أحمد محمد أبو نزهة 2/11/2011 بغض النظر عن الجنس أو المعتقد أو الانتماء السياسي أو الإيديولوجي للبشر، فإن للإنسانية قيم موحدة اتفقت عليها خَلْقياً منذ أول الخلق على هذه المعمورة وإلى أن تقوم الساعة. فالقتل والظلم كانا أول جريمة حصلت بين قابيل وهابيل مع كامل الإدراك لهذا الفعل وعاقبته والآية الكريمة صريحة وواضحة لا تحتاج إلى تفسير "لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ" ولا نعتقد بأن أحداً من مختلف الملل والنحل سيجرؤ على القول بأن قابيل كان إسلامياً متطرفاً وينتمي إلى حركة النهضة أو الجبهة الإسلامية للإنقاذ أو الإخوان المسلمين. وقد استنكرت جميع المخلوقات ذلك الفعل، وتطورت الأمور مع مر العصور بما فيها من قديم انقرض وجديد انبثق، مع بقاء قيم أساسية لكل عصر تراكمت واتفقت عليها الإنسانية جمعاء، فالقتل بقي فعلاً منكراً وكذلك الكذب والخيانة والظلم والاستبداد وسلب الحقوق ونهبها.... ولا يكفي أن نَدَّعيَ التزامنا وحرصنا على هذه القيم أو مناداتنا بها لنكون من أصحابها، لأن صاحب المبدأ السليم لا يحيد عنه أبدا مهما كلفه ذلك، والكاذب المنافق تظهر عورته ودجله ويتعرى عند أول محنة أو رجّة. نقول هذا بعدما قرأنا ما كتبته صحيفة سويسرية، وما أدراك ما سويسرا بلد الحرية والحياد والسلم، حيث كتبت مبدية تخوفها ومتسائلة عن وضع الحقوق الاساسية في تونس بعد تولي حركة النهضة للحكم، وقالت أن المؤشر سيكون السماح بالسفر إلى جزيرة جربة ولبس البيكيني "أي التعري بالعربي الفصيح" واعتبرت هذا "المؤشر الأنسب لقياس الحرية في تونس". وهذا لعمري قمة النفاق والكذب والدجل. لو كان هذا الغرب المنافق يرعى بصدق حقوق الإنسان ويسهر عليها ويُضحي من أجلها لكان التساؤل حول مستقبل العدالة والمساواة والكرامة والحرية الفكرية والتنمية البشرية والاقتصادية التي سُلبت من الشعب التونسي الأصيل لأكثر من 60 عاماً، كان الغرب المنافق خلالها يتنعم ويتلذذ بآهات الثكالى وأنين الاسارى في ظل أنظمة أنشأها وساعد في بقائها!! إنهم بتساؤلهم هذا عن الحرية يعتدون على حريتنا في إدارة بلادنا وشؤوننا والرجوع إلى ديننا وتراثنا. فإن كانت الحرية هي أن أفتح بلدي لتأتوا إلينا عراة فلا أدامها الله من حرية ولا أبقاها لحظة واحدة. لو كان لدى هذا الغرب الدجال ذرة من الحياء لما تجرأ على الكلام والتدخل في شؤون بلد عقد عزمه وشد حزامه على تكسير الظلم والعدوان والوصاية الخارجية، لو كانوا يعون معنى الحرية لما تدخلوا في اختيار شعب لم تُثنيه الأيام الصعاب الطويلة عن التمسك بدينه وتقاليده التي هي مصدر عزته وكرامته. هو يقيس الحرية بمدى إمكانية تعريه في بلادنا، ونحن نقيس الحرية بمدى إمكانية تسترنا في بلاده، وما ثورة المآذن والنقاب منّا ببعيد. العلمانية التي تكلمت عنها الصحيفة هي في الحقيقة "اللا إسلام" ليس إلا، فما معنى أن تفرض على بلد مسلم أن يسمح بالتعري لتمنحه علامة النجاح في امتحان الحرية؟ ألم تجدوا في أنفسكم المريضة حاجة أخرى سوى التعري؟ تعروا لا ألبسكم الله لباس التقوى، أم أن الفحولة ماتت في بلادكم فجئتم تطلبونها في بلادنا وبين شبابنا لتُشبعوا غريزتكم الحيوانية، وتفسدوا شبابنا المؤمن الباحث عن الحرية الحقيقية التي لا يعرف معناها وقيمتها إلا من حُرم منها لأكثر من نصف قرن، ثم استعادها بدماء الشهداء والمخلصين. ستتعروا في الدنيا قبل الآخرة بإذن الله، وقد بدأت مظاهر التعري تطفوا إلى السطح مع استعادة بلادنا وشعوبنا للحقوق والحرية. وقبل أن أنتقل إلى أمريكا وحقوق الإنسان، أردت أن أعرب عن استغرابي وتعجبي مما يصدر عن بني جلدتنا من تصريحات ومخاوف على فقدان بعض مكتسبات الحداثة والديمقراطية إذا ما حكم النهضة!!! أليس هذا أمر عجاب، وأليسوا الوجه الآخر لسويسرا؟ ما هي قيم الديمقراطية والحداثة التي خلفها النظام البائد بربكم؟ وإن كان قد خلّف هذه المكتسبات فلماذا الثورة عليه وإراقة الدماء من الاساس؟؟؟ أقول لهؤلاء لا تخافوا، لا تخافوا، سوف نسمح لكم بالتعري أكثر مما تعريتم اليوم. وعلى الطرف الآخر، نجد أمريكا التي ملأ صراخها وعويلها وحروبها أرجاء الأرض من أجل الحفاظ على حقوق الإنسان وإرساء الديمقراطية ومساعدة الشعوب في تقرير مصيرها لأن ذلك يأتي على رأس حقوق الإنسان، هذه الدولة تُعاقب منظمة اليونسكو وتوقف عنها المساهمة المالية لأنها قبلت بفلسطين كعضو كامل في المنظمة!! وبالرغم من تفاهة هذه العضوية، التي لا تُقدم ولا تؤخر ولا تغير شيئاً من الواقع المرير لأرض المقدس، نستعير تساؤلاً طرحه الأستاذ عبد الباري عطوان حفظه الله، "لماذا كل هذا الحقد والكره الأمريكي للشعب الفلسطيني؟؟" ومن أجل ماذا؟ من أجل مقعد من جلد في قاعة كبيرة لا تُسمن ولا تُغني بيت المقدس من جوع ولا تأمنه من خوف. كيف تريدنا هذه الدولة المارقة المتجبرة أن نصدق نفاقها في الدفاع عن الحقوق وحرصها عليها، ومساعدتها للشعوب في تقرير مصيرها؟ اللهم إلا إذا كنّا في حالة موت سريري. وربما يتطلب الأمر منا المزيد من الدراسة والبحث لنصل إلى المستوى الفكري والعلمي الذي يُمكننا من فهم معنى حقوق الإنسان في الثقافة والسياسة الأمريكية. إخواننا في تونس، يا أبناء الزيتونة، يا أحفاد أفريقية، لا تهنوا ولا تحزنوا، وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين. التفتوا عن هؤلاء المنافقين والدجالين إلى بلدكم وأهليكم، واصنعوا المجد الذي أنتم أهل له وقادرون عليه، واضعين الآية الكريمة نصب أعينكم "لا إكراه في الدين قد تَبَيَّنَ الرُشْدُ من الغيّ"، وعاملين بالحديث القدسي "إني حرَّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا"، مستجيبين لأمر الله "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" فالعدل قامت عليه السماوات والأرض، وبه تقوم الدول وتزدهر، والإحسان أعلى درجات الإيمان، فكونوا عادلين محسنين، وستجدون بإذن الله تعالى بنات سويسرا "الشقروات" يَلْجأنَ إليكم ليستترن ويتعففن ويتنعمن بحرية فقدنها منذ قرون طويلة