سيدي بوزيد.. توزيع 23 اشعارا بالموافقة على بعث مشاريع نسائية    بورصة تونس تتألق عربيا بنمو بنسبة 72ر5 بالمائة خلال فيفري 2026 -تقرير-    طقس الليلة.. كثيف السحب احيانا مع امطار متفرقة بهذه المناطق    طارق جراية يخلف لطفي السليمي في تدريب الاولمبي الباجي    بتمويل أوروبي يناهز مليون يورو، كلية الطب بسوسة تطلق مشروعا للبحث العلمي في أمراض السرطان    شتاء خفيف يرجع الليلة...أمطار متفرقة وبرودة في هذه المناطق    صالون المرضى بتونس: مختصة في الأمراض الجلدية تحذّر من أن المشاكل الجلدية قد تكون مؤشرا على الإصابة بعدة أمراض خطيرة    كاس الاتحاد الانقليزي:هالاند يسجل ثلاثية في فوز عريض لسيتي 4-صفر على ليفربول    افتتاح المشروع الفني "وادي الليل مدينة للخط العربي"    القصرين: نجاح أوّلي لتجربة زراعة اللفت السكري على مساحة 152 هكتارًا وآفاق واعدة لتوسيعها    التقصي المبكر يمثل عاملا حاسما للشفاء التام من هشاشة العظام (طبيبة مختصة)    الرابطة الأولى: تعادلات تهيمن على الدفعة الثانية    مقترح قانون : ''إذا توفى حد من حادث مرور: قرينه ياخذ تعويض يساوي 5 مرات دخله السنوي!''    القبض على زعيم مافيا بارز جنوب إيطاليا    عاجل/ الإطاحة بمفتش عنه لدى الانتربول في هذه الولاية..    عاجل/ الحرس الثوري يُعلن استهداف سفينة تَتْبعُ الاحتلال في مضيق هرمز..    لقاح الإنفلونزا يحمي من ألزهايمر؟...دراسة علمية تكشف    وزارة الصناعة تمنح رخصة بحث عن المواد المعدنية بولاية توزر    عاجل/ تفاصيل عملية إنقاذ أحد أفراد طاقم طائرة أف-15 التي أسقطتها إيران..    يهم التلاميذ: وزارة التربية تكشف عن الروزنامة الكاملة للامتحانات الوطنية..# خبر_عاجل    حكم بالسجن والمراقبة الادارية لمدة 10 سنوات لمروج الاقراص المخدرة بالوسط المدرسي    تغييرات في يومك تنجم تحمي صحتك!    كميات الأمطار المُسجّلة خلال ال24 ساعة الماضية    الرائد الرسمي: فتح مناظرات وطنية للدخول إلى مراحل تكوين المهندسين بعنوان السنة الجامعية 2026-2027    شنية حكاية ظاهرة ''العاصفة الدموية'' في مصر ؟    جامعة كرة القدم تكشف: الناخب الوطني لن يحضر قمة النجم الساحلي والترجي الرياضي    الدخول إلى المواقع الأثريّة والمعالم التاريخيّة والمتاحف مجانا يوم الأحد 5 أفريل 2026    توقيع اتفاقية بين المكتبة الجهوية بجندوبة والمركز المندمج للتعليم والتأهيل ومركز النهوض    ايران تسمح بمرور هذه السفن عبر مضيق هرمز..    صدور امر بمنع صنع أو توريد او خزن او ترويج منتجات من شانها تعطيل اجهزة السلامة في العربات    5 آلاف مسكن جديد: انطلاق مشروع ''العقبة 2'' بمنوبة    «CNN»: القوات الجوية الأمريكية تخسر 7 طائرات في الحرب مع إيران    المصادقة على كراس شروط تسويغ الأراضي والمحلات التابعة للقطب التكنولوجي    اليوم السبت: صراع كبير في البطولة الوطنية ''أ'' للكرة الطائرة    إنذار مفاجئ لطاقم "أرتميس 2" في طريقهم إلى القمر    قبل الكلاسيكو اليوم: تاريخ المواجهات في سوسة    خبير يفسّر: الهيليوم مش لعبة..تأثيره على الطب والتكنولوجيا كبير..وينجم يؤثر على تونس    نابل: نسبة امتلاء السدود تتجاوز 60%    لازمك تعرّف: قرار جديد في القراية..فرض واحد في ''الماط'' trimestre هذه...كيفاش؟    البطولة-برنامج اليوم وغدوة: ماتشوات قوية...شوف شكون ضدّ شكون ووقتاش؟    بسبب حرب إيران: أستراليا تواجه أزمة وقود وانقطاعات كهربائية    وفد من رجال أعمال كنغوليين يزور تونس من 6 إلى 9 أفريل الجاري لإبرام عقود تزود بزيت الزيتون ومختلف المنتوجات التونسية    عملية مسح بميناء رادس التجاري في اطار مكافحة الاتجار غير المشروع وتهريب المواد الخطرة    ابتداء من اليوم: انقطاعات للكهرباء في هذه المناطق    مصر.. مفاجأة صادمة حول السبب الحقيقي لوفاة عبد الحليم حافظ    حجز طيور دجاج حيّ يناهز إجمالي وزنها 880 كلغ بطريق المرناقية..    الثنائي التركي الأشهر يعود لإحياء ذكريات 'حريم السلطان' في فيلم جديد    برنامح لحماية مواقع أثرية    وزارة الشؤون الدينية تنشر دليلا مبسطا حول أحكام الحج والعمرة    ظاهرتان فلكيتان مرتقبتان في تونس في 2026 و2027    الفنان الموسيقي عبد الحكيم بلقايد في ذمة الله    عاجل: غلق جسر أمام مطار تونس قرطاج لمدة 3 أيام.. إليكم التفاصيل    علي الزيتوني يحكي: موش كل واحد يقربلك يحبك، برشا ناس على مصلحتهم    كيفاش تعرف إذا قلبك صحي والا لا؟    في ظل تواصل الحرب: هذه الدولة تقلص ساعات العمل..#خبر_عاجل    كذبة أفريل؟!    خطبة الجمعة: مكانة المسجد في الإسلام    فتوى الأضحية..شنوا حكم شراء العلوش بالتقسيط ؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



توحيد الحياة.. معاقد إيمان ومقاصد عبادة :الدكتور حسن الترابي
نشر في الفجر نيوز يوم 10 - 09 - 2008


كتاب الشعائر الدينية وأثرها في الحياة العامة (2)
توحيد الحياة.. معاقد إيمان ومقاصد عبادة

الدكتور حسن الترابي
إن معاقد الإيمان تتوثق عقيدة توحيد لا تنتقض ولا يعروها إشراك إذا آمن الإنسان وأخذت تتزكى فيه بالشعائر الدينية المسنونة روح تُسلم أمور الحياة وتقاليد الكون كافة لله وحده.
إن أصول الإيمان الذي تؤصل عليه الشعائر وتباركه بنياتها ومقولاتها ومفعولاتها هي أولا معرفة الربوبية لله ربا أعلى لكل عوالم الوجود المشهود والمغيّب طبيعية وبشرا وجنا، له الحمد استغراقا لكل الأسماء والأوصاف الأعلى وكل الشكر على النعماء.
والإيمان هو كذلك إعلاء الألوهية لله تعالى ومن ثم تسبيح قدر الله فوق المقادير العالية وتكبيره فوق كل المستكبرين، وإذا توحدت الربوبية والألوهية فإن الإنسان ما هو إلا آية وثمرة لحمد الله ربا ولتكبيره إلها، فعليه الخشوع طاعة وقنوتا والإسلام للنفس والحياة له سبحانه.
وليتمكن الإنسان من ذلك لا بد أن يستعين بالله ليستهديه ويستمد منه كل فضل في الحياة الدنيا والآخرة، ذلك أنه مكلف باختيار الحق واتباع الهدى مهما انفتحت له باحة المشيئة والخيار وأنه في ابتلاء وفتنة من الدنيا ليختار الهدى أو يشاء الضلال وأنه محاسب في الآخرة يوم القيامة مجازى بما يناظر كسبه في الدنيا، إن أسلم لله سلمت عليه الملائكة وسالمته الجنة دار السلام بنعمائها ويتلقى السلام من إخوانه ثم من الله والرضوان، وإن خاصم ربه وعصى إلهه في الدنيا كان في النار في خصام مع رفقائه فيها تغلظ عليهم الملائكة والله عليهم في قطيعة وغضب عظيم.
لا محمود ربا ولا متعال إلها سوى الله ولا يعبد المؤمنون الخالصون غيره؛ إذ لا ملك يوم القيامة إلا له ولا مفر من حسابه ولا شفيع إلا بإذنه.
إن ما توحي الشعائر أن مذهب الحياة الدنيا وشرعتها كلها عبادة وابتغاء لوجه الله، كل الهموم والمقاصد والمراجع من الإنسان إليه سبحانه، وأن منهاج الحياة كل المسالك والطرق على الصراط المستقيم نحوه تعالى، فالحياة توحيد عبادة لله لا إشراك فيها شركا لا تستقيم بعض مساقاتها في سبيله تعالى أو بعضها تنفصل وتنشق عن ذلك السبيل.
الوجدان الباطن إيمان خالص بالله والغيب والظاهر مسلك تعبدي على شرعه وهديه، والحياة للمؤمن صادقة لا نفاق فيها بدعوى إيمان لا يشهد عليه العمل الصالح أو بعرض عمل يرضي المؤمنين، لكنه لا يؤسس على دوافع مرضاة الله، والدين عبادة قانتة وطاعة مجاهدة واستعانة بالله يستمد بها المؤمن العابد بعد بلاغ وسعه التوفيق وهي من ثم نهضة راقية قربى لله.
الذكر.. شعيرة أولى
والذكر شعيرة.. أوله استشعار في النفس بعد الغفلة لمعان حاضرة تتصل بالله والغيب توثق معاقد الإيمان شرائح العقيدة في الوجدان.
ثم الذكر المنطوق تعبير عن تلك المعاني المستشعرة وتغذية لها بحركة اللسان، وأعلاه التهليل، ولا إله إلا الله نفيا وتطهرا من كل تعلقات الحياة وشهواتها ومقاصدها التي قد تقدسها الأهواء غايات، وتثبيتا لتأليه الله وعبادته استثناء من التحرر من سائر معبودات الوجود.
وكل الأذكار تأكيد لأسماء الله الحسنى وفضله على كل مخلوق، "فالله أكبر" من كل مستكبر في الأرض، والحمد لله يستغرق الثناء والشكر كله لله، والتسبيح بصفات الله فوق لجج الأوهام منزها عن كل نقص ومتعاليا على كل فضل.
وهكذا تتواتر الأذكار تعبر عن معاقد الإيمان وشعاب العبادة، ترد أحيانا من الذاكرين حزبا راتبا في وقت معين أو مناسبة بعرف مسنون من سلف يلتزمه الخلف، أو ترد هكذا عهدا يتخذه المؤمن بنفسه، أو ترد في مواقعها المناسبة من ظروف الحياة وابتلاءاتها فيرسو منها أثر أبلغ يطمئن به الإيمان.
والذكر المنطوق قد يجري لغوا عرضا أو قولا دارجا في المناسبات بسملة لأول كلام أو حمدلة أو صلاة على النبي إذا جاء ذكره أو خطابا بتحية السلام أو نحو ذلك مما يكثر ترداده، وقد يجري كذلك في سنن الذكر المأثور، ويصبح بذلك عادة ينسلك بها صوت الكلمات وينسهك معناها منطوقة ممن لا يدرك مدلولها الدقيق أو مغزاها الحق أو ممن يخرجها من سجل الذاكرة عفوا أو من تلقاء سائر الخطاب وما هي عن وعي مدّكر.
وعرف المسلمين يعهد كثيرا من تلك الظواهر، يكاد بعضهم يحصر شعيرة "الذكر" اصطلاحا في الراتب المرسوم والكلم المعلوم أو يستعين بأصابعه أو بأداة تسمى "المسبحة" ليعد التسبيحات أو جمل الذكر الأخرى مكركرة إلى حد محسوب، وقد تغلب على الذاكرين المسارعة في ترجيع الكلمات وسردها حدرا لاستكمال حسابها المسنون أو لبلوغ العد الأكثر، ولو قضى الذاكر مثل ذلك الوقت مسترسلا مرتلا بضع آيات أو كلمات ذكر يتأمل معانيها لا تجردا بل تنزيلا على وقائع الكون والحياة لعمرت بها مشاعر نفسه ولأفعمت بشعاب الإيمان وارتكزت معاقده حيّة تتفاعل مع حركة الحياة.
الصلاة.. تعبير عن الإيمان
أما شعيرة الصلاة فإنها ذكر الله الذي يعبر عن الإيمان ويغذيه ويقوي الشعور به بالقول والفعل، معالمها كلها تنظمها كلمات تكبير فتحا وركوعا وسجودا وقياما. وحركتها كلها توحيد لأنها استقبال لمسجد الله الحرام لا يلتفت عن وجهته ظاهر وجه ولا نظرة عين بل الأصابع من اليدين والرجلين قياما وجلوسا تتصوب بهيئتها إلى القبلة ولا ينصرف القول إلى غير خطاب الله مهما دعت حاجة حول المصلى، ويصدق ذلك أن وعي المصلي قنوتا وخشوعا وضراعة يتركز نحو ذكر الله توابا إليه مهما نازعته مشاغل البال وعوارض الملهيات ووساوس الشيطان.
ويصوم المصلي ويزكي متاع الحياة في الصلاة عابدا لله وحده، ويقرأ المصلي الفاتحة حامدا ربه معظما موحدا صوب العبودية والاستعانة بالله ذاكرا المصائر إليه ملكا يوم الدين، ويرفع يديه لمفتتح الصلاة أو أثناءها استسلاما لله ويقبضها عُنوا لأمره وخضوعا لقيده، ويركع نزولا بمقامه بين يدي الله العظيم، ويسجد وضعا للوجه ورغما للأنف بالتراب ذلا بالغا لله تعالى، هكذا الصلاة كلها، ذكرها وحركتها تعبير عن العبادة لله، ويتصل الذكر تسبيحا وحمدا وتكبيرا بعد قضائها.
وسائر الصلوات غير الفرائض شعائر ترسيخ لطاعة الله، صلاة عيد فطر ذكرا لطاعة الصيام، وعيد أضحى ذكرا للقدوة في طاعة إبراهيم عليه السلام لرؤية ربه يمتحنه بالإقدام على ذبح ابنه العزيز الذي بلغ معه السعي وهو بعيد عن سائر الأهل، وصلاة الخسوف والكسوف ردا لكل مظاهر الطبيعة التي تجليها آيات الله، وصلاة الاستسقاء تعبيرا عن الحاجة المتوسلة إلى الله وحده.
وشعائر أخرى
وشعيرة الصيام ذكر لله الأكبر الهادي بالقرآن )شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ( [البقرة:185].
والصيام عبادة نهار كامل تجردا من الشهوات طعاما ونكاحا وخبيث كلام طاعة لما كتب الله من تكاليف، الجوع والعطش والإعراض عن متاع الدنيا، ويكتسي الصيام بأذكار وصلاة تراويح مزيد اقتراب إلى الله )وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ( [البقرة:186].
والحج كذلك شعائر يتخللها ذكر الله وتكبيره وتوحيده عند كل المناظر والمواقع، لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، لا سيما الحمد على ما رزق من بهيمة الأنعام التي تساق وتهدى ليجد كل الجمع الحاشد مطعما.
وكل الشعائر القائمة رموز للغيب فما هي ولو تجسدت أحجارا بأوثان، ولا تقبيل الحجر الأسود بعمران شرك بل مثال توحيد ولا رمي الجمرات بقذف قاصر على الصنم بل نبذ وحرب على الشيطان انتصارا لعبادة الله، وكل المواقف يحييها الذكر ويغمرها التوحيد، الطواف حول مركز الحرم شعيرة دورة الحياة العابدة كلها حول متعبد الله والسعي تواتر الحياة كلها بمقاصدها الدنيوية مرجعا إلى الله الراحم الرازق.
أما شعيرة الزكاة فأداؤها معرفة وحمد لجميل رزق الله مالك المال الذي يستخلف عليه عباده وأمانة ترد الفضل إلى سائر عباد الله، فالله هو الواحد مصدرا للثروة الواردة والحق مصرفا لها ومرجعا إليه.
الحياة.. ومعاني التوحيد والعبادة
كذلك سائر الحياة كل شعابها تتخللها وكل مقاصدها تغمرها بمعاني التوحيد والعبادة الشعائر الدينية المسنونة، معاقد الحياة كلها مهما كانت علاقات بشر فروع عن عقيدة الإيمان بالله يحمل الإنسان عليها الرضا كما يحمله على الدين الصادق، ومقاصد الحياة كلها مهما باشرت أغراضا عاجلة بسبل مشهودة في الدنيا موصولة بعبادة الله، مغازيها تنحو إلى مصائر الغيب وجزاءاتها عند الله ثوابا ورضوانا لا عذابا وغضبا، ووسائلها تستعين بالله وغيب قدره المصرف لظروف الدنيا وقضائه المبرم لوقائعها.
ومهما كانت فتن عالم الشهادة تتوالى الشعائر الدينية لئلا يسير الإنسان مفتونا منقطعا عن الغيب والإيمان والعبادة منفصلا بتعلقاته وتذرعاته الأرضية في مساق من مساقات الحياة العامة فاسقا من دين التوحيد حاصرا للعبادة في جانب الحياة الشخصي المخصوص الذي لا تتخطفه نوازع شهوات الحياة العامة ودواعي أهواء علاقاتها الكثيفة وفي تقاليد التعبد المأثور بأقواله وأشكاله لا ما تتسع فيه الاجتهادات المتحررة والتصرفات المتجددة فتنفلت جوانب من حياته مارقة فاجرة من الحدود.
فالزوجانية البشرية يبتلى فيها الإنسان كثيرا بطغيان الهوى والحب والشهوة في معاشراتها ومواطآتها وتنفصل من نيات الدين وأحكام شرعه، لكن الذاكر لله كثيرا المصلي متجردا من النظر والكلام والصحبة وغيرها من مثيرات الشهوة الزوجانية والصائم الذي ينكف قطعا عن إغراءاتها لنهاره كله والحاج المحرم كذلك -شعائره تتواتر في حياته تذكره بأن الزوجية آية من آيات الله ونعمه: )وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ( [النحل:72]، )وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّة وَرَحْمَة إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ( [الروم:20، 21]. ومن ثم يعتصم المؤمن من فيض شعائره بدواعي الإيمان والعبادة من أن تشذ به عن شريعة الله الشهوات والأعراف الزوجانية. وحياة المجتمع كلها للمؤمن الذاكر الذي يوالي غذاء قلبه بالزاد الذي تثمره الشعائر المتواصلة- كلها آيات لله: )وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ * وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ *وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفا وَطَمَعا وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مَاء فَيُحْيِ بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ( [الروم:22:24].
وآداب حلقات المجتمع وصفوفه وأخلاق علاقاته يتدرب عليها مؤدي الشعائر ويتزكى، فالذكر اللساني جامع للذاكرين والصلاة صافة للمصليين، وفي الصيام والحج والزكاة والصدقة يترسخ إخاء المسلمين واستواؤهم وتضامنهم وتوازنهم يتقون التجافي والتعازل ويتطهرون من الصراع على المتاع المحدود كيف يُقتسم والتفرق في الأرض الممتدة، كيف تُعبر والتفاخر بالألوان والعروق والتحاسد على المصائر، ذلك أن في الشعائر ما يوحي إليهم بالعدالة والمواصلة واستواء الأصل والمرجع مصيرا إلى الله بحق العبادة.
وكذلك علاقات السلطان بين البشر تفتن فيه القوة، البشر يتغاوون على الصراع بها لبلوغ مستوى الطاغوت والتجبر والذل والذيلية، ويحدّث الشيطان من تمكن في السلطة أنه ملك بالفردية، لا يقبل شريكا، وبالخلود لا يقبل الخلافة عن حياة وسلام.
ولكن ذكر الله في الشعائر وهيئة أدائها مما يوحي للإنسان ويزكي فيه إن قوة السلطان حتى عند الله العزيز الجبار لم تبلغ إكراه البشر على الإسلام له تعالى وأنه تعالى هو الذي يستخلف عباده على شيء من السلطان يصرفه بينهم كما يشاء: )قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ( [آل عمران:26]. وإنما يبتلي الله من يجعل خليفة يتمكن في الأرض هل ينفرد بهواه أو يرد الأمانة إلى جميع أهلها: )إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعا بَصِيرا( [النساء:58].
والذاكر لله المصلي ولو إماما تضبطه وتعلمه سنن الإمامة، والحاج يمضي مزكى بلا رفث ولا فسوق ولا جدال بين الناس ولا فساد في الأرض، كل ذلك لا يفتح بابا للفسوق بالسلطان والسياسة من ملك الله وهديه وابتلائه وجزائه، فضلا عن أن يخلي منزلقا للخروج على شرع الحكم وأخلاق السياسة في الدين، إلا لمن نقص الإيمان بالغيب في نفسه لا يتمه بالشعائر المسنونة فهو ينقص مدى الدين ويحيط به عالم الدنيا لتغشاه علمانية السياسة وفجورها الدنيوي الذي لا يذكر آخرة ولا أزلا استكبارا ونفاقا وظلما.
الدنيا دار بلاء
والدنيا دار بلاء بشهوة الكسب الأكثر الأعجل ولو ظلما والمتاع بالمعاش ولو حراما وترفا، والبشر يفتنون بمواد الكسب والمتاع يتخذون ذلك الهوى متعبدا ويذهبون مذهبا لا دينيا ماديا، ولكن المؤمن الذاكر لله يصلي مع المؤمنين ويصوم مع الجائعين ويتصدق يرد المال والرزق لله، ويعلم الاستخلاف عليه أمانة ومسئولية ومسعى كالمسعى في الحج في سبيل الله وأجور الآخرة بعائدها المضاعف ومتاعها الخير والأبقى.
ومعاش المؤمنين وثاق مجتمع لا يشققه التنافس الغيور على الدنيا ولا يمزقه الاعتزال تحوزا فرديا أو يفرقه الشح بخلا أو يحرقه الطمع تظالما وبغيا، وإنما تشدّ أصوله وتحفظ نسجه الشعائر الدينية التي تعقد في الحياة معاقد الإيمان الطوعية وتوحد مقاصدها وتطهرها بمغازي العبادة الخالصة.
الأربعاء. سبتمبر. 10, 2008
إسلام أون لاين.نت


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.