والتجوّل نحو أسلمة المجتمع عبر الدعوة سيدفعه مستقبلا إلى مزيد من الانحسار والتراجع عن الخيار السياسي مقابل تقدم الإسلام كظاهرة اجتماعية، أي استبدال الخطاب حول الدولة بالخطاب حول المجتمع. و رغم هذا التراجع الظاهري لان السياسة هي حركة مد و جذر و كرّ و فرّ فالسؤال المطروح الآن هو هل ستنجح منهجية أسلمة المجتمعات في توفير دعائم جديدة يمكن أن تؤسس لقيام المجتمع الإسلامي؟
هذا التساؤل المشروع لا يمكن الإجابة عليه بشكل قطعي في المدى المنظور.
وصدق الله العظيم اذ قال في كتابه العزيز من سورة المائدة :" يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ اذا إهتديتم" (المائدة -105)
و صدق الله العظيم اذ قال في سورة آل عمران: "ولتكن منكم أمّة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون" (آل عمران 104) و قال تعالى "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (النحل:97). و الله هو الهادي إلى سواء السبيل لا رب غيره و لا معبود سواه. وللحديث بقية ان شاء الله.
باريس في 10 سبتمبر 2008
بقلم : عبد السّلام بو شدّاخ، احد مؤسسي الحركة الاسلامية في تونس

[1] - المصطلحات السياسية في الإسلام، دار الساقي، بيروت، ص 53.
[2] - إبراهيم ناجح: الحاكمية نظرة شرعية ورؤية واقعية، دار الشروق، القاهرة
المصدر بريد الفجرنيوز


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.