اضطراب وانقطاع في توزيع مياه الشرب في كل من معتمديتي منزل بوزلفة وبني خلاد    الوضع الجوي سيشهد تحسّنا ملحوظا يوم الجمعة قبل تسجيل اضطرابات جديدة خلال عطلة نهاية الأسبوع    مسلسل ''وننسى اللي كان'' الجمهور يربط أحداثه بحياة شيرين عبد الوهاب    فيلم "بيّت الحس" لليلى بوزيد يشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين الدولي للفيلم    عاجل: حظر مؤقت على بحيرات حاسي الفريد بعد رش المبيدات    بطولة إفريقيا لكرة اليد: تونس تفوز على الكاميرون    كان2025 :الكاف يكشف عن التشكيلة المثالية    لحظة اختبار الثقة بين السعودية وحلفاءها    رابطة ابطال افريقيا : طاقم تحكيم كونغولي بقيادة بيار جون نغيان يدير مباراة الترجي الرياضي و سيمبا التنزاني    هذه نسبة امتلاء السدود التونسية..#خبر_عاجل    شنيا حكاية سطو مسلح على مكتب بريد وادي الليل مستغلًا سوء الأحوال الجوية؟    فيضانات في تونس : إليسا توجه هذه الرسالة للتوانسة    محرز بوصيان رئيسا جديدا للجنة الدولية لالعاب البحر الابيض المتوسط    عاجل/ آخر مستجدات الوضع وحالة الطرقات بهذه الولاية..    عاجل : وفاة عم بشار الأسد    عاجل/الرصد الجوي يحسمها بخصوص قدوم عواصف جديدة ويدعو السلطات للتدخل ووضع حد لهؤلاء بسبب بث الرعب..    الخبير في الشأن المناخي حمدي حشاد يوضّح للتوانسة شنوا صاير بالضبط    منخفض «هاري»/ تونس: غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تدعو الملوِّثين التاريخيين لتحمّل مسؤولياتهم المناخية    ليبيا تغرق بالعواصف: إجلاء 80 أسرة وضحايا...شنوا صاير ؟    مواجهة نارية في البطولة: متابعو الكرة التونسية على الموعد    السبت المقبل بمدينة الثقافة: أجمل أغاني كرة القدم العالمية في عرض سمفوني    بنزرت: إعادة فتح مكتب بريد منزل عبد الرحمان    خطر مياه الأمطار في دارك: خطوات بسيطة تحمي صحتك وممتلكاتك    كيفاش تقرأ فحص السكري وحدك (حسب نوعه) وتفهم كل رقم في ورقة التحليل؟    العثور على جثة كهل مقتول وملقاة في بئر بجرجيس... والقبض على مشتبه به    العرض الأول لمسرحية إقامة شهيرة" على ركح مسرح الجهات يوم 23 جانفي    متابعة/ بسبب التقلبات الجوية: قرار هام من والي هذه الجهة..#خبر_عاجل    دعوة الجالية التونسية إلى مُساندة العائلات المُتضررة من الفيضانات..#خبر_عاجل    وزارة التعليم العالي: تأجيل موعد اجراء اختبار مادة مراقبة الحسابات وقانون الأعمال والاختبار الشفاهي في اختصاص الهندسة المدنية    تونس اليوم في اللون الأصفر على خريطة اليقظة: شمعناها وشنية الحكاية؟    منخفض أطلسي جديد يصل تونس ...شنيا معناها؟    عاجل: الميترو وقتاش باش يرجع؟...مسؤول يجيب    أعلاه في بني خلاد ومنزل بوزلفة..كميات الأمطار المسجّلة خلال ال24 ساعة الأخيرة    تحذير إيراني لترامب: ضبط النفس انتهى.. الحرب ستكون شاملة وشرسة    للتذكير...الكياسات هذه مازالت مسكرّة    ترامب: سأمحو إيران من على وجه الأرض إن حاولت اغتيالي    اليوم: أمطار غزيرة مع رياح قوية    رابطة ابطال اوروبا : ارسنال يعزز صدارته بتغلبه 3-1 على انتر ميلانو    عاجل: توفير حافلات لنقل المواطنين في انتظار عودة جولان خطوط المترو    المنستير : تواصل عمليات البحث عن البحّارة المفقودين بسواحل طبلبة    ماني يتحدث عن "النهائي المجنون": لهذا أقنعت زملائي بالعودة    ترامب يحذر أوروبا: إجراءاتكم ضد واشنطن سترتد عليكم كرصاص طائش    صلاحيات حصرية لترامب: الكشف عن نسخة من ميثاق «مجلس السلام» الخاص بغزة    لأول مرة منذ تشييده: سد واد الرمل بسوسة يسجل نسبة امتلاء ب 100%    باجة: تركيز أوّل خيمة لبيع التمور من المنتج الى المستهلك تحت شعار "أسبوع التمور"    "مواسم الريح" للأمين السعيدي في معرض القاهرة الدولي للكتاب    السبت المقبل بمدينة الثقافة: أجمل أغاني كرة القدم العالمية في عرض سمفوني    دعاء العواصف الشديدة    نابل: استئناف سفرات بعض الخطوط    شركة السكك الحديدية: اضطراب حركة القطارات بسبب الأمطار الغزيرة    مفاجأة علمية عن الإنجاب..!    إحياء الذكرى 180 لإلغاء الرق في تونس: تظاهرة فنية وفكرية حول السطمبالي    مدينة العلوم تنظم السبت 31 جانفي 2026 سهرة فلكية لاستكشاف "الكواكب العملاقة"    المكنين: تسجيل حالة وفاة ثالثة    شركة نقل تونس: توقّف المترو وتعليق خطوط عدد من الحافلات بسبب الأمطار الغزيرة    اليك دعاء استقبال شهر شعبان    عاجل:مثل تونس...دولة عربية تُعلن 19 فيفري أول رمضان    إصدارات: من اللحظات التأسيسية في الإسلام    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إضراب جوع
نشر في الحوار نت يوم 11 - 08 - 2021

نسمع عن إضراب الجوع وصنوفه؛ إذ فيه اللّطيف والمتوحّش والمحدود والمطلق اللّامحدود الذي تكون حدوده تحقيقَ الهدف أو الموتَ دونه.
يمكنني - وقد قرأت لابن القيّم بحثة القيّم في اللّذائذ (اللّذّات) - أن أصف الإضراب بأنّه رفضٌ مؤقّت للّذّة الجثمانيّة التي كثيرا ما يستعملها أصحاب اللذّات الوهميّة، أولئك الرّؤساء (في المؤسّسات والتّجمّعات والدّول) المتعاظمون على الخلق, المتكبّرون المتطاولون عليهم لاستعبادهم وجرّهم إلى العيش في مربّعٍ بئيس يشتركون فيه - كما قال ابن القيّم رحمه الله تعالى - مع الأنعام.
فالجوع ليس سوءًا كلّه كي تتّخذه بعض الشّعوب أو أجزاءٌ منها ذريعة للهروب من الحريّة إلى الدّكتاتوريّة ومن الكرامة إلى الذلّ والهوان وعيشة الأنعام. بل هو على عكس ذلك وسيلة مقاومة وتحرّر وانعتاق من تأثير البطن على العقل والرّوح. فمن امتلأت بطنه ثقل رأسه وتبلّد ذهنه وتوقّف عقله وقعد عن أداء واجباته إزاء ربّه. وهذا المعنى الأخير يبديه سلوك شيوخنا في رمضان فإنّهم لا يملؤون بطونهم عند الإفطار وذلك استعدادا منهم لصلاة التّراويح؛ إذ الشّبع يمنع طول النّفس وصفاء الصّوت في حين ينعش التّخفّف الذّاكرة وينشّطها ويصفّي الصّوت ويطيل النّفس.
ومن هنا فالإضراب ليس لعبة في متناول الأقزام قد يتعاطاها الرّاغبون في الشّهرة والبروز، بل هو وسيلة راقية من وسائل المقاومة السّلميّة الشّديدة ضدّ اعتبار النّاس قطيعا يُساق إلى حظيرة اللّذّة الجثمانيّة. وهو وسيلة ضدّ القمع المؤدّي إلى الخنوع والاعتراف لصاحب اللّذّة الوهميّة بالاستعلاء وتمكينه من الجلوس على جماجم الخلق. وهو إلى ذلك وسيلة تذكّر النّاس جميعا بأنّ الجوع لا يقتل ولكنّ الشّبع قد يقتل، وانظروا حولكم وفي الأفق فستجدون أغلب الذين شالت بطونهم ممّن ماتت ضمائرهم وعمت بصائرهم فخلطوا الحلال والحرام وتجاوزوا الحدّ ونسوا الرّبّ جلّ وعلا فمشوا بين النّاس ميّتين لا تُذكَر لهم خصلة حسنة. ويوم كنّا في السّجن وأضربنا ضدّ ربّه، كنّا نعلم أنّه وسيلة حياة ووسيلة مجابهة الظّالم المستبدّ، فلمّا جاؤونا بالكلاب المسمّاة عندهم الأنياب، كان قول قائلنا لهم: (مزّقونا أشلاءً بأنيابكم، أطعمونا لكلابكم، افعلوا بنا ما شئتم، ولكنّكم لن تتمكّنوا من عزّة نفس وكرامة سكنت فينا، سوف إذا متنا تقضّ مضاجعكم).
حديثي عن الإضراب لا يعني الدّعوة إليه في كلّ حين ولكنّه يستدعي الحديث عن الجوع وقيمته في حياة الفرد المسلم. فإنّ من أهمّ دروس الصّوم الصّبر على أشياء كثيرة منها الجوع والعطش. فإنّ من لم يصبر على الجوع والعطش لن يصبر على ما هو أكبر منهما. لن يرابط الأيّام والشّهور دفاعا عن حرمته وحرمة الوطن ولن يربط الحجر والحجرين كما وردت أخبار سادتنا الشّرفاء الكرام، بل سوف يكون البوّابة التي يدخل منها العدوّ ساحة الوطن، يشتري ذمّته بلقمة سوداء غير زكيّة غير طاهرة كهذه التي يوفّرها صاحب اللّذّة الوهميّة اليوم عن طريق أعداء البلاد الذين كان بعض مثقّفينا المتأرجحين مناصري الحكّام الظّلمة يصمونهم بأبشع النّعوت استبعادًا للتّعامل مع أكرمهم، قطر.
لقد حاول الشّانؤون الحطّ من قيمة ثورتنا على الظّلم فوصموه بثورة الياسمين وسمّاها بعضهم ثورة الجياع، ولكنّ الأحرار نجحوا في تسميتها ثورة التّحرّر والكرامة. ومن فَقِه الكرامة وتاق إليها ربط على بطنه الحجر ورمى الذي يحاول إصماته ببطنه بأحدّ أنواع الحجر.
لست بالحديث عن الإضراب والجوع بداعٍ إلى الرّضا بالجوع واستمراء الفقر، ولكنّي مخيّر أصحاب العقول بينه وبين الكرامة والعزّة. ولو كنّا في تونس دعاة كرامة وعزّة ما جاع منّا ولا فينا أحد، فقد كنّا زمن الظلم والتّغليق وقطع الطّريق نَطعم ونُطعم ونبني العمارات، فكيف وقد منحنا الله تعالى أرقى وسائل الحياة التي هي الحريّة نجوع أو يستعمل تافه الجوع للسّيطرة علينا وإنسائنا جحيم الدّكتاتوريّة.
إنّ الذي يُشهر جوعنا ويستعمله أداة لضرب ثورتنا واستئصال كرامتنا هو الذي – ببعده عن ربّ العالمين – جوّعنا. لقد جعنا واحتجنا لغيرنا لمّا جعلوا العمل أداة رخيصة لضرب الخصوم السّياسيّين وجعلوا الفساد ديدنا. راجعوا عدد الإضرابات عن العمل وعدد الاعتصامات وعدد الأيّام التي انقطع فيها الحوض عن إنتاج الفسفاط وعدد المليارات التي حُرمتها البلاد بفعل فساد الفاسدين. انظروا إلى الصّورة التي سوّقوها عن البلاد، معركة حاميّة فيها بين "وطنيّين" وإسلاميّين وبين رئيس دولة ورئيس برلمان وبين عميلة للإمارات وشرفاء البلاد، "إرهاب" يصول ويجول يتخيّر الصّالحين من عناصر أمننا وأفراد جيشنا يمنع دخول السّواح العاديّين إليها ويسمع لزوّار الغريبة "المكرّمين" ينشط ويخنس تحت الطّلب حتّى ليرضى بالإجراءات الاستثنائيّة التي استثنت العمل الصّالح ورضيت لنا المحسوبيّة والتّبعيّة والرّذيلة وسوء الفعل والقول.
لقد كان الجوع كما كانت الجائحة وسيلتين ناجعتين استعملهما بخبث استثنائيّ صاحب اللّذّة الوهميّة المتلذّذ اليوم بالوضع الاستثنائيّ. فإنّه كان يستطيع بالأمس بعلاقاته التي مدحها اليوم جلب الأموال وجلب التّلاقيح، ولكنّه لم يفعل لتعكير الأجواء من ناحية ولأنّ هذه الأموال القذرة وهذه التّلاقيح إنّما جاءت مشروطة، وشرطها الانقلاب على الكرامة والحدّ من الحريّة والدّخول بالنّاس حظيرة اللّذّة الجثمانيّة بعيدا عن اللذّة العقليّة والرّوحيّة. وقد كان يمكنه التّأثير في صديقه قائد الاتّحاد كي ينهيه عن فساده ويمكّن النّاس من العمل والانتاج من الرّجوع بوتيرة تجبر النّقص الذي وصل بالبلاد حدّ استيراد الفسفاط ولكنّه استمرأ ضرب اقتصاد البلاد تحضيرا كما يظنّ للسّيطرة على البلاد باستبلاه العباد.
لقد تفنّن المجرمون بالتّجويع في فتنة النّاس حتّى بشّعوا خصما سياسيّا واعتدوا عليه وأنزلوه عند النّاس وحشا لاإنسانيّا يقطع أرزاقهم بما يطلب به من تعويضات تعلّي العمارات وتُكثر المراكب في البحار وتطغي الحاصلين عليها. لقد أبدعوا في الإجرام بتحويل الأنظار عن جرائم الاتّحاد التي ضربت اقتصاد البلاد إلى الخوض في مواضيع وهميّة أفلح في إثارتها أصحاب اللّذّات الوهميّة المستعلين المتطاولين والصّحافة السّاقطة التي دأبت على الاستثمار في "الدّنيا مع الواقف".
تلك بعض الخواطر عن الجوع وكيف يستدعي النّاس فوائده بالإضرابات، وأنّ أهمّ فوائده المحافظة على الكرامة والتّمتّع بلذّة العقل والرّوح والهروب من حظيرة اللذّة الجثمانيّة التي هي منطقة فعل أصحاب اللّذّة الوهميّة المتكبّرين، والتي هي سبب انهيار البناء المجتمعي السّليم. ولا نامت أعين الخونة وأصحاب البطون الشّائلة...






عبدالحميد العدّاسي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.