رئيس الجمهوريّة : التّغطية الاجتماعية يجب أن تكون مكفولة لكافة المواطنين في مختلف جهات الجمهورية    رئيس الدولة يسدي تعليماته بالتّأمين الفوري للاعتمادات المالية اللازمة لفائدة الصّيدلية المركزيّة    انفجارات ضخمة تهز تل أبيب وسط دوي صفارات الإنذار    إيران.. نرفض المقترح الأميركي ونحن من سننهي الحرب وليس ترامب    رئيس الجمهورية يُؤدي زيارة إلى مصحة العمران والصيدلية المركزية.    عاجل/ ترامب يهدد ايران ويتوعد..    وزارة الثقافة تنعى المطرب وعازف الكمان أحمد داود    بهدوء: مقهى المساء وامتحان الأمومة    فرحة العيد    المقامة العيدية    لصوص النصوص بين النّقد الغائب والضمير المفقود    إلى حدود 25 مارس 2026: المدخرات من العملة الصعبة تُعادل 106 أيّام توريد    10 سنوات سجنا وخطية مالية لفتاة من أجل ترويج المخدرات    حين تغيب الرسائل وتضيع العبر...الدراما التونسية... موسم مرّ بلا أثر    مهرجان «الأنوف الحمر» بحمام سوسة ...المهرج بين العقلية الإجتماعية والتأثيرات النفسية    تونس تتموقع في السياحة البحرية: إقبال متزايد واستقطاب مُجهّزين بحريين دوليين جدد    "الإنسان الرابع" عمل مسرحي جديد للتياترو يسجل عودة توفيق الجبالي على الركح    بن عروس: برمجة تلقيح أكثر من 80 بالمائة من القطيع بالجهة (دائرة الإنتاج الحيواني)    أول تحرك رسمي من السنغال لإلغاء سحب كأس إفريقيا: الجديد    ماذا تأكل عند هبوط السكر؟ 6 خيارات فعّالة وسريعة    توزر: مهرجان مسرح الطفل بدقاش في دورته ال24 بين الورشات والعروض فرصة للتكوين والترفيه    كمان سانغام"...حين تلتقي أوتار الهند بنبض الشرق في تونس    باجة: عرض تجارب الاقتصاد فى الماء بالقطاع الفلاحي بمناسبة اليوم الوطنى للاقتصاد في الماء    توزر: يوم تحسيسي إعلامي لفائدة مربي المجترات الصغرى استعدادا لموسم سفاد الأغنام    عاجل: 97 مهاجراً في تونس يعودون طوعياً إلى غينيا    عاجل-الليلة: ''الحرارة إلى ما دون العشر درجات''    المستشار الجبائي يحذر: المهن غير التجارية عندها خصوصيات لازم القانون يحميها    إيران تبلغ باكستان رفضها خطة أمريكية من 15 بنداً لإنهاء العداء    عاجل: سوم الذهب يرتفع مرة أخرى    وقتاش المنتخب يلعب أمام هايتي و كندا؟    فاجعة تهز هذه الولاية ليلة العيد..تفاصيل صادمة..    امتيازات جبائية لدعم التنقّل الكهربائي وبطاريات الليثيوم: وزارة المالية تكشف وتوضّح..    عاجل/ تحذير: سحب دفعات من حليب الأطفال "أبتاميل"..    عاجل: بطل تونس لرفع الأثقال كارم بن هنية يعلن اعتزاله وعرض ألماني ينتظره    وفاة فاليري بيرن نجمة فيلم سوبر مان    هل تدمر ''moteur ''كرهبتك بصمت؟ اكتشف الأخطاء اليومية    الترجي الجرجيسي: اليوم إستئناف التحضيرات إستعدادا للجديات    عاجل/ من بينهم شفيق جراية: احكام سجنية ثقيلة ضد هؤلاء..    إستعدادا لمواجهة النادي الإفريقي: مستقبل قابس يستقر على هوية مدربه الجديد    من أجل المحافظة على اللقب الإفريقي .. المنتخب السنغالي يتوجه إلى التاس    الوداد الرياضي المغربي يتعاقد مع المدرب الفرنسي باتريس كارتيرون    الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة تنظم دورة تكوينية حول التنقلات الكهربائية بصفاقس من 24 الى 26 مارس 2026    وزير الخارجية يلتقي التوانسة في المانيا...علاش؟    عاجل: هاندا أرتشيل وحبيبها السابق في دائرة التحقيق بقضية مخدرات    م..قتل سبعة من الجيش العراقي بقصف جوي استهدف قاعدة عسكرية في الأنبار    فرص لكل التلامذة التوانسة :كل ما تحب تعرفوا على المنصة المجانية    عاجل/ ملامح زيادة الأجور لعام 2026: النسبة والتطبيق قد يؤجل لهذا الموعد..    وزارة التجارة تعلن تلقي 342 شكاية خلال شهر رمضان..وهذه التفاصيل..    مواعيد تهّم التوانسة : الشهرية وقتاش ووأقرب jour férié    تحسن في الوضع الجوي اليوم..    خطير/ تعرض المترو 5 و6 الى حادثتي تهشيم واعتداء على الركاب..#خبر_عاجل    عاجل/ بعد اصدار أوامر بنشر 2000 عنصر- ممثل خامنئي يتوعد الجنود الأمريكيين: "اقتربوا"..    75% من الأدوية في تونس تُصنّع محليًا    عاجل: فيضانات محلية مرتقبة في عدة دول خليجية    الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد تختار نور الدين الطبوبي رئيساً وناطقاً رسمياً للمؤتمر    محمد صلاح يعلن رحيله عن ليرفربول بنهاية الموسم الحالي    طقس اليوم.. ارتفاع طفيف في درجات الحرارة    في مشهد سماوي بديع.. القمر يقترن بالثريا الليلة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المفترق: مهمة الثورة وشروط نجاحها
نشر في الحوار نت يوم 10 - 03 - 2011


أبو يعرب المرزوقي
ليس من التجني في شيء أن يصف المرء ما يحصل في صفي الثورة من هم لها ومن هم عليها بكونهما واقفين أمام محكمة التاريخ التي لا تحابي أحدا. فاللحظة تاريخية بحق. وليس من التجني كذلك أن نصف من هم للثورة بكونهم قد تراخوا. فهم قد بدوا لي متغاضين عما يجري وسامحين لمن هم عليها أو لنقل على الأقل إنهم إلى حد الآن لم يمنعوهم من الاستبداد بمهام الثورة واستبدالها بنقائضها مهامها الخطيرة التي لا يمكن أن يقوم بها إلا الثوار أنفسهم أعني الشباب فتياته وفتيانه وإن بمساعدة من يختاره الأخلاف من الأسلاف للمساعدة في تجنب عثرات كل الثورات وخاصة إذا كانت قياداتها شابة وفي مقتبل تحصيل التجربة والخبرة بالشأن الإنساني شديد التعقيد وفي ظرف الصراع الداخلي والخارجي المواجه لكل سعي للتحرر والانعتاق:
1-استعمال الشرعية الثورية من قبل من ليس لهم ناقة ولا جمل فيها تنازلا عن اعتبارهم من أعدائها الاعتبار الذي تؤيده كل القرائن فضلا عن ماضي القائمين بهذا الرقص على أوتار الدستور القديم (من 56 إلى 57 إلى 28 إلى إلغاء الدستور جملة وتفصيلا لكأنهم هم من قام بالثورة ويعمل بمنطق الخلق الجديد).
2-والمغالطة في تسمية الحكومة التي توصف بكونها لتصريف الأعمال ثم تكلف بأمور بنيوية وتوصف بكونها فنية ويعين فيها لون سياسي وحيد معلومة خياراته وتوجهاته للجميع فضلا عن تصريح رئيسها بما يسعى إليه سعيا تؤكده المهام الثلاث الموالية.
3- أعني هيأة حماية الثورة (الهيئة المزعومة التي ستغرق السمكة فيها بلعبة تعداد المشاركين والمساواة بين الجميع لكأننا نعدم وسيلة لتقدير أحجام أطراف الطيف السياسي في البلد على الأقل بالاستناد إلى تجربتي الانتخاب اللتين زيفت نتائجهما بعد حصولهما).
4-ولجنة محاسبة الماضي (التي يظنها رئيس الحكومة شرعية لأن مرسوم تعيينها سابق على إيقافها القضائي).
5-ولجنة صوغ المستقبل القانوني والدستوري ومن ثم تحديد خصائص النظام السياسي والقانوني في الجمهورية الحديثة التي ستكون الأولى (لأن جمهوريتي بورقيبة وبن علي لم تكونا جمهوريتين بل دكتاتورية قروسطية).
كيف يمكننا أن نصف سلوك صف الثوار إذا كان ذلك كله يحصل أمام ناظرهم ولا يحركون ساكنا أو كان تحريكه غير مؤثر رغم أن لهم شرعية الثورة وليس للصف المقابل إلا شوائب ما وقعت عليه الثورة لتخليص البلاد منه ؟ هل يوجد وصف آخر غير التقاعس الذي سيحاكمه التاريخ تسليما بأن بعض قياداته لم تكن قد وافقت على ذلك إيجابيا ولم تكتف بقبوله سلبيا بموقف الساكت عليه. والحجج التي يمكن أن تبرر السكوت لا غية حتما لأن الثورة تلغي كل تحفظ وتردد ينتجان عنها:
1- فالحصول على رخصة الوجود السياسي القانوني لا يتطلب دفع أي ثمن لمن بيدهم مقاليد الأمور وهم لا قانونية لوجودهم فضلا عن عدم الشرعية: ينبغي أن يعلم الجميع إن صح مثل هذا الفرض أنهم لا يدينون بهذا الحق لأحد غير الثورة وأن حق العمل السياسي العلني ليس منة من أحد وعليهم إذن ألا يتنازلوا عن الإصداع بالرأي والقيام بالواجب لحماية الثورة من منظورهم دون خوف ولا وجل.
2- والحرص على نزع حجة الفزاعة الإسلاموية أو النزعة الوطنية الاستقلالية سواء كانت قومية أو يسارية أو ليبرالية نزعها من يد خصوم الثورة وخدم المستعمر القديم لتجنب الابتزاز الاقتصادي من أوروبا كل ذلك لم يعد ذا معنى. فالغرب لن يتنازل عن هذا الموقف ما لم يتأكد أنه ليس له من بديل عن الثوار ومن يمثل الثورة وأنه لا مفر من التعامل مع هؤلاء خاصة وهو قد يئس من أولئك بسبب فشلهم في ما يريده منهم: أن يخدموه بظاهر من الشرعية فلا يكلفوه التناقض الصريح مع ما يزعمه من مبادئ فضلا عن الزج به في حروب لم يعد أبناؤه يطيقونها بعد أن صاروا عبيد الدنيا.
3-والخوف من انقلاب الشعب على الثورة بسبب ما ينتج من اجتماع الحجتين السابقتين من ترجمة بمنطق الابتزاز الاقتصادي. فالشعب الذي قدم النفس لا يمكن أن يبخل بالنفيس. لن يستسلم أمام هذا الابتزاز إلا أعداء الثورة. أما الشعب فلا يمكن إلا أن يختار الاستقلال وشد الأحزمة المؤقت لتغيير نهجه الاقتصادي الهش ويرفض البحبوحة الوهمية المشروطة بأن يبقى البلد مجرد سوق استهلاك وباحة مستباحة لاستجمام المتقاعدين الأوروبيين الذين يباع لهم الدينار بأقل من عشر قيمته في سياحة التسول التونسية (يقضي السائح أسبوعا بمائة يورو في بلدنا بما في ذلك كلفة نقله جئية وذهابا إلى الوطن مع تجواله في ربوعه).
4-والحجة الأخيرة هي عسر المهمة أو بصورة أدق عدم تحددها لأن الثورة كانت عفوية وقاعدية وعديمة القيادة كما يدعي الخصوم. وهذه الحجة التي يروج لها الجميع زيفناها سابقا لكننا لم نبين مضمونها الموجب. ومن ثم فعلينا أن نتساءل بوضوح وصراحة عن قيمة هذه الدعاوى ضد الثورة: فهل كونها عفوية وقاعدية وعديمة الزعامات المتمرسة يعني أنها ليست محددة الأهداف والمهمة بل والرسالة بحيث يعسر على صف الثورة من القوى السياسية والاجتماعية الوطنية أيا كان خيارها القيمي أن يتكلم باسمها أو أن ينضوي تحت رايتها ؟
مضمون حجج خصوم الثورة
ذلك هو السؤال الذي أريد أن أجيب عنه جوابا صريحا وواضحا من منطلق تأويلي لما شاهدته من رموز في أفعال الشباب الثورية دون أن أدعي الكلام باسمهم عل ذلك يساعد على تحرير مدار النقاش مما ينصب له من أفخاخ يبعد الثوار عن التحديات الحقيقية ويخرجهم من التردد والاسترخاء لئلا ننتقل من السجال السلمي في المعركة الانتخابية إلى الصدام غير السلمي لا قدر الله مع من هم على الثورة. ولكني سأقدم عليه بيان الدعوى التالية حول مضمون حجج خصوم الثورة الأساسية مضمونها الذي لم تتغير حتى وإن تغير أسلوب حجاجهم. ويمكن رد كل الحجج التي يستند إليها الخطاب الذي يتبناه خصوم الثورة حتى من حسنت نواياه منهم إزاء الوطن وحضارته تقبل الرد إلى حجتين لا ثالثة لهما:
أولاهما سياسية تربوية تقبل الصوغ من وجهين هما خيار التحديث مضمونا وخيار الديموقراطية شكلا
والثانية اقتصادية ثقافية تقبل الصوغ من وجهين كذلك هما خيار الاندماج الاقتصادي في العالم المتقدم مضمونا وخيار الانفتاح الثقافي في عصر العولمة شكلا.
تلكما هما الحجتان. فلننظر فيهما هل هما كافيتان لتتحولا إلى معاداة الثورة والعودة إلى ما سبق حتى لو كان ما تقدم على قوسي ابن علي بعقديهما ؟ لن أطيل الكلام في هاتين الحجتين لأنهما واهيتان. فهما حجتان كان يمكن أن تسمعا لو كان الثوار من جيل بداية اللقاء بالغرب أعني في النصف الثاني من القرن التاسع عشر أو حتى في النصف الأول من القرن العشرين. حينها كانت النخب الممثلة للأصالة التي من جنس من ثوار اليوم تراها منافية للتحديث والديموقراطية. فكانت المقابلة "تحديث-أصالة" والمقابلة "ديموقراطية حكم إسلامي" ذاتي معنى لأنهما كانتا توضعان في مناخ الجهل التام بقيم الغرب وبقيم الإسلام في آن ومن كلتا النخبتين التي للأصالة والحكم الإسلامي وعلى الحداثة الحكم الديموقراطي والتي للحداثة والحكم الديموقراطي وعلى الأصالة والحكم الإسلامي.
لكن المعطيات تغيرت جذريا
فماء غزير جرى تحت جسور النخب بصنفيها. والغريب أن الجهل الذي تكلمنا عليه والذي كان يتقاسمه كلا الصفين مع غلبة الجهل بالحداثة على النخب العربية الإسلامية التي من جنس ما يعبر عنه ثوار اليوم وغلبة الجهل بالأصالة على النخب المتأوربة التي من جنس ما يعارض الثورة اليوم. إن هذا الجهل انقلب فأصبح ممثلو حضارة الغرب أجهل الناس بها لأن خطابهم التحديثي تبين منحصرا في قشور الحداثة. وصار ممثلو حضارة الإسلام أعلم بها منهم لأن خطابهم التأصيلي لم يبق مقصورا على قشور الأصالة بل هو أدرك المشترك بين القيم في الحضارتين فتجاوز الخصوصي المنافي للكلية وجمع بين قيم العقل وقيم النقل. ومن ثم فالنخب الأصيلة خرجت من مأزق الثنائيات بفضل ما حدث في النصف الثاني من القرن العشرين: فالصدام بين الاستبداد والفساد خلص الصادقين من هذه النخبة (ومعهم البعض من تلك) من هذا التجاهل المتبادل بين الحضارتين بل إن الكثير من نخب الغرب نفسه أدركوا صلاته الوثيقة مع الشرق والعكس بالعكس فأصبحنا في لحظة من التاريخ الكوني لم يعد فيها الكلام على هذه المقابلات السطحية ممكنا وباتت البدائل منها هي:
1-فبدلا من الكلام على المقابلة "حداثة-أصالة" الكلام الذي لم نعد نسمعه إلا من أفواه من يحتاج إليه شعارا لمؤخرة جيش المحافظين على ثقافة الاستبداد والفساد أصبح الكلام الوجيه الذي يقول به أصحاب الثورة المتهمة بكونها عفوية بمعنى كونها غير واعية بأهدافها هو: كيف التخلص من الحداثة والأصالة الشوهاوين للانتقال إلى الحداثة الأصيلة التي هي عينها الأصالة الحديثة أعني التطابق الأكيد بين حقوق الإنسان ومقاصد كل شرع لا تتنافر قيمه مع قيم العقل: فالشرع والعقل كلاهما يسعى إلى الحقيقة ويريد تحقيقها وهو معنى التواصي بالحق والتواصي بالصبر.
2-وبدلا من المقابلة "ديموقراطية-حكم إسلامي" الكلام الذي لم نعد نسمعه إلا من أفواه من يحتاج إليه شعارا لنفس المؤخرة التي تعلم أنها قد هزمت وتحاول لملمة صفوفها أصبح الكلام الوجيه الذي يقول به أصحاب الثورة التي تتهم بكونها بلا قيادة بمعنى أنها فوضوية هو عينه ما لأجله سعى أجدادنا لتحرير هذه الأوطان من الأوثان أولا ثم من الاستعمار ثانيا.
وتلك هي العلة في اعتبارنا أهداف الثورة هي عينها المبادئ الخمسة التي تضمنها البند الأول من الدستور السابق والذي يريد المحافظون على هاتين المقابلتين ليجعلاهما موضوع الجدل في الحملة الانتخابية شعارين لمؤخرة جيش التبعية وحزب فرنسا: أعني دولة حرة مستقلة (الوجه السياسي والاقتصادي أعني البعد الفعلي من كل قيام لذات حضارية بمادته وصورته) دينها الإسلام ولغتها العربية (الوجه التربوي والثقافي أعني البعد الرمزي من كل قيام لذات حضارية بمادته وصورته).
رسالة الثورة
عالي المطالب لتوحيد قوى الخير والمحبة
قد يجادل الكثير في دعواي الترجمان عن مطالب شباب الثورة فتياته وفتيانه مطالبهم العالية اعتمادا على تأويل أفعالهم. ألم يثوروا دون استشارة أحد وبصورة عفوية؟ فكيف للترجمان أن يفعل دون تحكم؟ لكن ماذا لو وجد الترجمان في تعبير الشباب وشعاراته الشابية (نسبة إلى أبي القاسم) ما يمكن من التأويل الأرجح لخطابهم؟ لست أنكر أن فعل الشباب متلعثم بالطبع. لكن عنفوان الشباب من جنس النار المقدسة: فلهيبه يقذف بالشرر الذي يمكن أن نقتبس من بعض قرائنه ما نأنس منه بردا وسلاما على مستقبل الوطن فنتمكن من ترجمته ترجمة تكون في الأغلب معبرة بحق عن أعمق ما في أعماق هذا الشعب كما يتبين من شعار أبي القاسم وصلته بالقرآن الكريم صلته التي بينا.
ولعل أهم الرموز التي نستوحي منها تأويلنا بالإضافة إلى دلالة الشعارات هو منطلق الثورة المكاني (من أعمق أعماق الوطن) والزماني (عودة الاستعمار إلى كل الأرض العربية كما ترمز إلى ذلك عودة القواعد العسكرية) السلمي (الطبقة الوسطى) ونسبته إلى الدورة المادية (بلوغ الاستغلال الفاحش للثروة العربية غاية الفحش) والرمزية (استبداد المستلبين بالقيادة الروحية في التربية والثقافة) في ما صار عليه المجتمع التونسي يجعلنا نقدم على مثل هذا التأويل دون خوف من الإجحاف في حق الثورة.
فالثورة انطلقت من طبقات المجتمع الدنيا طبقاته التي لم تتخل عن مقومي الهوية ولم يشبها من الاستبداد والفساد ما تظنه الطبقات الفاسدة فوائد خلطا بين مصالحها ومصالح الوطن بحيث صارت الحداثة والديموقراطية عندها النظام الذي يؤبد سلطانها على هذه الطبقات التي تريد تحقيق الحرية والاستقلال وقيم الإسلام وشكل التعبير عن وجودها بلسان قومها. لذلك جمعنا كل هذه المطالب العالية في الثمرة الأولى التي بدأ بها دستور ثورة التحرير الأولى لتكون مضمون تحقيقها الفعلي لا مجرد كتابتها في الدستور على شكل صار أعداؤها يسعون حتى لمحوه منه غير مكتفين من محوها في ممارستهم طيلة العقود الخمسة التي نابوا فيها الاستعمار في مهمة محو الكيان المستقل للشعب التونسي:
أولا: المقوم الفعلي لقيام الذات الحضارية أعني لصورة العمران البشري والاجتماع الإنساني ومادتهما بلغة ابن خلدون أو للحداثة الأصيلة التي هي حداثة دائمة أي إنها دائمة التحديث والتجديد الذاتيين وهو معنى كونها حية:
1-فالحرية ذات بعدين مقومين للوجود الإنساني الخُلقي الفردي والجمعي وهما مقومان لا يمكن أن يختلف حولها الطيف الرباعي الذي وصفنا أعني اليساري والليبرالي والقومي والإسلامي: أ-بعد داخلي هو معنى المواطنة ب-وبعد خارجي هو معنى الوطن ذي القيام المتفرد.
2-والاستقلال ذو بعدين مقومين للوجود الإنساني الخِلقي الفردي والجمعي وهما كذلك مما يسهل أن يحصل حولهما الإجماع بين عناصر نفس الطيف: أ-بعد داخلي هو تحرر المواطن من الحاجة المادية ب-وتحرر الوطن من التبعية الاقتصادية.
ثانيا المقوم الرمزي لقيام الذات الحضارية أعني المقوم الرمزي لصورة العمران البشري والاجتماع الإنساني ولمادتهما بنفس اللغة الخلدونية أو للأصالة الحديثة التي هي حداثة دائمة التجذير في مصادر الذات ومنابعها الحية على الدوام بما فيها من قيم خالدة:
1-والإسلام ذو بعدين هما:
أ- حرية المعتقد للجميع (لأن الإسلام هو أول دين يشترط في إسلام المسلم الاعتراف بكل الأديان بل يعتبر من ذمة الدولة حماية الأقليات الدينية وتمكينهم من ممارسة شعائرهم بل والاحتكام على شرائعهم). وذلك ما يمكن أن يخلصنا من المقابلة الزائفة بين العلماني غير المعادي للأديان والإسلامي غير المعادي لحرية الفكر لأن حرية المعتقد تتنافى وفرض وحدة الشرائع في الدولة الواحدة توحيدها الذي ينفيه القرآن نفسه كما هو بين من سورة المائدة كلها.
ب-وتقديم الإسلام بالتي هي أحسن لمن يريد أن يسمو إلى كلية الأخوة البشرية بمعنى قوله جل من قائل: "إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم" علما وأن بقاءه غاية مطلوبة يفهمنا القصد القرآني بكون التنافس في الخيرات مشروطا بتعدد الشرعات والمنهاجات (المائدة 48). وغير الإسلامي يقدم فكره بنفس المنهج ولن يعترض عليه أحد خاصة إذا تحرر من الاستناد إلى دكتاتورية الفساد والاستبداد الدكتاتورية التي كان يظنها حامية له مما يتوهمه خطر الإسلاميين فكان أن عاش جامعا بين وهم الاستبداد الممكن وحقيقة الاستبداد الحاصل.
2- والعربية ذات بعدين هما:
أ -هوية كل عربي بالمولد مسلما كان أو غير مسلم: وبذلك نتخلص من الطائفية العقدية التي ولدت الصراع بين الإسلامي والقومي.
ب-وهوية كل من تكلمها بالاختيار الشخصي سواء كان مسلما أو لم يكن, ومن ثم فهي المحدد الأساسي للهوية الحضارية فضلا عما لها من صلة بالإسلام باعتبارها لغة التعبد ولسان القرآن الكريم: وبذلك نتخلص من الطائفية الثقافية التي ولدت الصراع بين قوميات الأمة في حين أنها تعايشت قرونا دون حرب بين العربي والتركي والفارسي والأمازيغي إلخ...
وزبدة القول إنه ليس بمحض الصدفة أن كانت هذه المهام التي تمثل برنامج عمل الثورة الممكن لكونها كما أسلفنا عالي المطالب التي نبعت من أعماق الشعب الثائر على وخيم نتائج الحرب عليها أعني التهميش والبطالة والاحتقار وتعالي النخب التي نابت الاستعمار الأجنبي في مواصلة أهدافه المنافية لهذه القيم. ليس من الصدفة أنها تمثل عين حقوق الإنسان بأجيالها الثلاثة السياسية والاجتماعية والثقافية عند الكلام عليها في الإطار الداخلي لكل دولة ونفس هذه الحقوق بالقياس إلى الإطار الدولي العالمي مع ما يترتب عليها من ضرورة المشاركة الندية في تحديد مصير العالم ونظامه في عصر العولمة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.