وفد الاتحاد الإيراني يؤكد تعرضه لتصرف غير لائق بمطار تورونتو الكندي    رونالدو يقود النصر للفوز على الأهلي والاقتراب من لقب الدوري السعودي    شقيقة رئيس أوروبي على متن الأسطول المتوجه إلى غزة    نهاية مأساوية في باب الخضراء: وفاة شاب مر صدفة بمكان معركة    فاجعة جديدة تهز هذه الولاية: شاب ينهي حياة والدته..#خبر_عاجل    توقعات حول الزيادات في الأجور    ترامب يوجه هذه الرسالة لايران..    وفقا للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية .. صيف ساخن هذا العام    الجسر المتحرك ببنزرت: اليوم عودة حركة المرور إلى وضعها الطبيعي    وزير الدفاع الوطني يلتقي رئيس أركان جيش البحر الإيطالي    بطولة افريقيا للمصارعة: المنتخب التونسي للوسطيات يحرز ميداليتين ذهبيتين    في قضية التلاعب بالتأمينات: 5 أعوام سجنا لمسؤولة سابقة ب«الشيمينو»    التخييل إكسير الرواية التاريخية/ج 1    التّونسيّون وحمّى الإفتاء    التفكير النقدي في عصر الأتِمتة ..ضرورة لحماية الوعْي    تنظيم أسواق بيع الأضاحي    وزارة الصحّة ... توسيع حملة التلقيح ضدّ الورم الحليمي البشري    غرق شخص ونجاة اثنين في حادث انزلاق سيارة في قنال مياه الشمال    الرابطة الاولى.. نتائج الدفعة الاولى من مواجهات الجولة 27    بطولة العالم لكرة الطاولة لندن 2026(فرق-اكابر): تونس تفوز على غواتيمالا 3 - 1    ترامب يهدد إيران حاملا البندقية: لن أكون لطيفا أكثر بعد اليوم    الكاف.. العثور على جثة امرأة بساقية سيدي يوسف    طقس الليلة.. خلايا رعدية مصحوبة بأمطار بهذه المناطق    وزارة الصحة تبحث شراكة تونسية–صينية لدعم صناعة الأدوية البيولوجية    عاجل : انقطاع مرتقب في الماء بداية من 29 أفريل    الخطوط التونسية السريعة تنتدب إطارات..    البعثة الدائمة لتونس بجنيف تشارك في اجتماع مجموعة سفراء الدول الأعضاء في المنظمة الدولية للفرنكفونية مع المدير العام لمنظمة الصحة العالمية    عاجل: النيابة العمومية تفتح تحقيقًا في حملة تشويه طالت الفنان لطفي بوشناق    فيتا 2026: مجلس الأعمال التونسي الإفريقي يوقّع خمسة عشر إتفاقية مع شركاء أفارقة    أسعار النفط ترتفع مع تصاعد مخاوف الإمداد    اختتام الأيّام التّونسيّة-الإيطاليّة للمحافظة على التّراث الأثري وتثمينه    أيام جاية صعيبة: تقلبات، بَرَد ورياح قوية... والحذر واجب!    بهاء سلطان وشيرين عبد الوهاب يستعدان لأغنية جديدة لأول مرة منذ 21 عاما    عزيز دوقاز يتأهل لثمن نهائي دورة أبيدجان    ماهر الهمامي : نعدكم أننا لن نتنازل عن حق الفنان التونسي الكبير لطفي بوشناق    تونس تشارك في الدورة 90 لصالون الصناعات التقليدية بإيطاليا    كلّ تونسي مقيم بالخارج من حقّه يورّد أمتعة وأغراض شخصية وهدايا في حدود 5 ملاين في العام    توريد "الفراز" من الجزائر ومصر..!!    عاجل/ عملية طعن في لندن بعد هجمات إضرام نيران استهدفت مواقع يهودية..    أكثر من 10 آلاف تلميذ يشاركون في المراحل الجهوية والإقليمية والأنشطة الموازية لفعاليات القرية الوطنية للابداعات التلمذية لدورة 2026    بلاغ هام الوزارة الداخلية..#خبر_عاجل    في معرض تونس الدولي للكتاب: وزارة التربية تستحضر 70 عاما من الباكالوريا بفيلم وثائقي    فرنسا تحثّ مواطنيها على مغادرة مالي    نتائج مشجّعة لمشروع الحدّ من هدر مياه الشرب بصفاقس الكبرى    45 يورو للساعة... ألمانيا الأغلى في أوروبا من حيث تكلفة العمل    خطر يهمّك: تونس تفكّر تدخل تلقيح جديد يحمي من السلّ البقري    في معرض تونس الدولي للكتاب: وزارة التربية تستحضر 70 عاما من الباكالوريا بفيلم وثائقي    الرابطة الثانية: برنامج مباريات الجولة 25    الطماطم في سوق الجملة بألفين و500 ملّيم    هام/ ديوان قيس الأراضي والمسح العقاري ينتدب..    الملك تشارلز ينتقم لأوروبا ويرد على ترامب: لولا البريطانيون لكنتم تتكلمون الفرنسية    خبير في الطاقات المتجددة: اللزمات تخدم مصلحة تونس... التفاصيل    وزير الفلاحة يستعرض مع حاكم ولاية أمريكية آفاق التعاون الفلاحي    لطفي بوشناق يقاضي هؤلاء..وهذه التفاصيل..    هل يُحج عن من مات ولم يحج؟ الإفتاء تحسم الجدل    عاجل-مدينة العلوم: فلكيا هذا موعد عيد الأضحى في تونس    ابدأ أسبوعك بالدعاء... كلمات بسيطة تغيّر يومك بالكامل    انتصار حلف المقاومة بقيادة إيران وأهمية الدائرة الثالثة/ الإسلامية لخلاص الأمتين (1/ 2)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



محمود درويش ناقدا
نشر في الحوار نت يوم 19 - 02 - 2020

لا يخفى على القارئ الموقع المتميز لدرويش على خارطة الإبداع الشعري العربي، انطلاقا من تميز تجربته وثرائها الفكري والجمالي.
وقد تضافرت جملة من العوامل التي أسهمت في تميز هذه التجربة وتفردها، لعل من أبرزها شاعريته الفذة وثقافته الواسعة التي أهلته لتبوؤ هذه المنزلة الإبداعية السامية.
يضاف إلى ذلك وعيه العميق بالكتابة الإبداعية وشروطها وإشكالاتها، ما جعل منها تجربة متجددة دائمة الانفتاح على آفاق التجريب والتحديث، وهو ما يستشفه المتلقي في ارتحاله بين مسارات هذه التجربة وتتبع انعطافاتها المختلفة، إذ لم تقف عند أفق محدد، فظلت، حتى آخر لحظة، وفية لشروطها الجمالية والفكرية المتجددة.
والناظر في تجربة درويش النظرية والإبداعية يلحظ أن أسئلة الكتابة وإشكالاتها تمثل أحد مرتكزاتها الأساسية، فهي واضحة العيان بما تنطوي عليه من رؤية ومفاهيم وتصورات أفضت إلى تأثير واضح في طبيعة تشكيل قصيدته وأساليبها وتقنياتها.
وقد توقف بعض النقاد على جملة من القضايا التي أثارها حول الإبداع والتجديد والحداثة. على أنّ ما تناولته هذه الدراسات يظل منقوصاَ؛ لأنه لا ينهض على دراسة متكاملة لتنظيره وشعره، فبعضها أغفل الجانب النظري، وبعضها الآخر أغفل الجانب الإبداعي الذي يجسد تصورات الشاعر ومواقفه النقدية، ويمثل المرجع الأساسي لرصد وعيه الإبداعي واستخلاص رؤيته النقدية.
إن أهمية الاهتمام بالتجربة الشعرية لدرويش في رصد وعيه للكتابة نابعة من كونها الأقدر على تجسيد عذابات الكتابة وإشكالياتها؛ إذ إن: " ثمة لحظات من الوجود يكون فيها الزمن والامتداد أشد عمقاً، ويكون فيها الإحساس بالوجود أقوى بكثير". فضلا على أن هناك قضايا غامضة وملتبسة في الإبداع تستدعي الممارسة والتجربة، ولا يستطيع التعبير عنها بدقة إلا الشاعر نفسه في لحظة الخلق والمكاشفة.
ولا بد من التنويه بأن الشاعر، حين يبوح بتصوراته الشعرية، إنما يكتب عن تجربته الخاصة. وبهذا، تمثل هذه التصورات انطباعات عن تجربته الشخصية أكثر من كونها تصورات عامة حول نظرية الشعر، وبتعبير أكثر دقة فإن " الآراء النقدية التي يعتنقها الكاتب هي، في أغلبها، تعبيرات عن جدل مع نفسه حول ماذا ينبغي له أن يفعل في المرحلة التالية وماذا يتجنب".
تتوفر تجربة درويش على وعي جمالي وفكري لافت، ما يسمح برصده وتتبعها استنادا إلى تجربته الشعرية، عوضا عن تصوراته النظرية المبثوثة في مقالاته وحواراته، حيث نعثر على علاقة جدلية وتكاملية بين ما يطرحه في تنظيره وبين ما يتجلى في إبداعه الشعري؛ انطلاقا من العلاقة بين المفهوم والممارسة الشعرية: فالممارسة تجسيد فعلي للمفهوم، والمفهوم يؤطر فعله الإبداعي ورؤيته للفن والإنسان والتاريخ والعالم، وهو ما يستدعي ضرورة العكوف على نصوصه واستخلاص مفاهيمها وقيمها الفنية وتحولاتها، حيث نجد رؤاه الجمالية والفنية مبثوثة في ثنايا هذه التجربة.
لم يكن درويش ناقدا محترفا للشعر، بالمعنى الدقيق، على أن هذا لا ينفي أهميةتنظيراته التي كشفت عن حس نقدي واضح ووعي جمالي يقظ بقضايا الكتابة وإشكالياتها المختلفة، إذ نجده يطرح، في تنظيره الشعري وتجربته الشعرية، أسئلة الشعر محاولا البحث عن إجابات حاسمة، فنجده حينا واثقا من إجابته، فيما يساوره الشك في أكثر الأحيان في إمكانية القبض على إجابات واضحة.

يشير درويش، بصورة ضمنية، إلى وعيه النقدي فهو يرى" أن كل شاعر لديه حاسة نقد ذاتية". ولعله في هذا الموقف، شأنه شأن إيليوت، ينطلق من قاعدة نقدية مفادها: أنّ " معظم الشعراء الذين ينظّرون فإنما ينظّرون لشعرهم، ويدافعون عن خيارهم الشعري" ونجده يقول في أحد مقالاته: " قد يكون هذا الحديث تتمة للحديث السابق، أو لا يكون، وقد يسمى نقداً، أو لا يسمى، وقد يكون خواطر أو لا يكون، المهم أنها آراء في هذه الحركة الشعرية".
ومعلوم أنه لم يقدم مصنفات نقدية متخصصة، فظل وفيًا لقصيدته دون الدخول بشكل مباشر إلى مجال النقد. أما مقالاته فكانت، في مجملها، محاولة منه لتوضيح مفهومه لشعره وتصويب آلية قراءته. فقد حرص على أن تكون قصيدته ذاتها هي بيانه النقدي، ولم يكن هذا النقد في الاتجاه الموضوعي للقصيدة بقدر ما ركز على شعرية النص وأسراره الكتابية. ويجد والقارئ المهتم في حوارات درويش ومقابلاته أنها تمثل متنفسا لآرائه النقدية داخل حدود تجربته، أي أنه دأب على نقد قصيدته.
وما قد يغيب عن الكثيرين أن درويش انشغل، منذ مرحلة مبكرة، بالكتابة النقدية، فنشر منذ سنة 1961 حتى سنة 1970 ، قبل خروجه من فلسطين المحتلة، مجموعة من المقالات والحوارات في جريدة (الاتحاد) ومجلة (الجديد) تناول فيها الحركة الشعرية العربية، وفي الأرض المحتلة خصوصا، كما تناول جملة من الدراسات التطبيقية لمجموعة من الشعراء العرب والفلسطينيين تؤكد على مواكبته للحركة الشعرية الحديثة وانشغاله بأبرز قضاياها وإشكالياتها، وفي مرحلة لاحقة يجده في مجلته " الكرمل"، وفي مجلات أخرى يضمن أفكاره ورؤاه حول الشعر حتى وفاته عام 2008.
وقد ركز في مقالاته النقدية وحواراته على جملة من القضايا النقدية والفنية من أهمها: قضية البناء الفني وما يتضمنه من عناصر كالتصوير، والإيقاع، واللغة، والعاطفة، والرمز، وقضية الوضوح والغموض، والشكل والمضمون، والتلقي، والتراث، والهوية، والالتزام. وتوقف على الأدب العبري من خلال بعض نماذجه، كما تناول تجربته الشعرية ذاتها مسلطا الضوء على جملة من القضايا التي أثيرت حولها مثل قصيدة النثر وموقفه منها.
والناظر في هذه النصوص يجد درويش، بحكم بنيته الفكرية والفلسفية، يصدر، في بداياته، عن منهج واقعي، يرى في الشعر، والأدب عموما، تعبيرا عن قضايا المجتمع، لذلك يرى أن على الشاعر أن يتوفر على وعي ثوري أو حدس ثوري، يحقق الالتزام بقضايا شعبه.
بيد أنه يرى أن على هذا " الشعر الثوري" ألا يفتقد لشرطه الفني والجمالي، إذ لا يمكن فصل المضمون عن فنيته. على أننا نجده لاحقا يتخفف من الواقعية وينحاز للفني والجمالي مركزا على شعرية النص وقضاياه الأسلوبية والوجودية المتجددة.
ولعل هذا ما يدفعنا إلى القول بأن أهم ما يميز وعي درويش للكتابة صيرورتها وانفتاحها الدائم على أسئلة الكتابة والواقع. وقد أفضت هذه الطبيعة إلى تجربة شعرية متجددة ومتجاوزة لذاتها مع كل مجموعة شعرية جديدة، جعلتها تتخلص من النمطية والتكرار، ما يجعلنا نقف على جملة واسعة من الانعطافات والتحولات الكبرى في تجربته على المستويينالجمالي والفكري.

لم يتوقف تطور تجربة درويش إزاء أسئلة الواقع والحياة، والتحول المتسارع في تصور الكتابة وأدواتها، فنجده يواكب التحولات الفكرية والجمالية بحثا عن آفاق جديدة. كما لم يكن بمعزل عن مناخ التحديث، فكان على وعي بمتطلبات التجديد ومطالبه الفكرية والجمالية.
فتجربته النقدية والإبداعية تقوم على النسبية والصيرورة، حيث إن الإبداع يمثل لديه مغامرة فكرية وجمالية تتأسس على التجريب الدائم والانفتاح غير المحدود على عالم الفكر والإبداع. كما أن هذه التجربة تستقي من منابع متعددة: واقعية، ووجودية، ورومانسية، وحداثية، وما بعد حداثية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.