عاجل/ يهم الراغبين في العودة: سفارة تونس بالدوحة تعلن..    الليلة: أمطار رعدية بالشمال ورياح قوية    عاجل/ أحكام تتراوح بين 8 و9 سنوات سجنا ضد رجال أعمال..    الحرس الثوري يعلن إسقاط رادارات أمريكية في الإمارات والأردن وقطر    سعر خام برنت يتجاوز 90 دولارا للبرميل للمرة الأولى منذ 9 أقريل 2024    بودربالة يؤكد استعداد مجلس نواب الشعب لدعم ومساندة سلك المعتمدين (بلاغ)    باجة: تفكيك شبكة للاتجار بالآثار وحجز كتاب عبري نادر    دعاء 16 رمضان 2026 : أدعية مستحبة    أدعية لحفظ الأهل والأبناء يوم الجمعة    قبل أذان المغرب.. حيلة بسيطة تخلي ماكلتك وقت الإفطار سخونة    البروكلو : شوف منافعوا الكبيرة على طاولة رمضان    اطلاق مبادرة لرصد حالات الأطفال المستغلين في التسوّل بشوارع صفاقس وتوفير الاحاطة لهم    برنامج "تصدير+": ارتفاع في الصادرات مقابل نتائج محدودة في تنويع الأسواق    صلاح مصدق : نتفرج في المسلسلات عادة بعد شهر رمضان    وقتاش الحلقة الأخيرة من سلسلة ''صاحبك راجل'' ؟    غزة: أصوات تضامن من تونس    الهيئة الوطنية للسلامة الصحية تضرب بقوة: حجز لحوم وأسماك متعفّنة بهذه الجهة    عاجل/ هيئة "أسطول الصمود" تعلن إيقاف وائل نوار وجواهر شنة..    الرابطة الوطنية لكرة اليد تقرر استكمال مباراة الترجي الرياضي والنجم الساحلي    المنتخب التونسي لأقل من 20 سنة يواجه وديا نظيره الموريتاني يومي 27 و 30 مارس الجاري    التمر والحليب في رمضان: 5 فئات لازمهم يبعدوا عليه باش ما يضرّوش صحّتهم!    فريال يوسف: بكيت ساعة ونصف قبل أصعب مشهد في ''أكسيدون''    بدر الدين القمودي يقدّم التعازي في السفارة الإيرانية بتونس    العراق: توقف الإنتاج في حقل نفط بكردستان بعد هجوم بمسيرتين    كاتب الدولة للانتقال الطاقي يؤكد استعداد تونس لمجابهة ارتفاع اسعار النفط    هشام المناعي: لولا فيرجي لما كان النادي الإفريقي موجوداً هذا الموسم .. ونتمنى عودته    جريمة قتل بشعة تهز منطقة جبل الجلود    بقيمة مليار.. حجز بضائع مهربة داخل مستودع بالروحية    اتحاد الكتاب التونسيين يدعو الادباء والمهتمين بالشأن الثقافي الى المشاركة في تأثيث العدد الجديد من مجلة "المسار نات"    إتحاد بن قردان: الشايبي يغيب.. وصامب يعود في مواجهة النادي الإفريقي    كميات الأمطار المسجلة خلال ال24 ساعة الماضية    أربع سهرات تراوح بين الفن والأدب ضمن برنامج ليالي رمضان الثقافية بجبنيانة من 7 إلى 10 مارس    الكاف: مروج الأقراص المخدرة في قبضة الوحدات الأمنية    جندوبة: تنظيم حملات لتقصي مرضي السكري وارتفاع ضغط الدم ولختان أطفال من عائلات معوزة ضمن مبادرة "رمضانيات صحيّة"    عاجل/ ترامب يفجرها ويعلن..    عاجل/ قضية اغتيال سيف الاسلام القذافي..تطورات جديدة..    رضا الشكندالي: الحرب في الشرق الأوسط قد ترفع عجز ميزانية تونس وتدفع نحو قانون مالية تكميلي    كلفة الربط الكهربائي بين تونس وإيطاليا تناهز 582 مليون أورو للجانب التونسي    الاحتفاظ برئيس غرفة القصابين    للتوانسة المقيمين بالخارج: هاو كيفاش تسوّي وضعيتك العسكرية في تونس    أمطار الخير: الشرقية وبن عروس تسجلان أعلى الكميات في ال24 ساعة الأخيرة    كأس فرنسا : لنس يقصي ليون بركلات الترجيح ويبلغ نصف النهائي    كعبة الياغورت فيها 4 طوابع سكر! مديرة معهد الاستهلاك تصدم التوانسة    اليوم 6 مارس: نزول جمرة التراب...شنوّا يعني؟    نتائج مراقبة الجودة إلى حدود النصف الأول من شهر رمضان المعظم 2026    الحلفاوين تستعيد ألقها الفني في رمضان مع انطلاق الدورة الخامسة من "تجليات الحلفاوين"    رواد: البحر يلفظ جثة بحار و البحث جار عن آخر مفقود    رجة ارضية بقوة 2،8 درجة جنوب غربي وادي مليز من ولاية جندوبة الجمعة    الداخلية القطرية: مستوى التهديد الأمني مرتفع.. وعلى الجميع البقاء في المنازل    رئيس الجمهورية: الذّي يجمعنا ولا يمكن أن نختلف فيه هو وطننا واستقلالنا    الفيفا تمنع يوسف البلايلي من اللعب لمدة سنة بسبب الاحتيال وتزوير وثائق    متابعة للوضع الجوي لهذه الليلة..أمطار رعدية بهذه المناطق..#خبر_عاجل    قراءات وإضاءات ...لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ    الممثل رياض النهدي ل«الشروق» أحب «عبودة» لأنه بعث الفرحة لدى أطفالنا في الجهات    أولا وأخيرا .. حضرة النائب الحاضر الغائب    دعاء اليوم الخامس عشر من رمضان 2026 ...قولوا توا    دراسة: التعرض لضجيج المرور ولو ليلة واحدة يمكن أن يضر بالقلب    عاجل: خريطة يقظة باللّون الأصفر تشمل كامل ولايات الجمهورية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إضراب جوع
نشر في الحوار نت يوم 11 - 08 - 2021

نسمع عن إضراب الجوع وصنوفه؛ إذ فيه اللّطيف والمتوحّش والمحدود والمطلق اللّامحدود الذي تكون حدوده تحقيقَ الهدف أو الموتَ دونه.
يمكنني - وقد قرأت لابن القيّم بحثة القيّم في اللّذائذ (اللّذّات) - أن أصف الإضراب بأنّه رفضٌ مؤقّت للّذّة الجثمانيّة التي كثيرا ما يستعملها أصحاب اللذّات الوهميّة، أولئك الرّؤساء (في المؤسّسات والتّجمّعات والدّول) المتعاظمون على الخلق, المتكبّرون المتطاولون عليهم لاستعبادهم وجرّهم إلى العيش في مربّعٍ بئيس يشتركون فيه - كما قال ابن القيّم رحمه الله تعالى - مع الأنعام.
فالجوع ليس سوءًا كلّه كي تتّخذه بعض الشّعوب أو أجزاءٌ منها ذريعة للهروب من الحريّة إلى الدّكتاتوريّة ومن الكرامة إلى الذلّ والهوان وعيشة الأنعام. بل هو على عكس ذلك وسيلة مقاومة وتحرّر وانعتاق من تأثير البطن على العقل والرّوح. فمن امتلأت بطنه ثقل رأسه وتبلّد ذهنه وتوقّف عقله وقعد عن أداء واجباته إزاء ربّه. وهذا المعنى الأخير يبديه سلوك شيوخنا في رمضان فإنّهم لا يملؤون بطونهم عند الإفطار وذلك استعدادا منهم لصلاة التّراويح؛ إذ الشّبع يمنع طول النّفس وصفاء الصّوت في حين ينعش التّخفّف الذّاكرة وينشّطها ويصفّي الصّوت ويطيل النّفس.
ومن هنا فالإضراب ليس لعبة في متناول الأقزام قد يتعاطاها الرّاغبون في الشّهرة والبروز، بل هو وسيلة راقية من وسائل المقاومة السّلميّة الشّديدة ضدّ اعتبار النّاس قطيعا يُساق إلى حظيرة اللّذّة الجثمانيّة. وهو وسيلة ضدّ القمع المؤدّي إلى الخنوع والاعتراف لصاحب اللّذّة الوهميّة بالاستعلاء وتمكينه من الجلوس على جماجم الخلق. وهو إلى ذلك وسيلة تذكّر النّاس جميعا بأنّ الجوع لا يقتل ولكنّ الشّبع قد يقتل، وانظروا حولكم وفي الأفق فستجدون أغلب الذين شالت بطونهم ممّن ماتت ضمائرهم وعمت بصائرهم فخلطوا الحلال والحرام وتجاوزوا الحدّ ونسوا الرّبّ جلّ وعلا فمشوا بين النّاس ميّتين لا تُذكَر لهم خصلة حسنة. ويوم كنّا في السّجن وأضربنا ضدّ ربّه، كنّا نعلم أنّه وسيلة حياة ووسيلة مجابهة الظّالم المستبدّ، فلمّا جاؤونا بالكلاب المسمّاة عندهم الأنياب، كان قول قائلنا لهم: (مزّقونا أشلاءً بأنيابكم، أطعمونا لكلابكم، افعلوا بنا ما شئتم، ولكنّكم لن تتمكّنوا من عزّة نفس وكرامة سكنت فينا، سوف إذا متنا تقضّ مضاجعكم).
حديثي عن الإضراب لا يعني الدّعوة إليه في كلّ حين ولكنّه يستدعي الحديث عن الجوع وقيمته في حياة الفرد المسلم. فإنّ من أهمّ دروس الصّوم الصّبر على أشياء كثيرة منها الجوع والعطش. فإنّ من لم يصبر على الجوع والعطش لن يصبر على ما هو أكبر منهما. لن يرابط الأيّام والشّهور دفاعا عن حرمته وحرمة الوطن ولن يربط الحجر والحجرين كما وردت أخبار سادتنا الشّرفاء الكرام، بل سوف يكون البوّابة التي يدخل منها العدوّ ساحة الوطن، يشتري ذمّته بلقمة سوداء غير زكيّة غير طاهرة كهذه التي يوفّرها صاحب اللّذّة الوهميّة اليوم عن طريق أعداء البلاد الذين كان بعض مثقّفينا المتأرجحين مناصري الحكّام الظّلمة يصمونهم بأبشع النّعوت استبعادًا للتّعامل مع أكرمهم، قطر.
لقد حاول الشّانؤون الحطّ من قيمة ثورتنا على الظّلم فوصموه بثورة الياسمين وسمّاها بعضهم ثورة الجياع، ولكنّ الأحرار نجحوا في تسميتها ثورة التّحرّر والكرامة. ومن فَقِه الكرامة وتاق إليها ربط على بطنه الحجر ورمى الذي يحاول إصماته ببطنه بأحدّ أنواع الحجر.
لست بالحديث عن الإضراب والجوع بداعٍ إلى الرّضا بالجوع واستمراء الفقر، ولكنّي مخيّر أصحاب العقول بينه وبين الكرامة والعزّة. ولو كنّا في تونس دعاة كرامة وعزّة ما جاع منّا ولا فينا أحد، فقد كنّا زمن الظلم والتّغليق وقطع الطّريق نَطعم ونُطعم ونبني العمارات، فكيف وقد منحنا الله تعالى أرقى وسائل الحياة التي هي الحريّة نجوع أو يستعمل تافه الجوع للسّيطرة علينا وإنسائنا جحيم الدّكتاتوريّة.
إنّ الذي يُشهر جوعنا ويستعمله أداة لضرب ثورتنا واستئصال كرامتنا هو الذي – ببعده عن ربّ العالمين – جوّعنا. لقد جعنا واحتجنا لغيرنا لمّا جعلوا العمل أداة رخيصة لضرب الخصوم السّياسيّين وجعلوا الفساد ديدنا. راجعوا عدد الإضرابات عن العمل وعدد الاعتصامات وعدد الأيّام التي انقطع فيها الحوض عن إنتاج الفسفاط وعدد المليارات التي حُرمتها البلاد بفعل فساد الفاسدين. انظروا إلى الصّورة التي سوّقوها عن البلاد، معركة حاميّة فيها بين "وطنيّين" وإسلاميّين وبين رئيس دولة ورئيس برلمان وبين عميلة للإمارات وشرفاء البلاد، "إرهاب" يصول ويجول يتخيّر الصّالحين من عناصر أمننا وأفراد جيشنا يمنع دخول السّواح العاديّين إليها ويسمع لزوّار الغريبة "المكرّمين" ينشط ويخنس تحت الطّلب حتّى ليرضى بالإجراءات الاستثنائيّة التي استثنت العمل الصّالح ورضيت لنا المحسوبيّة والتّبعيّة والرّذيلة وسوء الفعل والقول.
لقد كان الجوع كما كانت الجائحة وسيلتين ناجعتين استعملهما بخبث استثنائيّ صاحب اللّذّة الوهميّة المتلذّذ اليوم بالوضع الاستثنائيّ. فإنّه كان يستطيع بالأمس بعلاقاته التي مدحها اليوم جلب الأموال وجلب التّلاقيح، ولكنّه لم يفعل لتعكير الأجواء من ناحية ولأنّ هذه الأموال القذرة وهذه التّلاقيح إنّما جاءت مشروطة، وشرطها الانقلاب على الكرامة والحدّ من الحريّة والدّخول بالنّاس حظيرة اللّذّة الجثمانيّة بعيدا عن اللذّة العقليّة والرّوحيّة. وقد كان يمكنه التّأثير في صديقه قائد الاتّحاد كي ينهيه عن فساده ويمكّن النّاس من العمل والانتاج من الرّجوع بوتيرة تجبر النّقص الذي وصل بالبلاد حدّ استيراد الفسفاط ولكنّه استمرأ ضرب اقتصاد البلاد تحضيرا كما يظنّ للسّيطرة على البلاد باستبلاه العباد.
لقد تفنّن المجرمون بالتّجويع في فتنة النّاس حتّى بشّعوا خصما سياسيّا واعتدوا عليه وأنزلوه عند النّاس وحشا لاإنسانيّا يقطع أرزاقهم بما يطلب به من تعويضات تعلّي العمارات وتُكثر المراكب في البحار وتطغي الحاصلين عليها. لقد أبدعوا في الإجرام بتحويل الأنظار عن جرائم الاتّحاد التي ضربت اقتصاد البلاد إلى الخوض في مواضيع وهميّة أفلح في إثارتها أصحاب اللّذّات الوهميّة المستعلين المتطاولين والصّحافة السّاقطة التي دأبت على الاستثمار في "الدّنيا مع الواقف".
تلك بعض الخواطر عن الجوع وكيف يستدعي النّاس فوائده بالإضرابات، وأنّ أهمّ فوائده المحافظة على الكرامة والتّمتّع بلذّة العقل والرّوح والهروب من حظيرة اللذّة الجثمانيّة التي هي منطقة فعل أصحاب اللّذّة الوهميّة المتكبّرين، والتي هي سبب انهيار البناء المجتمعي السّليم. ولا نامت أعين الخونة وأصحاب البطون الشّائلة...






عبدالحميد العدّاسي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.