قطر تتعهد بتمويل المدينة الصحية بالقيروان ومشروع أسواق للإنتاج بسيدي بوزيد    استاء منها المربي واستحسنها المواطن ..تراجع أسعار البيض ولحوم الدواجن    بعد قصي الخولي وكاظم الساهر: حقيقة الارتباط السري بين سعد المجرد وتونسية؟    محمد المحسن يكتب لكم: حين تصان كرامة المثقف العربي ويعلو شأنه..تتقدّم عجلة التطور    اليوم مفتتح رجب    الزمالك يغيب عن مواجهة الأهلي المصري و الحكم الليتواني يُلغي المباراة    متابعة/ ابن رجل اعمال ضمن المتورطين في استخراج الياقوت والذهب وجلد ماعز وقلم روحاني «أدوات العمل»    النجم الساحلي في طريق الإقلاع مجددا؟    15 مصابا في حادث دهس استهدف مهرجانا وسط ألمانيا    دون عناء.. دجوكوفيتش يقصي مالك الجزيري من دورة دبي    ياسين العياري: الغنوشي يرى أنه أحقّ بشعبية قيس سعيّد وسلطته    إمضاء النسخة النهائية لوثيقة التعاقد الحكومي    انتشار فيروس كورونا في ميلانو : سفير تونس بإيطاليا يقدم تفاصيل جديدة حول وضع الجالية التونسية    منقبة جزائرية ادعت انها حامل وبتفتيشها تبين ان بطنها يحمل ثروة مالية ومخدرات    تطورات كبيرة في قضية سمير لوصيف: 4 اشهر سجنا نافذة وزوجته توجه له اتهامات خطيرة    الدستوري الحر يقدم برنامج احتفاله بمائوية الحزب الدستوري    اختتام تظاهرة موسيقى العالم بأنغام تونسية مغاربية بنسمات سهيل الشارني    خاص بالصباح الأسبوعي... ما سر الاستقالة المعلقة لمديرة المركز الوطني للسينما والصورة!؟    6 قتلى بالغارات الإسرائيلية قرب دمشق    ''صفقة سياسية'' لتمرير حكومة الفخفاخ: قلب تونس يوضّح    انتحار معتمرة في مكة المكرمة..وهذه جنسيتها..    حالة الطقس ليوم الثلاثاء 25 فيفري 2020    تونس: الاتّحاد المحلي للشغل ببنقردان يعلن 7 مارس يوم عطلة ويستنكر عدم تفعيله كيوم وطني للانتصار على الإرهاب    إيطاليا تعلن ارتفاع حصيلة ضحايا فيروس كورونا    تونس تطرح مناقصة لشراء 125 ألف طن من القمح    نواب يجاهرون برفضهم لجوازات السفر الديبلوماسية ويساندون المبادرة في البرلمان    القطاع البنكي التونسي عاجز عن اداء دوره بالكامل في تمويل الاقتصاد    الدورة الأولي لصالون الدولي للكهرباء والطاقات المتجددة، من 26 فيفري الى 1 مارس 2020 بالكرم    محققة أفضل ترتيب.. أنس جابر تواصل التقدم في ترتيب اللاعبات المحترفات    عاجل/أثار ذعر العاملين: وزارة الصحة تكشف تفاصيل وأسباب تواجد طاقم طبي إيطالي بمستشفى الرابطة..    وزارة الصحة تتابع الوضع الوبائي لفيروس “كورونا” بايطاليا    المنستير.. بطاقة إيداع بالسجن ضد فتاة    قطاع الفسفاط يسجل رقما قياسيا ..انتاج 4,1 مليون طن موفى ديسمبر 2019    من هي الشركة التي كُلّفت برفع وتسليم الحقائب بمطار تونس قرطاج؟    6 دول عربيّة حتى الآن أعلنت عن تسجيل اصابات بكورونا    مشهد جديد للوحشية الصهيونية.. جرّافة إسرائيلية تنكل بجسد فلسطيني وتدهسه مرارا بعد استشهاده    حامل للمرة الثالثة، زوجة عاطف بن حسين تعلن انفصالهما رسميا    حادث مرور يودي بحياة المدير الجهوي للديوانة بالقصرين    أمير قطر يغادر الأردن متوجها إلى تونس    أشغال محوّل مطار تونس قرطاج بلغت 85%    كأس تونس.. برنامج مباريات الدور 16    إمضاء الوثيقة التعاقدية للحكومة المرتقبة مساء اليوم    رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد يقدم استقالته لملك البلاد    أول ردّ لقصي الخولي على زوجته التونسيّة مديحة حمداني    “توننداكس” يتراجع بشكل طفيف مع انطلاق تداولات الاثنين    بكلّ محبّة... الى جعفر القاسمي: لست وحدك من فقد عزيزا    هجوم مسلح على ملعب ومقهى يودي بحياة ثلاثة عراقيين    بعد رفض قائمته/ العربي سناقرية ل"الصباح نيوز": ما يفعله الجريء بمنافسيه غير أخلاقي.. ونظام التزكيات وضع لإقصاء بوشماوي    أسبوع الموضة في إيطاليا... عروض من دون جمهور    "كورونا" يهدد بإفراغ الملاعب الإيطالية من الجمهور    رابطة نابل (الجولة 2 إيابا)..بئر مشارقة تقسو على جمعية المرازقة    بنزرت : المدير الجهوي للصحة يؤكّد مجدّدا عدم تسجيل أيّة حالة إصابة بفيروس “كورونا” في الجهة    أم العرائس.. مجهولون يرشقون سيارة الحرس بالحجارة    غدا الثلاثاء مفتتح شهر رجب    في الحب والمال/هذه توقعات الأبراج ليوم الاثنين 24 فيفري 2020    بين قفصة والمتلوي.. سيارة تقتل راكب دراجة وتلوذ بالفرار    سمير الوافي لجعفر القاسمي : لست وحدك من فقد أمه ..حتى تفرض على الشعب كله أن يعزيك وتتهمه بالخيانة العظمى إذا لم يفعل    المهرجان الدولي لافلام حقوق الانسان يسدل ستاره    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





من أساليب التربية في القرآن الكريم .. أسلوب القص ودحض الافتراء(56)
نشر في الحوار نت يوم 08 - 12 - 2010


من أساليب التربية في القرآن الكريم
دحض الافتراء (54)
الدكتور عثمان قدري مكانسي

العقل هبة من الله وتعالى لبني البشر لأنّه فضّلهم على كثير ممن خلق ، فلما كانوا من أصحاب العقول وجب عليهم أن يفكروا بها التفكير السليم ، ولا يتبعوا أهواءهم ، فالأهواء حجب تغطي العقل وتشده إلى البهيميّة .
والمشركون والكفار اتبعوا هذه الأهواء التي تنأى بصاحبها عن الحق ، وتزين له الباطل ، فيصدر أحكاماً ليس لها من الحقيقة نصيب ، ويدّعون ما ليس بصحيح ، ويزينون لأنفسهم ولمن تبعهم أنهم قد أصابوا كبد الحقيقة ، والحقيقة أمامهم ، لكنهم لا يرونها ، أو يتعامون عنها .
والقرآن الكريم يورد كثيراً من افتراءاتهم ويبين تفاهتها وسفاهتها بقول محكم تتجلى فيه الفكرة المقنعة ، والبرهانُ الساطع أو السخرية اللاذعة . . .
فهلمّ إلى آي القرآن نقف على بعض منها .
فالكفار يرمون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكذب والافتراء على الله حين يقرأ عليهم القرآن . فكيف كان ردّ القرآن الكريم على دعواهم الكاذبة هذه ؟ قال تعالى :



((أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ؟!!



أ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا



هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ



كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ



وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (8)



ب قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ



وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ



إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ



وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9)



ج قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ



وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ



فَآَمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ
إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) ))(1) .
. . . فالردٌّ كان على ثلاث مراحل :
الاولى : أن الله تعالى يعاقبه إن كان مفترياً عليه ، ولا تقدرون أنتم على ردّ عذابه ، فكيف أفتريه وأدّعيه لأجلكم وأتعرض لعقابه ؟ أنتم تقولون سحرٌ وشعر وغير ذلك من الطعن ، فالله شهيد على صدق دعوتي وحسن تبليغي ، ويشهد عليكم بالجحود والنكران ، فإن عدتم وآمنتم فهو يتوب عليكم ويرحمكم .
الثانية : لست أول رسول جاء الناس بما جئتُ به ، فلأي شئ تنكرون عليّ ؟ ولا أدري بما يقضي الله عليَّ وعليكم ، فأنا متبع لا مبتدع ، ونذير لكم من عذاب الله .
الثالثة : أخبروني يا معشر المشركين إن كان هذا القرآن من عند الله حقاً وكذبتم به ، كيف يكون حالكم ؟ ، ولقد عرَف أحد علماء بني إسرائيل صدقي ، فآمن بالقرآن ، وكفرتم أنتم . ألستم أضلَّ الناس وأظلمهم ؟ .
إنّه ردٌّ رائع سدّ عليهم مسالك افترائهم .
ويعود الكفار إلى التكذيب ورمي الصادق الأمين بالافتراء على الله ، مدّعين أن القرآن صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم .



(( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ؟!



قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13)



فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ؟ (14) ))(2) .
والجواب المفحم يتضمّن ما يلي :
1 أنتم عرب فصحاء مشهود لكم بالبلاغة فهاتوا عشر سور مفتريات كما فعل محمد على زعمكم .
2 استعينوا بكل إنسيٍّ وجنيٍّ إن كنتم صادقين في دعواكم أن القرآن من عند غير الله .
3 إذا لم تستطيعوا أن تفعلوا ذلك فاعلموا أن رسول الله بشر مثلكم ، لا يستطيع ذلك ، وما يقرؤه عليكم كلامُ الله سبحانه وتعالى .
4 والعاقل من يسْلِم حين يرى الحقَّ ساطعاً واضحاً .
بل إنهم يدَّعون أن رومياً علمه القرآن الكريم :



((وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ



لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103)



إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104)
إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105) ))(3) .
روى ابن إسحاق أنه كان في مكة فتىً أعجميٌّ قرب الصفا يبيع بعض السلع البسيطة يمر عليه الرسول صلى الله عليه وسلم كما يمرُّ عليه الناس ، ويكلمه كما يكلمه الآخرون ، ولم يكن هذا الأعجمي ليتكلم من العربية سوى كلمات وجمل لا يكاد يبينها ، ولا يحسن نطقها . . . ادَّعى كفار مكة أنه علم النبي صلى الله عليه وسلم القرآن والحكمة !!.
وعلى الرغم من أن هذا الادعاء لا وزن له إلا أنّه ينبغي أن نشير إليه رادّين على تخرصات المشركين :
1 لو كان هذا الغلام ذا حكمة وفهم ما وضع نفسه في الموضوع الذي هو فيه ، يمر عليه الجميع من كبار وصغار ، وينظر الكثير منهم إليه نظرة ازدراء .
2 أنّى لهذا الفتى أن يعلِّم رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن والحكمة - على فرض وجودها عنده - وأداة التعليم واللغة وحسن البيان ليست فيه ! وفاقد الشيئ لا يعطيه ؟!...
3 كان أحرى بهذا الأعجمي الذي اتصف بالعلم والحكمة على حد قول الكفار أن ينسب القرآن إلى نفسه ، فيفخر بذلك على أهل مكة ومن حولها ويتبوأ فيهم مركز الصدارة ، لا خانة النسيان !!.
4 لمَ تكاسلَ هؤلاء جميعاً فلم يتعلموا منه إن صح زعمهم فأفادوا واستفادوا ، ونافسوا محمداً صلى الله عليه وسلم في دعوته ؟!! .
5 وعلى فرض أنه صلى الله عليه وسلم حسب ادعائهم تعلم من ذلك الفتى الأعجمي القرآن والحكمة ، ثم صاغ ذلك بأسلوب عربي مبين أما كان أهل قريش وهم أفصح العرب أن يصوغوا الأفكار بقالب سامٍ من البلاغة شأنهم شأن النبي صلى الله عليه وسلم ؟!!.
لقد تحداهم القرآن أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات فعجزوا . . . فأحرى بهم أن يصدقوا أنه كلام الله تعالى المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم .
قال تعالى : (( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (38) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (39) ))(4) .
1 يقسمون بالله والعجيب أن الذي يقسمون به يكذبهم سبحانه .
2 ويؤكدون أن الميت لا يبعث .
3 وسبحانه قد وعَد ووعده حق أنهم سيبعثون ، فمن أصدق قولاً ؟!! إنه الله جلَّ وعلا .
4 البعث لأمرين اثنين :
أ ليوضح لهم ما اختلفوا فيه .
ب ليدفعهم بكذبهم وافترائهم على الله ورسوله إلى جهنم ، وبئس المصير .
وبعض الفاسقين الجلاوزة بل كلهم يأمرون الناس بالكفر ، ويدّعون أنهم يحملون عنهم العذاب في الآخرة إن كان هناك يوم بعث ونشور



(( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ



وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (12)



وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ
وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (13) ))(5) .
فمن سنَّ سنّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة .
ويقول تعالى :



(( قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (42)
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (43) ))(6) .
وكلنا يعلم ما يفعل الشركاء بعضهم ببعض من الدسائس والمكر وسعيهم إلى إقصاء من يستطيعون إقصاءه .
ويقول سبحانه أيضاً :



((إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98)



لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (99)
لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (100) ))(7) .



فهل هذه الآلهة تدفع عنها هذه النار المحرِقة ؟!!.
ويقول سبحانه مؤكداً الفكرة نفسها :



(( وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً



لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا



وَهُمْ يُخْلَقُونَ



وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا
وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (3) ))(8) .
فلماذا هم إذاً آلهة إن كانوا ضعافاً محكومين ؟!! .
ويتعجب الكفار أن يكون الرسول بشراً (( وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8) ))(9) .
فيرد الله تعالى عليهم ببساطة متناهية :
(( وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ . . . ))(10) .
ومن العجيب أن صفاقة الكفار لا تقف عند حد ، فهم يدّعون أن الملائكة إناث . وأن الله أمرهم بعبادتها ، ولو شاء ما استطاعوا عبادتها !!



(( وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا



أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19)



وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ



مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (20)



أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (21)
بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) ))(11) .
فيسخر الله تعالى منهم حين يسألهم هل حضرتم خلق الملائكة فرأيتموهم إناثاً ؟!! إن الملائكة ستكتب شهادتكم ، ويوم القيامة تحاسبون عليها . وهل أنزلنا عليهم كتاباً يقول مثل هذه التخرصات ؟!! لا ، بل إنهم رأوا آباءهم ضالين فسلكوا طريق الضلال هذا . .
والعجيب أنهم ينسبون إلى الله الخالق ما لا يرضونه لأنفسهم ، فهم يكرهون الإناث ، ويحزنون إن رزقوا بهنّ ، وينكفئون إلى بيوتهم خجلاً أن يسمعوا أحداً أو يشير إليهم أحد أنهم رزقوا بنات ، وقد يسعون إلى دفنهنّ أحياء ، ويجعلون الملائكة إناثاً وينسبوهن إلى الله بناتٍ .



((وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (57)



وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58)



يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ



أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ
أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59) ))(12) .
وأخيراً وليس آخراً ، فالرسول صلى الله عليه وسلم أميٌ لا يقرأ ولا يكتب فمن أين له أن يتعلم . . إن القرآن من عند الله سبحانه ، لا شك . .



((وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ



وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ



إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48)



بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (49) ))(13) .
وقال سبحانه : ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2) ))(14) .
إذاً ، فالقرآن يعلمنا أن نكون واعين نردُّ على الافتراءات التي ينثرها الأعداء هنا وهناك ابتغاء التشكيك والطعن بطرقٍ واضحة ودليل بيّن .
------------------------------------------------------------------------
(1) سورة الأحقاف ، الآيات : 8 10 .
(2) سورة هود ، الآيتان : 13 ، 14 .
(3) سورة النحل ، الآيات : 103 105 .
(4) سورة النحل ، الآيتان : 38 ، 39 .
(5) سورة العنكبوت ، الآيتان : 12 ، 13 .
(6) سورة الإسراء ، الآيتان : 42 ، 43 .
(7) سورة الأنبياء ، الآيات : 98 100 .
(8) سورة الفرقان ، الآية : 3 .
(9) سورة الفرقان ، الآيتان : 7 ، 8 .
(10) سورة الفرقان ، الآية : 20 .
(11) سورة الزخرف ، الآيات : 19 22 .
(12) سورة النحل ، الآيات : 57 59 .
(13) سورة العنكبوت ، الآيتان : 48 ، 49 .
(14) سورة الجمعة ، الآية : 2 .

------------------------------------------------------------------------
------------------------------------------------------------------------

من أساليب التربية في القرآن الكريم
الدعاء(55)
الدكتور عثمان قدري مكانسي
قال الله تعالى (( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60) ))(1) .
فمن دعا الله تعالى فقد لجأ إليه ، ونزله ببابه ، واتكل عليه ، وأظهر عجزه بين يديه ، وتقبّلَهُ الله وقضى حوائجه ، وازال عنه همّه وغمّه ، وأبدله مكانهما فرحاً وسعادة ،
أما العتلُّ الجوّاظ المستكبر فليس له إلا النار يصلاها ، والجحيم يتسعّرها ، لأنه استعلى وتكبّر .
والدعاء مخ العبادة ، بل هو العبادة نفسها ، فقد روى النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( الدعاء هو العبادة ))(2) .
وهذا سيدنا إبراهيم عليه السلام يسأل الله أن يتقبل دعاءه :
((رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) ))(3) .
كما أن الدعاء يُتقبل حين يكون صاحبه مخلصاً لله تعالى :
(( فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ))(4) .
ويوم القيامة يفرح المؤمنون حين يعلمون أن الله استجاب لدعائهم حين التجأوا إليه في
الدنيا . . يقولُ أهل الجنة معترفين بفضله سبحانه :
(( إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28) ))(5) .
إنك حين تدعو لنفسك تشعر بالأمن والأمان ، والهدوء والاطمئنان .
وحين تدعو لذريتك وأهلك تنزل البركات عليهم ، ويحوطهم الله برعايته .
وحين تدعو للمسلمين تزداد أواصر الحب ، وتنمو الصلات ، وتنتشر المودة .
وحين تدعو على أعداء الله وأعدائك تتفتح السماء بنصرك عليهم ، وتتزلزل الأرض من تحت أقدامهم .
ولنا في السلف الصالح خير قدوة وأفضل أسوة .
فهذا سيدنا إبراهيم عليه السلام يدعو للبلد الحرام وأهله ، قال تعالى : (( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ))(6) .
ثم تراه وابنه إسماعيل عليهما السلام ، وهما يرفعان قواعد البيت يدعوان لنفسيهما ولذريتهما ، يقول الله تعالى :
(( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) ))(7) .
كما أن عباد الرحمن يسألون الله تعالى أن يحفظهم في أزواجهم وذرياتهم ويجعلهم قدوة لعباده الصالحين ، قال تعالى :
(( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) ))(8)
ثم انظر إلى برد الراحة وسمو النفس حين يقف الإنسان في رحاب الله يسأله ما لا يُسأل غيره سبحانه ، قال تعالى يعلمنا كيف ندعوه سبحانه:



(( رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا



رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا



رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ



وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا
أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ))(9) .
وهذا سيدنا زكريا عليه السلام يرى التقوى في مريم البتول ، فتتحرك نفسه شوقاً إلى ولد صالح يخلفه ، فيضرع إلى الله بالدعاء ، أن يرزقه الولد الذي تقرُّ به عينه فيأتيه الجواب
سريعاً . . سبحان الله ما أسرع فضله وأكرم عطاءه



((هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ :



رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38)
فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) ))(10) .
أما حواريو عيسى عليه السلام فيرفعون أياديهم إلى المولى يسألونه رفع درجاتهم :
(( رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) ))(11) .
وأولو الألباب أصحاب القلوب الحيّة تسبح أفكارهم في ملكوت الله ، فيرون الجمال ، ويرون الحقّ في كل ما تقع عليه عيونهم ، وتصل إليه عقولهم ، وتشعر به قلوبهم فيسألون الله العفو والمغفرة والنجاة من النار ، والكرامة يوم القيامة



(( رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)



رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192)



رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا



رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193)
رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194) ))(12)


فكان الجواب على الفور نازلاً من السماء بالإيجاب قائلاً :
(( فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى . . . ))(13) .
ونبيُّ الله يوسف عليه السلام يرى النساء المترفات يدعونه إلى طاعة المرأة الماكرة في الفحشاء فيأوي إلى ركن الله المتين يسأله حفظه وصونه :
((. . . . وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ))(14) ،
فيستجيب الله فيصرف عنه كيدهنّ . . . (( إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ))(14) .
والقرآن الكريم مليء بآيات الدعاء التي تربط الإنسان ومصيره بربّه سبحانه وتعالى ، وتدله على الطريق الصحيح الموصل إلى رضاه ومغفرته ، وحين يتصل الإنسان بخالقه يدعو له كل مخلوق ، ويحبه ويعظم في عينه .
هذه ملائكة الرحمن تدعو لك أيها المسلم . . قال تعالى :



((الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ



أ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ



ب وَيُؤْمِنُونَ بِهِ



ج وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا



د رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا



فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7)



ه رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ



وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8)



و وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ
وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9) ))(15) .
أرأيت إلى هذا الدعاء المتكامل الشامل لصنوف الخيرات ؟!! .
فإذا التجأت إلى الله من ظلم الأعداء وبطشهم وفسادهم أجابك سريعاً لأنه يراك وجهادك في سبيله ، واستقامتك على شرعه ، قال تعالى :



((وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ
رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88) ))(16) ، فيقول الله تعالى : (( قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ))(17) .
ثم انظر معي إلى دعاء سيدنا نوح على الكافرين واستجابة الله سبحانه له :
(( وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) ))(18) .



(( وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76)



وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا
إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (77) ))(19) .
إن الدعاءَ الحبلُ الواصلُ بين العبد وخالقه . فإن شئت فحافظ على هذه الصلة المتينة تجد الخير كله عاجله وآجله .
------------------------------------------------------------------------
(1) سورة غافر ، الآية : 60 .
(2) رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن صحيح .
(3) سورة إبراهيم ، الآية : 40 .
(4) سورة غافر ، الآية : 14 .
(5) سورة الطور ، الآية : 28 .
(6) سورة البقرة ، الآية : 126 .
(7) سورة البقرة ، الآيتان : 127 ، 128 .
(8) سورة الفرقان ، الآية : 74 .
(9) سورة البقرة ، الآية : 286 .
(10) سورة آل عمران ، الآيتان : 38 ، 39 .
(11) سورة آل عمران ، الآية : 53 .
(12) سورة آل عمران ، الآيات : 191 194 .
(13) سورة آل عمران ، الآية : 195 .
(14) سورة يوسف ، الآية : 33 .
(14) سورة يوسف ، الآية : 34 .
(15) سورة غافر ، الآيات : 7 9 .
(16) سورة يونس ، الآية : 88 .
(17) سورة يونس ، الآية : 89 .
(18) سورة نوح ، الآيتان : 26 ، 27 .
(19) سورة الأنبياء ، الآيتان : 76 ، 77 .

------------------------------------------------------------------------
------------------------------------------------------------------------

من أساليب التربية في القرآن الكريم
أسلوب القص - القصة - (56)
الدكتور عثمان قدري مكانسي

للقصة تأثير كبير في نفس متلقيها ، لما فيها من تدرُّج في سرد الأخبار ، وتشويق في عرض الأفكار وطرحِها ممزوجة بعاطفة إنسانية .
وهي تعتمد على الحوار والنقاش الداخلي حيناً ، والخارجي حيناً آخرَ ، وتصدر مقترنة بالزمان والمكان اللذين يغلفان الأحداث ، بإطار يمنع الذهن من التشتت وراء الأحداث ، وتتدرج من موقف إلى آخر فتجذب السامع والقارئ إلى التفاعل معها ، والمتابعة بأحاسيسه وأفكاره ومشاعره ، ويندمج فيها فتصل به إلى نقطة التأزم " العقدة " ثم تنحل شيئاً فشيئاً . . وتكون
" نقطة التنوير " في الأحداث الضوءَ الذي ينقذ الموقف القصصي ، وينقله إلى حالة الهدوء والانتظام أو اتخاذ الموقف الإنساني . . نتيجةً للتفاعل الفكري والنفسي مع الأحداث(1) .
والقرآن الكريم استخدم الأسلوب القصصي إذ رآه من أبلغ الطرق المؤدية إلى توثيق الفكرة وإصابة الهدف .
فالقصة في القرآن الكريم : .
1 الله سبحانه وتعالى [ راويها ] [ فهي حقيقة واقعة لا ريب فيها ] على عكس ما زعمه مَنْ يُدعى " عميد الأدب العربي " حيث زعم في قصة إبراهيم عليه السلام أنها رُوِيَتُ في القرآن على سبيل العبرة والعظة لا على سبيل الحقيقة في الوجود !! يقول الله تعالى : (( إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ ))(2) ، ويقول جلَّ وعلا في أهل الكهف : (( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ ))(3) ، ويقول سبحانه : ((إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ))(4) .
ففي الآيات الثلاث يؤكد صاحب العزّة والجبروت أن ما يقصُّه حقٌ ، فماذا بعد الحقّ إلا الضلال ؟!! وهل بعد الحقِّ إلا الضلالُ في أوهام المخرّصين ؟!!.
2 والله تعالى يقص [ أفضل القصص وأحسنها ] ((للفائدة والعبرة)) لا ليتمتّع بها ((أهل الفنِّ للفنّ)) لإن القصة تأتي :
أ لغرس مبدأ وفكرة .
ب وتثبيت عمل صالح .
ج ونشر فضيلة .
د ودعوة إلى حقٍّ وهدى .
قال تعالى : (( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ ))(5) .
(( فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ))(6) .
(( وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) ))(7) .
(( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى ))(8) .
3 وهي في مادتها تنحو تجاه وحدانية الله وطاعته والعمل بشريعته ، وقصد رضوان الله والفوز بالجنة ، والنجاة من النار . . قال تعالى :
(( يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (130) ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131)))(9) .

وقال أيضاً : (( يَا بَنِي آَدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (35)
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (36)))(10) .
4 وهي أنواع عدة في شخوصها . . فنحن نرى :
أ قصص الأنبياء وأقوامهم قوم نوح عاد قوم هود ثمود قوم صالح إسرائيل وموسى اليهود وعيسى داوود وجالوت .
وهذه على سبيل المثال قصة الرجل من بين إسرائيل الذي قتله ابن أخيه ليرثه ، فكشفه الله تعالى أمام قومه لينال جزاءه .

((وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً

قَالُوا: أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا

قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67)

قَالُوا: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ

قَالَ: إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68)

قَالُوا: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا

قَالَ: إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69)

قَالُوا: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70)

قَالَ: إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا

قَالُوا: الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ
فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) ))(11) .
ومن الفوائد في هذه القصة :
أ قوله : ((أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ )) تنبيه على أن الاستهزاء بأمر الدين جهل
كبير .
ب قوله : (( وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا )) وإذا قتلتم نفساً خطاب موجه إلى اليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم ، وقد جرى هذا الأسلوب المعروف في مخاطبة الأقوام ، إذ ينسب إلى الخلف ما فعل السلف ، إذا كانوا سائرين على نهجهم ، راضين بفعلهم ، وفيه تقريع وتوبيخ للغابرين والحاضرين منهم .
ج واقعة قتل النفس هذه جرت قبل أمرهم بذبح البقرة وإن وردت في الذكر بعده ، والسرُّ في ذلك التشويق إلى معرفة السبب في ذبح البقرة .
د التكرار في التقريع والتوبيخ لتكرار سوء أدبهم في عدّة أمور :
أولها : أنهم استهزأوا برسول الله موسى عليه السلام (( أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا )) .
ثانيها : ما ضيّقوه على أنفسهم في اختيار البقرة ، فضيّق الله عليهم .
ثالثها : العودة إلى الهزء بالرسول الكريم موسى في قولهم : (( الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ )) إذاً فهو على زعم المغضوب عليهم لم يكن يأتي سابقاً بالحق !! .
رابعها : عدم الكشف عن القاتل ، ومداراته ، ومحاولة إخفاء جريمته .
ه التأكيد على إحياء الموتى بطريقة حسية

(( فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا

كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) )) .
ولا بد في كل قصة كما أسلفنا من فوائد ، وعظات وعبرٍ ، جاءت السورة لأجلها .
ب قصص الصالحين كقصة مريم عليها السلام وزوجة فرعون ، ورجل من آل فرعون ، والرجل الصالح في سورة يس .

أما قصة الرجل الصالح فتدل على عميق إيمانه ، فلم يخفف من قول الحق وعضّدَ رُسُلَ الله ، ودعا إلى اتباعهم ، وأعلن كلمة التوحيد ، فقتلوه فكانت الجنّة مثواه رضي الله عنه ، قال
تعالى : (( وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى

قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20)

اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21)

وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22)

أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ

(23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24)

إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25)

قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26)
بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) ))(12) .
ومن الفوائد في هذه القصة :
1 الإسراع إلى نصرة الحق (( وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى )) .
2 مهما قلّ العدد فإنّه يفيد في نصرة الحق . . رجلٌ [واحد] .
3 إعلان كلمة الحق وذلك في اتباع المرسلين المهتدين الذين لا يريدون أجراً إنما عند الله
ثوابهم .
4 لا تجوز عبادة أحدٍ سوى الله الذي خلقَ وأمات ، وإليه المعادُ .
5 لا يُعبَدُ إلا مَنْ بيده الأمر ، فهو يعطي ويمنع ، ويضرّ وينفع .
6 أيُّ إشراك بالله إجحاف بحقه في الألوهيّة سبحانه وظلم للنفس .
7 المسلم داعية إلى الله ، يُسمِع الناس كلمة الحق (( فَاسْمَعُونِ )) .
8 دخول الجنّة وغفران الله تعالى الربح العظيم والفوز الكبير .
9 لا يحقد المسلم على أحد حتى على الذين قتلوه بل يطلب لهم الهداية كما اهتدى ، والنجاة كما نجا ، والفوز كما فاز : ((يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ )) .
10 التحبب إلى الناس (( يَا قَوْمِ )) لإشعارهم أنك منهم ، تريد لهم الخير .
ج قصص الأنبياء والصالحين ، ومنها : قصة موسى والخضر وموسى والرجل الصالح في مدين الذي زوّجه ابنته(13) وقصة ذي القرنين .
أما موسى عليه السلام فقد ظنّ أنه أعلم الناس في زمانه لأنّه النبي الوحيد إذ ذاك من أولي العزم ، فنبهه الله إلى ان هناك مَنْ هو أعلم منه ، فرغب عليه السلام ان يقابله ليتعلم منه ، فبدأت القصة : قال تعالى :
(( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ(14)
لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62)

قَالَ : أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا

قَالَ : ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ

فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65)

قَالَ : لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا

قَالَ : إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68)

قَالَ : سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا

قَالَ : فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا
قَالَ(15) : أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا(16)

قَالَ : أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا
قَالَ : لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ(17)

قَالَ : أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا

قَالَ : أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا

قَالَ : إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ

قَالَ : لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا

قَالَ : هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا

أ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79)

ب وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81)
ج وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82)))(18) .
والفوائد في هذه القصة جمّة وفيرة نذكر منها :
1 أن يتلزم الإنسان حَدَّه مهما علا قدره وارتفع .
2 الإصرار على حيازة العلم ، (( لا أبرح . . . أو أمضي حقباً )) .
3 الترتيب الجيد للسفر ، من تهيئة الطعام ، ومعرفة الغاية من سفره ، ومكان الوصول ، ومَنْ تلتقي ، ومَنْ تصاحب في سفرك . . . .
4 قدرة الله تعالى أحيت الحوت المشويّ ، فانطلق في الماء مبتعداً .
5 الاعتراف بالنقص حين طلب الطعام ، وكأنّه شعر بالجوع بعد السفر وأن الله تعالى كان يعلّمه فآثر العودة .
6 الأدب في نسبة النسيان إلى الشيطان ، أما الله تعالى فهو يُذكَر بالخير .
7 سمات عباد الله ، آتيناه رحمة من عندنا ، وعلمناه من لدنا علماً .
8 إذا اتخذ الله ولياً لم يتركه جاهلاً ، إنما علمه (( العلم اللدُنّي )) .
9 الصبر على طلب العلم واحتمال المعلّم ، والتلطف به .
10 من شروط تحصيل العلم : الصبر ، وطاعة المعلّم .
11 كل أمر بمشيئة الله سبحانه (( إِنْ شَاءَ اللَّهُ )).
12 توضيح الأمور للمتعلم قبل أن يفارق أستاذه .
13 أن تنسب العلم والأمر كلّه لله سبحانه (( وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي )) .
14 التأدب مع الله حين جعل الخضر خرق السفينة من عمله وإن كان الله تعالى قد أمره ، وكذلك قتل الغلام . . أما بناء الجدار فقال فيه : (( فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا )) فجعل ذلك من الله .
د قصص التائبين : ومنها قصص أصحاب الجنة ، وسحرة فرعون ، وأصحاب الأخدود .
ونقف عند سحرة فرعون الذين ظنوا سحرهم يقف أمام آيات الله الباهرات ، فلما عاينوا قدرة الله عرفوا أنفسهم ، فسجدوا لله ، وآمنوا بموسى عليه السلام ، فهددهم فرعون بقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، فكان صبرهم أوفى دليل على صدق إيمانهم . . . قال تعالى :

((وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11)

قَالَ: رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14)

قَالَ: كَلَّا فَاذْهَبَا بِآَيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17)

قَالَ: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) ؟!!

قَالَ: فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) ؟

قَالَ: فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) ؟!

قَالَ: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24)

قَالَلِمَنْحَوْلَهُ: أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25)

قَالَ: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26)

قَالَ: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27)

قَالَ: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28)

قَالَ: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29)

قَالَ: أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30)

قَالَ: فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31)

فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35)

قَالُوا: أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ

قَالُوالِفِرْعَوْنَ: أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41)

قَالَ: نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42)

قَالَ: لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ

وَقَالُوا: بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44)

فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46)

قَالُوا: آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (48)

قَالَ: آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49)
قَالُوا : لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51)))(19) .
ومن الفوائد في هذه القصة :

1 أن الله رحيم بعباده يرسل إليهم الأنبياء يدلونهم إلى طؤيق الهدى والسداد .

2 معيّة الله لأنبيائه والداعين إلى سبيله .

3 استهزاء المشركين بالرسل والداعاة ، والمنُّ بما يكون ولا يكون .

4 الاعتراف بالذنب ، والإقرار بالتوبة ، وجواز الفرار من الكفار في حالة الضعف .
5 الإقرار بفضل الله ومنّه وكرمه . . (( فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ )) .

6 الرسالة فضل من الله تعالى ، وكذلك الإيمان يثبت الله به قلوب الدعاة .

7 رفض الظلم والعبودية ، فالله تعالى خلق الناس أحراراً .

8 على الداعاة أن يبلِّغوا رسالة ربّهم على الرغم من المعوّقات والإرجاف والتهديد .

9 الاستعلاء على الدنيا واللجوء إلى الله سبحانه وتعالى في العسر واليسر .

10 الاتهامات التي يطلقها أهل الكفر على الداعية واحدة يَسِمون بها كل الدعاة:[ سحر ، جنون ، كذب . . ] .

11 البطالة الفاسدة المترفة عون للحاكم الفاسد على التمادي في الظلم .

12 الحاكم الظالم يستهين بكل شيء ، ليثبت أركان ملكه . ويبذل المال وغيره في سبيل
ذلك .

13 انتصار الحق على الباطل نهاية المطاف . والحقَّ منتصرٌ ولو بعد حين .

14 يصل إلى الإيمان أصحاب العقول ، وذوو الفطن والنباهة .

15 يجعل الإيمانُ الحقُّ أهلًَه أقوياء ، لا يهابون الموت في سبيله ، ويتحملون المصائب
والمحن .
ه قصص الكفار والمفسدين ، ومنها قصص إبليس والذي آتاه الله آياته فانسلخ منها ، قصص الكفار في النار وحوارهم . . .
و " بلعام بن باعوراء " رجل من اليهود أرسله موسى إلى " مدين " داعياً إلى الله ، وكان مع بلعام اسم الله الأعظم ، فرشاه الملك على أن يعطيه الملك ، فيترك دين موسى ، ففعل وضل ، واستحوذ عليه الشيطان حتى جعله في زمرة الكافرين الراسخين في الغواية بعد أن كان من المهتدين . . قال تعالى :

(( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ

فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ

ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا

فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176)
سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177) ))(20) .
ومن الفوائد في هذه القصة :
1 قد يضل المؤمن وإن بلغ من الهداية مبلغاً إن اتبع هواه ، نسأل الله الثبات على الإيمان .
2 لا يرضى الشيطان من ابن آدم إلا الكفر ، فهو يسعى جاهداً إلى ذلك ، والمؤمن يستعيذ دائماً بالله من الشيطان الرجيم .
3 التعبير بالانسلاخ دليل على الخروج من الإيمان كلّية بعد أن كان بينهما كمال الاتصال .
4 فمثله كمثل الكلب ، دلالة على السوء الذي يعيشه من غوى على علم ، فهو ضالٌ سواء حمل علماً أم بقي جاهلاً . .
5 هذه القصة دفعٌ للمؤمن أن يعزو فضل الإيمان لله تعالى لا لنفسه .
6 مَنْ آمن فقد أسعد نفسه ، ومَنْ كفر فقد أساء إليها .
5 طريقة عرض القصة في القرآن الكريم :
أ قد تجيء القصة كاملة مفصلةً في الجزأين الثاني عشر والثالث عشر ، كقصة يوسف.
ب وقد تأتي كاملة مختصرة في سورة صغيرة الحجم ، كقصة أصحاب الأخدود في سورة البروج .
ج وقد تأتي في سور عديدة موزّعة حسب الهدف الذي جاءت أجزاء القصة موضحةً له كقصص سائر الأنبياء الكرام : آدم ، نوح ، إبراهيم ، هود ، صالح ، موسى . . .
6 بناء القصّة في القرآن :
أ بعض الصور جاءت بطريقة السرد ، ومثالها قصة نوح عليه السلام في الجزء التاسع والعشرين ، وقصة الذي انسلخ من اسم الله الأعظم ، وقصة آدم في سورة البقرة . . .
ب وبعضها جاءت بطريقة الحوار ، ومثالها ما رأيناه في قصة موسى والخضر عليهما السلام ، وقصة إبراهيم عليه السلام وقومه ، والنمرود . . .
ج وبعضها جاءت تحمل في أسلوبها السرد والحوار معاً كقصة سيدنا يوسف عليه السلام ، ومَنْ سأل عن قرينه الذي كاد أن يغويه لولا رحمةُ ربّه به(21) .
د وبعضها جاءت مسرحيّة حوارية كقصص نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام في سورة الأعراف(22) وكقصة موسى عليه السلام في السورة نفسها (23) .
7 زمان القصة في القرآن الكريم ومكانها :
أ قصص حدثت في الزمان الماضي على هذه الأرض كقصص الأنبياء الكرام وأقوامهم ، والصالحين ، والتائبين ، والمفسدين . . وقد مرَّت أمثلة عليها .
ب قصص ستحدث في المستقبل ، يعلم الله سبحانه أنها ستكون ، فقصَّها علينا سبحانه ، وكأنها حصلت لتكون العبرة أبلغ والفكرة أوضح فمثالها هذه القصة الصغيرة :

(( هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآَبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (56)

هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57) وَآَخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (58) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواالنَّارِ (59)

قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (60)

قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (61)

وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (62) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (63)
إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64) ))(24) .

وهذه القصة القصيرة أيضاً :

(( فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (50)

قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (53)

قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54)

فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55)

قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57)

أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59)
إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60)))(25) .
أراد الله تعالى له السعادة ، فلم يتبع صاحبه الكافر ، وانطلق في ركب المؤمنين الأطهار ، فكانت الجنة مثواه .

وهكذا كانت القصة في القرآن الكريم أسلوباً تربوياً رفيعاً أفادَتْ معلومات وأرشدت إلى خير ، وشوَّقت إلى عبرة وعظة ، ودفعت إلى التأسي بالصالحين والسير على منوالهم ، والتفكير السليم والتصرف الصحيح .
------------------------------------------------------------------------
(1) من كتاب التربية النبوية ص14 .
(2) سورة آل عمران ، الآية : 62 .
(3) سورة الكهف ، الآية : 13 .
(4) سورة الأنعام ، الآية : 57 .
(5) سورة يوسف ، الآية : 3 .
(6) سورة الأعراف ، الآية : 176 .
(7) سورة هود ، الآية : 120 .
(8) سورة يوسف ، الآية : 111 .
(9) سورة الأنعام ، الآيتان : 130 ، 131 .
(10) سورة الأعراف ، الآيتان : 35 ، 36 .
(11) سورة البقرة ، الآيات : 67 73 .
(12) سورة يس ، الآيات : 20 27 .
(13) على قول أنّه صاحب مدين ليس نبياً .
(14) هو سيدنا يوشع بن نون الذي استلم الراية بعده وقاتل الكفار ، وتوقفت الشمس عن الغياب حين دعا وهو يحاربهم حتى انتصر فغابت .
(15) القائل موسى .
(16) الإمرُ من الشيئ : العجيب المنكَر ، العظيم .
(17) قتله الرجل الصالح ( الخضِرُ ) .
(18) سورة الكهف ، الآيات : 60 82 .
(19) انظر : سورة الشعراء ، الآيات : 10 51 .
(20) سورة الأعراف ، الآيات : 175 177 .
(21) انظر : سورة الصافات ، الآيات : 5 61 .
(22) انظر : سورة الأعراف ، الآيات : 59 93 .
(23) انظر : سورة الأعراف ، الآيات : 103 156 .
(24) سوة ص ، الآيات : 55 64 .
(25) سورة الصافات ، الآيات : 50 60 .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.