وزارة الداخليّة توضح حقيقة ايقاف نبيل القروي    تونس تصدر 67 سيارة إلى الكوت ديفوار    الديوانة توضّح حول قضيّة “التنكيل بحافظ قائد السبسي “    أردوغان لبوتن: هجمات الجيش السوري تهدد الأمن التركي    حمّادي الجبالي يتعهّد باتّخاذ هذه الإجراءات المستعجلة في صورة انتخابه رئيسا للجمهورية [فيديو]    تونس: اللّيلة الافتتاح الرسمي لمهرجان مدنين الثقافي الدولي    دار الإفتاء المصرية تحدد شرطا وحيدا يجعل التاتو حلالا    مدير أيام قرطاج لفنون لخزف لالصباح نيوز: التكامل بين الملتقى الدولي والأيام يخدم فن الخزف في تونس    حافظ قائد السبسي : تعرضت إلى التنكيل ومعاملة غير لائقة بمواطن تونسي في مطار قرطاج    وزير التجارة الجزائري: قد نتوقف عن استيراد القمح    جملة من القرارات لفائدة ولاية قابس    حجز بضاعة مهربة بقيمة 255 الف دينار    مفاجأة: نيمار بقميص ريال مدريد الأسبوع المقبل؟    بعد تعطل خطوط القطارات بالضاحية الجنوبية …المسافرون يتذمرون والشركة تلجأ الى تعويض منظومة القطارات العاملة    دبّ مفترس يلتهم الفنان الفرنسي جوليان غوتييه!    العثور على جثة معاق داخل مستودع    متحيّل تسبب بهدم 3 مدارس في مصر.. والأزمة أمام مجلس النواب    مروان العباسي: يجب إعادة الهيكلة الاقتصادية وإنعاش الاستثمار    10 أطعمة احذرى تخزينها في الثلاجة    قابس: الانطلاق في استغلال حقل نوارة للغاز الطبيعي    التلفزة التونسية تتحصّل على حقوق بث مباريات الرابطة الأولى لكرة القدم    تطلعات جماهيره كبيرة.. المشاكل المالية وغياب الانتدابات يهددان موسم الافريقي    مهرجان ليالي الصيف الدولي بالقيروان .. بوشناق يتسلطن ويسرى محنوش في الاختتام    مدرب جديد لمنتخب مصر    استئناف حركة قطارات الأحواز الجنوبية للعاصمة    التخلّص من الحشرات ..كيفيَّة التخلُّص من الوزغات    مؤشر الانتاج الصناعي بتونس يتراجع    غارات إسرائيلية على العراق!    المنستير: أمني يكتشف أن ضحية حادث القطار زوجته    سيدي بوزيد: القبض على شخص مفتش عنه لفائدة وحدات أمنية مختلفة    بُوحجلة ..مهرجان الفروسية «ثقافة الأجداد هوية الأحفاد»    أنا يقظ: نتفاوض مع تويتر وفايسبوك لمراقبة تجاوزات المترشحين وصفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي    معهم في رحلاتهم ..مع فالّو في رحلته عبر تونس الوسطى (1)    من دائرة الحضارة التونسيّة .. عهد الأمان    ياسين ابراهيم: يوسف الشاهد يشوش على عبد الكريم الزبيدي    بطولة الرابطة المحترفة 1 : الجولة الاولى / دربي “مبكر” بين النادي الافريقي و الملعب التونسي    كشف الأعراض الرئيسية لسرطان الأمعاء    خميس الجهيناوي: ندعم الحل السياسي.. والمجموعة الدولية منقسمة إزاء الأزمة في ليبيا    اسألوني ...يجيب عنها الأستاذ الشيخ: أحمد الغربي    مهرجان قرطاج الدولي 2019: حفل ضخم للفنان صابر الرباعي وجمهور عريض فاق طاقة استيعاب المسرح    كميات الامطار المسجلة يوم امس …اقصاها 68 مليمترا بولاية الكاف    مونديال الكرة الطائرة للأصاغر : تونس تحقق فوزها الأول    العريّض: هذه العقوبة تنتظر كل مُترشّح نهضوي خالف سياسة الحركة    القطار .. احتراق سيارتين بأحد المستودعات    الزهروني: مقتل شاب على يد خصميه بساطور    إصابة 3 مستوطنين بقنبلة يدوية برام الله    وزير الثقافة: قرار الترفيع في ميزانية الوزارة تتويج لإصلاحات عديدة في القطاع    قضية الشنيحي: فريق العلمة يتهم النادي الافريقي بتزوير وثائق الخلاص    حرائق الأمازون "تشعلها" بين ماكرون والرئيس البرازيلي    كوريا الشمالية لأمريكا: إما الحوار أو المواجهة    مدير عام الأبحاث الاقتصادية ل«الشروق» .. عقوبات بالغلق وخطايا بالمليارات ضد مساحات تجارية    هذه كميات الأمطار المتساقطة خلال ال24 ساعة الماضية    جوهر بن مبارك: عودة البحري الجلاصي وغيره من المرشحين الرئاسيين يكشف ارتباك هيئة الانتخابات    تقرير الجمعة : رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام    علماء يكتشفون مفتاح علاج سرطان مدمر في نبات شائع    وفاة خمسة أشخاص في تدافع خلال حفل لنجم الراب سولكينغ بالجزائر    النادي البنزرتي يمطر شباك منافسه في البطولة العربية بسباعية كاملة    علاج التعرق صيفا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





فهل من مدّكر؟ تدبّرات على مكث في الكتاب العزيز (الجزء2)
نشر في الحوار نت يوم 13 - 01 - 2016


(51)
عندما تصبح الهجرة فريضة دينية عينية..
أحيانا نردد كلاما لا رصيد له في الدين. أكثرنا لم يتربص في محاضن دينية ومن فعل ذلك ما زادته تلك المحاضن شيئا يذكر في علمه إذ المعوّل عليه العلم ثم تكون التزكية إلا للطفل الذي لا يستوعب العلم. أكثرنا لم يبذل جهدا لنهل العلم من مظانه المعروفة أو إستعجل فلم يصبر. من ذلك قولنا في الهجرة قولا لا رصيد له. ولنا آيات بينات في سورة النساء.
من عرّض نفسه للفتنة عن دينه فلم يهاجر مأواه النار.
إقرأ هذا (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم. قالوا : فيم كنتم؟ قالوا : كنا مستضعفين في الأرض. قالوا : ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها. فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا. إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا). الحديث عن مؤمنين في مكة رضخوا للفتنة القاسية المسلطة عليهم من لدن قريش وأبوا الهجرة وكانوا قادرين عليها حتى ماتوا وهم على ذلك. الإسلام نفسه لم يأت للناس لأجل دعوتهم فحسب دون رعاية ظروفهم وأحوالهم. لا. بل جاء إلى الناس يبثّ فيهم أوّلا الوعي بقدسية حريتهم ورفعة كرامتهم فإذا تغذت أوعيتهم بذلك الشعور الفطري العظيم دعوا إلى الله وعندها يندر جدا ألا يؤمن الحر إلا متكبرا إستبد به الكبر. والحقيقة أن الكبر والحرية عدوان لدودان لا يلتقيان إذ التحرر المقصود أوّلا هو التحرر من الهوى. لو لم يخش عليه السلام على أصحابه فتنة أي إكراها من قريش يصدهم عن دينهم ما هاجر بهم ولا أمر بالهجرتين إلى الحبشة ولا هاجر هو نفسه إلى ثقيف. ولذلك كانت الفريضة في تلك الأيام من بعد الإيمان الصبر والثبات ولزوم الجماعة في دار الأرقم في لقاء دوري تنظيمي يفرغون فيه من لوثات الجاهلية ويملؤون بنور الإيمان. فلما إشتدت الفتنة عليهم هاجروا كرها لأجل مساحة جديدة فيها قدر من الحرية يمكنهم من ممارسة عقيدتهم وعبادتهم في الحد الأدنى. الدين مساحتان : مساحة فردية شخصية خاصة وهي كذلك متركبة من منطقتين : منطقة في القلب لا يعلمها سواه سبحانه وهي منطقة العقيدة التي يمكن إسرارها إلى حين. ومنطقة العبادة أي الصلاة التي فيها حركات وأقوال وجهر يجعل الناس ينتبهون لذلك. فهذه لا بدّ منها ولا تسقط بعذر الخوف من الفتنة أو الإكراه ومن سقطت عنه لزمن فما عليه سوى أن يبحث عن مكان يهاجر إليه ليزاول العبادة لأنها قرين العقيدة ولا ترخّص فيها. ومساحة مشتركة تكافلية وهذه يمكن تأجيلها لأنها تحتاج لا إلى الحرية فحسب بل تحتاج إلى رقعة أرض وأمة من الناس وقوة ومال أي إلى دولة وحكم.
لذلك كانت الهجرة فريضة على كل صحابي وصحابية قبل فتح مكة إذ (لا هجرة بعد الفتح). نحن اليوم نتحدث عنها حديثا نظريا ولكن الناس إلتظوا بنارها وليس هيّنا أبدا أن تترك دارك وبلادك ومالك وربما ولدك وزوجك أيضا ثم تهاجر إلى أرض جديدة ليس لك فيها شيء إذ تأوي إليها فقيرا معدما لا تملك سترا لعورتك ولا قوتا لبطنك. لذلك فضل الله المهاجرين طبقة أولى من طبقات البشرية بعد النبوة مباشرة.
هل تصدق أن يدخل النار مؤمن رضي بالفتنة وأبى الهجرة.
الآية صريحة. هؤلاء مؤكد أنهم لم يصلّوا أو أكرهوا على قول الكفر مرات ومرات. لا يشمل العفو سوى المستضعفين ولذلك ذكر الولدان والنساء والمؤكد أن الرجال هنا من الشيوخ. نحن اليوم لبعد المسافة التاريخية لا نستوعبه. الإسلام دين ليس له عنوان سوى عنوان واحد إسمه : الحرية ولا شيء غير الحرية. جاء ليحرر الناس أوّلا. فمن تحرر منهم عرض عليه نفسه وخيّره ناسبا المشيئة إليه لأوّل مرة وآخرها (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر). ليس الإسلام مسيحية يرضى منك من بعد ما رضيت به أنت بعقيدة ساكنة في القلب. إنما هو دين جامع فيه العبادة وفيه الخلق وفيه المعاملة وفيه الأسرة وفيه معركة الحياة كلها بحلوها ومرها. دين مثل هذا لا بدّ له من دولة وحرية وقوة وصفّ واحد وقيادة وأمة وتكافل. ولكن الحد الأدنى هو الصلاة التي تصبحنا وتمسينا على مدار الحياة. هذا أمر لا يمكن الإسرار به دوما. لذلك كانت فريضة الهجرة على القادر فرارا من الفتنة والإكراه وبحثا عن مساحة حرة لتنفيذ الدين وتنزيل تكاليفه.
هذا أمر معيش .
السوريون الذين يهاجرون بل يهجّرون من أرضهم كرها وهم ألوف مؤلفة بل ملايين مملينة. هؤلاء لا مكان لهم في سوريا من بعد فقدان الأمن. والأمن شرط مشروط للحرية. والحرية شرط مشروط للعبادة وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. هذه حالة من حالات الهجرة التي نراها بأم أعيننا. ذلك هو حكم الهجرة في حق كل من أكره في دينه فلم يعد يمكنه تنفيذ الحد الأدنى منه من مثل الصلاة. هذا وقع مثلا قبل عقود للبلدان الإسلامية التي كانت محتلة من لدن الشيوعية وعندي منها قصص واقعية مثيرة جدا تذكرك بالعهد النبوي والله. ولكن عندما نخلط ذلك مع كلام آخر عن الوطن والوطنية .. يجب أن نفيئ دوما إلى المعيار الشرعي عندما يتبين لنا خيطه الأبيض من خيطه الأسود. لا أصدق أن هناك آدمي فوق الأرض يهجر أرضه وأهله طوعا لا كرها. هو مكره قطعا لأسباب مالية أو سياسية أمنية أو علمية أو إجتماعية ( طلب نكاح مثلا) أو لأي سبب آخر. الحديث عن المهجّرين والمهاجرين وليس عن العملة الذين يغدون ويروحون في أمن وسلام.
تحصل لدي إذن أن الحرية أغلى من كل شيء إذ هي من يوفر للتدين مكانا. كما تحصل لدي أن الإنسان أغلى من أن تدوسه أقدام الفتنة و( أرض الله واسعة).

(52)
صلاة الخوف : عبر مكنوزة. (النساء 102).
الصلاة الوحيدة التي بيّنها القرآن الكريم هي صلاة الخوف و خصص لها صفحة كاملة. لم؟
العبرة العظمى هي : الدين مطلوب ولكنه لا يعيق الحياة.
أكبر نكبة فينا ومنذ قرون هي أن الدين والدنيا في حياتنا مساحتان مستقلتان بينهما برزخ لا يبغيان بل ربما كان الطعم هنا عذبا زلالا وهناك ملح أجاج. في الفقه أي عندما يكون مطلوبا منا التمييز لأجل دقة الفهم لا يخجلنا أن نجعل من الدنيا دينا فنفتري على الله كذبا بتحريم ولاء سياسي لنا فيه مصلحة وليس لهم به علينا سلطان. ولا يخجلنا أن نجعل من الدين دنيا فنعطل شعيرة الأضحية بدعوى المحافظة على الثروة الحيوانية. أما في الحياة أي عندما يكون مطلوبا منا عدم التمييز بين المساحتين لأن كلاهما عبادة خالصة لله ولأجل عدم تعريض الشخصية الإنسانية بذلك التمييز للإنفصام فإنه لا يخجلنا أن نرعى حق الله في الصلاة ثم نخون عهود الناس في الحياة. تلك هي أكبر نكبة أصابت الأمة ومنذ زمن سحيق بعيد. أي عدم التمييز بين المساحتين عندما يكون ذلك مطلوبا لأجل تحسين العلم. والفصل بينهما عندما لا يكون ذلك مطلوبا لأجل تحشيد الطاقة الإنسانية كلها لقصد واحد هو رضى الرحمان سبحانه. صلاة الخوف مثال رائع يختلط فيه الدين بالدنيا إختلاطا عجيبا وما عليك سوى رعاية حق كل منهما فلا يعوّق هذا بسبب ذاك ولا ذاك بسبب هذا.
الصلاة هي الفريضة الوحيدة التي تغشانا بمعدل زهاء أربع ساعات على مدار الحياة. وحتى بحساب الجمع بين رخصتي الجمع والقصر فيها لتكون ثلاث محطات فحسب في اليوم والليلة بدل خمس فإن المعدل يظل قريبا أي نصلي كل ثماني ساعات على مدار الحياة. وهي الفريضة الوحيدة التي لا تسقط أبدا البتة ما كان الوعي حاضرا ولو تمتمة بالشفاه أو إشارة بأنملة بل حتى بصلاة قلبية لا يشعر بها سواك. هي أول ملف يفتح في وجهك يوم مثولك أمام محكمة التعقيب الأخيرة لتصدر لك أو عليك أعظم حكم في وجودك.
في الصلاة : حذر وأسلحة ورقابة ونظام مدهش.
وردت كلمة الأسلحة هنا أربع مرات ووردت كلمة الحذر هنا كذلك مرتين. ولا تقام صلاة الخوف إلا بإمام واحد لمجموعتين تصلي الأولى منهما متأبطة أسلحتها في سجودها وركوعها وهي محروسة بمجموعة أخرى لا وظيفة لها عندئذ سوى وظيفة الحراسة المسلحة فإذا فرغ الإمام من الركعتين الأوليين جاءت المجموعة الثانية لتؤدي الصلاة مع الإمام نفسه متأبطة سلاحها غير غافلة عنه وهي في صلاة وتقوم المجموعة الأولى بالحراسة. وبذا تؤدى الصلاة فريضة لا تتخلف حتى مع القصر والجمع وتؤدى معها فريضة الدنيا أي تأمين الناس ومحاولة تحقيق النصر. هذا مشهد أسّرني وشدّني. أي دين هذا ونحن عن قيمه ومعانيه غافلون. تلك هي صورة الحياة التي يريدها منا سبحانه. أي حياة فيها الحرب والسلم بالضرورة والخوف والأمن والفقر والغنى والمرض والعافية والقلة والكثرة والظعن والإقامة. حياة يقام فيها الدين والدنيا معا فلا يعوّق الدين بالدنيا بدعوى التفرغ للعمل أو كسب الرزق أو قلة الوقت. الصلاة التي تغشاك مرات في اليوم لا تستغرق منك سوى دقائق معدودات وفيها رخص القصر والجمع فضلا عن رخصة التيمم والتخلف عن الجماعة وجعلت لك الأرض مسجدا وطهورا. ولا تعوّق الدنيا بالدين بدعوى التفرغ للعبادة أو طلب الآخرة أو إيثارها إذ الدنيا بما ركّبت عليه هي قاعة الإمتحان وما يصيبك فيها من خير أو شر هو مادة الإمتحان. فمن أجّل دنياه لأجل دينه فهو طالب لم يلتحق بقاعة الإمتحان. أنّى له بالفوز؟ أليس بالدنيا تكسب عافية وقوة تجعلك تصلي قائما لا قاعدا وفي المسجد لا في البيت وتتصدق لتكون من المحسنين وتصوم فتثاب بأجر خاص وتحج وتعتمر وتساعد العجزة وتجاهد بلسانك وقلمك ويدك فينتصر بك الإسلام ويتأخر المعتدون وتفعل خيرا لا حدود له؟
صلاة الخوف ومقاصد أعظم وأكبر.
1 عندما نصلي جماعة أي على فرقتين أو أكثر بحسب حاجيات الأمن ونحن في حالة خوف (ليس بسبب الحرب فحسب بل بسبب كل خوف) فإن رسالة علينا إلتقاطها هي : أنتم أمة واحدة متكافلة تكافلا روحيا وماديا حتى في أحلك ساعات الخوف فلا سبيل لشق صفكم الواحد. من عادة الناس في الخوف التفرق بحثا عن خلاص فردي.
2 عندما نجمع بين الفريضة الدينية ( الصلاة) وبين الفريضة الدنيوية ( إستجماع شروط النصر) فإن الرسالة هي : خلقت ما أشاء لتكون عبادتهم روحا لا مادة فيها وخلقت ما أشاء لتكون عبادتهم مادة لا روح فيها وكلاهما يعبدني كرها. ولكن تكريما للإنسان وتحريرا بسبب مسؤوليته على الأرض فإني خلقته عابدا طوعا روحا ومادة معا.
3 عندما نأخذ بأسباب الحيطة والحذر أن ينهال علينا العدو ونحن منهمكون في العبادة الكاذبة تكون الرسالة هي : الدين وحده لا يكفي لعمارة الأرض ولا لدحر العدو والدنيا وحدها كذلك لا تكفي لذلك فلا بد منهما معا مجتمعين. الدين يحض على جمع الأسباب وتوفير السنن وحشد الشروط فإن هزمتم لسبب ديني فإن الدين منكم براء.
4 عندما نفعل ذلك والعدو أو الشاهد يرقبنا ولو بالأثير كما يقع اليوم فلعل ذلك يكون أبلغ في قلبه أن تنفذ إليه نطفة الإيمان. للناس عقول مثلك وهم يحدثون أنفسهم في ساعات معينة مثلك ويقلّبون الأمر مثلك فلا تظنّنّ أنهم أحمرة بكفرهم أو بغالا. أنت داعية حتى مع عدوك في ساحة حرب.
(53)
عندما ينتصر الله ليهودي مظلوم ..
قرأت هذا الكتاب مئات المرات فما وجدت فيه شيئا غلّظ في التشديد عليه مثل العدل والقسط. ولا شيئا هو محل نكير وبغض مثل الظلم والعدوان والبغي. تلك هي حصيلتي من هذا الكتاب العظيم. حتى التوحيد الذي هو المطلوب الأول إنما هو مندرج ضمن قيمة العدل إذ المؤمن بربه سبحانه يلتزم العدل بعبادته لأنه لا يليق به أن يعبد غير وليّ نعمته. إرتقت قيمة العدل عنده سبحانه حتى قال (إن الله يأمر بالعدل). و (قل أمر ربي بالقسط). وعندما يأتي الأمر بجملة إسمة مؤكدة ويكون الآمر الله نفسه بإسمه العلم المفرد ويكون الفعل بالأمر لحما ودما أي بالجذر اللغوي نفسه .. عندما يحاط العدل بكل تلك الآليات اللغوية والمعنوية فإنك لا تتردد في القول أن رسالة الإسلام : العدل ولا شيء سوى العدل. بعضنا لا زال يظن أن العدل خطاب سياسي وليس هو قيمة أخلاقية عظمى لا يندّ عنها شيء.
أصل القصة.
وقعت سرقة في عهده عليه السلام سرقة درع ولمّا إشتكى المسروق إليه عليه السلام باشر التحقيقات فكان سيرها العادي يوشك أن يفضي به إلى مجموعة من الناس. فلما رأى هؤلاء أن أمرهم على وشك الإفتضاح دبّروا مكيدة قوامها أن يلقوا بالبضاعة المسروقة في بيت يهودي دون علمه. ففعلوا وأذنوا لأذنابهم أن يتحدثوا بين الناس أن السارق قد يكون اليهودي الفلاني. مما جعل إتجاه التحقيقات يأخذ طريقا آخر حتى وقف على عتبة بيت اليهودي الذي لا يعلم عن المكيدة شيئا. وعندما وجد المسروق في بيته وهمّ بالقبض عليه جاء الوحي يترى مبرئا اليهودي وحصل ذلك في صفحة كاملة من القرآن الكريم (النساء) بل أزيد مبتدئا بقوله (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما) ومنتهيا بقوله (ولولا فضل الله عليك لهمت طائفة منهم أن يضلوك). الإضلال هنا ليس عقديا بل هو إضلال عن السير المستقيم لمجرى التحقيق.
ما هي العبر التي علينا إلتقاطها.
1 كان يمكن للوحي ألاّ يلتقط هذه القصة فلا نعلم بها نحن اليوم. وهل إلتقط الوحي لنا من القصص والأمثال كل ما حدث في التاريخ؟ أبدا. ولكنه إنتخب لنا الأكثر نفعا لنا. بل كان يمكن كما نفعل نحن اليوم أن يغضّ الطرف عن المسألة مادام المظلوم فيها يهوديا وهو نفسه القائل (لتجدنّ أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود). كيف وهو القائل في موضع آخر( ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا إعدلوا هو أقرب للتقوى). وأي علاقة في حياتنا اليوم بين قيمة التقوى وبين قيمة العدل؟ نشأنا على أن التقوى صلاة ومسجد وذكر.أما العدل فهو خطاب سياسي يعد به السياسيون المرشحون لمناصب المسؤولية. أمّا أن يكون العدل أقرب إلى التقوى فهذا فقه مدوّن في الكتاب ولم تحمّل به حياتنا.
2 هؤلاء الذين رموا اليهودي البريء زورا بالسرقة شنّ عليهم حملة ضارية فسمّاهم خائنين. و يختانون أنفسهم. وخونة آثمين. ومن الذين يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله. وأنهم عملة سوء. وظالمين لأنفسهم. وكسبة إثم وخطيئة. وأصحاب بهتان وإثم مبين. ومضلين يضلون رسول الله عليه السلام حتى يأخذ بريئا بجريرة ظالم. وأنهم أهل شقاق ضده عليه السلام. هل تجد مثل ذلك في أي عمل آخر حتى لو كان الشرك أو الكفر؟ أفدت من هذا الكتاب هذه القاعدة الجليلة في الحياة : كن ما شئت (كافرا بأي لون : شرك أو نفاق أو ردّة أو يهودي أو مسيحي أو دهري مادي إلخ..) في هذه الدنيا وتحمّل مسؤوليتك وحدك يوم القيامة. ظالم عندي موعود بالعذاب الأليم من يكرهك على أي دين حتى لو كان الدين الذي إرتضيته لك ولغيرك. وأشدّ ظلما منه من يؤذيك بعشر معشار كلمة أو إشارة بسبب دينك مهما كان دينك. كن ما شئت فأنت حرّ بشرط أن تتحمّل مسؤوليتك يوم تلقاني. ولكن لو ظلمت أحدا أو إعتديت على أحد في نفسه أو ماله أو عرضه بغير وجه حق فإن لك عقوبتين واحدة معجّلة في الدنيا وأخرى مؤجّلة إلى الآخرة.
لم كان مخ الإسلام هو العدل؟
1 من يرتوي بقيمة العدل لا بدّ أن يؤمن بالله سبحانه إذ العدل يهدي إلى الإيمان. عندما يفكّر الإنسان بعدل فإنه لن يلفى ربّا ولا إلها ولا حاكما ولا معبودا غيره سبحانه. فالعدل في الإيمان والعقيدة هو أن تفكّر بملء عقلك مستقلا حرّا لتجد أن الذي خلقك فسوّاك فعدلك وحباك وغذاك هو الأجدر بالعبادة والأحرى بالتقوى.
2 العدل قيمة جبلّية في الإنسان مغروزة فيه فهو ينشد العدل لنفسه بالفطرة وعندما يشتهر العدل في المسلمين وينتشر خبره فإن غير المسلمين سيفرّون إلى حيث العدل والقسط والحرية والكرامة والإنصاف والمساواة. حدث هذا في التاريخ إذ أسلم يهودي في عهد عليّ عليه الرضوان بسبب ما رأى من قاضيه الذي أنصف اليهودي ضدّ عليّ نفسه وهو رئيس البلاد إذ أن القاضي لم يجد أي دليل على ملكية عليّ للبضاعة محلّ الخلاف وهي في يد اليهودي.
3 العدل هو حمّال العمران وضامن الخير ورغد العيش والأمان بين الناس الذين ينتشرون في الأرض تعميرا بالخير كلما إنتشر العدل والأمان والسلام فيتعارفون ويتعاونون ويتكافلون فإذا إنقبض العدل خاف الناس على أنفسهم وأموالهم وأهليهم وبذا تنقبض الحركة في الأرض وينقبض معها الخير ويبدأ الظلم في الإنتشار وتتحول الأرض إلى غابة للذئاب المفترسة. وعندها لن يكون هناك حديث على دين بل على نفاق.
(54)
الحكم بما أنزل الله أو الحكم بغير ما أنزل الله...
عندما يضيق بضجيجنا الأفق الرحب تضيع الحقائق ويتطاول التعالم. الحكم بما أنزل الله قضية إختلط فيها حق بباطل. لنحرر فيها خلاصات بقدر ما تسمح به هذه المساحة الضيقة.
1 قيام أمة الإسلام ببناء مؤسسات سياسية وقضائية وعلمية وإدارية ومالية للحكم بين الناس بالعدل فريضة جرى بها التاريخ تنفيذا للوحي وحفظا لمصالح الناس وهي من الشأن العام الذي لم يحط بالتفاصيل بل بكليات وقيم ومقاصد فلا تجمد حياة الناس على صور نمطية ولا يندّ عنهم بالإجتهاد عصر حتى ينحتون له ما يناسبه في ضوء تلك الكليات.
2 الحكم بما أنزل الله ليس مقصورا على حقل في الحياة دون آخر ولكن معيارين يجعلان منه أو من ضده جريمة قاسية أو رأسمال الحياة. معيار معنوي ومعيار عام. بالمعيار المعنوي يكون الحكم بما أنزل الله فريضة لا رخصة فيها في حقول ثلاثة (الإيمان والعبادة وحقوق الناس). فمن لم يحكم بما أنزل الله فيها فهو الفاسق أو الظالم أو الكافر. وهو المعيار الذي يشمل كل مسلم لا فرق فيه بين حاكم ومحكوم. وبالمعيار العام يكون الحكم بما أنزل الله فريضة لا رخصة فيها في حقلين (السياسي والقضائي). وهو المعيار الذي يعرّض الحكام إلى الكفر والظلم والفسق أكثر من غيرهم ولكن غيرهم ليس معدودا ضمن المتفرجين أو السائحين بل هو مسؤول إبتداء وإنتهاء. علة هذا المعيار هو أن الحقلين (السياسي والقضائي) يمتدان بأثرهما بعيدا جدا في الزمان وفي المكان وفي الإنسان فإما عدل أو غلبة عدل يكرم الإنسان ويحرره أو قهر أوغلبة قهر يسترقه.
3 كل مسلم هو مسؤول إبتداء أن يستظل الحكم بغير ما أنزل الله بسمائنا وذلك عندما يتأخر عن أداء شهادته السياسية في موعد إنتخابي وبأي دعوى كان تأخره أو يشهد شهادة زور وهو يعلم. وهو مسؤول إنتهاء عندما يتأخر عن الإصلاح منفردا أو في قافلة أو ينتقي الإصلاح الذي لا شوكة فيه من مثل مقاومة التعري والقهر السياسي يطحن الناس. قال الدكتور الريسوني (من تدين ولم يتسيّس فقد ترهبن ومن تسيّس ولم يتدين فقد تعلمن ومن تدين وتسيّس فقد تمكن). المسلم الذي يتأخر عن الشهادة السياسية أو يؤديها بالزور حكم بغير ما أنزل الله قطعا. فإذا تأخر عن قافلة الإصلاح السياسي عندما تشكو نقصا أو تحتاج مثله فقد حكم بغير ما أنزل الله كذلك قطعا. ولا حديث عمّن يبيع آخرته بدنيا غيره فيفتري على الله الكذب بقوله أن الخروج أي الثورة ضد الحاكم الفلاني معصية أو أشد من ذلك. شر هذا في الحكم بغير ما أنزل الله أشد من ذلك الحاكم نفسه.
4 كل حاكم هو مسؤول كذلك إبتداء وإنتهاء عن الحكم بغير ما أنزل الله. فإن غلب على الناس بشوكة السلاح لا ببيعة الرضى فقد حكم بغير ما أنزل الله إلا أن يكفّر عن ذلك بتحري العدل والحق وأسباب القسط ما إستطاع فإن لم ترض به الأمة رغم ذلك فحقّه التنحّي وإلا رسّخ نفسه في جريمة الحكم بغير ما أنزل الله. هذا الخليفة الراشد الخامس عليه الرضوان توسل السلطة وراثة والوراثة هي أشد أنواع الحكم بغير ما أنزل الله ولكنه بعدله وقسطه جبر عن نفسه ذاك سيما أنه لم يبتدع شيئا من عنده بل كان عمله كعمل يوسف عليه السلام (إجعلني على خزائن الأرض).
5 شروط ثلاثة للخروج من مرحلة الحكم بغير ما أنزل الله إلى مرحلة الحكم بما أنزل الله. فقه تلك الشروط والتكافل عليها أجدى لنا من النعيق بتطبيق الشريعة التي أريد لنا أن نقصرها على جانبها الجزائي فحسب وأن ينفذها فينا فئة معلومة فحسب. الشرط الأول عنوانه الإخلاص وعلامتاه الصبر والحلم. الشرط الثاني عنوانه المشاركة في قوافل الإصلاح السياسي فإن تعذر فيها وعاء واحد وهو متعذر فطرة وواقعا وتاريخا فالحد الأدنى هو الإئتلاف في الأهداف العليا والوسائل الكبرى. الشرط الثالث عنوانه رسوخ العلم بفقه السياسة الشرعية وعلامات ذلك الفقه ثلاث : إعتبار أن مرجع مشاكلنا كلها هو غياب الحرية والكرامة والعدالة ووحدة الصف المرصوص والمتنوع فإن تكافلت قوافل الإصلاح على هذا المرجع المفتاح فهي تتقدم على الطريق الصحيح وإن إختارت ما هو أسلم لها فلن تظفر الأمة منها بشيء كبير. العلامة الثانية هي : سلوك التدرج ذلك الطريق الطويل الذي لا يكابده إلا مخلص نهل من معين الصبر أو كرع من غدران الحلم. العلامة الثالثة هي : إلتزم المنهاج الإسلامي في الإصلاح أي البصيرة علما ومعرفة والحكمة عرفا وحالا والبلاغ المبين بلين ورفق وتواضع.
6 تجري على الإنسان والأمة ضرورات عدّ لها الشرع عدّتها. فمن حكم بغير ما أنزل الله في أي حقل وبأي معيار مما أنف ذكره وسواء كان المعني حاكما أو محكوما وهو مكره ألجأته الضرورة وقلبه مطمئن بالإيمان فعليه تقدير الموقف وتقدير الضرورة وبناء ميزان المصالح والمفاسد توافقا مع أهل الذكر.الوضع مقيس إما على حال يوسف عليه السلام أي وزير مالية يخطط لمواجهة عقد ونصف من الزمان ولا يعنيه ما يدور في القصر الملكي. وإما على حال ذي القرنين أي يقدم توفير الأمن للناس وإما على حال صاحب موسى (الخضر) أي تحمل الضر الأدنى للفرار من الأقصى حدبا على الأيتام أو على حال موسى نفسه عليه السلام إذ خطط لإخراج بني إسرائيل تحريرا لهم من فرعون أوّلا وليس دعوتهم. أو على بلقيس في معركة ذكاء وحيلة ودهاء بينها وبين سليمان عليه السلام مخالفة أمر جيشها من بعد يأسها من تمشيها الشوروي معهم. هي أقيسة قرآنية في قصص قرآنية عرضت علينا للإتساء لا للتسلّي.
خلاصة : الحكم بغير ما أنزل الله واقع فينا ومنذ قرون عريقة بتفاوت حقلا ومكانا وزمانا وحجما وأثرا في مصالح الناس. عندما يتوقف الوعي به على النعيق والضجيج أو يفضي إلى توزيع صكوك التكفير والتفسيق بسخاء فذاك عين الحكم بغير ما أنزل الله. ذاك وضع كلنا مسؤولون عنه بتفاوت إذ لو حفظنا السفينة التي تقلّنا جميعا لنجونا جميعا. الحكم بما أنزل الله الآن هو : المشاركة في الإصلاح بهدوء وحلم وصبر وبصيرة وعلم وخبرة.

(55)
بين التوبة مما فات و تحريم الحلال مسافة رشد.
تحريم الحلال عدوان لقوله (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا). تكرر هذا فقال العلماء : إثم تحريم الحلال كإثم تحليل الحرام إذ يشتركان في الإفتئات ضد من يملك التشريع سبحانه. وظيفة الحرام هي حماية الإنسان ليؤدي مهمته التي لأجلها خلق.و وظيفة الحلال هي الإذن له بالإنطلاق كدحا على الدرب دون معيقات. فلسفة الحلال والحرام في الإسلام هي فلسفة قانون الطرقات العالمي نفسه ولله المثل الأعلى.
مثال على تحريم الحلال.
إتصل بي صديق قائلا أنه قدّم خدمة مهنية لزبون ومن بعد قبض أجره تبيّن له أن الزبون تاجر في المنهيات الشرعية وأن ماله كله أو جزء كبيرا منه من مصدر محرّم دينا. أخبرته أن المعاملة المالية في الإسلام ترتكز على قواعد راسخة قواعد مفهومة لأننا هنا في مساحة الدنيا وليس مساحة الدين منها أن الحرام لا يتعلّق بذمّتين. معنى ذلك أنك مسؤول في مالك حال الكسب على طريقة الكسب وليس على مصدر المال قبل وصوله إليك. فإذا كان عملك في حقل مباح وكان كسبك المال فيه بطريق مباح فلا تسأل عن مصدر ذلك المال قبل وصوله إليك ولا حرج عليك لو علمت من قبل ذلك أنه مال حرام في أصله أي أن شريك المعاملة فيه خمّار مثلا أو مراب أو غير ذلك. وهنا دليلان : أولهما أنه هو نفسه عليه السلام ومعه صحابته كانوا يتعاملون مع اليهود في المدينة ويأكلون منهم والمعلوم أن غالبهم يومئذ مرابون وكسبوا أموالهم بطرق فيها كثير من الحرام (أكل لحم النعجة المسمومة من يهودية في خيبر غنائم الطائف وكانت تملأ الوهاد والنجاد إلخ..). إذ لم يكونوا يسألون عن مصدر المال. وهل يسأل مغلوب في حرب عن مصدر ماله فإن كان مباحا أخذ وإن كان حراما أعيد إليه؟ وثاني الدليلين وهو دليل مقاصدي والمقصد دليل كما قال الشاطبي وإبن عاشور هو أنه لو وقع تحريم أخذ المال الذي مصدره حرام لتوقفت الحياة فوق الأرض بالكلية إذ أنه اليوم لا وجود لدولة تنتج ما تحتاجه من أرضها فلا تستورد شيئا. والدولة نفسها تنتج أموالا محرمة متأتية من الربا والزنى والمال المسروق الذي تقبض عليه ثم تبيعه في مزادات علنية فضلا عن أرباح الخمر والقمار والميسر إلخ.. ولم تأت الشريعة لتعطيل الحياة وهي تعلم أنها ملآى بالحرام ولكن إقتصرت على تحريم المال كسبا على المؤمن بطرق يجترحها هو من مثل الغش والظلم والزور والإرتشاء إلخ.. إذ لو سأل كل واحد منا مؤجره أو شريك معاملته عن مصدر ماله ما ظفر بشيء لأنه هو نفسه يجهل ذلك في حالات كثيرة. حاول أن تحيا يوما واحدا لا ترتفق بشيء يأتيك من غيرك ثم قل الحمد لله أن الشريعة لم أضعها أنا ولا غيري بل تنزيل من حكيم حميد.
التوبة من ماض فات.
وأما التوبة من ماض فات فلنا فيه قوله (ليس على الذين آمنوا جناح فيما طعموا إذا ما إتقوا وآمنوا وعملوا الصحالت ثم إتقوا وآمنوا ثم إتقوا وأحسنوا). مناسبة نزولها وهو شبيه بما يدور بيننا اليوم هو أن أهل الكتاب والمنافقين بثّوا كلاما في المدينة لما حرمت الخمر بالكلية في آخر محطة لها قوامه أن المسلمين في بطونهم الخمر التي كانوا يشربونها قبل التحريم فأنّى لهم بتوبة؟ وجد هذا الكلام له مستظلاّ فتحرّج الناس ونزل الوحي يضع الموازين القسط. الأمر نفسه يسأل عنه المرء اليوم : فلان الذي كان مرابيا أو خمّارا أو ورث مالا حراما أو تاجرا في مال حرام .. يريد الحج أو الإعتمار أو التصدق وفعل الخير. وتسمع عجائب وغرائب من حماقة بعض المتصدين للإفتاء من الذين يطلبون منه الخروج من ماله كله إذ لا يقبل منه شيء أبدا مادام ماضيه كان كذلك. هل طلب عليه السلام من أصحابه الذين أسلموا شيئا من ذلك ومنهم أغنياء؟ أم أنهم كانوا في الجاهلية بدعا من الناس لا يتسلل المال الحرام إليهم؟ هؤلاء الذين تحرجوا هنا هل طلب منهم الخروج من مالهم أم طلب منهم الكف عن الحرام فحسب؟ عجب عجاب يدور في العقول التي يوهمك ظاهرها أنها تقية لكثرة الأسئلة الفارغة ثم تكتشف أنه التصنع والتكلف والكذب والتضييق على الناس فحسب وليس على النفس. فمن كان ماله كله حراما قبل توبته بل قل قبل إسلامه أصلا فما عليه سوى إخلاص التوبة والإكثار من التصدق وفعل الخير ومباشرة حياته بعفو ويسر وتوازن ولينعم بماله الذي إكتسبه من مصدر حرام قبل توبته فهو رزق ساقه الله إليه ليبتليه فيه إلا إذا كان يعلم أن جزء من ماله ذاك هو ملك لمالك آخر فما عليه حينئذ سوى إرجاعه إليه إذا كان يعلمه أو إلى أوليائه وورثته ولكن في كل الحالات فإن التصدق الكثير يغفر ذلك ويجبره برحمته سبحانه. الذين يقبلون علينا في ألمانيا مثلا يريدون الإسلام هل نقول لهم أخرجوا من أموالكم كلها؟ وهي أموال فيه الحرام وفيها الحلال طبعا. أم هل نفتح مكتبا لإعادة تصنيف تلك الأموال؟ أي نعيد فضيحة صكوك الغفران المسيحية. صاحب الشريعة يقول لنا : توبوا ولا تقنطوا وأطووا الماضي بما فيه. بل يقول إن سيئاتكم أبدّلها حسنات. ونحن نفتئت عليه في ليّ عجيب؟ أليس ذلك هو الذي أغضبه على بني إسرائيل؟ أليس يغضبه أن يدعوك إلى التوبة وهو يعلم ماضيك وأنت تتردد بألف سؤال إسرائيلي؟
فما العلاقة بين توبة من الماضي وبين تحريم الحلال؟
الناظم بينهما أي بين من يتحيّل لتعويق هذا وذاك هو عقل لم يفقه الدين حق الفقه ولم يعرف ربه سبحانه بل هي نفس إسرائيلية الهوى تستكثر عليه سبحانه أن يكون غفورا صفوحا حليما إلى هذه الدرجة أو تستكثر على الإنسان المكرم أن يفوز برحمته من بعد عقود طويلات من الحرام. هي نفس إسرائيلية لا تحب الخير للناس وتعترض على رب الناس أن يكون كذلك. وذلك هو بعض من معنى قوله عليه السلام ( فأبواه يهودانه) أي تجعل منه البيئة الفاسدة التي نشأ فيها عقلا يهوديا ماديا خالصا يقيس الله بالمصارف المالية التي لا تقرض أحدا في سبيل الله إلا بفوائض مالية تطحنه طحنا.
(56)
الدين كلمات ثلاث فحسب : شهوة مبسوطة وإبتلاء وإيمان بالغيب.
ظهر لي ذلك في قوله ( يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب). آية لخصت لي قضية الإيمان والإسلام وقصة الدنيا.
شهوات مبسوطة تنالها الأيدي والرماح.
كان ولع العرب بالصيد معروفا ولم يكن ذلك سلالة آدمية فحسب إذ كان الإنسان الأول يعتمد في عيشه على الصيد بل كان ذلك ولا يزال شهوة كأي شهوة. أعرف من لا يحجزه شيء عن الصيد رغم كبر سنه ويقتني لذلك أفخم السيارات وأقواها. آية آل عمران جمعت الشهوات كلها في أصل واحد (النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث). سبعة أصول للشهوة. أولها شهوة النساء التي قال فيها عليه السلام في حديث صحيح (ما تركت في أمتي من بعدي فتنة أشد عليهم من فتنة النساء). بعض المتدينين يظنون أن ذلك رجس وما ينبغي للإنسان أن يكون كذلك.لا. ذلك ضرب من التفكير السقيم يفضي إما إلى التبتل المحرم في الدين أو إلى الصمود لسنوات طويلات ثم تندلق أقتاب الشهوة العارمة وتستطلق بطنها فلا رادّ لها حتى لو حيزت له حسناوات الأرض كلها في أبهى زينة وأبهى حلّة. التفكير الذي يسيء توظيف الغريزة هو تفكير مضرّ. أنت طالب وتجتاز إمتحانا والأستاذ وحده هو من يختار مادة الإمتحان وسؤاله فإمّا أن تستعدّ وإمّا أن تغادر الدرس غير مأسوف عليك. ولله المثل الأعلى سبحانه. المرأة في الدنيا هي شيء من الصيد الذي تناله أيدينا ورماحنا. ومثلها البنون هل تكون من نطفة حلال أو حرام أو تبنّيا محرّما. ومثل ذلك الأموال العينيّة قناطير مقنطرة لا يشبع منها الإنسان و(لا يملأ جوف إبن آدم إلاّ التراب ويتوب الله على من تاب) كما قال عليه السلام.أليس الناس اليوم يذبح بعضهم بعضا لأجل المال؟ تأمّل معي هذا (والذي نفسي بيده ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم). صدق عليه السلام. الفقر مشكلة دون ريب ولكنّ التكاثر من الدنيا والتنافس فيها بغرور وكبر وحسد وتظالم وقهر مشكلة مضاعفة. ألا ترى أن الذين يموتون اليوم في معركة التكاثر البهيمي أضعاف الذين يموتون فقرا؟ هؤلاء يقتل بعضهم بعضا في كل يوم ولكن الفقر لا يقتل كل يوم. كل ذلك يجب أن يكون بالتوازن والإعتدال مع قوله عليه السلام( نعم المال الصالح للعبد الصالح). خذ إليك القصّتين معا حتى تكون وسطيّا : قصّة قارون الذي أهلكته الدنيا عندما تكاثر فيها وبها ونافس منافسة الكبر والغرور والقهر. وقصّة سليمان عليه السلام الذي جاءته راغمة فسخّرها لخدمة الناس. ومثلها شهوة المركوب خيلا مسوّمة وسيّارات فارهة ورياش الدنيا بأسره. كلها شهوات مبسوطة لنا بسطا لتنالها أيدينا بيسر ورماحنا لمن شاء فلا يحجزك عن الحرام حاجز إذا إشرأبّت نفسك للحرام. ولكن المباح من ذلك لا ضير فيه بل هو مطلوب إذ (المال والبنون زينة الحياة الدنيا).
الحياة إمتحان.
إذا كانت الشهوات مبسوطة لنا بسطا فإنما لعلّة الإبتلاء وقصد الإمتحان إذ (حفّت النار بالشهوات وحفّت الجنة بالمكاره) كما قال عليه السلام. شهوات مقدور عليها بيسر عجيب حتى يكون الإمتحان حقيقيا والقوي من يملك نفسه عند الغضب وعند الشهوة معا والعادة أن من يملك نفسه هنا يملكها هناك. والعبرة بالأغلب إذ لا ينجو من الغضب ومن الشهوة ناج. والعبرة العظمى عند إقتراف الغضب أو الشهوة هي تحصين الإنسان أن يوطأ منك. إمتحان الدنيا قصير وطويل في الآن نفسه إذ هي معايير نسبيّة. إمتحان تستعين عليه بالله سبحانه وبالجماعة إذ (يأكل الذئب من الغنم القاصية) وبالعبادة وبالدربة على الصبر والحلم وذلك يقتضي مخالطة الناس حتى مع ظنّية الخطأ إذ (من يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم). فمن نأى بنفسه عطّل سنّة الله فيه أي قانون الإمتحان. كأنه قال لربه : لا حاجة لي بإمتحانك. لسان حاله ذاك قوله. الصلاة مصنع للصبر وهي مضاد حيوي فتّاك وخطير ضد الشهوة المحرّمة. اليوم تكاد ترى المصلّي أكثر إقترافا للشهوة المحرّمة من غيره بسبب أنه ينطبق عليه قوله عليه السلام للرّجل (صلّ فإنك لم تصلّ). هو يقصد سرعته وسرعة الصلاة مظنّة حركة رياضية فحسب بل هي كذلك. الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. تلك وظيفتها ولكنّا خالفنا قول الطبيب إلينا في تناول الدواء. وممّا يجعل الإمتحان يسيرا أمور منها : تجديد التوبة وليس إستغفارا باللسان فحسب بل وجل قلب وقشعريرة جلد و تجنّب الكبائر على الأقل وما عداها مغفور بحوله سبحانه وإختيار الخاتمة الحسنة أي الثبات حتى النهاية وسؤال الخاتمة الحسنة سيما أن تموت صدّيقا أو شهيدا. والعبرة بطرد اليأس منه سبحانه مهما كان الإسراف منك فضوحا لأنه وعد بأنه (عند ظن عبدي بي).عامل نفسك في إمتحان الدنيا كما تعامل نفسك في إمتحان شهادة علميّة مثلا. ألست تستجمع أسباب النجاح؟ إفعل الأمر نفسه لإمتحانك مع ربك.
الإيمان بالغيب مخّ الأمر كله.
قولنا أن الله غيب فيه غضاضة. الله ليس غيبا. ليس بالمعنى الصوفي المنحرف. لا. هو بمعنى قول الصحابي لمّا سأله عليه السلام كيف أصبح؟ فقال : مؤمنا. قال له وما الدليل؟ فقال (أصبحت كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا). هو غيب في ذاته سبحانه ولكن في عظمته وقدرته ونعمته ليس غيبا بل مشهود. جرّب ذلك مع ولدك فإن كان يطيعك في غيبتك إلا في حالات شهوة قليلة وشديدة فهو فعلا يؤمن بك مربيا وقدوة أو هو يخافك ويحبك معا. وإلاّ كان عاقّا فهو لا يطيعك إلا ما دمت عليه قائما. لله تعالى المثل الأعلى.
تلك هي قصة الدنيا بحذافيرها.
شهوات مبسوطة في متناولك حتى وأنت في خدر بيتك ينقلها لك الأثير الساحر. وهي موضوعة لك أنت بالإسم والعين لتكون في أمّ الإمتحان ويمّ الإبتلاء إذ لا يمتحن سوى المسؤول أما البهيمة فلا تمتحن. والمبتلي يراك ولا تراه ليكون إقترافك الشهوة المحرّمة في مأمن ويزين لك الشيطان أنه بعيد وناء وأن الموت مثله بعيد وناء. تلك خلاصة الحياة : ساحة تنطق بالإمتحان وتتنفس إبتلاء. فهل تفلح أم تخسر؟ أرجو لك ولي فلاحا.
(57)
لأيّ علّة أحلّ صيد البحر للمحرم وحرّم صيد البرّ؟
التمييز بين منطقتين في الشريعة لازم : منطقة مغلقة لأنها تعبدية خاصة وأحكامها لا تخضع للتعليل سيما في تفاصيلها لا في كلياتها.هي منطقة الإتباع الحرّ فلا هو تقليد أعمى ولا غرور عقلي. ومنطقة مفتوحة لأنها معاملاتية عامة وأحكامها تخضع للتعليل تفصيلا وإجمالا وهي منطقة الإجتهاد والتجديد. قال تعالى (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيّارة وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرما). لم أحلّ هذا وحرّم ذاك و كلاهما صيد؟
صيد البحر عادة ما يكون لحاجة بخلاف صيد البر.
المنطقة المحرّمة في مكة والمدينة كلاهما تبعد عن البحر عشرات الأميال ولا يعدّ المرء محرما فتسري عليه ممنوعات الإحرام إلا في المنطقة المحرّمة وجوبا أما خارجها فللتّجوّز فحسب. يستعدّ المرء قبل الإحرام المكاني بإحرام ولكن المؤاخذ عليه هو عندما يكون محرما في منطقة محرّمة حتى لو لم يكن الزمان محرّما كمن يعتمر في صفر مثلا. في العادة لا يضطرّ لصيد البحر محرم لأن البحر بعيد عن المنطقة المحرّمة فإذا كان المرء هناك محرما إحرام إستعداد كأن يكون في باخرة فلا حرج عليه أن يصطاد صيد البحر لأنه عادة لا يفعل ذلك سوى لأكله أو لما يدّخره. في حين أن صيد البرّ متاح في المنطقة المحرّمة نفسها سيما في الأعصار المنصرمة كما أنه عادة ما يكون للتسلية والترفيه. فمن يصطاد هناك يفسد إحرامه لأنه خلط العبادة باللهو فيطرد الخشوع من فؤاده أو يتخلّف عن شعائر عبادته. المحرم كالمصلي يحرص على الخشوع قدر الإمكان ولذلك حرّمت عليه الأمور التي تدعو إلى الدنيا وزينتها. لذلك أبيح صيد البحر وحرم صيد البر.
ولكن ما قصة الطعام؟
(أحل لكم صيد البحر وطعامه). الطعام هنا معناه أن الأمرين مباحان : الصيد نفسه وأكل طعام الصيد. وهو الأمر المختلف فيه في صيد البرّ إذ صحّ أنه عليه السلام أكل من صيد البرّ وهو محرم وصحّ أنه لم يأكل منه وهو محرم. فنشأ الخلاف : هل أن المحرّم هو الصيد صيد البرّ نفسه أو أن المحرّم طعامه كذلك إذا أهدي أو بيع أو عثر عليه دون صيد. والأرجح دليلا تعليليا أن المحرّم هو صيده لما يحدثه من شغل للقلب أما طعامه فهو ككل طعام. بقي ذلك محلّ ظنّ في صيد البرّ لذا وجب الإجتهاد فيه ولكنّه في صيد البحر منصوص على حلّيته. وهناك ملمح آخر يقضي بتأكيد لحم البحر كله (هو الطّهور ماؤه الحلّ ميتته) بخلاف لحم البرّ. ولذلك ذكر السيّارة هنا لأنّ السيّارة قد لا تكون محرمة أو ذاهبة إلى الإحرام فكانت المناسبة للإعلان عن حلّية طعام البحر كله.
شعائر لا بد من رعاية حرمتها.
الدين شعائر تشعر الناس أن هناك دين يتعبّد به. ليس هم هملا كأنهم قطعان أنعام ترعى وتنام. ما من دين إلا وفيه شعائر. الصّليب شعيرة على المسيحية. طاقية اليهود شعيرة على اليهودية. ليظل حضور الدين في النفوس قويّا وتنشأ عليه ناشئات الذرّية فلا يوطأ بشاغبات وافدة. حتى إن الهدي الذي يقدم للكعبة قرابين ينتفع به المحتاجون لا بدّ من إشعاره أي تقليده بشيء يعرف به فلا يتخذ لأيّ وسيلة أخرى وهو ما فعله عليه السلام في الحديبية لإشعار قريش أنه جاء معتمرا. وما إنتهكت بيضة الأمّة وديست أرضها ومقدساتها إلاّ عندما فرّطت في شعائرها بدعوى أنها قديمة لم تعد تناسب العصر الحديث. في ألمانيا ألفينا في بعض أريافها سنة 1994 نساء مختمرات كأنهن مسلمات وما هنّ بمسلمات بل هنّ مسيحيّات ملتزمات ولما سئلن قلن أنهنّ يلتزمن بالتعاليم المسيحيّة ولذلك يرتدين الخمار. هناك دمّرت دبّابة الحداثة المزعومة كلّ شيء تقريبا وهي التي حطّمت فينا حواجز كانت تحفظ لنا جزء من إعتبارنا المعنوي إذ لن ينتصر عليك عدوك حتى يحطّم جدارك المعنوي.
لكل معصية كفارة إسمها : المسكين والفقير.
لا تجد معصيّة واحدة عليها في الدنيا كفارة إلاّ وكانت تلك الكفارة في جزء منها إطعام المسكين أو كسوته أو تحريره من الرّق. كفارة اليمين المنعقدة هي كذلك (إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون به أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة). وكفارة القتل الخطأ (فتحرير رقبة مؤمنة). وكفارة قتل الصيد في الحرم (هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين). وكفارة الظهار (فتحرير رقبة) أو (فإطعام ستين مسكينا). وكفارة الوطء في يوم رمضان للصائم (تحرير رقبة أو إطعام ستين مسكينا) إلخ.. يعني أن الإنسان خطّاء بالضرورة (كل إبن آدم خطّاء وخير الخطّائين التّوابون). وبما أنه سيخطئ قطعا عدا المعصومين من الأنبياء فإنها فرصة للحضّ على المساكين والفقراء والأرقاء بماله تحريرا لهم من سجن العبودية لغيره سبحانه أو من سجن الفقر وكلاهما سجن شنيع لا يليق بالكرامة والحرية. ألا تجد أنّ ذلك عجيبا؟ حتى من بخل بماله في سبيلي تحريرا للمحتاجين فإني أضطرّه إلى ذلك بسبب خطإ إقترفه هو بنفسه. لم يدهشني شيئ في هذا الكتاب أكثر من حدبه على المحتاجين والمساكين والأيتام والأرقاء. إنه كتاب التحرير وكفى.
أما نهي السنة عن مثل ذلك من صيد وغيره في المنطقة المحرّمة حتى لغير المحرم فهو من باب التعظيم للحرمات ونشر الأمن وبثّ السلام هناك حتى للدوابّ والأطيار ولا يعني ذلك في القديم أما الآن فقد تغيّرت الأمور حرمان الناس من طعام الصيد ما لم يكونوا حرما إذ يصطاد غير المحرم هناك ليأكل لحم صيده في إحرامه. ذلك يتلاءم مع دين أباح التجارة للحاجّ والمعتمر قبل إحرامه أو بعده (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم). وفضل الصيد خارج الإحرام حتى في المنطقة المحرمة أولى بتلك الإباحة.
(58)
فينا أزمة تديّن عنوانها : الإنشغال بالأسئلة الفارغة أو المسكوت عنها.
الدين هو الوضع الإلهي المنزل على رسله عليهم السلام لضبط الحياة البشرية. أما التديّن فهو النشاط الذي يزاوله الناس إستجابة لذلك الوضع الإلهي. الدين هو القرآن الكريم وما صحّ من السنة فحسب. أمّا التدين فهو يختلف من إنسان لآخر قربا من الدين وبعدا عنه. أزمة التدين لها عنوانان كبيران : الإنقطاع عن الأصل كليّا أو جزئيّا أي القرآن وما ثبت من السنة فهما أو تنزيلا بسبب هوى أو غير ذلك. والإنقطاع عن العصر كليّا أو جزئيا بما يجعله بمنأى عن الإنصلاح بالدين لأيّ سبب كان. الدين هو المثال والتدين هو تحمّل ما أمكن من ذلك المثال وفق سلّم أولويات معلوم ولا يكون ذلك صحيحا مفيدا حتى يقوم التدين بإصلاح الواقع قدر الإمكان وبالتدريج. أجلى من يمثل أزمة الإنقطاع عن الأصل هي العالمانية وأجلى من يمثل أزمة الإنقطاع عن العصر هي السلفية في أغلب مخرجاتها.
من مظاهر أزمة التدين التي أشار إليها القرآن الكريم نفسه.
1 الإنشغال بالأسئلة الفارغة. (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها). هذا فسّره عليه السلام في حديث للدارقطني قال فيه (إن الله فرض فرائض فلا تضيّعوها وحدّ حدودا فلا تعتدوها وحرّم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها). كما فسّرها بحديث آخر قال فيه (إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما إستطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا فإنّما أهلك من كان قبلكم كثرة أسئلتهم وإختلافهم على أنبيائهم). ومنه كذلك أنه قال يوما للصحابة إن الله فرض عليكم الحج. فقال رجل: أكلّ عام؟ فأعرض عنه. وظلّ السائل يكرّر سؤاله ثلاث مرات وهو يعرض عنه وفي الرابعة نهره بشدة وغضب قائلا (لو قلت نعم لوجبت ولما إستطعتم ذلك). ذلك هو إتجاه الإسلام وذلك ما يرضاه سبحانه من عباده : تنصيص واضح ودقيق عما هو مطلوب منهم فلا يبقى فيه غموض سواء كان طلب فعل أو ترك ومنه الحدود وربما نعود لها في مناسبة أخرى. وما عدا ذلك فهو مسكوت عنه لا يسأل عنه سوى الفارغ الذي لم يفقه من هذا الدين شيئا. والمسكوت عنه مباح إذ لو لم يكن مباحا لما تأخّر البيان عنه وقت الحاجة كما قال الأصوليون.
2 الإنشغال بالأسئلة الفارغة كان شأنا إسرائيليا في العادة وكانوا يفعلون ذلك تفصّيا من تكاليف الدين أو لبعث رسالة قوامها أن الدين أشعث أغبر لا تفهم منه رأسا من عقب ولا يخضع لنظام مقنع. ولذلك إختار سبحانه أن يسمّي أوّل سورة وأعظمهن إطلاقا بإسم البقرة أي بإسم القصة التي فيها عن الأسئلة الفارغة لبني إسرائيل تفصّيا من ذبح البقرة أو تفصّيا من إفتضاح أمر القاتل. لذلك قال (قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين). وللمشركين كذلك أسئلتهم الفارغة لذلك قال (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام). وهي أنواع من الإبل كان لهم فيها شأن جاهلي قبل الإسلام تحليلا وتحريما.
ما هي الأسئلة الفارغة ولم نهينا عنها؟
أ السؤال الفارغ هو السؤال في حقل مسكوت عنه من الشارع الحكيم أي المباحات وهي أكثر الحياة وأكثر الشريعة بل إن الشريعة لم تحص المباحات لأنها لا تحصى سوى أنها دعت إلى تقييد كلّ مباح عندما يوشك أن يفضي إلى إسراف أو تبذير أو سوء إستخدام وقد يتطور إلى أن يصبح حراما. الشريعة كما جاء في حديث الدارقطني حرصت على بيان الواجبات الفردية والجماعية في الدين وفي الدنيا وعلى بيان المحرمات وقسمتها إلى كبائر وموبقات ومهلكات وما لا يغفر وما يغفر وإلى سيئات ولمم وعلى بيان الحدود. وما عدا تلك الحقول الثلاثة فهو مسكوت عنه أي مباح لم يشإ سبحانه أن يرتب فيه تشريعا سوى تقييده وذلك حتى تنزع الحواجز من طريق الإنسان المكلف بالعبادة والعمارة وإقامة العدل.
ب السؤال الفارغ هو الإلحاح من لدن السائل على مسائل مبيّنة بوضوح وجلاء في حقول إهتم بها الشارع الحكيم من الحقول الثلاثة آنفة الذكر. لذلك قال عليه السلام (صلّوا كما رأيتموني أصلّي) و(خذوا مناسككم عنّي). فلم يسأل إلاّ قليلا عن مسائل العبادة ولمّا سئل عن ذلك في الحجّ كان أكثر كلامه (إفعل ولا حرج).
ج السؤال الفارغ هو السؤال في محلّ غيب لم يبيّن لنا ولذلك جاء الحديث يعلّم الناس أن السؤال عن الساعة سؤال فارغ (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل). فما بالك عن الأسئلة الفارغة المنتشرة فينا عن أماراتها وأكثر ما يرد فيها من " المشايخ" ليس ظنيا فحسب بل موهوم. علاقتنا بالغيب تمرّ عبر نافذة وحيدة إسمها الوحي. وليس كلّ وحي. بل الثابت منه فحسب. وليس كل ثابت منه بل قطعي الدلالة فحسب وهذا نادر جدا ليس لقصور في التشريع ولكن لأجل صرفنا عن الأسئلة الفارغة التي لا تهمّنا ولا هي ذات دور في رسالتنا.
نهينا عن الأسئلة الفارغة لأجل التفرغ لوظيفتنا بالكامل في الحقول الثلاثة آنفة الذكر أي الفرائض والحدود و المحرّمات وعدم التشويش عليها بأسئلة الأطفال الصغار. ولأجل عدم التقديم بين يدي الله ورسوله (أنظر سورة الحجرات) أي عدم تقديم كلام فارغ ومقترحات طائشة تقديسا للوحي ولهيبته ووقوفا عند الحدود المرسومة. ولأجل بناء عقل إسلامي رشيد معاصر يهتم بعلاج المشكلات وتحسين التدين وعمارة الدنيا. ولأجل تضييق أمد الخلافات الجانبية المدمّرة التي يكون حقل المسكوت عنه مرتعا خصبا لها إلا في دائرة العلم التي يغشاها أهلها فإن كنت من أهلها فشاركهم برأيك في المتشابهات ولكن المحرّم هو بثّها بين الناس لتكون لهم شاغلا ومن حدّث الناس بكلام لا تعيه عقولهم فقد عرّض الله ورسوله عليه السلام للتكذيب كما قال بعض الصحابة الكرام.
(59)
مثال لحسن فقه القرآن الكريم.
قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا إهتديتم). علم الصديق عليه الرضوان أن بعضهم يردد هذه الآية عن سوء فهم قوامه الإهتمام بخويصة النفس فحسب. فخطب فيهم قائلا (أيها الناس إنكم تحملون هذه الآية على غير وجهها وإني سمعت رسول الله عليه السلام يقول فيها " عليكم أنفسكم : طهروها وزكوها ".). وبذلك حسم الموقف الفكري الصحيح بقوة وشجاعة وفي الإبان عليه الرضوان.
يبدو لبعضنا أن تعبير(عليكم أنفسكم) يحمل شبهة قصر الإهتمام بخويصة النفس فحسب لتعبير عرفي أو لغوي. ولكن مثل ذلك يلجم بلجم الفهم الصحيح والفقه الدقيق. العادة أن العرب تقول (عليك بنفسك) كناية عن صرف الإهتمام بغير ذلك. ومما يجعل المعنى مستقيما هو رد الكتاب بعضه إلى بعض أن يكون فيك متناقضا يأمر بالشيء وضده. هذا يهدم صفة الإحكام التي يفتخر بها وقد بدأ نظمه بقوله (ذلك الكتاب لا ريب فيه).
رد الكتاب بعضه إلى بعض يعني فهم الرسالة العامة الأصلية للكتاب إذ له رسالة عامة كلية عظمى فمن فقهها فقه إتجاهها ومطالبها الكبرى حتى لو لم يحط بتفاصيل كثيرة فيها. ومن جهل تلك الرسالة في كلياتها العظمى أو مطالبها الكبرى فلا تغنيه من بعد ذلك ملايين التفاصيل حتى لو أحاط بها. ذلك مظهر من مظاهر أزمة التدين أي إتيان الدين من نوافذه الخلفية وليس من بابه الرئيس حيث الإستقبال والإستظهار بالهوية وتسلم كتاب الدليل.
أنى لنا أن ننسخ عشرات المواضع التي تأمر بالإعتصام وبالجماعة وبالأمر بالمعروف وبالنهي عن المنكر وبالدعوة إلى الخير وبالتواصي بالحق وبالصبر وبالمرحمة وبالحض على طعام المسكين والحض عليه والحكم بين الناس بالعدل وبالحق وبأداء الأمانة إلى أهلها وبعمارة الدنيا التي لا تعمّر إلا بجماعة بل بجماعات وبأجيال تلو أجيال .. أنى لنا أن ننسخ كل ذلك وهو محكم صحيح صريح مبثوث في كل سورة منه بل في السورة الواحدة مرات ومرات.. أنى لنا أن ننسخ كل ذلك لتعبير عرفي أو حتى لغوي يمكن تأويله بل يجب تأويله ليكون محكوما لا حاكما وتابعا لا متبوعا.
المنهج الذي يرد المتشابه إلى المحكم والموضع إلى الموضوع والتركيب إلى المقصد والتعبير إلى المراد والجزء إلى الكل هو الذي يسعفك لإصابة فقه صحيح.

عليكم أنفسكم .. مقيد بالهداية.
دعنا نفحص الآية نفسها قبل أن نذهب بعيدا. النفس التي علينا بها أو علينا إياها ليست هملا في الكتاب بل وقع الحديث عنها مرات ومرات ومن ذلك قوله (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها). أي أن النفس التي علينا بها هنا أو علينا إياها هي قارورة ممتلئة مناصفة بين التقوى وبين الفجور وأنها مهيئة من لدن صاحبها للتزكية لتغلب تقواها وللدس ليغلب فجورها. ومازلت أشم من تعبير (عليكم أنفسكم) غير ما أشمه من تعبير (عليكم بأنفسكم) فالأول يغلب عليه القيام بعمل لأجل تهيئة النفس للمقاومة في حين أن الثاني يغلب عليه القيام بحبس النفس عن المقاومة. هذه الباء لها فعل كبير هنا. الباء تحبس العمل على النفس لأجل النفس فحسب فإذا ذهبت الباء فهم العربي أن النفس بحاجة إلى عمل يزكيها ويطهرها لأجل تأهيلها لوظيفة المقاومة في الحياة. اللسان العربي ينتمي إلى علوم السماع إذ لم يكن مدونا بين أهله الأميين بالكامل. ولما جاء التدوين كان الذي له وكان الذي عليه. أقول دوما في نفسي لو أن اللسان ظل عربيا قحا سليقا لما إحتاج الناس إلى تدوين لأن التدوين لا يحيط بأمر كبير إسمه : علم الصوت وقد إستمتعت في ذلك بكتاب للدكتورة ديزيرة سقال. يعني أن اللسان العربي الأول كان سماعيا أي يعتمد على علم الصوت وليس على علم الكتابة والرسم والتدوين فلما إنتقلنا إلى مرحلة التدوين حدث فينا شغب وإنهدم ركن من لساننا. دعنا من هذا الآن.
كما أن التعبير جاء بصيغة الجمع على عادة القرآن. وإنه لمقرف أن نؤمر بصيغة الجمع بأمر قوامه قصر العناية بخويصة النفس فحسب. هذا مبنى لا يكون إلا في خصومة مع ذلك المعنى. هذا لا يتحمله اللسان العربي الذي إفتخر به الكتاب العزيز في إحدى عشر موضعا.
1 رسالة الآية الأولى بحسب التركيب هي دعوة المؤمنين إلى التمكين للهداية في نفوسهم وفي واقعهم إذ أن ذلك يعصمهم من تلظيهم بضر الضالين. إذ لو جاء التركيب (عليكم أنفسكم) فحسب لما كان له معنى. ولكن جاء ذلك ممهدا لرسالة الآية الأساسية.
2 تشعرنا الآية بإحدى أمرين محتملين بل ربما يتكافلان على عادة القرآن في كفالة أكثر من معنى بعضها إلى بعض : إما أن المؤمنين تخفق قلوبهم خوفا على الضالين ولذلك هو يربت على أفئدتهم بمثل ما قال لنبيه عليه السلام ( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات). أو أنهم يخشونهم على دينهم وعلى دين الناس من بعدهم أي يخشون فسادهم في الأرض فهو يبيّن لهم السبيل أو القانون (لا يضركم من ضل إذا إهتديتم). كقوله ( لن يضروكم إلا أذى).
3 أم الآية هو (إذا إهتديتم). تكون (إذا) شرطية أو زمانية وفي الحالين تؤدي وظيفة مهمة عنوانها أن إهتداءكم هو صمام الأمان في كل الأحوال. وقد تبيّن لهم من قبل أن الهداية لها باب رئيس وقاعة إستقبال ودليل إرشاد وأن قلبها هو لا إله إلا الله وجناحاها اللذان بهما تقاوم هما : العبادة الكفيلة بالتزكية النفسية والتطهير الروحي و خدمة الناس لجعلهم صفا واحدا قواما بالعدل والقسط. أنى لمثل هؤلاء أن ينسخوا كل ذلك لأجل قصر الحياة في آخر المطاف على خويصة النفس فحسب. وسورة المائدة التي حضنت هذا من آخر ما نزل.
(60)
لأجل حقوق الإنسان تقبل شهادة الكافر...
أسّرني هذا الكتاب بنظمه العربي القح السليق ثم بمقصده الأعظم أي حفظ حقوق الناس حتى المالية منها بل هي الأولى بالحفظ.
آيتان فيه لو أعدنا تدبرهما لتغير وجه الأرض.
الآية الأولى سبقت في حلقة ماضية من هذه السلسلة (فهل من مدكر) وهي متعلقة بكتابة الدين وتوثيقه والإشهاد عليه وإجازة الرهن لأجل حفظ حقوق الناس المالية. تبيّن هناك أن تلك الغاية العظيمة من وسائلها الإشهاد وأن الإشهاد لا يقصي المرأة ولا يجعلها منتصفة لدونية فيها ولكن حدبا على حفظ تلك الحقوق في مجتمع قديم لا شأن للمرأة فيه عادة بالمعاملات المالية والمقام ليس مقام بيان منزلتها في الصف البشري ولكن المقام هو مقام توثيق الشهادة تدوينا وفي الصدور لأجل حفظ حقوق الناس فهي أقدس الأمور عنده سبحانه من بعد توحيده الخالص. فلما إنحط العلم فينا عاد كثير من العرب من بعد النبوة والخلافة الراشدة إلى سالف عهدهم مع المرأة أي هوان ودونية. فلما ورثنا نحن ذلك جمدنا هناك ولو طوينا ذلك وعدنا إلى النبوة والخلافة الراشدة لألفينا أن المرأة كائن إنساني شقيق للرجل شقة كاملة ومساواة تامة وما بدا لنا من إختلافات بيولوجية فهي إختلافات وظيفية لخدمة قانون التكامل وليست هي إختلافات تعلن الدونية لهذا أو الرفعة لذاك. وعندما لا يسعفنا ذكاؤنا لنميز بين المقصد ووسيلته نقع دوما في الإثم لنقول عليه سبحانه بغير علم.
الآية الثانية هي موضوع هذه الحلقة وهي في المائدة وتتعلق بالموضوع نفسه أي حفظ حقوق الناس المالية .حتى التركيب النظمي للايتين نفسه. سبحان الله. من يقرأ نظمهما كأنه يستقل طائرة تمر به بتقلبات جوية أو سيارة في الأرض لم يعبّد لها الطريق. شعور يعاش ولا يحكى بإختصار شديد. قليل جدا من قرأت لهم فألفيتهم يستخدمون هذا المعيار الصوتي لفقه الكتاب العزيز ومن أولئك قطعا سيد قطب في ظلاله العجيبة. مما أفدت أن الصوت من آلات حسن الفهم إذ لم يكن القرآن الكريم يتلى على الصحابة مدونا ولا مكتوبا.
تعال نتدبر الآية لنحفر في ذخائرها المدفونة.
( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية إثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن إرتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين. فإن عثر على أنهما إستحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين إستحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما إعتدينا إنا إذا لمن الظالمين.ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم).
1 لم يعد عندي أي ريب البتة أن الله لا يريد منا من بعد إخلاص توحيده سوى إقامة العدل بين الناس شهادة وقضاء وحكما وأن الإنسان عنده مقدس تقديسا عجيبا في نفسه وماله وعرضه فلا غفران للمعتدي عليه إلا أن يغفر المعتدى عليه.
2 ترددت في هذه الآية كلمة الشهادة خمس مرات. وفي مرة منها سماها شهادة الله توقيرا لها وتحصينا أن توطأ. المسألة كلها هنا متعلقة بوصية الميت أي بما دون الثلث من ثروته سيما إذا كان في حالة سفر فلا وجود لمن يحفظ عنه وصيته لأدائها إلى أهلها. يمكن للموصى له أن يكون كافرا هنا ولكن غير محارب ولا مانع في ذلك شرعا بل ربما يعد في حالات معروفة تأليف قلب يؤجر عليه صاحبه أيما أجر. ويمكن أن تكون الوصية لا تساوي عقال بعير أو أدنى. كل ذلك في شرع الله محفوظ ويحاط بإجراءات إشهاد وكتابة وتحوطات وأيمان .. سبحان الله.
3 الموضع الذي شدني هنا هو قوله (أو آخران من غيركم) أي : إن لم يتوفر لكم من المؤمنين أي منكم إثنان ذوا عدل فيحل محلهما إثنان من غيركم أي من غير المؤمنين.لم؟ لأن الغاية هي حفظ حقوق الإنسان المالية وليس تعيير الإنسان هنا بعقيدته. يعني أن الكافر عندما لا يكون محاربا ويكون عدلا لا يكتم الشهادة ولا يخون يأتي في محل الإشهاد. هذا هو الفقه الذي تأخرنا عنه كثيرا. لا عصمة عندي سوى للوحي ولرسول الوحي الكريم عليه السلام فيما ثبت عنه. وما عدا ذلك إلا إجماعا من الأمة. أما أن أقلد الببغاوات التي تقول : قال فلان وعلان.. ليقل ما شاء من شاء فالعبرة بالدليل وأم الدليل الكتاب العزيز أو السنة الصحيحة الثابتة أو العقل الرشيد الحصيف إن لم يوجد فيهما وهو نادر و يستأنس بهما. القضية نفسها مع المرأة في آية الدين في البقرة. لأجل حفظ حقوق الناس المالية تشهد المرأة ويشهد الكافر لأنها وسائل وليست مقاصد. ولحفظ المقصد أي مقصد ما لم يكن تعبديا غير معقول فإن الوسائل لا عبرة بها إلا بقدر حفظ ذلك المقصد.
4 لم يكون الحبس من بعد الصلاة؟ هي وسيلة أخرى لئلا يتفرق الجمع فلا نجد من يشهد للوصية حتى تؤدى إلى أصحابها. ثم إن ذلك أدعى في الشاهد ألا يكتمها إذ يذكر أنه فعل ذلك بعد وجبة عبادة. ويكون القسم بالله توكيدا لأداء الشهادة على وجهها. فإذا أثم الشاهدان الأوليان يلجأ إلى آخرين لأجل حفظ حقوق الناس المالية. ألا ترى كثرة الإحتياطات وتشابك التركيبات اللفظية وكأننا في حضرة تلاعن بين زوجين رمى أحدهما صاحبه بالفاحشة.
5 لم لم يعرج هنا على المرأة لتكون شاهدا؟ لأن الحالة إستثنائية نسبيا فهي حالة سفر وقد لا تكون المرأة مسافرة معهم في العادة ولكن ضرب عن ذلك الذكر صفحا لنعلم أنه لو كانت الشاهد إمرأة هنا شرط عدلها فحسب لما كان في ذلك أي ضير إذ الغاية هو حفظ حقوق الناس المالية. أم يقبل عقلك أن يكون الشاهد كافرا (من غيركم) ولا تكون إمرأة (منكم). إذا قبل ذلك فعليك مني ألف سلام.
(61)
إطمئنان القلب بين العقل الإبراهيمي ومائدة أكل ..
سميت سورة المائدة بسبب مائدة أكل نزلت عليهم من السماء. تقرأ في خاتمتها أن حواريي عيسى عليه السلام (صفوة أتباعه) قالوا له (هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟). إستوحش منهم السؤال و أمام إصرارهم سأل ربه تعالى فأنزلها وأكلوا. وما هي علة هذا التنزيل في رأيك؟ قالوا (نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين). لا أصدق هذا لولا أنه نزل في كتاب لا ريب فيه. صفوة الخلّص من أتباع نبي كريم يتجرؤون على هذا؟ أيستقيم الإيمان مع قولنا (هل يستطيع ربك؟). لم يقولوا حتى : هل يستطيع ربنا. وعندما يبتلع المرء ذلك يغرق في المشكلة الأخرى أي علة هذه المائدة : الأكل منها وهو مقدم حتى على إطمئنان القلب؟؟؟ ألا يطمئن قلب مؤمن إلا بأكل لذيذ من مائدة إلهية؟ بل رهنوا بذلك تصديقهم (ونعلم أن قد صدقتنا). ألا يشعرك بالعجب؟
منهجي في الكتاب : فهم الكتاب بالكتاب نفسه.
لما عرض سبحانه لإيمان إبراهيم عليه السلام قال (وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى؟ قال : أولم تؤمن؟ قال : بلى. ولكن ليطمئن قلبي. قال : فخذ أربعة من الطير).قارنت بين سؤال إبراهيم عليه السلام ربه لحصول إطمئنان في قلبه وبين سؤال حواريي عيسى عليه السلام فوجدت بونا شاسعا. هذا يطلب برهانا عقليا على قضية هي أمّ الإعتقاد أي البعث والنشور وهؤلاء يطلبون برهانا ليس ماديا فحسب بل برهانا يملأ البطون (نريد أن نأكل منها). وجدت فرقا كبيرا بين قائل يقول (رب أرني كيف تحيي الموتى ) وآخر يقول (هل يستطيع ربك).هو سبحانه عامل كلاّ بما فيه. أجاب إبراهيم عليه السلام طلبه وأظن أن الأمر موجه إلينا إذ أني أحيا مع قصة إبراهيم وإحياء الموتى هذه كما أنها مشهد نابض بالصوت والصورة. كما أجاب حواريي عيسى عليه السلام بمائدة أكلوا منها وشربوا. المؤكد أنها ملأتهم إيمانا وكيف لا يؤمن من تشبع بطنه بمائدة من السماء. ولكن غضب الله باد إذ يقول (إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين). البرهان العقلي كفيل بغرس الإيمان الصحيح القوي المتين بل هم مؤهلون لدعوة غيرهم إليه. هي أفئدة بشرية مختلفة وصدق سبحانه (فسالت أودية بقدرها).
حتى إن عيسى نفسه عليه السلام لما سأل ربه سبحانه تحت إصرار حوارييه قال بأدب النبوة العالي وضراعة الرسالة المخبتة وكأنه يعتذر لديه سبحانه عن خطاب حوارييه الذي يجب أن يفاجئ كل واحد منا يقرأ القصة .. قال (اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء). أجل. ليس بلسان (هل يستطيع ربك). وما ينبغي لنبي أن يقول عن ربه هو يستطيع كذا ولا يستطيع كذا. بل ما ينبغي ذلك لنا. كما أن عيسى عليه السلام لم ينقل رسالة حوارييه إلى ربه كاملة لما فيها من خطاب لا ينسجم مع أدب النبوة فترك جانبا قضية الأكل والبطن. قال (تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وإرزقنا وأنت خير الرازقين). التعبير بالرزق أعمق وألطف وأجدر من التعبير بالأكل. ومن منا لا يسترزق ربه سبحانه وهو خير الرازقين. كما عبّر بالعيد وفيه الفرحة الجماعية وهو عيد الإيمان الجماعي. ألا تراه يعتذر عن حوارييه لربه سبحانه وهو يقول له (عيدا لأولنا وآخرنا) أي أنزلها علينا مرة واحدة ولا نسألك غيرها مرة أخرى. وهي آية منه سبحانه.
مشهد حي يعلمنا تطور العقل البشري.
العقل البشري يتطور بالتجربة ومعافسة الحياة. لم تكن خبرات الإنسان الأول وهو يحدب على عيشه كخبرات الإنسان في هذه الأيام. التطور هنا يجري على مساره الدنيوي وتجاربه في الحياة وليس معنى ذلك تطور في التدين بمعاني اليقين والتصديق والرجاء والأمل والخوف منه سبحانه وغير ذلك. لا. تلك ثابتة لا تتغير. وربما يكون من أسباب تفضيل هذه الأمة على من سبقها أنها تؤمن بالبرهان العقلي ولا تحتاج لبراهين مادية إذ البرهان العقلي أشد متانة عند أصحابه. في الأمة اليوم سيما في إنحطاطها ملايين مملينة تفضل البرهان المادي على البرهان العقلي. ألا تجد كل صباح في فضاءات الإعلام الإفتراضي إفتخار الناس أن بقرة لهم أنجبت ولدا مكتوبا على جلده إسم الله أو على نعجة إسم محمد عليه السلام؟ ومازال الناس يؤمنون في عمل شركي مخيف بأنه عليه السلام جاء في النوم إلى (فلان) وأمره بنشر ورقة أو شيء لا وجود له فيما تركنا عليه عليه السلام أي القرآن والسنة. أنى لنا أن نحلم بتحرير فلسطين وتوحيد الأمة وطرد التخلف وهذا مستوى الإيمان عندنا. ألسنا مثل أولئك الذين يقولون (هل يستطيع ربك). ألسنا نرجو أن يقوم الواحد منا صباحا ليلفى أمام بيته رسالة من الله أو طيرا يخبره بمصيره أو أي علامة يضعها الشيطان الذي أنسينا أنه العدو الأكبر الأوحد الذي أمرنا بعداوته ليصرفنا عن الإيمان بالبرهان إلى الإيمان بالمادة. تجربة حياتي تخبرني أن حياتنا الدينية يهيمن عليها التطير هيمنة شبه كاملة والتطير شرك دون ريب سوى أنه ليس شركا أكبر يخرج من الملة ولكن التطير يمنع الشفاعة التي أخبرنا بشروطها الأربعة في حديث عكاشة المتفق عليه (لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون). هذا أمر يقض مضجعي.
مشهد يلخص لنا الظاهرة الإسرائيلية كلها.
في رسالة جلية خفية في الآن نفسه يعلمنا سبحانه أن الظاهرة الإسرائيلية ومهما طعن فيها الإيمان فإنه إيمان مادي إلا من آمن منهم بعمق بالرسالة الإسلامية الأخيرة. لذلك إنتزعت منهم الرسالة لأن الإيمان المادي لا يكفل عمارة أرض ولا إقامة عدل ولا يستأمن طريقا لنشر التعارف.
(62)
فحص جامع سريع لسورة التوحيد الكبرى..
ألج اليوم بحوله سبحانه وحمده سورة الأنعام المسماة سورة التوحيد الكبرى أي التي ينحصر موضوعها في التعريف بالله سبحانه بتوسع بخلاف سورة التوحيد الصغرى أي الإخلاص التي توجز القول فيه سبحانه بكلمات لا تجاوز عدد أصابع اليدين. سميت بالأنعام لأن إحدى أكبر موضوعات التوحيد التي تعالجها هي إتخاذ الناس إلى اليوم بعض الأنعام مجالا للتشريع بغير إذنه سبحانه فهذا حلال لذا ومحرم على ذاك وذلك مباح لحمه ومحرم ظهره إلخ.. هي أطول سورة مكية مطلقا. أفحصها سريعا قبل أن أنتخب منها بعض المشاهد لتكون مادة لحلقات قابلة من سلسلة (فهل من مدكر). لي نظرة في ترتيب السور توحي بشيء ربما أعالجه في سفر قابل. إذ جاءت فاتحة الكتاب بمثابة الفهرس الجامع لمحتويات الكتاب ومواضيعه. ثم تفرغت البقرة للقضية الحارقة يومها أي الظاهرة الإسرائيلية في بعدها اليهودي وكانت مناسبة لتكون السورة جامعة حقا في التشريع ثم تلتها الزهراء الآخرة لتعالج تلك الظاهرة في بعدها المسيحي ولتعقب على واقعة أحد. ثم جاءت قضية الأسرة والمرأة في المرتبة الثالثة من حيث الإهتمام التشريعي ولكن بعودة قوية إلى الموضوع الحارق يومها (اليهود والمسيحيون والنفاق). وقبل أن يخلص هذا التسلسل العجيب إلى موضوع التوحيد معالجة لقضية الشرك العربي كان الموعد مع المائدة التي عالجت بعض المواضيع التشريعية المهمة (فقه الحرمات وغيره) ولتتفرغ هي كذلك لما تفرغت له النساء في جزء كبير منها أي القضية الحارقة للمعارضة الإسرائيلية وليس النفاق والردة وغيرهما إلا أجنحة من أجنحتها.
1 إفتتحت بالحمد الذي لم يبرح رحمها وختمت بالمغفرة والرحمة. وشملت165آية.
2 العجيب أن كلمة (قل) تكررت فيها 43 مرة من مجموع 333 مرة في الكتاب كله.
3 وكذا كلمة(هو) أي الله سبحانه 25 مرة دون نسبة مواضع أخرى كثيرة إليه سبحانه.
4 تكرر تعبير (وهو القاهر فوق عباده) مرتين. وتعبير (ومن أظلم ممن) أربع مرات. كما ذكر فيها وحدها18 نبيا من مجموع 25 ممن ذكر في الكتاب كله.
5 ذكرت فيها صفاته المتعلقة بالتوحيد كالربوبية والإلهية والحكم والشفاعة والولاية.
6 عالجت قصة الإيمان الإبراهيمي في صفحة كاملة وهو أطول مشهد إبراهيمي مع مشهد الأنبياء ومشهد البقرة. إبراهيم هو بطل قصة التوحيد في الكتاب بلا منازع.
7 تعرضت لعرض الإيمان ببرهان عقلي ونكهة منطقية يفقهها كل عاقل (أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة). معادلة رياضية عقلية صارمة صحيحة لا يتنكبها إلا سفيه مكابر.
8 كما تعرضت لقضية الجن الذي يتخذه الناس مدبرا مع الله أو من دونه أصلا وإلى اليوم. إلى جانب الشرك به سبحانه بطريق التشريع في حقل الأنعام وأنبأت أن هناك شياطين من الإنس كما أن هناك شياطين من الجن وأنها في حلف إئتلافي ثنائي لا يتصدع.
9 كما تعرضت في أطول سياق إلى جانب الإسراء إلى أصول المحرمات العشرة وذلك بقوله (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم). إذ التشريع ثمرة للتوحيد بالضرورة.
10 ورهنت الإستجابة للإيمان بالإنسان وإرادته فمن أراد الإيمان إستمع بأذنيه وتكفل قلبه بتحليل ما وصله وإتخاذ القرار النهائي ومن أعرض عن الإستماع فقد أوصد أبواب الإستجابة كلها (إنما يستجيب الذين يسمعون). ومن أوصد على نفسه باب داره فلا حوار ولا جدال ولا سماع فقد قرر أن يموت حيا (والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون).
تلك هي رسالة التوحيد العظمى.
عنوانها : مهمتك يا محمد هي البلاغ وحسبك البلاغ. المهم (قل) لهم كذا وكذا. لست عليهم بمسيطر ولا بوكيل. الرسالة رسالتي والعبد عبدي وأنت مبلغ فحسب. إذا كان ذاك شأنه هو عليه السلام فكيف تنصب نفسك عليهم بإسم الدعوة مسيطرا أو وكيلا؟ إفقه دورك وقف عند حدك المرسوم. عنوانها : الله الذي أدعوكم إليه هو كذا ويفعل كذا وله كذا.(هو:25مرة).هو وليس أحد غيره ولا أنا. هو القاهر فوق عباده وليس عليهم ولا لهم. ومن الجبلة البشرية الخضوع للقاهر من فوقنا ممن لا نملك معه شيئا. عنوانها : ثمانية عشر نبيا من قبلك أرسلتهم كلهم بهذه الرسالة نفسها (أعبدوا الله وإجتنبوا الطاغوت). فليس الإسلام بدعا حتى يتنكر له الناس. وهذه حجتي عليكم عقلانية منطقية تتحدى : أنّى يكون لي ولد عيسى أو عزير أو أيا كان ولم تكن لي زوجة؟ هل يرتاب عاقل في هذا؟ هذا لا يريب أشد الناس خبلا وعتها وجنونا فكيف بالعاقل. عنوانها : هذه رحلة إبراهيم خليلي وعبدي من الشك إلى اليقين. والشك هنا ليس عيبا بل هو عين الحكمة وأمّ الرشد إذ قال عليه السلام (نحن أولى بالشك من إبراهيم). نعم الشك شكا يبعث على السؤال ونعم السؤال سؤالا يعانق الحق بلا تقليد ولا قرودية ولا ببغاوية. عنوانها : لا تحذروا شياطين الجن فحسب على إيمانكم بل إحذروا قبل ذلك شياطن الإنس فهم حقيقة (شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا). هل ترتاب بعد هذا في وجود شياطين منا نحن جلدة ولسانا؟
(63)
خلاصة الإيمان : من إستمع نجا وحيي ومن لم يستمع هلك.
هذه الآية شدتني شدا (إنما يستجيب الذين يسمعون. والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون). جاءت ردا على خفقان فؤاده عليه السلام وهو يرى إعراض الناس عن الهدى. أليس هو من قيل له (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات) و (لعلك باخع نفسك). أليس هو المبعوث (رحمة للعالمين). وهو (عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم). لا يمكن أن يتصور متصور رحمة فؤاده عليه السلام بالإنسان. قال له ربه وفؤاده يخفق أسفا عليهم ألا يؤمنوا ليسعدوا (فإن إستطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية). ثم أكد له تعزية لفؤاده الكسير أن الإستجابة رهينة شيء واحد. ألا وهو السمع.
لنعترف بكبرنا إذ قليل منا فحسب من يتواضع فيسمع.
أكثرنا يسمع ولا يستمع . بل يجامل تظاهرا بالسمع ولا ينصت. لذلك قال سبحانه في شأن القرآن الكريم (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا). الإنصات من الإستماع كالقسط من العدل. هناك السمع وهناك الإستماع وهناك الإنصات. ليس هذا مع كلام الله فحسب بل أكثرنا كما قال حكيم غربي : يسمع لا ليفهم بل ليعدّ ردّه ويفحم صاحبه ويبيّن له خطأه. وعندما نفعل مثل هذا مع الكلام الذي لا ريب فيه نكون قد فوّتنا على أنفسنا فرصة السعادة. الكبر يحجزنا أن نستمع إلى الناس سيما إذا كانوا خصوما أو غير مرغوب فيهم.
الإستماع وحده بتواضع ورغبة في العلم يضمن الإستجابة.
ذلك هو الذي جرى في عهده عليه السلام فمن تواضع وجلس يستمع إلى هذا الكلام آمن ونجا ومن تكبر فأعرض هلك. جاءت روايات صحيحة أن كثيرا من المشركين إعترفوا لما سمعوا لهذا القرآن أنه خطاب عقلاني مقنع ولكن خانتهم الشجاعة الأدبية الكافية ليتخذوا قرار الإيمان سيما إذا كانوا في أقوامهم قادة. هي معركة الحرية : من يخوضها بنجاح ليحكّم عقله فحسب سعد وأسعد ومن شغب عليه كبره شقي وأشقى. إبن الخطاب مثال بارز على ذلك إذ أن الرجل معتدّ بنفسه وهو قوي في قومه من طينة الصعاليك الذين لا يخشون أحدا في قبائلهم بل تهابهم قبائلهم. فلمّا جلس الرجل في هدوء وإستمع إلى هذا الكلام الجديد آمن بيسر وسهولة. ليس الإسلام نظرية فكرية فلسفية متأبية عن الفهم. بل هو رسالة مبيّنة يسيرة سهلة تقنع العقل عندما تخاطبه فيستمع إليها آمنا من أي سلطان آخر يمكن أن يتسلط عليه فيؤذيه أو يحقره. من يؤمن هو الإنسان الحر فعلا أي الذي يستخدم حريته بلا سلطان يهابه وأن من يؤمن هو الإنسان المتواضع الذي يستمع وربما يناقش ويسأل ولا مانع في ذلك إذ لكل سؤال جواب في هذا الدين الذي سجل أسئلة كثيرة سئلت له بل نقل حوارات لا حصر لها شارك فيه الشيطان والمنافق والكتابي والمشرك وغيرهم.
الذين يسمعون بآذانهم ثم يحكمون أفئدتهم.
السماع هنا كناية عن سماع الفؤاد وليس سماع الأذن إذ لو قلنا كذلك لما آمن أصمّ في الدنيا. إذ أن ما ينتهي إلينا من أبصارنا ومن أسماعنا نحوله تلقائيا إلى الأفئدة لتحلله ثم تأخذ فيه القرار المناسب فهذا نكذبه وذاك نصدقه وذلك نتجاهله إلخ ..
أنظر إلى عجائب التعبير القرآني الباهر.
من يقرأ هنا فلا يسجل بلسانه وقفا عند قوله (يسمعون) يعرّض نفسه ومن يستمع إليه إلى خلط هو في غنى عنه. لذلك تجد علامة وقف لازم (م) في حفص. ثم يستأنف ليجد قوله ( والموتى يبعثهم الله). من هم الموتى؟ الموتى المقصودون هم الذي لا يسمعون أي لا يسمعون بأفئدتهم حتى لو سمعوا بآذانهم. يريد أن يقول لنا أن الموت الحقيقي هو الإعراض عن الإستماع والإنصات. ذلك أروع فقه بآلة السياق. إذ لو قصرنا الموتى هنا على المعنى المادي الصريح لا تجوزا لكان البعث مقصورا عليهم هم ولا يشمل (الذين يسمعون).
هي حقائق عظمى علينا بالجدية فيها.
1 إذا حدثك محدث فاستمع إليه بعناية وأعره فؤادك بإخلاص فإن كان في كلامه ما يفيدك علما أو خيرا فبها ونعمت وإلا فجامله وإحتضنه وأشعره أنه صاحب قدر ووزن وقيمة إلا في حالات نادرة من مثل كلام بذيء فاحش أو فيه سخرية أو حط من الإنسان أو هزؤ بالمقدسات أو غير ذلك. كان الناس في عهده عليه السلام يكثرون عليه من النجوى وكثير منها فارغ وهو لفرط حيائه وشدة تواضعه يظل يستمع إلى كل ذلك ففرض عليهم سبحانه صدقة أي مالا يؤدى لمن يريد مناجاته وبذلك يعسر على كل من يريد أن يعطله عليه السلام عن أداء مهمته حتى لو كان بحسن نية إذ لا يقبل على دفع المال إلا صاحب حاجة.
2 يجب أن نعترف أن أكثر مشاكلنا وإختلافاتنا إنما مردها إلى إزدراء بعضنا بعضا فلا يستمع الواحد منا إلى غيره إلا قليلا بقدر ما يشحذ أسلحة الرد النارية ثم يقاطعه وينهال عليه ولذلك قلّت حواراتنا وساءت. ومن يثبت في مكانه صامدا لا يغادره في حلقة نقاش تحولت إلى حلبة صراع يعتبر بطلا حقا. ولو إستمع بعضنا إلى بعض دون أحكام مسبقة في تجرد وإخلاص لقدرت أي ضاقت مساحات بيننا ومسافات.
3 لذلك نزل إلينا كلامه سبحانه بلسان عربي مبين ميسّر يتلى في الصلاة الجهرية وهو مدون في كتب ومصاحف ومحفوظ بإرادة إلهية عظمى لا يشغب عليه شاغب ولا يأتي أحد بمثله. كل ذلك لنستمع إليه وننصت ولقد أثبتت التجربة قديما وحديثا وستثبت ذلك كذلك حتى يوم القيامة أن من إستمع وأنصت بتواضع متجردا من أحكامه المسبقة حرا في قبول هذا الكلام أو رفضه .. من فعل ذلك هدي بحوله ومن تكبر أو إستعلى فلم يستمع بفؤاده أو إستمع هازئا أو لم يكن حرا حرية تامة ليقول ما يريد هو في هذا الكلام لا أن يدع الناس يفكرون له نيابة عنه فقد شيّد بينه وبين سعادته جدارا سميكا.
(64)
آمن على الطريقة الإبراهيمية حتى لا يكون إيمانك ملبوسا بظلم..
حري بكل مؤمن أن يتدبر قصة إبراهيم مع الإيمان بتأمل ونظر.إذ بلغ إيمانه اليقين الذي لا يتلبس بمعشار شائبة شرك. إنه الإيمان الذي يدخل صاحبه الجنة على ما كان منه من عمل.
الإيمان الإبراهيمي إيمان معقول مفهوم معلل مقصد.
كتب الفقير إلى ربه كتابا عام 2000 سماه (مقاصد العقيدة) وظل منشورا في الأنترنت لسنوات طويلات وذات كرّة من كرات المخلوع بن علي على الصفحات المعارضة في المهجر ذهبت محتويات كثيرة. منها هذا الكتاب الذي أحبه حبا جمّا لأني إنفعلت بقضية مقاصد العقيدة وبحثت فيها كثيرا. وبعد سنوات طويلات ناهزت عقدا ونيف جاءتني البشرى من بعض الطلبة العرب (الجزائر والكويت وغيرهما) ممن يستأذنني لإعتبار ذلك الكتاب مرجعا في رسالة الدكتوراه في الموضوع ذاته. أثرت هذا لأني درست الموضوع لشهور طويلات ثم خلصت إلى أن الإيمان (العقيدة بالمصطلح المستحدث) عمل مفهوم معقول معلل مقصد وليس هو من التعبديات غير المفهومة بل خلصت إلى أن أسنى مقاصد العقيدة الإسلامية هي تحرير الإنسان وتكريمه ليتأهل للعبادة. كان هذا السياق من الإيمان الإبراهيمي من سورة الأنعام ملهما من الملهمات التي إعتمدت عليها. ورد في السورة ذاتها قبل قليل قوله سبحانه (قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا). ألا يعني ذلك أن الإيمان والدعاء مخه مسألة خاضعة للفهم العقلي أي أن الإنسان يعبد ربه سبحانه لأنه ينفعه ويضره ولو لم يكن كذلك لما آمن به أو إستغاث أو دعا وسأل. هل يقبل عقلك أن يؤمن بإلاه لا يملك لك نفعا ولا ضرا؟ أبدا.
1 إستخلص إبراهيم إيمانه من ملكوت السماوات والأرض أي بالنظر في الخلق وتضاريس الوجود وليس مثل ما يفعل الشباب اليوم حتى قيل هذه عقيدة طحاوية وتلك عقيدة كذا؟؟؟ هل كان للصحابة كتب عقيدة؟ لم يكن لهم حتى كتاب العقيدة الأعظم أي القرآن الكريم. أي لم يكن لهم ذاك مجموعا في مصحف. وما لم يتعدل المنهاج في طلب العقيدة من النظر في الكتب والأقوال إلى النظر في الكون والتاريخ فإن العقيدة ستظل عقيمة ذات عقد منفوثة في الرؤوس تفرق الناس ولا تجمعهم وتحثهم على البطالة لا على العمارة وعلى الجدل الفارغ لا على الإيجابية والتعاون.
2 هذه قصة أعظم إيمان بالله في التاريخ : جنّ الليل على إبراهيم فرأى كوكبا في السماء منيرا فقال هذا ربي ولكن الرب المزيف أفل فلم يعد يحفل به إبراهيم ربا وكيف يحفل صاحب هذا العقل العظيم برب يأفل ويسقط. الرب لا يسقط ولا يأفل. فتوجه بصره إلى القمر بازغا جميلا منيرا ولكنه أفل فأسقط عليه السلام ربوبيته من فؤاده. ولما أشرقت الشمس من اليوم التالي رآها أكبر فظنها ربا ولكنها أفلت بعد سويعات مغربة. عندها إنتهت رحلة الشك الإبراهيمية بعد أن جربت ثلاثة أرباب مزيفة سرعان ما تأفل ساقطة. وإنتقل إبراهيم بذلك إلى محطة الإيمان بفاطر السماوات والأرض. تلك كواكب تأفل وهذه سماء وأرض لا تأفل وليس ذلك لقوة فيها ذاتية بل لأنها ممسوكة بقوة إلهية عظمى (يمسك السماوات والأرض أن تزولا). منطق عقلاني صارم وميسر في الآن نفسه : من شروط الرب أن يكون قائما لا يأفل وهو أمر لم يتوفر في الشمس والقمر وفي غيرهما. هي الطريق العلمية لجمع كل الإحتمالات الممكنة ثم فحصها لإسقاط ما لا يقوم منها والإبقاء على أقواها. كانت النتيجة في عقل إبراهيم : كل شيء يأفل إلا الله سبحانه فهو إذن الجدير وحده بالعبادة. هل هناك أيسر من عقيدة مثل هذه؟ منطقية عقلانية صارمة ولكنها يسيرة إستخلصها راعي الإبل في البيداء حين قال : البعرة تدل على البعير والأثر على المسير فكيف بجبال وأبراج لا تدل على الحليم الخبير؟ ذلك هو معنى أن الكون والتاريخ مثله هو مستودع الإيمان وحقل العقيدة فمن نظر فيه آمن بيسر ومن نظر في الكتب ظفر بخصومات فرعية لا صلة لها بالإيمان الإسلامي.
3 وهذه عدّة الإيمان الإبراهيمي وهو يتعرض لحملات ضارية. خوّفه المشركون من حوله بمثل ما يفعلون الآن. ألا يقال لنا اليوم : لا تمعن في القول بعدم أهلية (الولي) الفلاني للنفع والضر أن يعتريك بسوء؟ أجل. قيل لي هذا ومازال. الحملة ذاتها كانت مع إبراهيم. فكان الرد عليهم (وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا. فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنت تعلمون). الأمن مع الإيمان منزوع الدسم الوثني الصنمي الشركي بالكامل. والخوف مع الشرك.
4 كان التعقيب القرآني على الطريقة الإبراهيمية في الإيمان (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون). قال الصحابة له عليه السلام وأينا لم يظلم نفسه؟ فصحح لهم الصورة وقال : الظلم الشرك. وتلا آية لقمان (إن الشرك لظلم عظيم).
فهلاّ آمنت ولم تلبس إيمانك بظلم؟
الإيمان على الطريقة الإبراهيمية في إجتباء العقيدة من الكون والتاريخ نظرا وسؤالا هو الإيمان الذي يكون منزوع الدسم الصنمي الوثني بالكلية فهو خالص من كل شوائب الشرك مهما كانت صغيرة من مثل التطير الذي نغرق فيه و تعظيم محمد عليه السلام إلى درجة التأليه على قول البصيري رحمه الله وغفر له ( يا من ليس لي من ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العمم). راجع بناء إيمانك ليكون مستخلصا من الكون والتاريخ بمثل ما تجد في القرآن الكريم ودعك مما تسمى كتب عقيدة إذ لا كتاب في العقيدة سوى هذا الكتاب فهو كاف ميسر لا مزيد عليه لمستزيد. تلك هي الطريقة العلمية التي تجعلك فعلا تكفر بالطاغوت قبل أن تؤمن بالله فلا يتلبس إيمانك بظلم الشرك ولو قليلا وعندها يحق فيك وعد محمد عليه السلام ( من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة على ما كان منه من عمل).
(65)
مذهب الأحناف في الزكاة أوفى بعدالة الإسلام.
المذهب الفقهي وهو فرع من المذهب الأصولي مجموعة من الآراء من أهلها أي المؤهلين للنظر في الأدلة لأجل الإستنباط وفي محلها أي الظنية ورودا في السنة و دلالة في القرآن والسنة معا ولا يعدّ في العادة مذهبا حتى يكون جامعا لأكثر حقول الحياة في زمن ما ومكان ما. سبب نشأة المذهب الفقهي مزدوج فهو قابلية أكثر نصوص الوحي لتعدد الأفهام إذ المحكم منها قليل وقابلية أفهام الناس للإختلاف في الجزئيات تبعا للإهتمام أو للبيئة وكذا تغير موجبات الحكم أو الفتوى . لذلك إختلف الصحابة في عهده عليه السلام ونشأ مذهبان : إبن عمر الميّال إلى التضييق و إبن عباس الميّال إلى التيسير. ولعل أبرز ما حصل هناك ما عرف بصلاة العصر في الطريق إلى بني قريظة. فلما إنداح الإسلام توسعت الإختلافات الفقهية و ظلت مشدودة إلى أصولها. ذاك هو المتاح من شريعة جامعة بين منطقتين : مغلقة ومفتوحة. و ظهرت مدارس كلامية إستوعبتها الأمة فكان ذلك من بواعث النهضة الفكرية سيما في العهد العباسي. فلما آل الأمر إلى الإنحطاط ولدت قالات معادية للإسلام من مثل غلق باب الإجتهاد وليس في الأمكان أحسن مما كان وما ترك الأولون للآخرين شيئا. إلا من محاولات سرعان ما دفنت ومن أعلامها : الغزالي والجويني والقرافي والعزّ وإبن تيمية وإبن القيم والشاطبي.ثم إستقر التدين على إتباع ثمانية مذاهب (الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة والأباضية والظاهرية والزيدية و الإمامية الإثنا عشرية). ولكل منها مدونته الفقهية الرسمية ولبعضهم أنظمة سياسية من مثل قيام عمان على الأباضية وإيران على الإمامية والسعودية على الحنبلية.
فقه الزكاة بين المالكية و الأحناف.
إشتهر المالكية بقالة مركزية في زكاة مخرج الأرض هي : كل مدخر مقتات. هناك أصول الإمام مالك نفسه وهناك المالكية القدامى وهؤلاء أيضا منهم مجتهدون في المذهب ومنهم مقلدون متبعون وهناك المالكية المتأخرون أي في التاريخ. وهذا في أكثر المذاهب. أكبر أصل عند الإمام مالك نفسه من بعد ما يشترك فيه مع غيره هو : فقه الإستصلاح أي إعتبار المصلحة المرسلة التي هي دليل قوي معتبر يصل إلى درجة التقييد والتخصيص. ولما تعرض الإرث الفقهي إلى الإنحطاط فآل إلى الإجترار والتحشية والشروح ضحّي بأصول كبرى مثل الإستصلاح المالكي والإستحسان الحنفي وأطلق العنان لسد الذريعة. كما إشتهر المالكية بالعرف سيما المغاربة منهم تلاميذ علي إبن زياد والإمامين سحنون و أسد إبن الفرات. مذهب الأحناف في الزكاة يقوم على أن كل ما تخرجه الأرض فيه زكاة إذا بلغ النصاب إنطلاقا من قوله في الأنعام المكية (وآتوا حقه يوم حصاده). وقبل ذلك تحدث عن (النخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان). لا ريب في أن البيئة المختلفة للمذهبين (المدينة والعراق) أسست لذلك الإختلاف. الأحناف غلبوا الدليل المطلق في حين أن المالكية خصصوا ذلك بالمدخر المقتات فهو في نظرهم وتبعا لبيئتهم يومها أولى بالفقير والمسكين. أما ما لا يقتات منه ولا يدخر فلا فائدة من الزكاة عليه لأنه مستهلك يومي عارض. هذا الدليل المخصص معتبر ولكن لا مناص من إعتبار البيئة التي أسست له. ما تخرجه الأرض اليوم مما لا يقتاته الناس ولكن يقوتون به أنعامهم التي بها رزقهم وعليها عيشهم كثير وكبير. وما تخرجه الأرض اليوم مما لا يدخر كثير كذلك (الرمان وثمرات النخيل المذكورين في آية الزكاة مثالان فحسب). معيار الإدخار اليوم نفسه تغير كثيرا إذ يدخر الناس اليوم أشياء كثيرة تخرجها الأرض مما لم يكن ممكنا في تلك الأيام إدخارها أي بسبب التطورات العلمية. قالة المالكية إذن إذا صحت لزمانها ومكانها فإنها أبعد عن تلبية حاجة الفقير اليوم والمسكين. وهؤلاء أولى بهم مذهب الأحناف على إطلاقه. أكثر الناس اليوم لا يخرجون الزكاة سوى من الحبوب (قمح وشعير و زيتون). من من الناس اليوم يأكل مثل هذه فحسب؟ هناك ثمار أخرى كثيرة تخرجها الأرض تعدّ قوتا لهم (فهي مقتات بالتعبير المالكي) بل ويمكن إدخارها أيضا بسبب التطورات العلمية.
كلمتان حول زكاة الفطر والتمذهب.
1 لا تختلف زكاة الفطر(زكاة الرؤوس) عن زكاة المال في شيء من حيث المصرفية ذات الأبواب الثمانية المذكورة. الأحناف الذين قالوا بإباحة دفعها قيمة لا عينا بدليل رعاية مصلحة الفقير هم الأولى بالإتباع دفعا لحرج عن المزكي وعن المزكى له إذ بالقيمة النقدية اليوم يمكن للمزكى له أن يقتني ما يريد سيما إذا كان عين الزكاة شعيرا مثلا لا يلبي حاجته. إن معاذا نفسه أخذ من أهل اليمن ثيابا زكاة بدلا عن عينها سواء كانت مالا أو فطرا لما رأى أن الناس بحاجة إلى الملبس أكثر منه إلى غيره وأقره عليه السلام.
2 الشريعة مادة خام في أجزاء منها والفقه يحولها إلى أدوات عملية ينتفع بها الناس. عامة الناس اليوم مقلدون وقليل منهم من يرتقي إلى أدنى درجات الإجتهاد أي درجة الترجيح بين الأدلة لينتقل من العلم إلى الفقه ويكون ملزما شرعا بما إنتهى إليه إجتهاده. هناك مجتهدون في المذهب نفسه وهذا نفسه لا يرتقي إلى الإجتهاد المطلوب إذ الدليل ليس حبيس مذهب بعينه. وليس لنا مجتهدون أصوليون أي خارج المذهب سواء إجتهادا حقليا أو إجتهادا مطلقا عاما إلا قليلا جدا. مثل هذا الوضع يجنح بنا ويشدنا إلى التقليد المنكور شرعا. لذا يكون تمذهب أكثر المسلمين اليوم هو تمذهب تقليد وليس حتى تمذهب إتباع إذ لا إتباع لمن يجهل الدليل. لذلك تصطدم بعض الإجتهادات المعاصرة بغض النظر عن صوابها وخطئها بقساوة الجهل ولؤم التعصب. وليس كالتعصب سرطانا يجفف منابع الذكاء العقلي. العبد الفقير إلى ربه نشأ في مناخ مالكي و من بعد إطلاعه على فقه عظيم من إبن حنيفة فإنه يجعل ذينك الإمامين الكبيرين : مالك وأبي حنيفة في صدارة الإجتهاد الفقهي القديم. ثم يفيد من كل مذهب وفي كل حقل ما يراه مناسبا لعصره ومكانه. ومن الإجتهاد المعاصر قامات سامقة غمرتها سيول السفاهة وطمرتها المنافسات السياسية.
(66)
آية مخيفة تسوّي بين الكافر وبين المؤمن الذي لم يكسب خيرا.
جزء كبير من القرآن الكريم ترغيب وترهيب وفي السنة أكثر من ذلك بكثير. هناك مواضع تبعث الرهبة والخوف وهناك مواضع تبعث الأمل والرجاء. ذلك هو الأسلوب القرآني التربوي الذي يفيد منه الآباء والمعلمون والمربون والمسؤولون علم المنهاج التربوي. من الآيات المخيفة قوله في الأنعام (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك. يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا). ذاك يعني أنه عند قدوم ملائكة الموت أو عند إتيان ربك للحساب في مشهد آخر يقول فيه (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر).. أو عند إتيان بعض آيات ربك المقصود بهذا طلوع الشمس من مغربها .. عند إتيان أي من ذلك فلا يكون الخسران للنفس التي لم يسبق لها إيمان فحسب أي الكافرة بل يشمل الخسران نفسا مؤمنة بسابق إيمان قبل الموت ولكنها لم تكسب في إيمانها خيرا. تستوي هي والنفس الكافرة بالتمام والكمال. أليس ذلك مخيفا مرهبا؟ الذكي يسأل : كيف نجني من إيماننا خيرا فلا نستوي يوم القيامة مع الكفار؟
الإيمان رأسمال للإستثمار والتجديد وليس للهدر أو التبديد.
الإنسان تاجر في الدنيا أو لا يكون. هو تاجر في دنياه بعيشه ليرتفق أكلا وشربا وملبسا. وهو تاجر في حياته بإيمانه ليكسب خيرا يكون له شفيعا يوم الدين. فمن آمن أو إدعى إيمانا فلم يستثمر رساميله العقدية في فعل الخير الذي به ينفع نفسه وينفع الناس من حوله يستوي مع من لم يؤمن أصلا يوم القيامة.لم؟ لأنه إستوى معه في النتيجة. أي أن الكافر نفسه لم ينفع نفسه ولم ينفع الناس من حوله وإذا كان قد قدم لهم نفعا فهو كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. أو كريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته. أو كبحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض. أو كهباء منثور تذوره الرياح ذورا. عمل الكافر النافع لم يكن خالصا لوجه الله سبحانه فينتفع منه الناس في الدنيا ولا ينتفع منه صاحبه نفسه في الآخرة. الكافر يفعل الخير الكثير وينفع الناس به في الدنيا وهو في نفسه يظن أنه هو سبب الخير أو هو خالق الخير أو أنه أوتيه على علم عنده كما إدعى قارون. ومن فعل خيرا في الدنيا ظانا أن مالك الكون الذي منه فعل الخير وبه كسبه وفيه أنبته ليس له من الأمر من شيء فإن مالك الكون الذي تنكر له في الدنيا لن يثيبه يوم القيامة. مسألة عقلانية ميسرة لا تحتاج لتجريدات فلسفية.

أبرز خلاصة هي أن الإيمان المزعوم وحده لا يكفي.
( يا أيها الذين آمنوا إركعوا وإسجدوا وإعبدوا ربكم وإفعلوا الخير لعلكم تفلحون). فعل الخير شيء مغاير ومختلف عن الركوع والسجود والعبادة. فعل الخير عادة ما يكون مقصودا به الناس الذين ينتفعون بالخير منك بسبب عقدي إيماني. أما من يقصر إيمانه على الركوع والسجود والعبادة فما فعل خيرا وما كسب في إيمانه خيرا أي ما حقق للناس من حوله خيرا. أول ما نستنبطه أن كسب الخير من الإيمان هو فعل الخير للإنسان إما دفاعا عن عرضه وماله ونفسه وحقه أو إطعاما له وحضا على ذلك أو تعليما إياه أن يظل في دياجير الجهل مكبلا حبيسا. ولذلك قال عليه السلام (الناس عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله) كما قال في موضع آخر (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه).
كسب الخير هو إذن : تحرير الإنسان من كل مواطن الرق مادة ومعنى.
تلك هي الخلاصة القمينة بهذا. ومما يؤكد ذلك قوله في مرات (وأنفقوا خيرا لأنفسكم) وكثيرا ما يسمي الإنفاق خيرا (وما تنفقوا من خير فلأنفسكم) إلخ .. ذلك يعني أن الخير كله إنما هو تحرير الإنسان قدر الإمكان من براثن الرق مادة ومعنى. أي تحريره من الرق الحقيقي وكذا تحريره من الجوع والظمإ والدين والعري والجهل والإحتلال والنفي إلخ..
هذا درس كبير لا يفوتك يا صاحبي.
عنوان الدرس هو أن إيمانك رأسمال عظيم وهبكه الرحمان سبحانه ليبتليك فيه هل تستثمره في حقول الخير لنفع الناس قدر إمكانك أم يظل رأسمالا مجمدا في صدرك ربما تنفع به نفسك ولكنه لا يمتد إلى غيرك سيما الجار والرحم والمحتاج ممن تعثر عليهم في معركة الحياة جوعى وظمأى وخوفى وعراة وحفاة وجهلى وثكلى وأيتاما وضعفة إلخ ..
إيمانك إما أن تستثمره في حقول تحرير الإنسان من تلك المردات التي فيها يهلك على قدر إمكانك وإما فإنك تستوي (يوم يأتي بعض آيات ربك) مع الكافر الذي لم يسبق له إيمان.
ألا تجد أن ذلك شبه جديد في وعيك؟ خذه بتواضع. الإيمان منزوع الدسم الخيري نفعا للناس من حولك قدر الإمكان يساوي الكفر يوم القيامة. إعمل به. لا تنتظر أن تلفى محتاجا يمد إليك يده فالناس فيهم مزعات حرية ومضغات كرامة. بادر بترتيب صدقة جارية منذ الآن في أي باب (جمعية خيرية مثلا) بمعدل وحدة نقدية واحدة عن كل يوم (يورو دينار).
هذا نذيري لنفسي ولك.
بادر إلى فعل الخير النافع للناس به يتحررون ماليا ونفسيا وفكريا. بادر إلى ذلك ما دمت حيا. فإن لم أفعل فلا عبرة بركوعي ولا بسجودي ولا بعبادتي يوم القيامة. إن لم أفعل أستوي مع الكافر. ذلك هو معنى إستواء مؤمن راكع ساجد عابد منع الخير عن الناس وهو يقدر عليه مع كافر. ذاك مؤمن لم يكسب في إيمانه خيرا وهذا كافر لم يسبق له إيمان أصلا.
آية مخيفة مرهبة.
(67)
لا يحرم من الجنة بعد هذا السخاء الرحماني إلا أشقى الأشقياء.
(من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون).
ضبابية آن لها أن تزول.
كثيرا ما أتعرض لهذا السؤال : كيف يقول سبحانه أنه يدخل الجنة من يشاء والنار من يشاء ويغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء؟ تعرضنا ونحن شباب يافعون في عام 1976 في مدينة جرجيس الشاطئية الجميلة إلى المشكلة نفسها ولما سألنا أستاذ تربية إسلامية قال لنا بالجهل الذي تغرسه المدرسة البورقيبية : أن (من يشاء) معناها : من يشاء من الناس وليس يعود الضمير إلى الله. لم يكن لنا يومها أي علم شأننا شأن كل متدين جديد يحرص في الأعم الأغلب على الكم بدل الكيف والمظهر بدل اللّب. لم نصدقه وإحتفظنا بفهمنا الذي ثبتت صحته من بعد ما تعلمنا أن المشيئة هنا وفي كل موضع إلا قليلا جدا مردها إليه وحده سبحانه. هذه قضية عقدية في منتهى اليسر. الأمر نفسه ثار في نفس زميلة صديقة حريصة على حسن فقه كتاب ربها. تسأل دوما عن هذه المشيئة المحررة أبدا إليه وحده سبحانه. منشأ المشكلة هي أن فهمنا للحرية يشوبه الذي يشوبه من الفهوم الخاطئة. نحن نتعامل بحرية حتى مع الله سبحانه. نريد أن تكون هي الحرية نفسها مع الناس ومع رب الناس. نظن أنه عندما ينسب المشيئة إليه وحده سبحانه غمط لحريتنا أو أن الأمر لا يخضع لقانون بل هي صدف ظلامة فربما يدخل النار يوم القيامة من يستحق الجنة أو العكس. أو لماذا هدي فلان الذي لا نحبه كثيرا ولماذا ضلت فلانة التي نحبها.
تحرير المشيئة وإستخلاصها هو مقتضى الإلهية بالضرورة.
أي إله هذا الذي يذرأ كونا ويجعل فيه كائنا له أن يعصيه غصبا عن إرادته؟ هذا ليس أهلا للألوهية. إله مثل هذا يمكن أن يعبد لزمن ثم يكفر به أو من لدن طائفة فحسب. منشأ الخلط هو تفريقنا بين المشيئة وبين الحكمة. هما وجهان لقيمة واحدة. المشيئة معناها أنه لا يحدث أي شيء أبدا في كونه وخلقه وملكوته دون إذنه وعلمه وتدبيره. الحكمة معناها أنه فعل كذلك حتى يترك للإنسان دون غيره مساحة إرادة حرة لأجل تفعيل أكبر قوانينه أي الإبتلاء. لو فعل الإنسان ما يشاء هو دون تدبير إلهي لكان هو الإله وما عاد يحتاج إلى إله. ولو سلبت منه إرادته وحريته ليؤمن إن شاء وليكفر إن شاء فما عاد للإبتلاء والجنة والنار من معنى. كيف تمتحن كائنا أصم أبكم أخرس أعمى؟ كيف تمتحن عبدا لا يملك حريته؟ ضمن ذلك الإطار نفهم بيسر قضية المشيئة المحررة المستخلصة له وحده سبحانه والتي هي الوجه الآخر لحكمته. عندما يتحرك الإنسان في حياته وفي الكون وهو يؤمن أن فوقه إلها لا يقع أي تدبير إلا بإذنه فإنه يكون إنسانا مؤمنا أما عندما يتحرك مدعيا الإيمان وهو يظن أنه ليس هناك قوة فوقه قهارة مدبرة.. أي إيمان لمثل هذا؟ لذلك ينسب الله سبحانه المشيئة دوما إليه وحده ليعلمنا ويذكرنا أنه الله الذي لا إله إلا هو سبحانه فلا نغتر بما حققنا من نجاحات أو نيأس بما إقترفنا من إخفاقات. طبيعة العلاقة بيننا وبينه تقتضي ذاك. هي طبيعة عابد مع معبود ومالك مع مملوك وصانع مع مصنوع ورازق مع مرزوق.
سخاء رباني وعطاء رحماني لا يضاهى.
كل حسنة بعشر أمثالها. أما السيئة فبمثلها فحسب. بل هي قابلة للتوب في أول مناسبة ولو إستغفارا بالقلب واللسان مع ندم يخالج الفؤاد وحسرة وألم وأمل في التصحيح إلا أن يكون الأمر متعلقا بحرمة الإنسان فإن التوبة لا تتحقق حتى يؤدى إليه حقه. تعال إلى مثال وبالمثال يتضح الحال كما قالت العرب : هب أنك تشتغل مستأجرا عند مؤجر ما. كل بضاعة تبيعها له يثيبك عليها بعشرة أضعاف ثمنها وكل بضاعة لا تبيعها له كسلا منك وتقاعسا فحسب وإيثارا للدعة في وقت دوامك المتفق عليه بينكما يعاقبك عليها بثمنها هي فحسب مرة واحدة ليخصم لك من أجرك الجملي. ومع هذا حدد لك بضاعات أخرى يثيبك على بيعها بأضعاف مضاعفة تصل إلى حد سبعمائة ضعف وهناك بضاعات أخرى تخرج عن دائرة الإحتساب العادي ليكون الثواب عليها لا يتصوره عقل. قل لي بربك : هل أن مستأجرا مثل هذا عند مؤجر مثل هذا يتعرض للخسارة؟ أبدا. تعرضه للخسارة غير وارد أبدا البتة. إنما هو في سباق تنافسي مع بقية المستأجرين. ولله المثل الأعلى سبحانه.
السخاء أعظم والعطاء أكبر وأجزل. ألسنا موعودين بوعد مباشر من القرآن الكريم أن إجتناب الكبائر فحسب يفضي إلى غفران كل السيئات مهما كثرت. يعني هناك بضاعات معينة حتى لو لم تبعها لسيدك المؤجر تقاعسا وكسلا وإيثارا للدعة والراحة فلا شيء عليك ما لم يحصل ذلك التقاعس مع بضاعات أخرى وعددها قليل جدا. ذلك إيماني : حلم الله ورحمته وفضله وسعته وصفحه وعفوه أكبر مما نتصور مجتمعين وأكثر مما ننتظر مادمنا مؤمنين عفوا من الكبر والولوغ في حرمات الإنسان دما وعرضا ومالا.
عود إلى قضية المشيئة.
لا تظنن أن رد المشيئة إليه وحده سبحانه نفي لإرادتك وإعدام لحريتك أو أن الجنة والنار غير محكومين بقانون. لا تظنن أنه سبحانه يدخل النار يوم القيامة من شاء هو حتى لو كان في ذلك ظلم أو يدخل الجنة من شاء هو حتى لو كانت في ذلك محاباة لفلان على شخصه لا على عمله أو له على حساب فلان. لا. الأمر مختلف. تحرير المشيئة إليه وحده سبحانه معناه تحرير الإلوهية له وحده سبحانه. ألا ترى أنه قد حرر لك أنت المشيئة بالكلية عندما قال لك في سورة مكية الكهف (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر). لم؟ لأنه لا يكرهك على شيء ثم يحاسبك عليه. هو يحب لك الإيمان ويرضى لك الجنة ولكن لأجل تكريمك بالعقل والإبتلاء دون سائر الكائنات كلها فإن حكمته تقتضي أن يشاء توفير الكفر وداعياته والإيمان وداعياته وأنت حر مخير إلى أين تتجه. اللهم ثبت قلوبنا على الإيمان بك.
(68)
بين الإسلام والعالمانية : آية في آخر الأنعام.
(قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له). مشكلة قديمة جديدة في فهم الإسلام. أصل المشكلة أن الإسلام بخلاف كل دين سالف هو دين جامع لكل مناحي الحياة ولكل أبعاد الإنسان. لهذه المشكلة صلة بهوى الإنسان وليست مشكلة فكرية فحسب. الدين جاء لقمع الهوى : خطاب لا تكاد تسمع له ركزا. قمع الهوى أي : معالجة الحرب الداخلية الدائرة في الإنسان نفسه بين داعيات العقل وداعيات الشهوة.
العالمانية نقيض الإسلام وبينهما حقول وصل وحقول فصل.
لم يشهد عصرنا قضية فكرية بمثل العالمانية أسالت مدادا بمثل ماء البحر ولن تزال المعركة حولها محتدمة. هي بنت الفلسفة الغربية المادية في إثر إنتصار الحركة العلمية في أروبا قبل قرون قصيرة على السلطان المزدوج بتحالف قيصري سياسي وديني كنسي. أصل العالمانية هي الحرية الفردية لتأخذ الدولة مسافة من الحريات الفردية فمن شاء آمن ومن شاء كفر. العالمانية هناك كانت ثمرة ناضجة طيبة لتلك المعركة إذ لم يكن من الممكن عقلا أن تثمر المعركة إعتناقا للإسلام. ثم سرعان ما إنحرفت مسارات تلك الحرية لتكون صاحبة مسافة من كل دين إلا الدين الإسلامي الذي هو على الضفة الأخرى من المتوسط بل كان هناك في الإندلس وسبقت له إندياحات شرقا وغربا. شهدت العالمانية إنقلابا مدويا إذ سرعان ما تمسحت وتكنست بل تدينت (نسبة إلى المسيحية والكنيسة). ومن أصدق ثمرات التاريخ تروّم المسيحية القادمة من الشرق إلى الغرب لتمسيحه أي أن المسيحية مشرقية الأصل (بيت لحم والناصرة) قدمت إلى الغرب لتمسيحه فكانت الغلبة لروما أي للنكهة الغربية الرومية فما تمسحت روما بل تروّمت المسيحية. العالمانية تنسب إلى العالم أي إلى الدنيا أي إلى العقل المتنصل من الهدى السماوي ولا إلى العلم إلا بمعنى أن العلم شأن عقلي قحّ لا شأن له بهدى السماء.لا فرق بين عالمانية جزئية تعترف بالعقيدة وربما بالعبادة وبين عالمانية جامعة تطرد الوحي بالكلية من الحياة. هو فرق داخلي فحسب.
وتظل مشكلتان محل معالجة (الموقف السياسي و حقول الوصل والفصل).
دعنا مع حقول الوصل والفصل بين العالمانية والإسلام أولا. حقل الوصل الأكبر هو أن كلاهما ينطلق من الدعوة إلى الحرية بحسبانها المنفذ الأوحد من منافذ العقل. الخطاب في الإسلام هو(قل هاتوا برهانكم) و(لا إكراه في الدين) و(من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) و(خلوا بيني وبين الناس). الخطاب في العالمانية هو أن إعادة بناء أروبا الجديدة من بعد دحر السلطان الكنسي لا يكون إلا بإتاحة الحرية الفردية للناس ليتخذ كل واحد منهم ما شاء من دين أو يختار اللادين أصلا والدولة تضمن المساحة الكفيلة بذلك. تلك المساحة اليوم مكفولة للأروبي إلا إذا إختار الإسلام فإنه يضع النظام الإجتماعي هناك في مشكلة عويصة أي بين الخيار العالماني وتحميه الدساتير والقوانين وبين خيار الإقصاء. ذلك هو حاضر المعركة الأروبية اليوم. ثروتها بسبب ذلك في مفترق طريق خطير. الإسلام والعالمانية يلتقيان في حقل واسع من الحرية من حيث الأصل سوى أن العقلاء من هنا ومن هناك لا سلطان لهم. ذلك هو أكبر سلاح بيد الإسلام أي : أسلمة العالمانية وإستيعابها ضمن خطابه المتشدد جدا ضد كل معاني الإكراه وصور الفتنة. عندما يحدث ذلك التلاقح في معركة فكرية متكافئة فإن الحقل الأول حقل التحرر لن يبقي على حقول الفصل بينهما.
دعنا نؤجل المعالجة السياسية إلى حين لنعالج مسألة أكبر. قيام دولة إسلامية لا يعني سلب الأمة سلطانها ومشروعيتها لصالح حكم تيوقراطي إلهي ديني على نحو تكون فيه إجتهادات الدولة وأعمالها متمترسة خلف القدسية الإلهية أو النبوية أو الدينية ويظل المعارض لها معارضا لله ولرسوله. تلك أكذوبة العالمانية عندما إنقلبت على نفسها فأخرت الحرية وقدمت عداوة الإسلام وإجترحت لحربها ضده السلاح ذاته الذي إنتصرت به على المسيحية الكنسية قديما أي النطق بإسم الله وتوزيع صكوك الغفران بما أثمر من إعدام للحرية الفردية. لم تقم مثل تلك الدولة في تجربتنا الإسلامية ولو ليوم واحد. كلمة السر في المعركة : من ينجح في قضية الحرية قولا وعملا ضمن النجاح لمشروعه سواء كان صاحب مشروع إسلامي أو عالماني. عملة الإنسان هي الحرية فمن آمن بها آمن بدينه ونجح في تدينه وإستقطب إليه الناس ومن أخفق فيها إرتدّ وهو لا يعلم بل ربما يحسب أنه يحسن صنعا.
الموقف السياسي غير الموقف الثقافي.
الموقف الثقافي من العالمانية هو موقف الحوار والتعايش السلمي أسوة به عليه السلام في المدينة ما لم تكن هناك خيانات وطنية (بني النضير وبني قريظة). الموقف السياسي يتردد بحسب القوة والضعف. فإما معالجة على أساس المواطنة التامة وإما تحالفات سياسية لدحر الإستبداد أو بناء الدولة على أساس التوافق. (القتال)الثقافي السلمي يغدو تحالفا سياسيا سلميا لتحصين الأمة.
كيف يكون المحيى لرب العالمين لا شريك له؟
يكون ذلك في الحقل العام السياسي بتصحيح الإعتقاد بجماع الإسلام ومن ضمن ذلك لنفسه لا يضيره أن يقصّر في تنزيله بسبب أن تنزيله واجب الناس كلهم ولكن لا يعفيه ذلك من المقاومة السلمية الجهاد بالقرآن كما سماه القرآن بما تسنى له. أما الرضى قلبا لا إكراها بحياة ممزقة تكون فيها الصلاة لله والنسك ويكون فيها ما بقي من الحياة لغير الله سبحانه .. ذلك هو الشرك السياسي الأكبر. ذلك هو شرك المحيى أو شرك الممات. دون الشرك العقدي التوحيدي الأوّل؟ إي. ولكنه شرك في الرضى لا في الإكراه.
(69)
أصحاب الأعراف أو أصحاب الملفات المرجأة.
تسمّت بإسمهم سورة مكية طويلة (الأعراف). سياق الحديث عنهم يسعفك بيسر أنهم جماعة من الناس يظلون فوق الأعراف (جمع عرف وهو ما علا وإرتفع كعرف الديك والعرف التقليدي الذي عرفه الناس وألفوه حتى أضحى بينهم عاليا مرفوعا). يبدو أن مكان الأعراف المرتفعة في صورة هضبة أو جبل واقع بين الجنة وبين النار. أصحاب الأعراف لا هم ممن إستحق الجنة بيسر فدخلوها ولا هم ممن إستحق النار بيسر فدخلوها. أحسن تعبير معاصر عنهم أنهم أصحاب الملفات المرجأة. كما يفعل قضاة الدنيا عندما يختلط بملف المتهم أو المدعى عليه ما يحتاج إلى إستكمال بحث ولله المثل الأعلى سبحانه. الأرجح أنهم مؤمنون إذ لا يطمع الكافر بدخول الجنة يوم القيامة أبدا (لم يدخلوها وهم يطمعون). ربما قصر بهم إيمانهم فكانوا من الذين آمنوا ولم يكسبوا في إيمانهم خيرا. قال بعضهم أنهم من تراجحت سيئاتهم وحسناتهم أي تساوت. تأويل قريب. التساوي هنا نادر بسبب أن سعر الحسنة في حساب المؤمن عند ربه عشر حسنات على الأقل. أخبرنا سبحانه أن أصحاب الأعراف ممن أجلت ملفاتهم فلم يحسم فيها ولكنهم مؤمنون قطعا حتى لو لم يكونوا مسلمين في الدنيا أو أتوا فواحش وموبقات مهلكات نسفت كل عمل صالح قدموه. هم في حالة حوار مع طرفي أعرافهم التي عليها يجلسون ناظرين مصيرهم : أصحاب الجنة وأصحاب النار. وهؤلاء أيضا بدورهم في حالة حوار هناك من وراء حجاب. ومن السياق ما نفهم منه ظنا لا قطعا أن أصحاب النار صرحوا يوم القيامة أن أصحاب الأعراف لن يدخلوا الجنة ولكن الله سبحانه لا يوئسهم من طمعهم فيها فيأذن لهم بدخول الجنة وبذلك يكتمل المشهد القضائي التعقيبي الأخير ليوم القيامة (فريق في الجنة وفريق في السعير). وما مرحلة الأعراف إلا مرحلة بينية مؤقتة لحكمة يريدها سبحانه.لم ترد كلمة الأعراف في القرآن في غير هذا الموضع فما لنا من حيلة سوى التركيز على السياق لحسن فهم الأعراف ورجالها.
ما الذي يهمنا في قصة الأعراف؟
1 هو مشهد من مشاهد الغيب يعالجها الوحي الكريم بإطلالة سريعة تجمع بين جلاء هنا وخفاء هناك. هنا حكمة بالغة يمتحن فيها الفؤاد. الحكمة هنا هي أن من آمن فؤاده إيمانا صحيحا بالأصول العقدية العظمى (الله سبحانه واليوم الآخر والرسل) يظل راسخا على ذلك ثابتا عليه فما تزيده المواضع الظنية وهي كثيرة في القرآن الكريم نفسه سوى إيمانا على منوال قوله سبحانه (والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا). دعني أعطيك مثالا وبالمثال يتضح الحال كما قالت العرب. أنت تثق في أبيك وتحبه وتخشاه. أحيانا يكلمك أبوك بكلام تعي بعضه ولا تعي بعضه الآخر. أنت تنفر لتنفيذ ما فهمت منه ولا يخامرك شك في أن ما لم تعه منه لا يبطل ثقتك فيه ولا يلغي حبك إياه ولا يخدش من مكانه في قلبك. ولله المثل الأعلى سبحانه.
2 الناس في هذه الدنيا أنواع لا يحصيها حاص. كون أصحاب الأعراف ممن تساوت حسناتهم بسيئاتهم أو ممن نسف الظلم حسناتهم أو ممن آمن ولم يفعل خيرا أو من الذين لم تبلغهم دعوة الإسلام أصلا فهم أصحاب فترة (قولك أصحاب فترة أصح من قولك أصحاب فطرة كما يقول الناس ويكتبون) إلخ .. إحتمالات التأويل هنا لا تحصى لأن تصوراتنا هنا محدودة بالزمان والمكان وحجب كثيفة كبيرة.. كونهم هؤلاء أو أولئك لا يغير من الأمر شيئا إذ المقصود إمتحانك أنت بقصة الأعراف هل تعدّها ظنية وهي كذلك في جزء منها فتلحقها بالقطعي أم تعلو فيها صهوة عقلك حتى يطيش حدّة ثم يقتلع ما فيك من إيمان أصلا.
3 قوله (رجال) متحدثا عن أصحاب الأعراف لا يعني الرجولة الجنسية الفحلية طبعا. هذه الصيغة الصرفية تعني أن عددهم ليس كثيرا. ليسوا هم أمة. يقيني دوما هو أنه عدا الكافرين يندر جدا ولا يستحيل أن تلفى مؤمنا تساوت حسناته مع سيئاته لأن نظام الإحتساب (مجلس الأساتذة) يرفع كل حسنة مهما كانت صغيرة إلى عشرة أضعاف في حين أن السيئة تظل واحدة فحسب بل ربما تغفر في أول عملية إستغفارية سيما إذا لم تكن ذات مضمون عدائي على الإنسان مالا وعرضا ونفسا.
4 خطابهم من فوق أعرافهم يوحي بأنهم كانوا مؤمنين في الأصل (سلام عليكم) إلى أهل الجنة. ودعاؤهم(ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين) وقولهم لأهل النار(ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون).لم يكونوا لا مشركين ولا كافرين بأي ضرب من ضروب الكفر الأكبر المخرج من الملة ولم يكونوا خاصة مستكبرين لا على ربهم بكفر وجحود ولا على الناس.
الخلاصة.
1 قراءة في سورة الأعراف التي إحتضنت مشهد الأعراف توحي بتفاعل خمسة أركان تشد السورة وتساعد على فهم قضية الأعراف. تفاعل بين الآدمية الأولى حيث أصل المعركة المحتدمة بين إبليس وبين آدم وخلاصتها أن ذنب الكبر لا يغفر وذنب الشهوة يغفر.. وبين داء الكبر الذي لوّن السورة فهو يصحبها أينما حلت وإرتحلت.. وبين القصة الإسرائيلية الجامعة بين الكبر وبين الإلتواء الحربائي وقد إحتلت من هذه السورة جزء كبيرا .. وبين منزع إرجائي تردد في السورة (سيغفر لنا) و(قد مس آباءنا السراء والضراء).
2 مشهد الأعراف ترهيبي رسالته : الإيمان وحده مهما كان صحيحا فإنه قد يحبس صاحبه فوق الأعراف ليظل سجين أمل مشوب بألم وعيناه واحدة على نعيم الجنة والآخرى على جحيم النار. الإيمان رأسمال لا بد منه لخوض معركة الحياة ولكن إحرص الحرص كله على عدم وأده بسرطان الكبر وبسرطان الإرجاء معا. حياتك قصيرة جدا وهي مجموعة أيام كلما إنقضى منها يوم لم تفعل فيه خيرا يزكي إيمانك إنقضى منك بعضك. الوقت سلاح ذو حدين فإما وجهته لحاجتك وإلا فهو موجه إليك بفوهته ليقطعك إربا إربا.
(70)
أولوية الإسلام هي : تحرير الإنسان قبل دعوته إلى ربه.
تلك حقيقة نطق بها القرآن الكريم نفسه إذ قال في شأن بني إسرائيل متوسعا في قصّ أمرهم علينا في أول سورة بالترتيب أي الأعراف (فأرسل معي بني إسرائيل) وهي أول كلمة في الحوار بين فرعون وبين موسى عليه السلام. كانت مناخات الخوف سائدة وربما كان موسى عليه السلام يدعو سرا أو من يثق بهم فحسب (فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم). قصّ علينا ذلك في يونس المكية. يؤكد مطلب موسى عليه السلام الوحيد من فرعون في سورة طه المكية (فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم) وهو مطلبه نفسه في سورة الشعراء (فقولا إنا رسول رب العالمين أن أرسل معنا بني إسرائيل). كان مطلب موسى الأول في أول لقاء مع فرعون هو : إرسال الإسرائيليين معه لإنجائهم من التعذيب الذي يلاقونه. ومن أقوى ما يؤكد أنه لم يميز في رحلة الفرار بين مؤمن وغير مؤمن من بني إسرائيل قوله سبحانه عنهم من بعد عبورهم البحر الأحمر وغرق فرعون (فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى إجعل لنا إلها كما لهم آلهة). إما أنه كان يدعو سرا فحسب أو من يثق به فحسب وفي كل الأحوال فإن قضيته الأولى معهم لم تكن دعوتهم بل تحريرهم من بطش فرعون أولا والخروج بهم إلى حيث أمره ربه سبحانه. الأمر نفسه حدث مع محمد عليه السلام إذ كان يحض أغنياء المسلمين الأوائل في مكة على تحرير العبيد سيما من آمن منهم وأشهر حدث في ذلك هو تحرير أبي بكر لبلال عليهما الرضوان. تالي القرآن الكريم يلفى بيسر أن الحض على تحرير الرقيق يحتل حيزا كبيرا بل جاء في كل كفارة تقريبا.
ما هي الرسالة؟
يفهم من ذلك أن أولوية الأولويات في إلاستراتيجيته الدعوية هي : تحرير الإنسان أولا ثم دعوته إلى ربه سبحانه بالحكمة والموعظة الحسنة بلاغا مبينا لا إكراه فيه إمعانا في تنفيذ القاعدة الذهبية العظمى في معالجة الإنسان بالحرية (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).
لم نتوجس نحن اليوم من هذا؟
1 نتوجس نحن اليوم من مثل هذه التقريرات المستنبطة من القرآن الكريم نفسه بسبب أننا في الجملة صنعنا بثقافة تقدم الدين بطريقتنا نحن وتؤخر الإنسان والحرية. أسباب متراكمة متبلدة في تاريخنا وتراثنا حالت دوننا ودون تنزيل الحرية الإنسانية مكانها المتقدم في عملية التدين. الذين درسوا التاريخ يدركون أن النذير النبوي تحقق فينا بسرعة فكانت آثاره قاسية علينا سيما نحن الذين بيننا وبين تلك الحقبة مساحات تاريخية واسعة. لما قال عليه السلام (لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة : أولها الحكم وآخرها الصلاة) إنما كان يقول ذلك وقلبه ينزف دما فهي نذارة في ثوب نبوءة وليست نبوءة فحسب بمثل قوله عليه السلام أن (مدينة هرقل) تفتح أولا أي القسطنطينية قبل رومية. هما نبوءتان و مؤكد أنه أفصح عن الأولى متألما وعن الثانية آملا فرحا.
2 هناك قواعد راسخة في الخطاب القرآني العظيم لم نفقهها حق فقهها من مثل نفي الإكراه (لا إكراه في الدين) وما ينبجس عن ذلك من تقرير للحرية الإنسانية. إنقلبت الأمور من رأسها سريعا في تاريخنا فأحدث ذلك الإنقلاب إنقلابات وتشوشات وإضطرابات جانبية أخرى في حقول ومناشط أخرى مهمة ونحن اليوم صنيعة كل ذلك.
3 لذلك يعزى جزئيا لا كليا لجوء جماعات إسلامية كثيرة إلى الإكره طريقا إلى الهداية. كثير من المنسوبين إلى الدعوة والعلم من غير المنتسبين إلى تلك الجماعات ليسوا بغرباء كثيرا عن ذلك المنهاج الدعوي الذي لا يعرض الإسلام وما فيه من جمال وزينة عرضا أخاذا مغريا بسبب تقديمهم الترهيب على الترغيب والنار على الجنة والعقوبة على الثواب واليأس على الأمل. الإنسان كائن مركب سريع التفلت والتقلب فإن لم يظفر بطبيب ماهر يعرف كيف يستأصل داءه دون تنفيره منه حتى لو آلمه فإنه يظل كما هو.
4 نتوجس اليوم من ذلك لأننا نشأنا في بيئات تقدم خطاب الحرية والكرامة والسعادة ورغد العيش في الخطاب السياسي والإعلامي وليس على أفواه المنسوبين إلى الدين ودعوته. نشأنا على أن الحرية مفردة سياسية وليست مفردة إسلامية دينية شرعية بل هي خطة الأنبياء والمرسلين لهداية الإنسان. نشأنا على أن الغرب الذي قدم الحرية تسيبت نساؤه تعريا وتبرجا وأن الشرق الذي لفظ الحرية مبنى ومعنى تسترت نساؤه فصنعتنا البيئات على أساس أن الحرية مناط كل شر. لم نهتد إلا قليلا إلى أن الحرية سلاح ذو حدين وهي ككل قيمة يمكن توظيفها لتكون مناط خير للإنسان أو تكون مناط شر.
خذوا عني هذه فحسب.
تجربتي في الحقل الدعوي في الشرق وفي الغرب معا وعمرها أربعة عقود كاملات تقول لي أن الله سبحانه لن يخلف وعده الماضي في جعل أسطورة كل قوم هي مناط هدايتهم أو سبب هلاكهم. علمنا سبحانه أن يجعل من الأمر الذي شغف به الناس إما سبب هداية أو سبب هلاك. كان ذلك مع فرعون وقومه في قضية السحر بل كان ذلك مع البيان البلاغي المعجز السليق في رسالة محمد عليه السلام لعشيرته الأقربين (قريش). حدسي يقول لي أن الغرب النافذ منه والمعادي الذي يدلي بتقدمه العلمي به وبإسمه ينسف وينهب ويسلب ويتعالى سيهزم بالسلاح نفسه من لدن الإسلام نفسه إما بإهتداء بعضه وهو يعلم أن العلم الذي به يتبختر له في الإيمان أصل آصل وإما بظهور علامات علم وأمارات معرفة معاصرة تبزّ الغرب نفسه مبرزة أن الإيمان محراب علم وعتبة معرفة أو بالأمرين معا. إرهاصات ذلك بادية اليوم سوى أن الإعلام البليد يغمط ذلك. ذلك حدسي وذلك إيماني سوى أن العمر الدالف سريعا إلى القبر لا يسعفني لأرى مصداق ذلك في الواقع.
(71)
معروف وطيبات ويسر .. تلك هي معاقد رسالتك. (1).
جاء في الأعراف (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم). هي أركان الرسالة الإسلامية الخاتمة وعلى ورثة الأنبياء حسن فهمها لحسن تمثّلها وإبلاغها وبناء الحياة على منوالها.
كل ما أمر به الإسلام معروف.
أمر بالإيمان لأنه معلوم فطرة وتجربة أنه يعصم الشخصية من التذبذب والإنفصام في إتجاهها العام في الحياة إذ لا يتسنى ذلك لمن يعبد شيئا مذبذبا كالهوى مثلا أو من يؤمن بالإزدواج الإلهي فإن أرضى هذا الطالب أغضب ذاك. كما أمر بالإيمان لأنه يحصن النفس من العاهات الروحية المنتشرة اليوم من مثل الإنسحاق أمام السحر وبين يدي المصائب والأوجاع ويؤسس لشخصية متوازنة فلا هي متورمة الكبر ولا هي خاملة تداس بالنعال. ما سألت مسلمة ألمانية من بعد إسلامها مباشرة لم أسلمت إلا قالت : لم يكن لحياتي من قبل الإسلام معنى. أمر بالصلاة والصيام والزكاة والحج لتزكية النفس وتربية الروح وتطهير منافذ الجشع والطمع والأثرة والكبر في الإنسان. الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وتعلم التواضع والتوازن بين الدنيا وبين الآخرة كما تعلم الجماعية وفقه المشاركة وفقه الإصلاح السلمي (عندما يخطئ الإمام فتصححه بكلمة). الصيام يعلم التقوى والشكران ويذكر بالنعمة التي حرمها الجوعى ويبعث على فعل الخير ويعلم المساواة وينمي في الإنسان مكابح الهوي على الدنيا كما يهوي الذباب على القاذورات. الزكاة مطهرة وتزكية (تطهرهم وتزكيهم بها). تعلم التوازن حيال المال والثروة وتعلم التخطيط الإقتصادي والإستثمار والصفق أن يخلد المال إلى النوم فتفترسه الزكاة. تنمي بواعث التراحم والتكافل بين الناس.الحج مدرسة للتعارف بين الناس بل مؤتمر سنوي للنظر في حصاد عام فات ومعالجة تحديات عام آت. يعلم المساواة ويذكر بالبعث والنشور ويربط بالملة الإبراهيمية وبمقاومات إسماعيل رمز الفداء وأمه هاجر رمز الأمل الضارع. الحج فترة إستراحة للنفس من تعب الدنيا وضجيج المال وإكتظاظ المواعيد. الحج رمز للتوحيد الخالص الصافي بكعبة واحدة وقبلة واحدة وشعائر واحدة في زمن واحد ومكان واحد وإنسان واحد.
كل ما نهى عنه الإسلام منكر.
نهى عن الشرك وكذا أنواع الكفر كلها لأن النفس الكافرة نفس جحود لا تشكر الأولى بالشكر أي الله سبحانه الذي خلق فسوى وأنعم فهدى. هذه النفس لا يرقب منها شكران لأيّ كان في الدنيا وإن فعلت فهو شكران النفاق سرعان ما يذهب بددا. نفس يحكمها القانون والخوف من الناس أما قانون رب الناس والخوف من إله الناس فلا مكان له فيها. نهى عن عقوق الوالدين للغرض ذاته. النفس التي لا تحسن إلى أصلها الأول نفس لئيمة لا يرجى منها خير. نهى عن العدوان على الإنسان لأن العدوان على الإنسان عدوان على النفس(من نفس واحدة). عندما ينداح العدوان على الإنسان ينبسط الخوف فتنقبض العمارة ولا تتنفذ إرادة الله سبحانه لولا أنه رسخ في كونه وخلقه قوانين من مثل التدافع الذي به يدفع الخير الشر ثم يدفع الشر الخير ومن ذا تنشأ حركة وحياة وإبتلاء جديد وتمضي إرادته. نهى عن السحر لأنه ينثر التبطل والتعطل ويعلي من قيم التواكل والإحتيال وبذا لم تعد بنا حاجة إلى العمل. نهى عن القول عليه بغير علم حتى تتوحد المصدرية التشريعية الواحدة فتنضبط حياة الإنسان إذ الكون كله دولة واحدة يقضي فيها سبحانه بما يشاء وهو من يدبر أمرها وأنزل إليها قانونها الذي يحميها وإستأمن الإنسان على ذلك مستخلفا فعلمه ما لم يعلم. ذلك بعض ما نهى عنه فحسب ولا يتسع هذا المجال لعرض كل ما نهى عنه وكشف منكوره.
كل ما أحل الإسلام طيب.
أحل من المأكولات أطيبها وكذا من المشروبات والملبوسات والمنكوحات والمركوبات والمرئيات والمسموعات والمسكونات والمعلومات. نتبيّن ذلك بضده في الفقرة الموالية.
كل ما حرم الإسلام خبيث.
لم يحرم الإسلام من المأكولات كلها سوى الميتة أو ما في حكمها كالموقوذة وغيرها وكذا الدم المسفوح ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به وما في حكمه كالمذبوح على النصب. وما عدا ذلك كله من المأكولات مباح حلال. أما شأن هذه الأخيرة فإن علة التحريم علة فكرية فليس التحريم بسبب لحمها ولكن بسبب إشتراكها مع (الأضاحي) الشركية القديمة الجديدة فهي ضارة خبثا نفسيا فكريا لا ماديا. وأما الأولى فبسبب أنها ضارة خبيثة خبثا ماديا لضرورة خروج الدم منها ولذلك وجبت الذكاة(الذبح). الدم ضار دون ريب لذلك حرّم وبالذكاة يخرج أكثره وما ظل لصيقا لا إعتبار له لقلته. اللحم الوحيد الذي حرّم بالكلية هو لحم الخنزير. لم؟ إكتفى بعلة أنه(رجس). الرجس إما أن يكون معنويا ويلحق الخنزير هنا بما حرمته السنة الصحيحة تحريم السنة بالمعنى الأصولي فيما لم يرد فيه قرآن هو تحريم تكريهي وعادة ما يكون معللا أي بلحم ذوات الأنياب من السباع وبذوات المخالب من الطير وذلك بعلة الحفاظ على إنسانية الإنسان فلا يغدو لفرط أكله مثل ذلك سبعا مفترسا إذ يبعث فيه ذلك منزعا حيوانيا كاسرا يعدو به على أخيه الإنسان. الخنزير من هذه الناحية رجس أي رجس معنوي. كما يكون الرجس ماديا وترددت كلمات العلماء هنا فمنها ما يتجه إلى أن الخنزير حيوان ديوث ومعلوم أن الإنسان إبن أكله وشربه وملبسه ومهجعه ومنكحه أي إبن بيئته التي تحضن كل ذلك. ومنها ما يتجه إلى أن رجسية الخنزير هي رجسية لحمية أي في مكوناته خبائث كدودة أو مثل ذلك. المؤكد أنه (رجس) بالتعبير القرآني. وقد يكون مزدوج الرجس ماديا ومعنويا. وسيكشف العلم يوما على الخبث الحقيقي الصحيح الذي لأجله حرّم علينا. وحتى ذلك الأوان نحن نقول (سمعنا وأطعنا).
(72)
معروف وطيبات ويسر.. تلك هي معاقد رسالتك.(2).
توقف بنا الحديث السالف في أن (كل ما حرم الإسلام خبث). وتحديدا فيما يتعلق بالمأكولات التي لم يحرّم منها سوى الميتة وما في حكمها بسبب الدم الضار الخبيث أو لحم الخنزير. وما عدا ذلك كله مباح حلال وتبقى العملية القياسية أصلا إجتهاديا للناس ليلحقوا في المأكولات كل ضار خبيث مما لم ينص عليه أو لم يكن موجودا معهودا في زمن التنزيل إذ (النص متناه والحدث لا متناه) بالتعبير الأصولي. ولم يحرم الإسلام في المشروبات سوى الخمر معللا ذلك بالسكر الذي يذهب بالعقل جزئيا أو كليا ومن فقد وعيه ذهب عنه التكليف فهو في عداد الحيوانات التي تملأ الأرض وليست مكلفة بعمارة ولا بإقامة عدل. ثم قيس عليها من بعدها كل ما إشترك معها في علة ذهاب العقل الذي به أكرم الإنسان وكلف من مثل المخدرات والسجائر وما سيحدث الناس حتى يوم القيامة من مسكرات تأخذ حكم الخمر. وأي خبث أخبث على الإنسان من تناول شيء أكلا أو شربا يذهب بعقله وهل العقل إلا السلاح الذي به يقاتل المرء في حياته كدحا وسعيا؟ فمن فقد عقله كمحارب فقد سلاحه فهو فريسة سائغة لعدوه بل هو أسير ذليل.
وما خبث الملبوسات والمنكوحات وغيرها؟
خاصية الخبث تلون مرفق الإنسان فيصبح حراما. حرم الإسلام من الملبوسات ما كان فاضحا يكشف العورات المغلظة وما فوقها للنساء خاصة. أي خبث في ذلك؟ خبث ذلك هو الحيلولة دون تشبه الإنسان المكرم بالحيوان. ألا ترى أن العورة جعلها سبحانه في مكان من الجسم غائر بطبعه بحيث لا تكشف العورة إلا بعناء وجهد. لو كانت العورة في الوجه مثلا أو الصدر لكان سترها علينا شاقا معنتا. خبث الملبوس للمرأة هو الذي أحيط بشيء زايد. لم؟ مكمن الخبث عندما تكشف زينة المرأة عدا الوجه والكفين والقدمين هو خبث الغواية التي تفرض على الرجل الذي غرز فيه سبحانه حب شهوة النساء فطرة وجبلة فلا حيلة له في ذلك(زين للناس حب الشهوات من النساء). حتى لو لم تقصد المرأة إغراء أو غواية فإن الرجل ينجذب إلى ذلك إنجذابا لا عيب فيه ولا إثم فيه أصلا إلا أن يتحول الإنجذاب إلى جماع أو مقدمات جماع وما نهينا عن مد البصر إلا بسبب أن البصر بريد الفؤاد كاللسان فهو الخطوة الأولى إلى الحرام. بعضنا لا يحسن فهم ذلك فهو عنده حجر على المرأة وحبس لها. هو حجر على قاعدة أن (الدنيا جنة الكافر وسجن المؤمن) وعلى قاعدة الإبتلاء أن تتحول الأرض إلى ساحة سفاح وقد جعلت ساحة وغى نقاتل فيها الجهل والفقر والقهر.
أما خبث المنكوحات التي حرّم علينا منها 15 ضربا فهو في عمومه الغالب لبناء مسافة ود وحب وحرمة كافية بين مكونات المشهد الرحمي القريب فلا يوفي المرء قدر أبيه عندما يتزوج إمرأته ولا أمه وأخته وإبنته ومرضعته وأخته رضاعة أو يجمع بين الأختين في بيت واحد لا بد أن تعتريه المشاكل فتتقطع الأرحام التي جاء الإسلام لبناء وحدتها ليشيد بها وحدة إجتماعية متأبية عن الإنصداع. هي محرمات معنوية روحية في غالبها. أليس الإنسان إنسانا بجهازه النفسي وشخصيته الفكرية وليس ببنيته البدنية التي يفوقه فيها الحيوان؟
أجمل (نسبة إلى الإجمال) قاعدة هنا هي قوله عليه السلام(كل وإلبس ما أخطأتك خصلتان : سرف ومخيلة). كل المطعومات من أكل وشرب مباحة إلا ما هو دون عدد أصابع اليد الواحدة وكذا كل الملبوسات والمسكونات والمركوبات والمرتفقات كلها إلا ما يخل بالحياء الذي هو دثار الإسلام وزينته وحلية الإنسان أو ما كان باعثا على السرف أي التبذير الذي يحجب عنا شكر النعمة وذكر المحرومين أو على المخيلة وهي الكبر بما يبعث فينا العدوان على الناس سيما المستضعفين منهم. كل ذلك خبث حرمه الإسلام.
كل ما شرعه الإسلام يسر.
هذا هو المعقد الثالث من الرسالة التي تضع (عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم). أي رسالة اليسر في مقابل التشديد الذي فرض على بني إسرائيل بما شددوا على أنفسهم.
شرع عقيدة ميسرة نتحرى فيها أكثر ما نستطيع من قيم التنزيه للسبوح القدوس سبحانه دون ان نكلف أنفسنا بما لا قبل لنا به سواء مما تحدثت به نفوسنا ما لم نجهر به أو مما يقع فيه بعض أهل الكلام ومنهم من يزعم نقض الكلام وهو متكلم من تعمق بليد في صفات الله وأسمائه يزعم نبذ التشبيه والتجسيم وهو واقع فيه أو نبذ التعطيل وهو متلبس به أو يزعم تفويضا يحول دونه ودون فهم ما لا بد منه لتجديد إيمانه وشحذ رساميله أو تأويلا في غير محله. لم يكن الأصحاب مثل ذلك أبدا ولم ينقل إلينا أن واحدا منهم عني بذلك. لم لا نكون مثلهم إيمانا صحيحا وعميقا عفوا من أسئلة الفارغين؟ ما يقال في اليسر يمكن لك أن تستبدله بالوسطية والإعتدال والتوازان. كلها كلمات مختلفة لقيمة واحدة. شرع عقيدة متوازنة بين دهرية إلحاد بالتعبير المعاصر عنوانها (أرحام تدفع وأرض تبلع) وبين تيوقراطية تتقمص منزلة الله سبحانه في التشريع والقضاء والحكم فما تقضي به فهو الحق الإلهي المطلق الذي لا يعد معارضه إلا معارضا لله نفسه. شرع عبادة تزكينا بيسر فلا تحملنا ما لا نطيق حتى يقول الصحابي كلمة الكفر لعدم تحمله العذاب ويشجعه عليه السلام بقوله(إن عادوا فعد). شرع عبادة لنا فيها رخص في التطهر بالتراب والجمع والقصر وبذل المال بدل الصيام لغير القادر ولا حج فيها لغير المستطيع وفيها التوكيل في بعض العبادات.
تلك هي الرسالة في جوهرها : لا تأمر إلا بمعروف ينفع الناس في الدنيا قبل الآخرة ولا تنهى إلا عن منكر يضرهم اليوم قبل غد. ولا تحل إلا طيبا ينفع الناس نفعا ماديا ومعنويا اليوم وغدا ولا تحرم إلا خبيثا مضرا ضرا ماديا ومعنويا اليوم وغدا. ولا تشرع كل ذلك إلا بيسر يراعي الضرورات والحاجات.
(73)
أنت مؤمن بالأصالة يوم لم تك شيئا..
(وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا). أصل الإنسان الجنة فهو مهده الأول الذي فيه خلق وفيه إمتحن ولولا أنه خسر الجولة الأولى في الإختبار لما أهبط إلى الأرض ليكتب عليه الكدح ولكنها إرادة الله سبحانه ولا راد لقضائه. بمثل ذلك فإن أصل الإنسان الإيمان وليس الكفر.
متى كان ذلك الأخذ؟
أغلب الناس على أن ذلك كان فيما يسمونه عالم الذر أي قبل خلقنا أصلا وربما قبل خلق أبينا آدم عليه السلام أو في تلك الأثناء قبل إندياح البشرية تناسلا. البحث عن توقيت ذلك الأخذ بدعة لا خير فيها. لو كان توقيت ذلك لازما لرسالتنا لما تأخر البيان عن وقت الحاجة كما يقول الأصوليون. تلك هي طبيعة القرآن الكريم. تطل علينا بشيء يظل لا هو صريح صراحة كاملة مطلقة فلا تختلف فيه العقول ولا هو ضنين بصراحة ضنا يجعل الناس يعرضون عن البحث فيه. حكمة بالغة لحث الناس على الإجتهاد والبحث والعلم والمعرفة وتبادل الحوار والتشاور للظفر بالحق في أي مسألة وهي الحكمة البالغة إبتلاء للناس هل يكون ذلك لدعم المحكمات القطعيات (أم الكتاب) وهل يكون ذلك منهم بتعاون وتكافل وتعايش سلمي رائدهم الحق وليس الكبر أو الإضلال. حكم الله في كل شيء لا منتهى لها.
هناك رأي آخر يتجه إلى أن ذلك الأخذ كان ضربة لازب على ظهر كل مولود جديد عندما يستوي في رحم أمه وهو عندها إنسان شبه كامل يحرم قطعا إجهاضه إلا بإشارة طبيب. المقصود الشرعي هنا ليس الخلاف حول زمن ذلك الأخذ ولا بأس من الإختلاف حوله فهو مظنون متشابه لا محكم. المحكم هو أن الله سبحانه لقننا الحجة البالغة ونحن في عالم الغيب سواء قبل خلقنا أصلا قبل آدم أو في أثنائه أو في أرحام الأمهات. المقصود المحكم هو أن الإنسان مسلم مؤمن مطيع لربه سبحانه بالفطرة والسليقة والجبلة والغريزة. لو إجتمعت كل عقول الدنيا لتبحث عن تلك الكيفية أو عن مكانها وزمانها فلن تخلص لشيء. فلم يعد لنا من سبيل سوى الفيئ إلى المحكم والإعراض عن المتشابه إلا حوارا بناء بين أهل الذكر.
بقية السياق يؤكد المسؤولية الفردية.
(أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم. أفتهلكنا بما فعل المبطلون). فعل ذلك سبحانه بنا لأمرين : لغرزنا بحقنة تطعيمية جبلية فطرية راسخة فلا نتولى إلى الكفر من بعد تلك المرحلة(الذرية) تماما كما يحقن أي واحد منا في طفولته بمصل طبي يحصنه ضد أي مرض. هي حقنة عقدية قيمية كأنها رأسمال عتيد متين يتحصن به المرء عندما يكون في الحياة الدنيا مخيرا بين الكفر وبين الإيمان. هذا يشعر به الغربيون ممن نشأ وشب وترعرع في بيئات لا علاقة لها بالإسلام لا من قريب ولا من بعيد. نحن لفرط الإلف والعادة لا نكاد نشعر بذلكم من شيء. الأمر الثاني الذي لأجله فعل بنا ذلك سبحانه هو ما كشف عنه السياق أي ليتحمل كل واحد منا منذ تلك اللحظة (الذرية) لحظة ما قبل الوعي مسؤولية الفردية الشخصية كاملة. لا سبيل للقول يوم القيامة أن أبي مهما علا أو سفل كان كافرا ولست سوى من القبيلة التي عناها الشاعر بقوله ( فإن رشدت رشدت وإن غوت غويت). قاعدة الإسلام هي : لا تزر وازرة وزر أخرى. وهي قاعدة قضائية دولية شهيرة.
ذلك هو الإسلام : بساطة القوي ويسر العظيم.
الإسلام موضوع لكل الناس فلما تلقاه الأعرابي يرعى إبله قال بلسان الفطرة الأصلية : الأثر يدل على المسير والبعرة على البعير وسماء ذات أبراج ألا يدل ذلك على الله الكبير المتعال؟. تلك الفلسفة القوية ببساطتها يلتقطها العالم الكوني المتبحر في مخبره المعاصر المتطور ليعرف ربه سبحانه من بعد إجراء تحليلات ودراسات وكشوفات مادية ومعالجة بضع معادلات رياضية وفيزيائية وكيميائية (إنما يخشى الله من عباده العلماء). هي الحقيقة ذاتها وهي مبسوطة لذلك الأعرابي ببساطته القوية ولهذا العالم في مختبره الكبير ببحوثه المشتبكة. مظهر من مظاهر قهر الله فوق عباده وإحاطته بهم وبكل شيء.
سلاح الدعاة اليوم خطاب الفطرة.
أنجح الدعاة من ملك لسان الفطرة يخاطب به الناس ليس بلسان مقاله فحسب بل كذلك بلسان حاله. سلاح الدعوة اليوم هو القدوة الحسنة والأسوة الطيبة. الناس اليوم تغلب عليهم المصلحة والمنفعة والنتيجة والمعاملة وغير ذلك. لأنهم يعيشون جميعا في بيت زجاجي صغير ضيق فهم في حالة إحتكاك. كان من قبلنا يعول على القول لأنه في حالة إرتحال وليس في حالة إحتكاك دائم مع المتكلم. من آفات الدعوة الإسلامية اليوم أنها ظلت مشدودة في وسائلها وخطابها وفنونها إلى الماضي. ليس لنا من الماضي سوى المضمون أما ما عدا المضمون فكله معرض للتغيير. أنجح الدعاة اليوم من يملك لسان الفطرة وأنجحهم من يملك لسان العصر ليعرف الناس بمقاصد الإسلام في الحقول التي تطحن الناس طحنا. ليس معنى ذلك أن نقتل أنفسنا ونبخعها لأن القلوب بيده وحده سبحانه ولأن الكفر باق ما بقيت السماء والأرض. إنما هي توازنات تتردد لإمضاء سنته ( وتلك الأيام نداولها بين الناس).
الدعوة إلى الله وإلى الجنة هي دعوة إلى الرجوع إلى البيت الحاضن الدافئ وإلى الأسرة الكريمة الطيبة وإلى الأصل المرحب بصاحبه. إلى القرى الأول الجميل. ليس هي بدعة. إنما البدعة هي الدعوة المضادة أي إلى الخروج من ذلك البيت الحاضن الدافئ الذي أخرج منه أبونا آدم لمعصية.
(74)
المرتدّ عن الإسلام مثله مثل الكلب ..
(واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين. ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض وإتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون).الأعراف.
لكم تسحرني أمثال القرآن.
التمثيل فنّ عربي يوظف للبيان وهو تمثيل لفظي عرفت به العرب وتمثيل جسدي وهو الفن المسرحي المعروف. الإنسان الذي أوتي البيان يتواصل مع من حوله بألسنة ليس الصوت أولها ولا الجسد آخرها. كل ذلك لأجل تزويده بما يحتاجه لعمارة الأرض. في القرآن زهاء أربعين مثلا ومثلها من القصة لأجل هداية الإنسان. أعرف الفرنسية والإنجليزية والألمانية معرفة أظنها كافية ولا أجد فيها من فنون التمثيل ما أجد في لسان العرب.
قصة ردّة لإسرائيلي راسخ في العلم .
قيل إن إسمه (بلعام) ولا تهمني الأسماء إذ يعرض عنها المنهاج القرآني لتكون العبرة بالدرس والموعظة. هي قصة عالم راسخ في بني إسرائيل (آتيناه آياتنا). فأنسلخ منها. لم ينسلخ عنها بل إنسلخ منها. لم؟ لأن المنسلخ من الشيء يخسر مكانه كأن الذي إنسلخ منه كان له حضنا دافئا ولا ينسلخ المرء في العادة عن شيء إلا عندما لا يكون له حجرا ودودا. لو قال : فانسلخ عنها لأوهم أنه لم يعد بحاجة إليها. ذلك ما يسحرني في هذا الكتاب العظيم. لو قال : عنها لألحق بكلامه سبحانه إهانة لأن الحق لا ينسلخ عنه. وفي السلخ عذاب معروف فكأنه حيّ ينسلخ من جلده. الله يريد أن يبيّن لنا ذلك العذاب وهو عذاب الردة سيما من عالم راسخ من الحق المبين. أنظر إلى جريمة الردة سيما من عالم راسخ : لما إرتد أصبح الشيطان تابعا لا متبوعا. الشيطان يكون في العادة متبوعا ولكنه مع مرتد ردة عن بينة من بعد علم ورسوخ أضحى تابعا. هي جريمة الردة في حق النفس. الشيء عندما يغوى لم يعد يصلح لشيء. ذلك يكون بسرعة هذه الفاء الجامعة بين وظيفة العطف والإخبار(فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين).
عود إلى قضائه وقدره سبحانه.
(ولو شئنا لرفعناه بها). الله شاء له الهداية ورضيها له فلما أقبل على ربه هداه ولما أدبر عن ربه أضله. لا تكن حبيسا لكلمات المشيئة المنسوبة دوما إليه وحده سبحانه حتى تظن أن الإنسان لا إرادة له ولا حرية. إقرأ ما بعدها إذ يقول (ولكنه أخلد إلى الأرض). ترى هل كان الله ليضل هذا العالم الراسخ لو أنه لم ينسلخ؟ طبعا لا. ولكن الله سبحانه لا يكره أحدا على إيمان ولا على كفر. الإنسان يختار ما يحب لنفسه والله يهديه لما هدى له نفسه. ولكن مقتضى الإلهية بقهرها يجعل من نسبة المشيئة دوما إليه وحده سبحانه.
إتباع الهوى سبب الردة.
(وأتبع هواه). الإنسان كائن مركب بالتناصف بين الهوى وبين العقل(فألهمها فجورها وتقواها).هي معركة أبدية لا يخمد لها أوار. والتدين كله هذا عنوانه(فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى). الدين فيه تكاليف وتكون أحيانا باهظة والدين قمّاع للهوى واللذات والشهوات والإنسان لا يشبع من ذلك. لذلك قد ينتصر الهوى بالضربة القاضية فتكون ردة. والإنسان المفطور جبلّة على غريزة حب التقدير يدثّر ردته بتأويلات يضفي عليها طابع العقلانية وما هي عند التحقيق الصحيح إلا أهواء إستبدت به. بعض الناس يظنون أن من يبلغ درجة من التقوى أو العلم أو الجهاد تنفكّ عنه الأهواء. هؤلاء لم يعرفوا من هذا الدين شيئا. إذ بالعكس من ذلك تماما فكلما إرتفعت درجتك عند ربك كلما تسلطت عليك الإبتلاءات (أشدكم بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل). الإنسان يظل إنسانا من حيث الهوى والغريزة والجبلة والفطرة إلا من عصم ربك وما يعصم ربك سبحانه بالمطلق سوى الأنبياء لأنهم يحتاجون إلى عصمة تمكنهم من إبلاغ رسالتهم كاملة لا خدش فيها.
المرتد مثل الكلب.
الكفر أضراب فهو شرك ونفاق وردة وتهود وتنصر ودهرية أي إلحاد بتعبيرنا المعاصر وتعلمن.. ربما تكون الردة حتى لو لم يكن لنا فيها عقوبة دنيوية ما لم تتحول إلى حرابة أسوأ أنواع الكفر بعد النفاق. اللسان القرآني عادة ما يتوسل إلى التمثيل بقوله (مثله كمثل). قال عن نفسه مثلا سبحانه(ليس كمثله شيء). لم يقل هنا: هو كالكلب. بل قال(فمثله كمثل الكلب). هل تعلم أن ذلك يعني مما يعني عدم الإساءة إلى الكلب لأنه لم يمثله به هو مباشرة بل شبهه بمثله.لم؟ لأن الكلب كائن عابد بالقوة أي كرها كما تعبد الشمس والأرض.
وجه التمثيل.
أعرف الكلاب جيدا. الكلب يظل فاغرا فاه دوما يستوي في ذلك أن يكون الطقس حارا أم باردا بل يظل كذلك سواء حملت عليه أي عدوت عليه أو لم (تحمل عليه). هو في حالة لهث دائم لذلك يظل لسانه دوما خارج فيه. المرتد سيما عالما راسخا مثل هذا هو كذلك بالضبط. يظل لاهثا وراء أهوائه ربما يبدو لك مرتاح البال مطمئنا وقد يضحك ويبتسم ولكنه في الحقيقة التي لا يشعر بها سواه يرزح تحت وطآت ثقيلة فهو يريد من الدنيا كذا ومن الجاه كذا ومن النساء كذا ومن الولد كذا ومن فلان كذا ومن فلانة كذا ويظل لاهثا بين أولئك جميعا فإذا ما تحقق له شيء من ذلك سرعان ما إندلق منه ذلك كما يندلق منك كوب ملأته ماء أو لبنا أو عسلا. المرتد لا يشعر بالطمأنينة مثل الكلب الذي لا يأمن أي أحد لذلك يظل دوما لاهثا مستعدا للفرار.
(75)
الهوية النبوية لمحمد عليه السلام. (1).
الموضوع أعددت فيه كراسا ربما يرى النور يوما. وما أعجلني إليه سوى قوله في آخر الأعراف التي أهمّ بتوديعها (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لأستكثرت من الخير وما مسني السوء).
بعضنا يشرك ربه بمحمد عليه السلام وبعضنا لا يقيمه حيث أقامه ربه.
الهوية النبوية لمحمد عليه السلام متركبة من أبعاد خمسة هي :
1 الهوية البشرية : فهو بشر ينسى (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا). ولا يعلم الغيب(ولو كنت أعلم الغيب لأستكثرت من الخير). ولا ينفع ولا يضر حتى نفسه(قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا). ويؤذيه ما يؤذيك (فيستحيي منكم). ويتعرض للإضلال في الدنيا لا في الدين(لهمت طائفة منهم أن يضلوك). ويعجب بحسن المرأة (ولو أعجبك حسنهن). ويعاتب من لدن ربه (عبس وتولى).ويموت ويبعث ويحاسب هل بلغ أم لا. ويأوي إلى بيته عند الخوف طلبا للتزميل أو التدثير(يا أيها المزمل)و(يا أيها المدثر).
2 الهوية التبليغية أو البيانية الدعوية : هو بشر رسول لا يكره أحدا على الحق(أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين). لا هو (حفيظ) على الناس ولا (وكيل) ولا (مسيطر) ولا
(جبار) وما عليه سوى (البلاغ) والبيان(لتبين للناس ما نزل إليهم). وهو لا يهدي من أحب هو حتى لو كان عمه الذي أسدى له ما لم يسده إليه أحد (إنك لا تهدي من أحببت). وهو يحث على الخير ولا يكلف به إلا نفسه(لا تكلف إلا نفسك). وهو يدعو إلى الله وليس إلى نفسه أو أهله(وداعيا إلى الله).ولا يزيد على الوحي ولا ينقص منه حبة خردل(ولو تقول علينا بعض الأقاويل).ولا يخرج الناس من الظلمات إلى النور إلا (بإذن الله). وهو البشير النذير فلا يملك غيرهما.
3 الهوية الأسرية الخاصة : هو بشر يتعرض بيته لكل ما يتعرض له أي بيت(لم تحرم ما أحل الله لك). وبيته مفتوح مثل قلبه (غير مستأنسين لحديث). وأزواجه وهن أمهات المؤمنين والمؤمنات يتشوفن للدنيا كما يتشوف أي بشر(إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها). وهن أثقلنا حملا مثله هو (نضاعف لها العذاب ضعفين). وكلاهما مكلف بالتشريع ذاته الذي كلف به كل إنسان مع زيادة بسبب النبوة أو بسبب بيت النبوة.
4 الهوية الرسالية العظمى : هو بشر رسول مكرم مرفوع فهو محروس بعناية الله (فإنك بأعيننا). وهو موعود بالنصر والفتح وبظهور دينه على الدين كله (إنا فتحنا لك فتحا مبينا). و(ليظهره على الدين كله). وأكرم بأعظم أعطيتين (إن الله وملائكته يصلون على النبي). و بهدية الإسراء والمعراج حيث رأى (من آيات ربه الكبرى) وما لا يكنهه العقل مجرد كنه. وطاعته هي طاعة الله (من يطع الرسول فقد أطاع الله).ومن بايعه فقد بايع الله(إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله). وهو خاتم النبيين وخير الخلق طرا(خيار من خيار من خيار). وكتابه كان (مهيمنا) على الكتاب كله و(مصدقا لما بين يديه) فليس هو (بدعا) من الرسل. ولا يدعى بإسمه العلم المجرد سيما في أحوال مخصوصة(لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا). ويوقر فلا يرفع الصوت بحضرته(لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) ولا يجهر له به (ولا تجهروا له بالقول). رعاية حرمته مطلوبة(لتعزروه وتوقروه). ويظل ذكره مرفوع أبدا في الكون(ورفعنا لك ذكرك). وهو صاحب المقام المحمود يوم القيامة (مقاما محمودا).ولا تقدم الإقتراحات الدينية بين يديه بصفاقة وطيش وحدة (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله). وهو السراج المنير (سراجا منيرا). وهو من تربع على عرش الخلق العظيم كله(وإنك لعلى خلق عظيم). وهو من أقسم سبحانه بحياته (لعمرك إنهم لفي سكرتهم).وهو أولى بالناس من أنفسهم فلا يضنون بها فداء له(النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم). ومن تزوج من النساء مرفوعات القدر بالأمومة (وأزواجه أمهاتهم). ولا يعذب الله الناس ما دام فيهم(وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم). ويرى النصر في نومه(وإذ يريكهم الله في منامك قليلا). وهو الوحيد المبعوث إلى الإنس والجن كليهما كافة. وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر(ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر).ولا يسأل الناس على بلاغه شيئا إكراما له ولرسالته(ما تسألهم عليه من أجر).أعطي الكوثر مبالغة في الكثرة والإكثار من كل شيء محبوب مرغوب سيما يوم القيامة.(إنا أعطيناك الكوثر). وأعطي ما يرضيه سيما يوم القيامة(ولسوف يعطيك ربك فترضى). ولا يقلى من جنب الله سبحانه(ما ودعك ربك وما قلى). أوتي المعجزة الخالدة الباقية التي بها يؤمن الناس حتى يوم القيامة : معجزة القرآن الكريم. وليس معجزة تظل أعناق الناس لها خاضعة مكرهين أو أبعد عن الفهم.
أستكمل البعد الخامس في حلقة قابلة وغرضي الأسنى هنا هو :
1 إستقراء تلك الهوية بمختلف أبعادها من القرآن الكريم فلا يكون فينا من بعد موته كما آل الأمر بعيسى عليه السلام إلها يعبد أو له من التدبير الإلهي عشر معشار فنضل ونهلك.
2 الناس اليوم فيه عليه السلام ضربان : ضرب يشرك ربه به فهو يرفعه فوق مقام النبوة التي لا تملك النفع والضر حتى لنفسها وعادة ما يكون ذلك بدافع الحب الأهوج الذي لا يلجم أهواء المشاعر بكابحات العقل وراشدات الوحي. وضرب لا يقيم له عليه السلام وزنا فهو بشر لا رفعة له ولا عصمة له. وضرب ثالث يقدم لك محمدا عليه السلام بمناسبة ذكرى ميلاده على أنه بطل رياضة كمال الأجسام لفرط الحديث عن أعضاء جسمه.
(76)
الهوية النبوية لمحمد عليه السلام. (2).
5 الهوية القيمية : هو بشر رسول قضت عليه أقدار الرحمان سبحانه بالأمية الكاملة توسلا إلى الإنسان أن يؤمن برسالة نبي أمي إذ أن أميته إنما كانت معجزة قضاها سبحانه لأجل تمهيد الطريق في وجه الإنسان ليؤمن وأي عظمة عندما يكون نبيك أميا لأجلك أنت ولأجل البشرية جمعاء قاطبة (النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم). أميته تلك بوظيفتها تلك قابلها ما هو أعظم وأعجب أي تدشين رسالته برمز العلم والبحث والإجتهاد وأداة العمارة وسلم المجد والسؤدد(إقرأ) ثم تلتها سورة تحمل إسم (القلم). عندما تستحضر الأمرين معا (الأمية وهذا التدشين) فإن الموقف يتطلب منك تواضعا لتحسن أداء رسالتك. هو بشر رسول ولم يتربع فوق عرش أليق به من عرش العبودية إذ يخلع عليه ربه أردية العبودية تشريفا له وتكريما(سبحان الذي أسرى بعبده) و(الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب). سلاحه الصبر في وجه الإعراض والتكذيب والإيذاء والصبر رمز الشهامة والكرامة والمروءة والثقة في النفس وفي البضاعة(فاصبر لحكم ربك). خلقه التواضع والحلم وقلبه مفتوح لكل الناس حتى تأتيه المرأة في بيته تجادله في مشكلتها (قد سمع الله قول التي تجادلك). والناس يناجونه بل يكثرون من ذلك إلى حد تضييع وقته الثمين ففرض عليهم مالا فلا يناجيه إلا صاحب مسألة ملآى (إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين نجواكم صدقة).أثقل الناس عبادة وحملا فقيام الليل في حقه فريضة قام بها حتى تفطرت قدماه دما ثم خفف عنه(قم الليل إلا قليلا). أكرم بكمال الدين وتمام النعمة(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي). رداؤه الثقة في ربه والركون إليه والطمأنينه به والأنس بوعده الصادق حتى وهو في الغار مختفيا(إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا). كبير يمتحن بأمور ثقيلة على النفس ولأجل البشرية وما يصلحها في قضية التبني مثلا(وتخفي في نفسك ما الله مبديه).ويتعرض بيته لحملة شعواء ضارية تستهدف عرضه وعرض زوجه الطاهرة فيواجه الموقف بالحلم والصبر والجلد(إن الذين جاؤوا بالإفك منكم عصبة منكم). صاحب رسالة قيمية تعليمية حضارية عظمى قوامها أركان أربعة (يتلو عليهم آياتنا ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة). كأنه مدرسة بل هو كذلك. عبد رسول مكلف بتشييد كيان سياسي يحكم فيه بالعدل والقسط والحق وليس واعظا يقول كلمته ثم ينصرف ويدع الناس في حيص بيص(فاحكم بينهم بما أنزل الله). صاحب أدب جم دمث مع ربه فلا يسأله ما يحب في قضية تبديل القبلة مثلا حتى يؤذن له بما يرضيه(قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها). ومع ذلك الأدب الجم الدمث يكون فؤاده مصنع رشد إذ لا يرضى لأمته قبلة تشترك فيها مع الإسرائيليين. ومن يجمع بين الرشد العقلي والأدب الجم الدمث فأكرم به من نبي كريم عظيم. لم يكن ينتظر الرسالة ولا النبوة عندما كان يتحنث في غار حراء متأملا متفكرا متدبرا في الخلق ولكن أقدار الرحمان كانت تهيئه لذلك(ما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك). بمثل قيام رسالته على التعليم والتأهيل والعقلنة قام منهاجها التبليغي إلى الناس على البصيرة والرشد والرفق(أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) و (أدعو إلى الله على بصيرة). تسربلت رسالته بقيم الرحمة والصفح والحلم والشورى والعفو وخفض الجناح (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) و(فبما رحمة من الله لنت لهم) و (إخفض جناحك لمن إتبعك من المؤمنين) و(فأصفح عنهم وقل سلام) و ( وشاورهم في الأمر). ومن رحمته أنه يكاد يقتل نفسه حسرة على الناس ألا يؤمنوا (فلعلك باخع نفسك) و ( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات). ومن لينه ورفقه أنه يستمع إلى الناس كلهم فلا يصد أحدا منهم حتى يقال عنه أنه أذن(ويقولون أذن قل أذن خير لكم). بل تمنطق بسرابيل الرحمة والرأفة حتى ظل يستغفر للمنافقين الذين آذوه في نفسه وعرضه وفي دينه ودعوته وظل كذلك حتى نهي عنه (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا).
خلاصة المسألة فيما أنف من الحلقتين المنصرمتين :
1 محمد عليه السلام بشر مثلك في مقتضى البشرية ومعاني الغريزة والجبلة والفطرة وهو نبي معصوم لأجل التأهل للبلاغ عن ربه فحسب فلا هو حفيظ على الإنسان ولا هو وكيل عليه ولا هو مسيطر ولا يكره أحدا على إيمان. المقصد هو قصر علاقتك به على :
أ الإيمان.
ب الحب ومنه التوقير والتعزير والتقدير والرفعة والتضحية في سبيله
ج الإتباع
د الدعوة إليه وإلى دينه
ه الدفاع عنه وعن آل بيته وصحابته وعن إرثه وتراثه بصفة عامة ولكن بعلم وبصيرة.
و ذكره بالصلاة والسلام بأكثر ما يمكن.
2 منهجان سيتبرأ هو نفسه منهما يوم القيامة.
أ منهج عرضه عرضا جسديا كما ستشاهدون في كل ذكرى مولد جديد في فضائياتنا. مبالغات مقرفة في وصف عينه وشعره ويده ورجله إذ لو إستمع إلى ذلك واحد من غيرنا لوقع في روعه أن المتحدث يعرض مؤهلات بدنية لبطل في كمال الأجسام. هذا عين البدعة إذ لم يرد لا في كتاب ولا في سنة ولا جاء به الأصحاب أبدا.
ب منهج الزيادة الكاذبة في حبه والهيام به إلى درجة وصلها البوصيري عليه الرحمة في بردته الشهيرة إذ يقول كلاما لا ينصرف عقيدة إلا لله وحده سبحانه من مثل قوله (يا من ليس لي من ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العمم). وكلام آخر معيب جدا بل لو إعتقده قائله لعدّ كافرا قطعا. أعرف أن أكثر مداحه عليه السلام يحبونه حبا جما ولكن حبهم ذاك لم يتقيد بالضابط الشرعي فانفلت منهم الزمام وإندلقت أقتاب الشوق.
(77)
يسألونك عن الأنفال : درس معاصر حي.
إنتصر المسلمون في واقعة بدر الكبرى إنتصارا مدويا عظيما أعاد الإسلام للواجهة الدولية في تلك الأيام وأحرز المنتصرون غنائم. عدد كبير من المنتصرين يومها كانوا من المهاجرين الفقراء الذي قدموا المدينة حفاة عراة ليس لهم من رياش الدنيا شيء. رأوا بأم أعينهم أموالا تفيئ إليهم فسألوه عليه السلام إياها مما يستر عورة ويطفئ جوعة ويروي ظمأة. أي عيب في ذلك؟ تلك هي الغريزة البشرية لا يعفى منها آدمي واحد. فماذا كان الرد الإلهي؟ كان عتابا (يسألونك عن الأنفال؟ قل : الأنفال لله والرسول. فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم). ثم واصل العتاب مبينا لهم أن الإيمان الحق هو كذا وكذا مما سنأتيه في حلقة قابلة. ومن مواصفاته (ومما رزقناهم ينفقون). يعني : سألوا المال وهم فقراء أفقرهم الإسلام والهجرة والجهاد فكان الرد : أنفقوا مما رزقناهم. سألوا مالا فأمروا بإنفاقه لا بالسؤال عنه.
ما هي الدروس والعبر.
1 كانت تلك أول مناسبة لتصحيح الموقف من الدنيا وتحريره من رؤيتين كاذبتين : رؤية المسيحية التي ترى المال رجسا والجنة أدنى إلى الأفقر والأقذر والأتفل والأضعف. ورؤية يهودية ترى المال غاية لا وسيلة وهو سبيل القهر وبناء السؤدد والمتعة والمنعة و يجتبى بالحلال والحرام لا تمييز بينهما. كثير من المسلمين اليوم تغتالهم إحدى الرؤيتين ومازال بعضنا يعتقد أنه كلما كان فقيرا معدما ضعيفا مستضعفا وحيدا كان إلى الله أقرب. هؤلاء مسيحيو الهوى كنسيو العقل. ولكن الأغلبية فينا تلهث وراء المال بأي طريق فذاع الربا وأضحى القائل بأن أكله كبيرة موبقة مصنفا من لدن (المسلمين) أنه متزمت متشدد.
2 كانت تلك أول مناسبة لحقن النفس وتطعيم العقل بأمصال تربوية قوامها أن الدنيا يؤتيها سبحانه لمن يحب ولمن يبغض وأنها بعد تصحيح صورتها بمثل ما أنف ليست أمارة صلاح ولا علامة تقوى. درس قوامه أن الدنيا تجر إلى النار والتعاسة إلا إذا كانت في محضن عنوانه (إتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله). الدنيا تطلب في الأرض فتأتي وكم من فقير معدم أضحى قارون زمانه. وبمثل إتيانها السريع فإنها حية ملساء يمكن أن تغرب عنك في لمح البصر في إثر حريق أو غرق أو خسارة صفقة فتضحى من بعدها فقيرا معدما. الدنيا عندما لا تكون في محضن تقوى الله سبحانه لتجتنى من الحلال وتصرف في الحلال فإنها تكون مثار خصومات بينك وبين الناس ومنهم الأرحام والجيران ويصدر منك القهر والظلم والغرور فتهلك. عندما لا تكون الدنيا في محضن الصلاح والإصلاح طاعة لله ولرسوله فإنها تكون لك مقبرة مظلمة تصنع بك القسوة والقهر والعجب والرياء والغرور وتصنع لك الألم الذي لا سعادة بعده.
3 كانت تلك مناسبة لإعادة بناء الإنسان وفق الإنسانية ورائدها سليمان النبي الملك الغني وهو يذكر ربه على نعمته قائلا (هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر) وليس وفق الحيوانية ورائدها قارون الإسرائيلي الغني وهو يذكر نفسه في عجب وغرور قائلا
(إنما أوتيته على علم عندي). سليمان وقارون كلاهما غني قوي حيزت له الدنيا بحذافيرها فذاك سخر له كل شيء ومن كل شيء وهذا أوتي من (الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة). مفاتح الخزائن فحسب تؤود عددا من الرجال الأشداء أن يحملوها. لك أن تتصور الخزائن نفسها ثم ما فيها من أموال. ذاك الغني القوي ذكر ربه فنحن نرفع ذكره بالصلاة والسلام عليه وذاك الذي ذكر نفسه كان مصيره أن خسف (به وبداره الأرض). هو اليوم وماله الكثير الذي تسيل في إثره لعابات في بطن الأرض في مكان ما منها.
4 الأموال التي سألها الصحابة الكرام هي أموال أحرزوها بجهادهم ومات دونها رجال منهم ورغم ذلك لم يكن ذلك شفيعا لهم ألا يعاتبوا من لدن ربهم. حتى الأموال التي تحرزها أنت بجهدك فهي من عنده هو وحده سبحانه وبتقديره هو والأرض أرضه والملك ملكه وأنت عبد مملوك من ملكه. لذلك قال لهم في أول العتاب (قل الأنفال لله والرسول). هي لله وحده والرسول مكلف بتوزيعها بحسب ما سيأتي إليه (وأعلموا أنما غنتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربي واليتامى والمساكين وإبن السبيل). خمسها كاملا للمحتاجين من الذين لا قبل لهم لا بالجهاد والمقاومة ولا بكسب المال. ذلك هو مبتدأ العقيدة الإسلامية.
5 أي عبرة بأموال كثيرة فيها رغد العيش وصفكم الواحد المرصوص المتنوع ممزق الأوصال؟ أي حياة لكم بصف تمزقه المشاحنات بسبب المال حسدا وكبرا وبغضاء وكراهية وأثرة؟ الرسالة هي : الصف أولى بالرص من المال. لا تخشوا من ضيق الدنيا فالخزائن ملآنة لا تنفد ولو كانت الدنيا عندي تساوي جناح بعوضة ما أغدقت على كافر منها بشربة ماء. إنما الخشية هي على صفكم الواحد. وهل تتمزق صفوفنا نحن اليوم إلا بسبب الدنيا؟ أي قيمة لمال وفير بينكم وقلوبكم مفرقة بذات البين؟ عندها تصبح مملكتكم مملكة حيوانية بهيمية لا مملكة إنسانية ترقى فيها القيم وتصعد فيها المثل وترتفع فيها الطيبات.
الدرس المعاصر.
1 الأرض العربية تمور بالذهبين الأسود(البترول) والأحمر(الذهب). الذهب الأول هو وقود الصناعة الغربية التي صنعت الحديد فمزقتنا به. نحن ننتجه ليتحلى به أمراؤنا حريرا مصفى. الذهب الثاني هو رمز القوة إذ برصيده هو تتغول المصارف الدولية لتنهبنا.
2 أرضنا تمور بالذهبين مورا ونحن الأفقر في الأرض والأشد مرضا وجوعا وعطشا وخوفا وتخلفا وقوارب الموت إلى أروبا تهدي قروش المتوسط في كل فجر جديد شبابا جددا. ذلك هو الدرس المعاصر : الدنيا نحن في يمها ولكن تحولت بها سعادتنا إلى جحيم.
ماذا لو كفت دولة واحدة (الإمارات) عن تبديد المال لإلغاء الثورات العربية؟
ماذا لو أنفقت تلك الدولة نفسها عشر معشار ثروتها على فقراء العرب والمسلمين؟
(78)
هلاّ كنت من المؤمنين حقا ..
لم يأت الحديث عن أجود أنواع الإيمان في القرآن الكريم إلا في مواضع أربعة هي :
1 (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون. الذين يقيمون الصلاة ومما رزقنا هم ينفقون). الأنفال.
2 (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه). النور.
3 (إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون). السجدة.
4 (إنما المؤمنون إخوة) و(إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله). الحجرات.
الإيمان واحد لا يتعدد مثله مثل صبي صغير لا يختلف في جسمه عن كهل قوي البنية. ذلك الصبي لو سلطت عليه أجهزة التكبير الفنية المعاصرة لبدا مثله مثل رجل مكتمل. كلاهما إنسان. ما الخلاف إذن؟ الصبي الصغير مكتمل البدن والأعضاء ولكنه ضعيف البنية فلا يقوم بأمره بنفسه في حين أن الآخر قوي يقوم على غيره. الإيمان واحد لا يتعدد و يكون ضعيفا محمولا بل كلا على مولاه لا يأتي بخير أو قويا حمالا يملأ الأرض خيرا وعدلا.
من هو المؤمن الحقيقي المحبوب؟
2 وجل القلب عند ذكرالله سبحانه وتغذي الإيمان بسماع القرآن الكريم والتوكل.
3 الإيمان بالله وبالرسول والثبات على ذلك دون إرتياب ومن علامات ذلك عدم خرق الصف الواحد وطاعة القائد الأعلى سيما في الحالات الأمنية المخيفة(الخندق مثالا).
4 إقام الصلاة وملء الفؤاد بالذكر والسجود عربون عبودية وإهتبال أغلى ساعات السحر.
5 الجهاد بالنفس وبالمال معا ونبذ الإستكبار مع الناس ومع رب الناس.

قراءة تحليلية في شخصية مؤمن حقيقي.
1 إحتل الشرط النفسي لبناء تلك الشخصية حيزا كبيرا (وجل القلب عند ذكر الله.إزدياد الإيمان عند سماع الذكر نفسه.التسبيح بحمد الله. الهروع إلى السجود عند ذكر الله. إغتنام أغلى الساعات للعبادة.). شرط نفسي مطلوب مقدم ولكنه متوازن ومعتدل (خوفا وطمعا). فلا يخافون الله خوفا يوئسهم من رحمته ولا يطمعون فيه طمعا يؤمنهم من مكره. من أمن مكره فسق وطغى وظلم. ومن يئس من روحه قتل نفسه أو قتل الناس من حوله.
2 تلك العبادة ورثت : توكلا وتواضعا أي نبذ الكبر. التوكل قيمة نفسية بأثر اليقين والثقة. كما ورثت تلك الخلل النفسية تصورا صحيحا لمنزلة الدنيا فهي تهون لأجل تحرير الإنسان جهادا بالمال والنفس. ومما رزقناهم ينفقون : تكررت مرتين.
3 كما ورثت تلك العبادة خلقا عظيما (توكل وتواضع وتراحم) .. ورثت وعيا فكريا كبيرا يجعلهم يحرصون على الصف الواحد والمرجعية الواحدة (وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه). لا يتصرف الناس بما تمليه عليه أنفسهم حدبا على مصالحهم هم فحسب غير آبهين بالمصلحة العامة للبلاد والناس من حولهم. واعون أن لهم قيادة وهم أعضاء في صف واحد مرصوص. يفعلون ذلك بأخوة قلبية وليس بحرمة المواطنة فحسب أي ليس خوفا من سطوة القانون فحسب بل بتعبد يقربهم منه زلفى سبحانه (إنما المؤمنون إخوة).
خلاصة هوية الإيمان الحقيقي.
1 الإيمان المتجدد رأسمال الحياة. من ربح المعركة مع نفسه فجعل من فؤاده محرابا للقرآن والذكر ربح المعركة.إيمان معتدل بين الخوف والأمل يصنع حياة معتدلة.
2 الإيمان المتجدد المعتدل يصنع القيم الأخلاقية العظمى : توكل يرسم الشخصية الماضية المطردة الملتزمة لا المترددة الكسلى تهيبا من الخسارة. وتواضع يصنع التراحم والتواصي بالحق وبالصبر فمن تكبر هلك وأهلك ومن تواضع في قوة وعلم نفع وإنتفع.
3 الإيمان المتجدد المعتدل المتغذي بالقيم الأخلاقية ينضبط للمواعيد التعبدية اليومية الخمسة المقدسة(الصلاة) فهي محطة تغذية دسمة.
4 الإيمان المتجدد المعتدل متربعا على عرش الخلق العظيم يثمر شخصية مقاومة بالمال وبالنفس معا لأجل صناعة صف إسلامي واحد مرصوص للأمة وهي متنوعة فلا يذهب صاحبها إلى قضاء مأربه الخاص والناس في خوف أو ذعر وكذلك لصناعة قيمة التآخي.
أما الإيمان كما نحمله نحن اليوم رأسمالا جامدا غير مستثمر ..
أما الإيمان الذي يحمله بعضنا ينتصر به للظالم على المظلوم ..
سمعنا كثيرا (إسلام سياسي) .. ربما نسمع قريبا (إيمان سياسي)..
(79)
هل تعرف سبب أكبر نصر إسلامي (بدر)؟
هذه مسألة خطيرة جدا على وعينا. قال فيها سبحانه (ولو تواعدتم لأختلفتم في الميعاد). ومعلوم بإجماع أن سبب واقعة بدر هو أنه عليه السلام لمّا سمع أن قافلة تجارية لقريش يقودها أبو سفيان في طريق العودة من الشام إلى مكة دعا المهاجرين إلى التعرّض لها إستردادا لأموالهم التي أكرهتهم قريش على الخروج منها ولما إنتهى الخبر إلى القافلة تعجلت خطاها وأفلتت وفي الأثناء أرسلت إلى رؤوس قريش التي جندت رجالها وحصل الصدام في منطقة بدر في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة. حصل الصدام بين زهاء ثلاثمائة مسلم جاؤوا لإستعادة أموالهم ولم يخرجوا لحرب وبين ثلاثة أضعاف لهم من المشركين الذين جاؤوا مدججين لخوض حرب.
أين مكمن الخطورة على وعينا.
الأموال التي خرج محمد عليه السلام برجاله لإستعادتها ليست هي أموالهم نفسها أي ليست هي بعينها ولكنها أموال قافلة وما كان القصد سوى إسترداد ما أمكن من قيمة المال الذي تركه المهاجرون في مكة. حصل ذلك وزكاه الله سبحانه إذ لم يعاتب رسوله عليه السلام في سورة عوتب فيها كما في غيرها (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض). الصحابة لما هاجروا من مكة لم يعرضوا على قريش أن يصطحبوا معهم أموالهم بسبب أن الهجرة كانت عملية سرية وما ينبغي لهم فعل ذلك عملا على إنجاح الخطة. الأموال التي كانت في قافلة أبي سفيان وأراد المسلمون أخذها بالقوة يمكن أن تكون محتوية على أموال لرجال لم يتورطوا في إيذاء الدعوة ولم يلغوا في أموال الصحابة في مكة.
صحيح أن المسلمين أرادوا (غير ذات الشوكة) بالتعبير القرآني أي أرادوا القافلة وما فيها ولكن الله سبحانه أراد لهم الشوكة نفسها فلم يصيبوا من القافلة شيئا إلا ما كان من غنم من بعد ذلك بسبب إنتصارهم الواسع في أعقاب المعركة. ولكن لا يعني ذلك أن نعفى من النظر في هذه القضية الخطيرة جدا على وعينا. بالتعبير القضائي : الإرادة القصدية عزما وتخطيطا وتنفيذا حصلت بالتمام والكمال سوى أن القافلة أفلتت.
الإطار الإداري الذي يتصرف به محمد عليه السلام كفيل بمقاربة صحيحة.
تصرف محمد عليه السلام هنا هو تصرف بالإمامة السياسية والحربية معا أي أنه يحشد منظوريه سيما المهاجرين منهم لأن القضية تمسهم هم قبل غيرهم لإستعادة أموالهم من قافلة لعدوهم. لم يتصرف هنا كشخص ولا تصرف واحد منهم منفردا. هي دولة في حالة حركة ثأرية لإسترداد أموال منظوريها الذين ظلمتهم قريش. تلك الحالة الثأرية تستهدف إستعادة المال وليس شيئا آخر وهو مال بصفته القيمية لا العينية كما أنف ذكره. الذي يقود هذه العملية الثأرية المالية في صورة حرب معلنة هو النبي المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى ولم يتلق عتابا في ذلك بما يعني أن الله راض عن ذلك.
ألسنا اليوم نطرح هذا السؤال الغريب : هل يجوز ذلك؟
راجع مدونات الفقه بنفسك لتلفى شيئا لا يعني في الأعم الأغلب سوى التردد والتوجس والحيرة فلا تلفى في الخلاصة شيئا. الأمر شبيه بما حصل مع بني النضير جزئيا (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين). هل يجوز لك أنت من حيث أنك فرد أو لنا نحن من حيث أننا كيان جماعي بغض النظر عن التسمية أن نتأسى بهذا الفعل النبوي الصحيح؟ دعني أقول لك : هنا منطقة عفو أو مساحة فراغ تركها الفقه الماضي لأسباب لا شأن لنا بها الآن وتغاضى عنها الفقه (المعاصر) أيضا. السيرة عندما تكون بمثل هذه الصحة النقلية أليست مصدرا من مصادر التشريع؟ هذا حقل من حقول السياسة الشرعية أي إدارة الإجتماع السياسي الإسلامي المعاصر بما يوافق الشريعة نصا أو مقصدا ومآلا.
خلاصات أولية مهمة.
1 لأن منزلة المال في الإسلام منزلة عالية مرتفعة بحسبانه بعدا من أبعاد الكرامة وكفيلا من الكفلاء الذين يضمنون للإنسان فردا وجماعة حقه وحريته فإن أول نصر في الإسلام بل أكبر نصر كذلك كان بسبب المال. علينا رعاية تلك الحقيقة وحسن الوعي بها.
2 عندما صرفتهم أقدار الله سبحانه عما أرادوا ووجهتهم وجهة أخرى لمصلحتهم ومصلحة دينهم فلا يعني ذلك أن العمل النبوي الإرادي القصدي الأول عمل باطل ولا يعني كذلك عدم البناء عليه أو طمر ذلك الجزء من السيرة وإعتباره كأنه لم يكن.
3 ما يستنبطه العقل هنا هو أنه عندما تقدر جماعة ما دولة أو أي كيان جماعي أن أموالها في حيازة غيرها كرها منها لا برضاها فإن لها التخطيط لإستعادة تلك الأموال ولو قيمة وليس عينا أو جزئيا وليس كليا بشرطين فحسب هما : ضمان القدرة على ذلك وبما لا يعقبه ما يسوء من جهة ورضى الجماعة بذلك أو من يمثلها سيما قيادتها من جهة أخرى. لها أن تخطط لذلك فهو مباح مشروع ولا شيء يوجبه سوى توافقها بناء على دراسة المسألة من كل جوانبها الممكنة على قاعدة الإستصلاح.
4 ومن الأدلة على إباحة ذلك الحديث الصحيح (من مات دون ماله فهو شهيد). إسم الموصول هذا (من) يضم إليه الفرد والجماعة معا.
أما فيما يتعلق بالأفراد فإن المسألة أعقد وتحتاج لأشياء أخرى لا توفيها هذه العجالة حقها.
(80)
الإسلام دين الإرهاب..
(وأعدوا لهم ما إستطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم). الأنفال. ألم يقل أن الغرض من إعداد القوة هو إرهاب عدوالله ؟ ألم ينسب فعل الإرهاب إلينا نحن؟
أركان الأمة الإسلامية خمس عظمى لا قيام لها بدونها.
1 سورتا العلق والقلم اللتان جاءتا بفريضة العلم (إقرأ) و(والقلم وما يسطرون).
2 سورة (الصف) التي جاءت بفريضة الصف الواحد المرصوص نبذا للفرقة.
3 سورة (الشورى) التي جاءت بفريضة التوافق والحوار نبذا للإستبداد والفردية.
4 سورة (الحديد) التي جاءت بفريضة القوة بمعنييها السلمي والحربي.
5 أوامر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المبثوثة بكثرة إعلانا عن فريضة الإصلاح.
فريضة القوة الحديدية العسكرية لا بد لها من كل ذلك.
إعداد القوة ب(الحديد) يتطلب التبحر في العلم العسكري والحربي لإنتاج السلاح الكفيل بحفظ الأمة وصون حقوق الناس وردع المعتدين. كما يتطلب رص الصف الداخلي إذ لا عبرة بقوة عسكرية وأمنية لحماية صف ممزق بطبيعته. كما يتطلب إدارة الإختلافات الداخلية بالتشاور والتوافق وإلا تصدّع الصف نفسه فلن تحميه قوة مادية. كما يتطلب حركة إصلاحية داخلية دائمة أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر لجعل ذلك الصف دوما واحدا مرصوصا وإلا تعرضت إعدادات القوة نفسها إلى النسف. ذلك هو المجتمع الإسلامي عندما يلتزم بأصوله وأركانه : علم وصف وتوافق وقوة وإصلاح. لا عبرة بأي منها إلا بحضور المشهد كله. كجسم سقط منه عضو مهم فلا يعوض أبدا وهو مشلول شللا جزئيا.
1 خطاب إعداد القوة موجه إلى الأمة جمعاء قاطبة فمن تأخر منا ولو حضا وتحريضا فهو آثم قطعا حتى لو لم يكن حاكما أو عسكريا أو عالما.
2 ما إستطعتم معناها بذل الجهد كله علما وعملا لأن العلوم في حالة تمدد وتوسع وهي لا تنتهي بسبب قانون التطور وتغير الزمان والمكان.
3 جاء الخطاب بالقوة نكرة ليشمل الإعداد كل قوة مادية ومعنوية تحتاجها الأمة لصون نفسها وأهلها وإنجاد المستضعفين الذين يستصرخونها من الأمم الأخرى.
4 رباط الخيل ورد مورد الغالب في تلك الأيام لأنه يخاطب الناس بما يفهمون ولذلك قدم القوة أي قدم العموم وأخر الخيل لأنها خصوص لتلك الأيام. ولكنه قرنها بالرباط والرباط لا يخص الخيل فحسب بل هو حماية الثغور والحدود برا وبحرا وجوا بالعسس والسلاح. الخيل هي أصل القوة الكهربائية المعاصرة لذلك إتخذها الأروبيون معيارا لقوة محركات السيارات التي يصنعونها. الخيل ظلت إلى عقود غير بعيدة هي وسيلة الحرب في أوروبا.
وما قصة الإرهاب.
الإرهاب هنا هو إرهاب نفسي قوامه أن عدو الأمة الذي يريد بها شرا يتأخر عندما يرى أو يسمع أو يعلم بأي طريق أن الأمة التي يريد بها شرا هي أمة قوية مهابة محصنة بسلاح مثل ما لديه أو أكثر أو أنها مهابة بذلك وبمظاهر قوة أخرى كما أنف ذكرها. هذا يعبر عنه اليوم بموازين القوى أو تحديدا بالرعب المتكافئ بمثل ما حدث في الحرب الباردة بين عامي 1945 و1989 في إثر إستحقاقات إنتصار الحلفاء على المحور في الحرب العالمية الثانية ونشوء قوتين عالميتين تستظل بهما بقية الدول وهما : الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفياتي. في تلك المرحلة الممتدة زهاء نصف قرن كانت الحروب بين الدول أقل بكثير بسبب تعادل موازين القوى وتكافئ الرعب. ذلك هو معنى الإرهاب أي أن الدولة تملك من الأسلحة ما عند القوي الآخر وعندها يتأخر كل منها عن مهاجمة صاحبه. هو إرهاب نفسي كمن يحمل في يده عصا غليظة فإن الكلاب من حوله تكتفي بالنباح ولا تغامر بالهجوم عليه مهما إقتربت منه. الإرهاب هو إذن إرهاب نفسي يأمرنا به الإسلام لأجل إحداث الرعب والخوف في صدور المعتدين عندما يعرفون أن لنا من الأسلحة ما به نصدهم عنا وربما حتى عن حلفائنا من غيرنا . الإرهاب النفسي مطلوب إذ قال عليه السلام (نصرت بالرعب مسيرة شهر). لقد ثبت بالتجربة التاريخية أن القوة الروحية هي الأشد حسما في الحروب والواقعات. الإرهاب النفسي الذي تحدثه قوتنا المعدّة هو قوة روحية مضادة تفعل فعلها في صدر العدو الذي يتأخر عنا بسبب روحي نفسي إذ يمكن له أن يهاجمنا بسلاح مثل سلاحنا أو أقل بقليل أو أكثر بقليل ثم ينتصر علينا. فما الذي يجعله يتأخر عنا إذن؟ إنما هي قوتنا التي أرهبناه بها فأحدثت فيه هزيمة روحية.
من هو عدو الله؟
عدو الله هو من يعتدي على الناس الآمنين الأبرياء. نحن مسلمون فإذا إعتدينا على أناس أبرياء مسالمين لنا ولغيرنا دعهم يكونوا أكفر من على الأرض فنحن أعداء الله قطعا. عدو الإنسان هو عدو الله لأن الله خلق الإنسان حرا كريما. أما الآخرون هنا في الآية فما هم سوى المنافقين الذين نعلم صفاتهم ولا نعلم أسماءهم.
بقيت كلمة : (وأعدوا لهم). لم يقل (وأعدوا ما إستطعتم ..). ليس إعداد القوة للتفاخر وإعلان الكبرياء ولا لتزيين الثكنات بالأسلحة والمعدات فلا ترى النور إلا يوم أعياد العرش المجيدة في حركات إستعراضية بليدة. إنما الإعداد (لهم) هم أي لمقاومة المعتدين وبذا تكون للإعداد وظيفته في إرهاب الإرهابيين. ولو قال (وأعدوا) فحسب لكان التعبير صحيحا.
(81)
أي حكمة في عتابات مبثوثة متكررة للنبي محمد عليه السلام.
النبي الأكرم عليه السلام محل عتابات معروفة في القرآن الكريم. منها (لم تحرم ما أحل الله لك)في مشكلة عائلية معروفة. ومنها (عبس وتولى)في إعراضه عن عبد الله إبن أم مكتوم . ومنها (لم أذنت لهم)في إذنه للمنافقين بالتخلف عن تبوك. ومنها ما نعالجه اليوم (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض)في أسرى بدر. لم؟ حكمة الحكم هنا هي الغرس في أفئدتنا أنه عليه السلام بشر يصيب ويخطئ في إجتهاده وتقديره الدنيوي دعوة وتصريفا وليس في إبلاغ الدين فهو هنا معصوم عصمة نبوية صارمة. عندما أراد سبحانه ختم رسالاته بمحمد عليه السلام وكانت آخر تجربة نبوية عيسى عليه السلام قبله قد إتخذت ذريعة إلى الشرك به سبحانه أي بإتخاذ عيسى أو أمه أو كليهما إلها له من التدبير الإلهي شيء بتعلة أنه ولد من غير أب فالله سبحانه هو أبوه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .. عندما أراد سبحانه ختم رسالاته شدد على قضية الوحي العظمى أي التوحيد الخالص الصافي فكان يؤكد في كل مرة بأن محمدا عليه السلام بشر يوحى إليه ولا علاقة له بالإلهية إلا علاقة التلقي والتنفيذ فحسب. تصور أن البشرية تفيئ إلى ربها يوم القيامة ب(خير أمة) وهي تعبد محمدا عليه السلام؟ لذلك عوتب مرات ومرات وأكدت بشريته مرات ومرات.
أسرى بدر بين الإجتهاد النبوي والتصحيح الإلهي.
إستشار فيهم صاحبيه أبي بكر وعمر فأشار الأول بإطلاق سراحهم وأشار الثاني بقتلهم ولما سألاه عن رأيه هو قال (لو إتفقتما ما خالفتكما). ثم أعمل رأيه عليه السلام وهو المنّ عليهم بفدية قوامها تعليم كل واحد منهم لعشرة من المسلمين القراءة والكتابة. وبينما مشروع محو الأمية يتنفذ جاء عتاب جديد (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض).
هذا هو السؤال المحير : لم لم يأت التصحيح الإلهي في إبانه أي لم تأخر؟
1 تأخر الوحي لتعليمنا أنه على الإنسان أن يدبر أمره بتشاور وتوافق وطلب سداد في كل أمر ليس له فيه وحي صحيح صريح ثابت. تأخر في تلك الأيام وهو يتنزل يوما من بعد يوم فما بالك في حالنا حيث إنقطع بالكلية إلا ما لدينا في الكتاب والسنة. تأخر ليبعث فينا ملكة الإجتهاد وشغف البحث فيما هو محل لذلك أي منطقة العفو والفراغ بالتعبير الأصولي.
2 تأخر الوحي ليعلمنا أن الإنسان مكرم فهو محل تشاور وحوار حتى مع النبي نفسه وليعلمنا كذلك أن الناس مهما كانوا متقاربين فهم مخلتفون بالضرورة رأيا وإجتهادا وتكون إختلافاتهم أحيانا كبيرة فهذا يرى قتل الأسرى وذاك يرى المنّ عليهم. أليست نكبتنا اليوم من سوء الإيمان بحق الإختلاف؟ ألسنا نحسم إختلافاتنا بالنار والإقصاء والنفي؟
3 كما تأخر لتكون فرصة أخرى للوحي يعاتب بها سيد الخلق محمدا عليه السلام إذ ليس أكبر في الدين من تصحيح الإعتقاد لهذه البشرية التائهة ومن أكبر تصحيح الإعتقاد تلافي ما جرت عليه البشرية قبل الرسالة الأخيرة من عبادة لبشر نبي بدعوى أنه ولد من غير أب. هذا دابر لم يكن ينبغي للوحي السكوت عنه فهو يحاربه بكل الوسائل ومنها تأكيد بشرية النبي الخاتم ومن دلائل بشريته أنه يخطئ في تصريف الدنيا لا إبلاغ الدين ومن يخطئ في إجتهاده الدنيوي لا يكون إلها ولا حتى عشر معشار إله.
4 تأخر الوحي لأن النهي عن إتخاذ أسرى في أول معركة مدوية يرقب نتيجتها الشاهد الدولي يقصد منه عدم مقايضة القوة بالدنيا. ذلك هو سياق النهي. ولكن الذي حدث هنا هو أن إتخاذ الأسرى لم يكن إبتغاء الدنيا إذ لم يكن المنّ عليهم بسبب فديات دنيوية منهم أو من أوليائهم وإنما كان إبتغاء تنفيذ أول مطلب إسلامي (إقرأ) و(والقلم) أي فتح أول فرصة لهذه الأمة الأمية بالكامل حتى ترتقي في مراقي العلم والمعرفة ليكون لها ذلك مظهر قوة إذ لا قوة مالية ولا قوة مادية ولا قوة عسكرية إلا بالعلم والقلم.
5 تأخر الوحي إذن ولم يتأخر المقصد المراد منه فهو يقصد من النهي عن إتخاذ أسرى (أي قتلهم) توجيه رسالة قوية إلى الشاهد الدولي بأصدقائه وخصومه وحلفائه أن هذا المنتصر الجديد (الإسلام) هو منتصر قوي لا يريد مالا وفديات ومقايضات لأسرى عدوه بتراث الأرض كلها. يعني أنه طرف مبدئي وهو صاحب قضية وهي المسألة ذاتها التي جرت بين بلقيس وسليمان إذ أرادت إختباره بالمال لنخل حقيقته فإن كان نبيا صاحب قضية نبذ المال وإن كان ملكا قبل الهدية العظمى من ملكة عظيمة. بإنتصار بدر المدوي حصل ذلك المقصد للشاهد الدولي كله يومها ولا بأس إذن من المنّ على الأسرى بمقابل معنوي فكري إستراتيجي هو تسلق مراقي العلم وتسور مصاف المعرفة.
ولكن يظل السؤال مطروحا.
تأخر الوحي لأن المقصودات كلها حصلت (بشرية محمد عليه السلام ووصول الرسالة الإسلامية إلى الشاهد الدولي وتسلق مراقي العلم) ولكن بقي مقصود آخر لا يتحقق إلا بتأخر الوحي وهو : أن الله سبحانه بحكم إلهيته المطلقة يفعل ما يشاء فهو يقدم وهو يؤخر وهو يثبت وهو يمحو. تحرير المشيئة لله وحده سبحانه تحريرا كاملا مطلقا لا يقيد بأي شيء مهما إجتهد الناس وكان في إجتهادهم الصواب والخطأ.
لو لم يمنّ عليه السلام على أسرى بدر لكان أحد القتلى عمه العباس فهو أحد الأسرى ذلك الرجل الكبير الذي كان نصيره في العقبة الثانية مع زهاء سبعين أنصاري قبل الهجرة وهو مشرك وهو الذي من صلبه جاء حبر الأمة وهو الذي سيتأخر إعلان إسلامه إلى فتح مكة. تلك هي أقداره سبحانه يصرفها فلا نعلم الحكمة منها فلا مناص لنا من التسليم له سبحانه.
(82)
سورة الأنفال تحضن أسباب القوة وسنن الغلبة وشروط النصر.
إحتضانها ذاك مناسب لأنها جاءت معقبة على أول إنتصار إسلامي وأكبره. الغلبة والنصر غرائز في الإنسان. (وأخرى تحبونها : نصر من الله وفتح قريب). النصر محبوب لأنه يلبي أقوى غريزة إعتبارية هي غريزة حب التقدير والمهزوم ليس محل تقدير بين الناس.
أسباب القوة وشروط الغلبة وقوانين النصر.
1 الرصيد الروحي والفكري:
أ تصحيح الموقف من الدنيا لتكون وسيلة لا غاية. جاء ذلك في أول السورة التي تعاتب المهاجرين الفقراء أنهم سألوا عن مصير الفيء. ثم تردد ذلك في قوله (تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة). فمن قاوم في معركة الحياة وهي ضربة لازب ومنزلة الدنيا في رأسه أن تكون خادمة للقيم العظمى لا مخدومة تجنب الكبر والبطر والغرور وبث بين الناس الأمن والسلام وحاكمهم بالعدل والقسط حتى لو كانوا أعداء لدا.
ب رعاية الضعفة والمحتاجين رصدا لحقهم في المال العام حتى لو لم يشاركوا في العمل والكد لأنهم عاجزون ولذلك إحتضنت السورة قانون تصريف الزكاة كما جاءت تحرض على حق هؤلاء (فأن لله خمسه ولرسوله ولذي القربى واليتامى والمساكين وإبن السبيل). أي تصحيح الموقف من الإنسان أنه كائن مكرم لا يسلم للجوع والفقر والفاقة.
ج رعاية قيمة الواقعية بسبب إختلاف الناس مؤهلات وبسبب قيام الزمان والمكان على المور والدورن لا على الثبات. كلف الأوائل بمقاومة كل واحد منهم لعشرين في الحرب مواجهة مباشرة بالسيف ثم وضع ذلك تيسيرا وتخفيفا فكلفنا بعشر ذلك فحسب أي بمقاومة كل واحد منا لإثنين وليس أكثر.(إن يكن منكم عشرون صابرون ..)
د تعبئة النفس بقيم الثبات والصبر والذكر ومن ذلك أنه سبحانه يثبتهم بالرؤيا (وإذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم) وحضهم على ذلك (إذا لقيتم فئة فاثبتوا وأذكروا لله كثيرا) و (إصبروا إن الله مع الصابرين).
2 الرصيد العملي إداريا وماديا :
أ رعاية المرجعية الدستورية العليا أي طاعة الله وطاعة رسوله (وأطيعوا الله ورسوله). ذلك مطلوب دوما فما بالك إذا كانت الطاعة للقيادة العسكرية المباشرة. ألم تكن محنة أحد سوى بسبب عدم طاعته عليه السلام في أمر عملي مباشر صريح؟
ب رعاية وحدة الصف الواحد المرصوص مهما كانت تنوعاته كثيرة (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم). ألم نكن ذات يوم أمة واحدة ذات قيادة واحدة وسياسة عامة واحدة في القضايا العظمى؟ نحن اليوم لسنا متفرقين فحسب بل مفرقين لا بل متعادين لكل مجتمع منا حكومة تفرض عليه ولاء سياسيا لجهة ما. أليست فرقتنا هي التي تغذي تعادينا وهذا بدوره يجلب لنا العداوات الخارجية؟
ج إعداد القوة الحربية المادية بكل أنواعها الممكنة (وأعدوا لهم ما إستطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونكم لا تعلمونهم الله يعلمهم). الأرض مملكة ذئاب حقا فلا حياة ولا حتى عيش لمن ظل فيها ضعيفا هزيلا خوفان. أليست تلك هي تجربة الإنسان في تاريخه العريق؟
3 الرصيد الفقهي السياسي.
أ إكتساب معرفة سياسية بموازين القوى الدولية من خصوم وأعداء وأصدقاء ومسالمين ومحاربين وغيرهم بقصد تنزيل السلم في مكانه وإعلان الحرب في مكانه بناء على قراءات صحيحة توافقية. إعلان السلم مثلا يتطلب نزوع العدو إلى السلم (وإن جنحوا إلى السلم فاجنح لها). أما مسالمة محارب يهمّ بولوج الدار ؟؟؟
ب تلك المعرفة السياسية تمكن كذلك من حسن تقدير الموقف الأنسب وهو ما وقع في أسرى بدر بناء على رأي أبي بكر فقد أبقى المنّ على الأسرى بفضل الله وقدره على حياة رجل كبير في الإسلام بل كان كبيرا نصيرا في الشرك مثله مثل أبي طالب وهو العباس الذي كان أسيرا في بدر. تلك السياسة مكنت لمشروع محو الأمية في الأمة الأمية أن يأخذ طريقه في وقت مبكر. وبالتوازي مع ذلك تحصل الشاهد الدولي بكل مكوناته على الخطاب الإسلامي المناسب أنه قوة مبدئية على طريق سليمان الذي يريد الله واليوم الآخر ولا يريد هدايا بلقيس ولا يريد محمد عليه السلام فديات قريش لأسراها.
ج وهو الفقه السياسي نفسه الذي يمكن للدولة الإسلامية من التمييز بين المواطنة وبين الإنتماء الإسلامي عندما يكون خارج دائرة المواطنة. إذ أمروا بعدم الإنتصار لأي مسلم فردا أو جماعة خارج الوطن الإسلامي (المدينة) مهما ضيم وإعتدي عليه إذا كان بين الدولة الإسلامية وبين المعتدي على أولئك المسلمين عقد سابق. الوفاء بالعقود مع الكفار المشركين المحاربين أولى من الإنتصار لمسلمين مستضعفين أبوا الهجرة. هو فقه سياسي جديد لا قبل للبشرية به. هذا أمر ينظم قضية المواطنة التي فيها اليوم لغط شديد من لدن بعض الإسلاميين أنفسهم ومن لدن خصومهم من باب أولى وأحرى.
(83)
سورة التوبة بين جدلنا الفارغ ومقاصدها العظيمة.
إفتح أي تفسير لتلفى أن صاحبه حبّر في مقدمة شرحه لسورة التوبة صفحات في موضوع خلوّ هذه السورة من البسملة التي أفتتحت بها كل سورة. أليس ذلك هو الجدل الفارغ الذي نهينا عنه سيما إذا كان حظ ذلك فينا وفي تفاسيرنا بمثل مقصد واحد من مقاصدها العظمى التي جاءت بها. إفتح أي كتاب فقه لتلفى جدلا آخر أوسع في البسملة في الصلاة. ستجد آراء وآراء. لم لا نجد صحابيا واحدا سأله عليه السلام هذا السؤال : هل أقرأ البسملة في صلاتي التي أفتتحها دوما بالفاتحة وجهرا؟ سمعوه صلى فصلوا مثله. لو كانوا سألوه وهو يقرأ سرا هل ترى رجلا مثل أبي هريرة الذي أحصى أزيد من خمسة آلاف حديث يزهد في ذلك فلا ينقله إلينا أو الأم العظيمة عائشة التي يصلي إلى جانبها صلاة الليل ما شاء له الله أن يصلي. يسألني الناس عن بسملة الفاتحة في الصلاة فأقول لهم : إقرأها إن شئت أو لا تقرأها سرا وعلنا. ذلك مباح لأنه وارد كله فلا حرج عليك. عندما يسمعون مني ذلك أرى في وجوه بعضهم حيرة. يريدون أن يسمعوا كما ألفوا محاضرة طويلة حول قضية لا عبرة بها في الدين. اللهم أشهد أن هذا جدل فارغ. اللهم أشهد أن كتابك ما جاء لمثل هذا الجدل.
وضع البسملة بين السور أمر إختاره عثمان عليه الرضوان مع من معه من الأصحاب. البسملة ليست آية من أي سورة إلا فيما إختلف فيه في فاتحة الكتاب. إجتهد الصحابة في شيء يفصل بين كل سورة وأخرى فإختاروا البسملة ونعم الإختيار وربما إستوحوا ذلك من كتاب سليمان عليه السلام إلى بلقيس (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمان الرحيم). خلت سورة التوبة من ذلك لمناسبة التبرئ من المشركين إذ لم يكن ذلك مناسبا لتقدمه بذكر الرحمان الرحيم. لو كان هناك إفتتاح لكان أنسبه أن نقول بسم الله العزيز الحكيم. أقوى حجة هنا هي أن القرآن الكريم نفسه عرض إلى الأمر بالإستعاذة من الشيطان الرجيم عند تلاوته ولم يعرض إلى البسملة (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم). هذا الموضع هنا داع إلى بيان البسملة لو كانت مطلوبة. ولكنه إقتصر على الإستعاذة. فلم نعمل عمل بني إسرائيل تشديدا وإجتراح تفصيلات نحن في غنى عنها و في زمن ضاعت فيه مقاصد هذا التشريع العظيم فأصبح حركات وتمتمات وطقوس باهتة باردة.
المقاصد العظمى لهذه السورة وهي الجديرة بحسن الفقه وحسن التنزيل.
1 إجلاء المشركين من المنطقة المحرمة في مكة لتأسيس حرمة أرضية خاصة بالإسلام تحضن بيت الله الحرام الذي لا يخلو من قائم وساجد وراكع وعاكف وطائف ولا من ساع على مدار الزمان ثم تجتمع فيه الأمة في جزء كبير منها مرة كل عام. أليس للكاطوليك دولة صغيرة في قلب العاصمة الإيطالية روما (الفاتيكان)؟ ألم تصبح إسرائيل المحتلة دولة يهودية بتصويت الكنيست عليها قبل سنوات؟ هل هو كثير على الإسلام أن يختط له مساحة صغيرة من الأرض هي الحرمة المكانية المكية فحسب بما لا يزيد عن مسافة ساعة واحدة بالسيارة طولا وعرضا تكون خاصة بالمؤمنين؟ أما إذا توسعت الدولة السعودية لتجعل من المملكة كلها أرضا حراما لأغراض سياسية معروفة فالذنب ليس ذنب التشريع الإسلامي.
2 إمهال أولئك المشركين أربعة أشهر كاملات للخروج وهي فرصة كافية وزيادة حتى في عصرنا الحاضر حيث يحتاج المرء إلى شاحنات شاسعة لحمل رياشه فما بالك في تلك الأيام حيث لا يتجاوز ذلك كله حمل بعير وعمل ساعة واحدة. ظل يشدد على الوفاء بالعهود المقطوعة معهم ونسب ذلك مرتين في سياق واحد إلى التقوى. هو إذن إجلاء حضاري لرعاية خصوصية تعبدية دينية وبإعلام مسبق وتشديد على رعاية العهود. قارن ذلك بما يفعل اليوم في الأرض كلها تقريبا.
3 ثم تفرغ إلى الحض على قتال الروم في تبوك الشامية البعيدة وهو قتال إستباقي. تلك هي الروم التي حزن لهزيمتها المسلمون في مكة (غلبت الروم في أدنى الأرض..). نحزن لهزيمة من يشبهنا في الكتابية مجرد شبه لأنه أدنى إلينا من الملحد اللاديني ولكن عندما يهجم علينا ذلك الكتابي نفسه فإننا نقاومة.
4 سماها الصحابة سورة الفاضحة لأنها فضحت النفاق والمنافقين إذ بعدت عليهم الشقة أن يعرضوا أنفسهم إلى رحلة تدوم شهرا كاملا ذهابا ومثله جيئة إن كتبت لهم الحياة وكانت الواقعة في فصل صيف حار نضجت ثماره وتمددت ظلاله وكل شيء يغري بالدعة والمتعة. هي أطول سورة بسياقاتها مما عالج النفاق وكشفت عن أماراته و علاماته.
5 كما عالجت المخلفين الثلاثة من الصحابة (هلال إبن الربيع وصاحبيه) وبينت تلازم الصدق في الفؤاد مع التخلف عن العمل الصالح. وهذا كثير فينا ولم يشفع لهم صدقهم ذاك إذ عوقبوا بالمقاطعة الجماعية المؤلمة جدا لزهاء شهر كامل ثم دعوا إلى هجران أزواجهم أيضا فكانت مقاطعة عائلية أكسح ثم تاب الله عليهم وعلى نبيه وعلى المؤمنين كافة. لذلك سميت سورة التوبة لأن آخرها توبة جامعة من التواب سبحانه.
واقعنا اليوم يشكو الأمراض نفسها فلم التشبث بالمختلف فيه وترك المتفق عليه.
سواء قرأت البسملة في أي موضع من صلاة أو من قرآن أو لم تقرأ .. لن يزيدك ذلك ثوابا ولن ينقص منك شيئا. إنما المقصود هو حسن فهم تلك المقاصد لحسن تنزيلها. أليست مجتمعاتنا ينخرها النفاق نخرا عجيبا فهو يعوق نهضتها وينقض ثورتها ويؤخر هويتها؟ ألسنا متخلفين عن تبوك العصر؟ أليس الجهاد فينا إما رذيلة قبيحة في عيون الشيوعيين والعالمانيين وهو عنوان همجية وظلامية أو قتل بغدر وخيانة للأحمر والأسود والكافر والمؤمن والمسالم والمحارب والمرأة والرجل دون هوادة؟ أليس كلاهما لا علاقة له بالجهاد المطلوب؟
(84)
الدولة الإسلامية تمنح اللجوء السياسي ..
(وإن أحد من المشركين إستجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه). التوبة.
توضيحان في البداية.
1 الإسلام كيان سياسي جامع يلم شتات معتنقيه سعيا على مصالحهم وتنسيقا لجهودهم وهو الأمر الذي فعله عليه السلام في أول عمل من بعد إتمام هجرته إذ خط مع أصحاب الديانات الأخرى وثيقة دستورية سياسية ومهد لها بأمرين هما : بناء حلف تآخ بين المهاجرين والأنصار إسما بإسم وليس مجرد خطبة عصماء تذرف لها الدموع ثم ينصرف كل واحد منهم إلى بيته لا يلوي على شيء وبناء المسجد الذي كان يعد في تلك الأيام الدار العامة للمسلمين وليس هو مجرد قاعة للصلاة. الإسلام بكيانه ذاك ينشئ دولة إسلامية إذ لست من القائلين بأنه لا دولة للإسلام أو أن كل دولة تتحقق فيها مقاصد الإسلام فهي دولة إسلامية وعندها نسمي ألمانيا دولة إسلامية. الدولة الإسلامية عندي حقيقة تاريخية ولا يضيرني أن أسميها دولة إسلامية ما كانت مبسوطة على أغلبية مسلمة وما كانت منتخبة من مواطنيها لا مسلطة عليهم بالغلبة والشوكة وما كانت محققة قدر الإمكان لأعظم مقاصد الإسلام وخاصة الحرية والكرامة والعدالة والوحدة والحق في الإختلاف تحت سقف صف واحد مرصوص. الدولة في الإسلام هو مبحث نظري ولكن الدولة الإسلامية هي حقيقة مادية. ربما تلجئ إكراهات السياسة بعضهم إلى عدم القول بذلك وأتفهم منهم ذلك.
2 لا أرى مانعا من إستخدام هذا المصطلح (الدولة الإسلامية) بسبب ما أحدثه هذا الكيان من قهر وسوء قالة عن الإسلام في الإعلام شرقا وغربا. لو أن كل من هب ودب ممن يستخدم كلماتي وعناويني أسلم له بذاك تأثما وتحرجا لأجهز علي خصومي بتجريدي من عناويني وقيمي واحدة واحدة. هذا يبني مشروعه على الحريات والحقوق فأتميز عنه في خطابي وذاك يسمي نفسه دولة إسلامية فأنأى بنفسي عن ذاك.. ما تكون هويتي من بعد ذلك؟ سيقولون يوما الإسلام إستسلام ولا يليق بعصرنا. ماذا أسمي نفسي؟ ألم يقل السيد محمد مواعدة سياسي تونسي سابق عندما كان حليفا للمخلوع بن علي أن الإسلام لا يعترف بالتعدد بسبب أن عقيدته تقوم على مبدإ التوحيد. يجب علي إذن أن أكون متعدد الإلهية حتى يعترف بي في المحفل التعددي الذي يبشرون به؟
قيمة صريحة نفذتها إمرأة في الإسلام.
لما فتح عليه السلام مكة فرض ما يشبه حالة الطواري خوفا من حركة مضادة و قال(من دخل بيته فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن). أي من لا يتعرض للفتح بأي أذى يستمتع بأمنه كاملا بغض النظر عن عقيدته ودينه. في تلك الأثناء جاء بعضهم إلى إم هانئ طالبا الإجارة. في رواية هو أخوها وفي أخرى هو حموها وفي رواية هو مشرك واحد وفي رواية هما مشركان .. كل ذلك لا ينقص من القيمة شيئا. المرأة واثقة من رصيدها المعرفي في الإسلام وواعية بالحالة الأمنية الخطيرة. منحت اللجوء السياسي لطالبها فورا. لم يكن لها وقت لإستشارة محمد عليه السلام ولا هناك وقت أيضا لطالبي اللجوء للإنتظار. المسألة محسومة في الكتاب العزيز مباشرة. هذه آية صريحة أقوم بتنفيذها ولم البيروقراطية المقيتة وتأجيل مصالح الناس حتى وهم مشركون. نفذت ذلك وهي إمرأة وليست فحلا بل نفذت ذلك في حالة هشة جدا أمنيا وسياسيا. نفذت ذلك بكل ثقة وطمأنينة وبعد أن رفعت حالة الطوارئ وعاد الأمن إلى مكة لقيته عليه السلام إتفاقا لا عن ميعاد فأخبرته فما كان منه إلا أن رد عليها بكلمات عظيمات يريد توجيههن إلينا نحن اليوم. قال لها مبتهجا مسرورا بهذه المرأة العظيمة دينا وسياسة (أجرنا من أجرت يا أم هانئ). أجرنا .. بضمير الجمع. لأنه يتكلم بإسم الدولة وليس بإسمه الشخصي. ختم على عملها السياسي الأمني الإداري الكبير بخاتم الدولة (نا). وهو يريد أن يقول لنا : هذه إمرأة لم تقعد بها أنوثتها عن الفقه في الدين ولا عن الوعي في السياسة. هذه إمرأة أدت حقا لهذا المشرك المستجير وقامت بفريضة وطنية عظمى. الدولة تزكي عمل هذه المرأة لأنها تنفيذ لأمر الله لنا أن نجير المشرك.
مضمون الإجارة أو عقد اللجوء السياسي.
هو لجوء سياسي. الرجل المشرك المستجير لم يكن يشكو لا جوعا ولا ظمأ بل يشكو خوفا على نفسه وهو في قمة شجاعته الأدبية إذ لم يقتنع بالإسلام دينا فيدخله وتأبى عليه نفسه أن ينافق فيظهر الإيمان ويخفي الشرك. في أروبا اليوم نوعان من اللجوء (لجوء سياسي ولجوء إنساني). لهذا المشرك أسندت دولة محمد عليه السلام لجوء سياسيا لا إنسانيا.
1 (حتى يسمع كلام الله). ذلك هو البند الأول من عقد الإجارة. أي عندما يكون في أمن بينكم وأنتم مسؤولون عن أمنه وحريته فإنه سيخالطكم وهي مناسبة ليسمع كلام الله إليه وليس كلام أي أحد آخر وعندما يسمع ذلك الكلام وهو آمن على نفسه بينكم فلعله يؤمن. أي أن المقصد من تأمين اللاجئين إنما هو منحهم حرية التفكير وليس إكراههم على شيء. من قبل ذلك كان هذا المشرك يسمع عنكم واليوم هو يسمع منكم. فأحسنوا عرض البضاعة.
2 (ثم أبلغه مأمنه). سواء آمن أو لم يؤمن فإن أمنه مسؤولية في أعناقكم. أمنه النفسي والغذائي مسؤولية الدولة الإسلامية. لا يخوف ولا يروع ولا يغمز أنه مشرك. لا. ذلك دينه وهو حر حرية كاملة. واجبكم هو إتاحة الفرصة أمامه ليسمع فحسب. هي ثقة هذا الدين في نفسه فلا يطلب من الإنسان سوى الإستماع إليه. لا يحتاج منك سوى أن تعيره سمعك.
عشرات الملايين اليوم من اللاجئين كلهم تقريبا في الدول الغربية وأكثرهم مسلمون هجّرهم مسلمون مثلهم. ولا وجود لقانون لجوء في أي دولة عربية ولا إسلامية .
ثم تريد أن تقنعني بأن (الإسلام يمنح اللجوء السياسي)؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(85)
الجزية : مثال مناسب لحسن فهم علاقة الكتاب بالميزان.
(قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون). التوبة.
الميزان ورد في سور الرحمان والشورى والحديد. وكثيرا ما يستعاض عنه بكلمة الحكمة. الميزان هو الحكمة العقلية التي يتجهز بها الإنسان لضمان أحسن فهم للإسلام.
الجزية كلمة تحمل دلالتها في جسمها.
الجزية معناها الجزاء. أي أن أهل الكتاب في الجزيرة العربية في تلك الأيام مطلوب منهم أن ينضووا تحت سلطان الدولة الإسلامية من بعد فتح مكة وواقعات حنين والطائف وتبوك وإعلان القبائل العربية كلها تقريبا عبر وفودها إلى المدينة إسلامها الذي كان بعضه سياسيا لذلك قال سبحانه (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا). مطلوب من أهل الكتاب أن ينضموا إلى تلك القبائل المسلمة سياسيا أي الخضوع للدولة الإسلامية الجديدة وليس مطلوب منهم أن يكرهوا على تغيير دينهم. لذلك قال : قاتلوهم حتى يعطوا الجزية وليس حتى يؤمنوا. إعطاء الجزية معناه الإعتراف بسلطان الدولة. أم هل تصدق أن الإسلام يرغب تحصيل المال من الناس بدلا عن هدايتهم؟ هذا محال. مطلوب منهم الإعتراف بالدولة الإسلامية وتأكيد ذلك بإعطاء الجزية في مقابل الخدمات الأمنية وغيرها التي تقدمها الدولة لهم مساواة بينهم وبين الزكاة التي يعطيها المسلمون للدولة نفسها. الجزية المطلوبة إذن من أهل الكتاب تعني إعلان المساواة المدنية بين المسلمين وبين غيرهم في الدولة الواحدة على أساس المواطنة. بل يقع إعفاؤهم كذلك أي أهل الكتاب من بقية الواجبات ذات الطابع الديني كلها في مقابل تلك الجزية من مثل إعفائهم من الدفاع العسكري عن الدولة وهو الأمر الذي يعرض الناس إلى الموت وليس من القيم الأخلاقية للدولة الإسلامية تعريض المواطنين الذين لا يؤمنون بالجهاد والقتال وغير ذلك إلى الموت. الجزية تسير في إتجاه الإعتراف بالمواطنين المختلفين عقديا وعدم تحميلهم ما لا يحمّلهم إياه دينهم نفسه.
تطورات نظام الجزية من الخلافة الراشدة إلى اليوم.
الجزية هي إذن مقابل مالي من المواطن المخالف عقديا تقوم الدولة بمقتضاه بضمان حمايته وأمنه والدفاع دونه عسكريا وعدم تكليفه وطنيا ما لا ينسجم مع دينه وهي إعلان مساواة مدنية بينه وبين المسلم الذي يدفع للدولة الزكاة وينتظم في جيش يحمي الحدود. هي إذن علامة تكريم وأمارة تحرير وإعتراف بالآخر المخالف دينيا. لما جاء الفاروق إلى نصارى تغلب عرب تنصروا يأخذ منهم الجزية وهو الخليفة في تلك الأيام أنفوا من الإسم وصرخت في عروقهم الدماء العربية فاشترطوا على الفاروق أن يسميها بغير إسمها (أي الجزية) فكر الفاروق قليلا ثم أسعفه فقهه المقاصدي العظيم ووافق على ذلك. ولما كان في طريق العودة قال لأصحابه هؤلاء حمقى. قالوا : كيف؟ قال: رضوا بالمسمى وأنفوا من الإسم.. أنى لعمر أن يرضى بتغيير الكلمة بناء على طلب من كتابيين؟ بيني وبينك هنا كلمة واحدة . إدرس بنفسك سيرة عمر الإدارية والسياسية والمالية ستلفى عجبا. أدرس : صلاة التراويح. المؤلفة قلوبهم. حد السرقة عام الرمادة بالعراق. تخميس أرض العراق المفتوحة فيئا بالسلاح. تغيير نظام العطاء عمّا كان في عهد الصديق. حبس مجموعة من أهل الرأي من الصحابة لحاجة الشورى في المدينة بما يشبه الإقامة الجبرية لمصلحة الإجتهاد. إصدار قانون التغطية الإجتماعية لكل مولود جديد. إصدار قانون الإقامة بالجيش إلخ..
لعلك تتوجس إذا قلت لك أني أدعو إلى الحوار مع المنسوبين إلى التيار السلفي المغشوش بمادة فكرية واحدة إسمها : السيرة الإدارية والمالية والسياسية للخليفة الثاني عمر عليه الرضوان. لا تحتاج معهم إلى غير ذلك. من يقود معهم حوارات في هذه السيرة يلجئهم إلى أحد أمرين : إما الرجوع إلى جادة الصواب في حسن فهم الإسلام كتابا وسنة. أو إعلان بعضهم أن عمر كافر مرتد. لعلك تتوجس إذا قلت لك أني أحترم هذا الضرب الثاني منهم لأنه متجانس مع نفسه أي أنه ليس منافقا بل جاهلا. لنسلك معهم ما سلكه معهم الإمام علي بواسطة حبر الأمة أي إدارة الحوار وسنعود منهم بمثل ما عاد منهم أي ما بين الثلث والثلثين. عندها نتبيّن أن الثلث المتبقي مأجور بمال ومنافع لدى جهات الله وحده يعلمها. أجل. سيرة الفاروق كافية لبيان الحق في السلفية المغشوشة. كافية وزيادة.
لم يقتصر إجتهاد الفاروق في الجزية عند ذاك الحد مع نصارى تغلب إذ وجد يهوديا طاعنا في السن فأمر بوضع الجزية عنه (أي إعفاؤه) وأمر له براتب شهري يكفيه.
هل نأخذ الجزية اليوم على يهود تونس؟
أمران لا بد من إدراجهما ضمن الإجتهاد. أولهما أن العالم اليوم محكوم بإتفاقيات دولية معروفة مرجعها عصبة الأمم المنتصبة في عقب الحرب العالمية الثانية 1945 ومنها أن العالم الإسلامي مقسم إلى دول مستقلة. وثانيهما هو أن تلك الدول تقوم على مبدإ المواطنة المتساوية بغض النظر عن الدين وبقية التنوعات. ذلك هو الوضع العالمي الجديد المحكوم بمعاهدات تحرسها قوى عسكرية أممية معروفة (القبعات الزرقاء). ولا وجود لأي شبر في الأرض يندّ عن ذلك النظام. عندما تضيف إلى هذا أمرين آخرين : أولهما أن نظام الجزية وضعه الإسلام لحماية الأقليات وإعفائها من المساهمة في الواجبات الوطنية ذات البعد الديني (الزكاة والجهاد) وضمان إنصهارها في المجتمع الإسلامي وثانيهما هو أن هذا الوضع السائد في جوانب كثيرة منه لا يتعارض مع الإسلام سوى فيما تعلق بوحدة الأمة الإسلامية بدل وضعها الممزق الراهن وأشياء أخرى قليلة .. عندما تجعل كل ذلك ضمن معادلة عقلانية فإنك تفيئ إلى أن نظام الجزية الذي وضعه الإسلام يستبدل اليوم بنظام المواطنة متساوية الحقوق والواجبات حدبا وراء تحقيق المقاصد التي لأجلها فرضت الجزية وليس جمودا على أشكال الجزية شكل إداري ومالي لا تخدم تلك المقاصد.
لا تنس : أدرس سيرة الفاروق السياسية والإدارية والمالية
(86)
القرآن الكريم يحذر من السلطان الديني المتغوّل.
(يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله)؟ لم يتوجه الخطاب إلينا وهو يتحدث عن العالم المسيحي واليهودي؟ هل معنى ذلك أنه يأمرنا بأن ننهى الأحبار والرهبان أن يأكلوا أموال الناس بالباطل؟ لا.
الرسالة هي : حذار أن يتغول فيكم السلطان الديني ليكون قهرا بإسم الدين.
تلك هي الرسالة التي إلتقطها عقلي. وإلا لما إحتاج الخطاب أن يتصدر بالنداء الشهير(يا أيها الذين آمنوا). إلتقطت ذلك بسبب ما يحصل في واقعنا. إذ نشأت فينا سلطات دينية تأكل أموال الناس بالباطل بل تصد عن سبيل الله كذلك. أليس في كل بلد من بلداننا العربية والإسلامية لفيف يكبر ويصغر من المنسوبين إلى الدين يمارسون الشعوذة ويزاولون الكذب والدجل بمقابل مالي ومادي فضلا عما تكنّ لهم العامة من حظوة ومكانة وتقدير؟ في تونس مثلا في سنوات 2005 و2006 ربا عدد " الأطباء " القرآنيين ممن لهم عيادات رسمية معترف بها على عدد الأطباء المتخرجين من كليات الطب. هل هذا وضع إسلامي؟ ربما جفت تلك الظاهرة قليلا ومنذ سنوات وعقود بسبب الهجومات الكاسحة للحداثة والعولمة وبسبب إنتشار الوعي الإسلامي الصحيح وبسبب ثورة الإتصالات .. ولكنها مازالت منتشرة تحت إسم المصحات القرآنية التي تزور على الناس بإسم (الرقية الشرعية). لا أكاد أقوم بخطبة جمعة أو درس حتى أجد من الأسئلة المطروحة ما يتعلق بهذا الأمر. لا أتردد في توجيه السائل إلى الطبيب أولا إذ أن أكثرهم يحدثونك عن آلام بدنية ولكنهم يصرون على أنها آلام بسبب مس جني أو صرع شيطاني أو سحر أو عين. أكثرهم لا يتحرج أن يقول لك مؤكدا أنه مريض نفسي. مريض نفسي وقبل قليل كان يعالج الدنيا بشطارة ومهارة ومعرفة فهو معلم أو موظف أو عامل. المرض النفسي كله هو أن تقول بلسانك وتعتقد بمهجتك أنك مريض نفسي. أعرف شابا يتناول حبوبا مخدرات بإذن الطبيب النفسي منذ سنوات طويلات بسبب أن الأطباء أعيتهم الحيلة أن يقنعوه أنه ليس محل تتبع أمني. هذا الشاب المسكين بدأ لسانه تثقل حركته والأمر يتطور به إلى ما يشبه الشلل والعياذ بالله بسبب الحبوب المخدرة. ذهب مرات ومرات إلى مخافر الأمن ليعتقلوه بدل أن يجندوا له في إثره من يرصد سكناته وحركاته بالليل والنهار. أقسم له أعوان الأمن أنه ليس محل تتبع وأنه واهم فحسب. وفي كل مرة يعودهم للسبب نفسه. العبد الفقير ظل يحدثه لأيام وأسابيع ثم يئست. أكثر الذين يشكون مسا جنيا أو سحرا على هذا المنوال. المرض النفسي علاجه بيد صاحبه فحسب ولا تكون العوامل الخارجية إلا محركات و مسكنات ودافعات فحسب.
هذه الآية نفسها تلغي الخيار التيوقراطي للمجتمع الإسلامي.
هؤلاء المرضى بالأوهام مائدة خصبة لكثير من المنسوبين إلى الدين ينشرون فيهم تراهاتهم وخزعبلاتهم ودجلهم بإسم الدين نفسه ويثرون بسبب ذلك. ليس هناك شيء إسمه رقية شرعية. هناك رقية وحسب. هل تجد صحابيا واحدا جاء إليه عليه السلام وقال له أرقني؟ كل ما في الأمر أنه عليه السلام كان يرقي نفسه ويرقي أهل بيته سيما الأطفال الصغار منهم (السبطين الحسن والحسين) ولا يعد لذلك أي بهرج ولا مجلس ولا بخور ولا ماء ولا وليمة ولا رقص ولا يقرأ من القرآن سوى ما تيسر له في دقائق معدودات من مثل فاتحة الكتاب وآية الكرسي وأواخر البقرة والمعوذات الثلاث الأخيرة وزهاء خمسة أدعية في الشأن له هو نفسه عليه السلام ثم يتفل في راحة يديه ويمسح بهما نفسه أو سبطيه. والصحابة يفعلون ذلك كلما تيسر الأمر وليس يوميا مع أنفسهم ومع أهلهم. ألم يكن جديرا بكل واحد منهم أن يبني مصحة قرآنية؟ أليس هو وهم أولى بالتداوي بالقرآن؟ أصل القرآن أنه (شفاء لما في الصدور) وليس لما في الأبدان. أي شفاء للقلوب والأرواح والنفوس أي للجهاز النفسي الروحي الفكري للإنسان. ذاك هو الأصل ولكنه يرقي إستعاذة أي توقيا وتحصنا من شر الإنس والجن والنفاثات في العقد والعين والسحر وكل ما يمكن أن يصيبك به الشيطان الذي ليس له أي سلطان مادي على الإنسان سوى سلطان الوسوسة أي الإغواء والإغراء أو الدجل والكذب والتخويف. المرض النفسي عينا وسحرا ومسا جنيا وغير ذلك هو كالمرض البدني نفسه أي أنه يتجول في الأرض كما تتجول الجراثيم المادية فإن وجد جهازا نفسيا هشا خوفان بسبب ضعف في الإيمان وقيم التوكل واليقين فإنه يتسلل إليه ويفتك به بمثل ما تفتك الجراثيم المادية بالجسم. وإن ألفى جهازا نفسيا قويا منيعا متحصنا بالإيمان والذكر والتوكل واليقين والقرآن علما وفقها فإنه يذهب في سبيل حاله. لكم آمل أن ينفعل الناس بهذه الحقيقة ليريحوا أنفسهم من شعوذات وكذبات ودجلات وتراهات وخزعبلات أرهقتهم وطحنتهم ومكنت لشياطين الإنس فيهم وهل شياطين الإنس إلا أولئك (المشايخ والأئمة والعلماء والأولياء) الذين يأكلون أموال الناس بالباطل بإسم الدين والرقية الشرعية وفك السحر وإذهاب العين وبطرق لا أساس لها من الشرع الصحيح؟
ذاك هو الصد عن سبيل الله.
لفيف واسع من المنسوبين إلى الدين يأكلون بالدين صدا عنه.وأي صد أشد جرما من تحويل وجهة القرآن من (شفاء لما في الصدور) إلى شفاء لما في الأبدان. أي خرافة أتعس من خرافة تحويل القرآن من مشيد للحضارة والتقدم ولقيم الحرية والكرامة والعدالة إلى (طبيب) مشعوذ في بيت مظلم تغشاه أدخنة البخور. ذلك هو تمسيح الإسلام وتكنيس التدين.
إنما جاء الدين لبناء مجتمعات عادلة ليس فيها رجال دين ولا علماء كذبة دجالون يأكلون أموال الناس بالباطل. إنما جاء الدين لفتح الحريات أمام الناس ليؤمن من شاء وليكفر من شاء وليس للصد عن سبيل الله بإسم الدين من لدن رجال الدين وعلماء الدين. تشيد مثل ذلك في المسيحية واليهودية وتغول ففرض سلطانه على الناس حتى جاءت ثورة أروبا قبل قرون قليلة فهدمت المعبد الكنسي على أهله وتحرر الناس.
الرسالة هي : أيها المؤمنون إياكم أن يحدث فيكم مثل ذلك.
(87)
الزكاة ترسم صورة الأمة ونظامها الإجتماعي والمالي والقيمي.(1)
(إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وإبن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم). التوبة.
قراءة تحليلة جامعة لنظام الزكاة في الإسلام.
1 بدئت الآية بأداة الحصر(إنما) لنفي تزويد المنافقين بالزكاة إذ ليس المسلمون أخبابا يكدّون بأيمانهم ليطعم المنافق الذي يعمل على هدم مجتمعهم. وعادة ما يسمي القرآن الزكاة المفروضة صدقة (خذ من أموالهم صدقة ..).
2 لرفعة مكانة المال عند الله سبحانه بحسبانه بعدا من أبعاد حرية الإنسان وحفظ كرامته أبى الوحي إلا أن ينظم هذا الركن الإقتصادي الكبير الزكاة بنفسه فلا يفوّت فيه حتى لنبي من مثل محمد عليه السلام. هذه حقوق لا بد من ضبطها أن تظل عرضة للتأويلات.
3 الدولة في الإسلام هي التي تجمع الصدقات وتقوم على توزيعها ولا يترك ذلك لمبادرات الناس ضبطا للأمر وحرصا على حقوق الضعفة وليس إكراها لهم على التدين. ولذلك قامت حروب الردة في اليمامة عندما أبى بعض الناس دفع ما كانوا يدفعونه له عليه السلام فكانت أول حرب في التاريخ تشنّ لأجل حقوق المساكين. الإسلام دين يقدم أبناءه وبناته قرابين تأكلهم الحروب لأجل حقوق الإنسان المالية.
4 ثمانية مصارف معينة بالإسم فلا حق لأحد في حبة قمح منها إلا أن يكون واحدا منها.
5 بدئ بالمصرف الأكثر شيوعا في العادة (الفقراء والمساكين) كما بدئ بالحاجة المتأكدة أي حاجة الأكل والشرب والملبس والمسكن وغير ذلك لأن الأمن الغذائي مقدم.
6 الفرق بين الفقير والمسكين لا يكون عادة منضبطا والمعول عليه هنا هو أن الفقير عادة ما لا يعرفه كل الناس عدا رحمه وجيرانه ومن في حكمهم ولذلك بدأ به لأنه عادة ما يكون مختفيا في الناس وهو المعبر عنه في سورة الحج بالقانع أي المحتاج الذي لا يتعرى. المسكين عادة ما يكون عاريا والمعبر عنه هناك بالمعتر. المسكين تأخر عن الفقير لأنه يرى ويعرف بمظهره وربما يمد يده. أما الفرق بينهما مما قال به بعضهم أن الفقير من ليس له طعام عام والمسكين من له طعام يوم فهو كلام مرجوح ووجود هذا في عصرنا نادر.
7 لم نؤمر بإعطائها إليهم صياغة بل أخبرنا أمرا أن الصدقات هي لهم هم كأنها حقهم هم وفعلا هي حقهم هم لأنها حق الله في مال الله. (للفقراء) وليس : أعطوها للفقراء. هي لام الملكية فهي ملكهم هم. كيف لا والزكاة ركن من الأركان الخمسة للإسلام.
8 بعد إشباع الحاجة المادية مباشرة ينصرف النظام إلى تأسيس مؤسسة الزكاة إذ العاملون عليها هم الموظفون الذين تنتدبهم الدولة لأخذ الزكاة من أهلها ثم صرفها إلى أصحابها. سواء كان ذلك الإنتداب موسميا أو قارا فهم يشكلون مؤسسة صندوق الزكاة في المجتمع الإسلامي. ويقتطعون حاجتهم أي مرتبهم من تلك الأموال نفسها. لا يعني ذلك سوى أن الإسلام يسعى إلى مأسسة الزكاة أي جعلها ضمن ديوان حكومي له ميزانيته التي منها مرتبات الموظفين في ذلك الديوان. كل ذلك لأن الزكاة منبع دائم وقار ومهم جدا من منابع المال في الأمة. هذا المصرف يؤكد أن جمع الزكاة وصرفها من مشمولات الدولة وليس متروكا للأفراد إن شاؤوا زكوا وإن شاؤوا لم يزكوا سيما في الحقول التي تدر أموالا طائلة كتجارة الجملة في زماننا وخاصة الذهب والفضة وما تخرجه الأرض والأنعام.
9 ذلك يسمى في علم الإدارة الحديث قانون التفرغ لأجل المصلحة العامة وهو نظام إسلامي إداري خالص عمل به أول خليفة للمسلمين أي الصديق عليه الرضوان إذ لما بويع خليفة خرج من الغد كعادته إلى السوق حدبا على رزق أهله فإعترضه الفاروق وبعض الصحابة وتجادلوا ثم فرضوا له من بيت المال البنك المركزي للأمة ما يكفيه وأهله في مقابل تفرغه لمسؤوليته الجديدة ثم ظل ذلك قانونا إسلاميا إداريا ماضيا. صندوق الزكاة نفسه يفرض هذا القانون إذ يوجب على الدولة تفريغ ما يكفيه من الموظفين. وسائل إدارية ومالية لأجل حفظ حقوق الناس المالية.
10 ومن مقتضيات ذلك أن موظفي ديوان الزكاة في البلاد يتلقون دروات تدريبية خاصة بهم لا تقصر على الجانب العلمي الشرعي في الأنصبة والمصارف وما تشمله وفي منابع الزكاة نفسها من أموال عينية وقيمية وأنعام ومعد للإتجار وما تخرجه الأرض بل يتعدى ذلك إلى ملكة التعامل مع الناس ومعالجة المشكلات ومعرفة النفوس .. يعني أن ديوان الزكاة مؤسسة حكومية كبرى لا تقوم على الجباية فحسب بل تقوم على علم النفس والإجتماع والجغرافيا والإحصائيات وما تقتضيه عملية الزكاة وهو كثير كثير ..
11 ثم خرج نظام الزكاة بسرعة إلى غير المسلمين أي المؤلفة قلوبهم. مباشرة بعد الفقراء والمساكين وموظفي ديوان الزكاة يأتي حق الإسلام في التغذي بأناس جدد. ذلك يعني توظيف المال للدعوة والترغيب والهداية وتقريب القلوب التي يظن أنها على وشك الإيمان. ذلك يعني أن المال في الإسلام صاحب وظيفة قيمية فكرية عظمى وليس هو معدودا مثل مال الأنعام تأكله في بطونها ثم تثلطه ثلطا أو تبعره بعرا لا تلوي على شيء.
(88)
الزكاة ترسم صورة الأمة ونظامها الإجتماعي والمالي والقيمي.(2)
12 ظل التعبير في آية الصدقات (الزكاة) يترى بلام التمليك (للفقراء) ثم بالعطف على المساكين وغيرهم حتى إنقلب التعبير عندما جاء إلى (الرقاب) فقال (وفي الرقاب) وليس للرقاب. إذ لا تصرف الزكاة للعبيد لأنهم لا يملكون التصرف فيها بسبب فقد الحرية وإنما تصرف فيهم وليس لهم. أي تصرف لتحريرهم. أي تخصص الدولة ميزانية من أموالها المتأتية من الزكاة المفروضة على المسلمين لأجل تحرير العبيد الأرقاء. لو لم يرد سوى هذا في الكتاب العزيز لأطمأن الإنسان أن الإسلام دين تحريري جامع. ذلك أن الإنسان المستعبد المسترق لا يكلف بشيء لأنه لا يملك الحرية والإرادة فهو يحرر أولا ثم يملك أمره فإن شاء آمن وإن شاء كفر. جاء التعبير بقوله ( وفي الرقاب ) فلا تقدم رقبة على أخرى فتسوي الرقاب المعدة للتحرير فلا يحرر هذا دون ذاك بسبب لونه أو دينه أو جنسه أو أي إعتبار آخر.
13 طلب مني ذات يوم أحد أصهاري بيانا شافيا حول قضية ملك اليمين في الإسلام إذ يلقى من ذلك عنتا وحرجا مع أقرانه ثم ما لبثت أن تلقيت الطلب نفسه من غيره. ملك اليمين الوارد في القرآن وفي السنة معناه الرقيق المستعبد. لما جاء الإسلام وجد المجتمع العربي وغير العربي مركبا من الرقيق رجالا ونساء تركيبا عجيبا حتى أضحى الرقيق عملة من العملات الإجتماعية والإقتصادية ومكونا من مكونات المشهد بمثل الماء والهواء دون أي نكير. هناك أمام الإسلام (وخاصة في الفترة المكية حيث أنه هو نفسه يراد له الإسترقاق من كبراء قريش ) إحتمالات ثلاثة فإما أن يغض الطرف عن ذلك الوضع إما بسبب أنه وضع قائم متمكن لا يقوى أحد على فعل شيء فيه أو بسبب أنه لا علاقة لرسالته بالتحرير. وإما أن يدعو ويعمل فورا وبقوة على إلغائه. الإحتمال الأول ناقض أعظم لرسالته فإن تخلى عن تحرير العبيد بل الإنسان كله فقد قتل نفسه بنفسه. الإحتمال الثاني لا يقدم عليه عاقل إذ الإسلام في تلك الأيام يتسلل إلى القلوب سرا لمدة طويلة وهو محل مطاردة ونفي وتهجير وقتل وتجويع فكيف يدعو نبيه عليه السلام إلى قلب النظام العربي وهو قائم بصورة راسخة على الإسترقاق الذي له أسواق نخاسة وقوانين عرفية والعبيد يومها بالمئين فلا يكاد يخلو بيت واحد من عبد مسترق يخدم العائلة بل ربما كان للأشراف منهم عشرات ومئات. هل هذا وضع يقوى أحد على إلغائه بجرة قلم؟ لو طلب نبي الإسلام ذلك من الناس لإنقلب عليه عمه نفسه الذي ظل يحضنه ودعوته بدافع عصبي. هو يدعو إلى أمر فطري جبلي غريزي أي توحيد الإلهية ورغم ذلك جوبه وحورب فما بالك لو دعاهم إلى قطع أرزاقهم بإلغاء العبيد وقلب نظامهم القبلي الإجتماعي.
كثيرا ما تؤزنا الحماسة المفرطة رغم صدقها على إقتراف غير المعقول. صحيح أن الحرية هي أم الآمال ورأسمال الإنسان ويموت دونها ولكن الأصح من ذلك هو أن طلبها لا يكون إلا بمقاومة شرسة دونها الموت الزؤام وليس بجرة قلم أو بدعوة من فوق أريكة أثيرة. ذلك هو قانون الله سبحانه ليس هناك شيء يقضى بسرعة بل لا بد من خضوعه لعامل الزمن والتدرج والصبر والمقاومة.
لم يبق إذن إلا إحتمال ثالث أخير أمام الإسلام وهو تنفيذ رسالته التحريرية بخطة هادئة معقولة طويلة الأمد تراعي الواقع الذي يتأبى على الإنقلاب السريع حتى لو كان الإسلام في تلك الأيام قويا حاكما فما بالك وهو نفسه يتحمل الضربات الموجعة وشعاره : البلاغ المبين والصبر الجميل. الإحتمال الثالث عنوانه : تجفيف منابع الرق بالتدريج حتى لا يحدث إنقلاب فجئي في المجتمع وكما قال الخليفة الراشد الخامس الكبير عمر إبن عبد العزيز لأبنه المتعجل ( أخشى يا بني أن أحمل الناس على الحق جملة فيدعوه جملة). أحكم الإسلام خطته التحريرية فدعا إلى الحرية ونبذ الصنمية والوثنية وأعلن كرامة الإنسان وأعلى من شأن التقوى وحط من الشؤون العرضية الأخرى من مثل الجنس واللون واللسان والعرق. ثم شجع الأغنياء على تحرير الرقيق وتطوع الأغنياء منهم من مثل أبي بكر وذي النورين وغيرهما. ودعا إلى كسب المال الحلال لفعل الخير وأكبر خير في الإسلام هو تحرير الإنسان. ثم وضع في تشريعاته كفارات لتحرير العبيد وهي عقوبات مخففة لمعاصي يقع فيها كل إنسان من مثل الحنث في اليمين فكان تشريعه حاضا بالضرورة على تحرير العبيد المسترق. ثم كانت النتيجة أن نجحت الخطة التحريرية في غضون سنوات معدودات وحدث الإنقلاب الكبير بهدوء وتدرج فلم يتضرر عبد ولا سيد وتهيأ المجتمع لإستئناف حياة إسلامية حرة لا عبودية فيها إلا للمعبود الحق سبحانه.
تلك هي خطة الإسلام حيال تحرير العبيد وقد ثبت نجاحها فمن إقتنع بها فله ذلك ومن لم يقتنع بها فليرنا شطارته في تحرير أفواج تملأ الأرض اليوم من الناس المسترقين المستعبدين حقا لا فرق بينهم وبين عبيد قريش قبل زهاء خمسة عشر قرنا.
تحرير العبيد في تلك الأيام هو بمثل تحرير الناس اليوم في معاملاتهم المالية من سرطان الربا. لم تقدر ولن تقدر دولة واحدة اليوم في الدنيا مهما أوتيت من قوة إقتصادية على إلغاء التعامل الربوي سيما بينها وبين عملائها وأكثرهم غربيون أقوياء شرساء بجرة قلم ولا حتى في غضون سنوات معدودات. لم؟ لأن شبكة النشاط الإقتصادي اليوم في الأرض كلها شبكة واحدة أو تكاد تكون كذلك وهي شبكة من هندسة الفلسفة الغربية الربوية والقوي دوما هو الذي يهندس الساحة. ما ذا نفعل؟ هل نتأخر عن المقاومة لأن الربا سرطان عام لا ينجو منه أحد؟ هل نقطع أي علاقة مع غيرنا؟ هو الخيار الثالث دوما أي إستجماع أسباب القوة والوحدة لتجفيف منابع الربا في البلاد أولا بل في حقول صغرى أولا ومع الأيام نتقوى ويكون لنا في السوق سهم وصوت وعندها نبدأ خطة التجفيف.
ذلك هو الفارق المهم بين النظرية والتطبيق. الفارق الذي لا يراه المقاوم إلا عندما يطحن بمسؤولية الدولة وقيادة المجتمع. تحرير الناس من الرق المالي كتحريرهم من الرق البدني كلاهما يحتاج إلى ثورة هادئة طويلة ومتدرجة. أما التشدق فيحسنه كل متشدق.
(89)
الزكاة ترسم صورة الأمة ونظامها الإجتماعي والمالي والقيمي.(3)
14 بعد تحرير الرقاب من مال الزكاة وهو واجب الدولة التي تجبي الصدقات نكون مع المصرف السادس (الغارمين). الغارمون هم المدينون أي الذين أثقلتهم الديون. تتدخل الزكاة لتحريرهم هم أيضا تحريرا ماليا وإقتصاديا بل تحريرا نفسيا لقوله عليه السلام (الدين هم بالليل وذل بالنهار). تقدم تحرير الرقاب أي التحرير البدني على التحرير المالي لأنه لا معنى لتحرير غارم وهو نفسه رهينة عند سيده. النفس أولى ومقدمة على المال. ستلفى شروطا وضعها بعضهم لهؤلاء الغارمين ولا عبرة بها إذ التقدير الحكومي هنا هو الفيصل ورب غارم في الحرام تاب الله عليه فتاب فهو بحاجة إلى مسح ماضيه نفسيا بالتوبة وماليا بما لحقه من ديون حتى يقوى على بناء صفحة جديدة في حياته الجديدة. قليل من المفتين ممن يراعي المصلحة الدعوية وكرامة الإنسان مطلقا بغض النظر عن دينه ولونه وسبب ضلاله أو معصيته. الله سبحانه يطلق التعبيرات في كتابه ونحن نقيدها ونخصصها لتكون حكرا علينا نحن فلا يفيد منها غيرنا كأنه ربنا وحدنا أو أن كتابه لنا نحن فحسب أو أنه لا يريد هداية أحد من بعدنا من بعد ما هدانا. كل غارم مدين في حلال أو حرام تقدر الدولة أنه أهل لتحريره من غرمه وفكه من ديونه يشمل هذا السهم (سهم الغارمين). سهم الغارمين هنا شبيه جدا بسهم المؤلفة قلوبهم. كلاهما يخدم الغرض نفسه أن تمهيد حياة جديدة لتائب جديد سواء كانت توبته من كفر أو من معصية أو فسوق. يمكن أن تكون الدولة كلها في حالة غرم أي في حالة مديونية باهظة شديدة تسبب لها حرجا إقتصاديا وضائقة مالية وعنتا في المحفل الدولي وضرورة لمقايضات مجحفة ومحاصرات تلجئها إلى فقدان شيء من سيادتها وإستقلال قرارها وهنا لا مانع من إنقاذها بهذا السهم لأنه سهم تحريري في الحقل الإقتصادي بل إن إنقاذ الدولة عندما تكون دولة للشعب أولى من إنقاذ غارم واحد أو ألف غارم. إنقاذ الدولة دولة الشعب هو إنقاذ وتحرير للشعب كله. مرة أخرى يحزنك أن تلفى أن جانبا كبيرا من فقهنا دون كما قال ذلك بحق الدكتور عبد المجيد عمر النجار لمعالجة المشكلات الفردية لا الجماعية. ربما كان ذلك مفهوما في أيام خلت كان سلطان الدولة الإسلامية فيها مبثوثا ومحل إعتراف عام أو قبول مشروط في الجملة أما اليوم وقد إنهارت الدولة الجامعة أي السقف السياسي المانع الحامي للأمة بأسرها فإن مدوناتنا الفقهية بحاجة إلى إعادة تحسين وإعادة كتابة وصياغة لملاءمة أوضاع جديدة.
يمكن لهذا الغارم الذي تحرره الزكاة من رقه المالي أن يكون كافرا من المؤلفة قلوبهم فيجمع إليه سهمين : سهم التأليف وسهم فكه من غرمه. لا مانع سيما إذا كان الرجل من العلية أو النخبة الذين تفيد منهم الأمة ويستقوي بهم الإسلام. تلك هي الفلسفة : تسخير المال وتوظيفه لشراء المؤمنين الجدد شراء قيميا وتحريريا لا شراء إرتشائيا. الإسلام يقوي نفسه بماله. أي مانع في ذلك. يقوي نفسه بماله لإستقطاب الرؤوس الكبيرة تأليفا أو تحريرا ماليا. عندما يفكر فقهنا بمثل ذلك ننجح في تفعيل مصارف الزكاة ويكون صندوق الزكاة فينا مصرفا مركزيا يحفظ قوتنا ويساهم في السياسة الخارجية. ليس هناك قوة عسكرية ولا سياسية اليوم بصفة خاصة ليس وراءها قوة مالية إقتصادية عظمى. ألم يقل عليه السلام (نعم المال الصالح للعبد الصالح). ونعم المال الصالح للدولة الصالحة والمجتمع الصالح.
أما إذا قصرنا هذا السهم (سهم الغارمين ) على الذين أدينوا ماليا بسبب مقاومة فحسب أو جهاد أو عمل صالح فردي .. ألا فنكون حينها دولة طائفية؟ دولة المقاومين فحسب أو دولة المجاهدين فحسب أو دولة الحرس القديم فحسب أي دولة تقدم الرعيل الأول وليذهب الرعيل الثاني والأخير إلى الجحيم المالي.. الطائفية ليست صورة واحدة.
سهم الغارمين مثله مثل الأسهم الأخرى .. لتحرير الإنسان. كل سهم هنا من الأسهم الثمانية يساهم في تحرير الإنسان من مقامه الذي هو فيه.
15 ما معنى سهم ( في سبيل الله). وهو السهم السابع أي قبل الأخير.
هذا أوسع سهم من الأسهم الثمانية. كلمة (في سبيل الله) هي أوسع تعبير في القرآن الكريم مثلها مثل تعبيرات الخير والمعروف والتقوى. من يحاول قصرها فقد قصر عقله أن يتشوف إلى عناق مساحات علم جديدة. بدأ الفقهاء وأعادوا كثيرا في قصر هذا السهم على الجهاد بصنفيه : جهاد الطلب أي الفتح بالتعبير القديم وجهاد الدفع أي جهاد المقاومة بالتعبير المعاصر. يعذرون في ذلك لأن الوضع غير الوضع. الوضع في تلك الأيام هو وضع جهاد بصوره القديمة دفعا وطلبا. في تلك الأيام هناك دولة على عدم شرعيتها الإنتخابية الشعبية ومظاهر الفساد فيها هي تحظى بحد من الإعتراف بحسب نظرية الشوكة والغلبة لصاحبها الجويني عليه الرحمة. اليوم تغير الوضع ومع تغيره تغير الجهاد نفسه فلم نعد لا بحاجة إلى جهاد فتح ولا حتى قادرين عليه. نحن اليوم نفتح ولا نفتح. نغزى ولا نغزو. نتأثر ولا نؤثر إلا قليلا.
لذلك يجب إعادة فهم هذا السهم ( في سبيل الله). دعنا مع الجهاد لنكون منسجمين مع الفقه القديم الذي حصر (في سبيل الله ) على الجهاد. أليست لنا أرض محتلة؟ أليست هي الأرض المباركة؟ لم لا تصرف إليها الزكاة في هذا السهم السابع؟ لم يكون ذلك خلسة وتطوعا وقد لا يأمن المزكي على ماله أن يساهم في تحرير فلسطين المحتلة؟ لا حاجة لنا بتوسع كبير على جلالة قدره والحاجة إليه في هذا المصرف (في سبيل الله) مادامت لنا أرض محتلة. أرأيت كيف أن الوضع تبدل وتغير بسبب سقوط السقف السياسي الواحد الذي كان يظلنا على ما فيه من هنات وهنات؟
مقاومة الإرهاب اليوم إرهاب داعش والقاعدة وغيرهما هو من صميم هذا السهم (في سبيل الله). لأنه جهاد دفع أي جهاد مقاومة. دعنا في المقاومات العسكرية الأمنية فحسب حتى لا نتهم بتوسيع دائرة هذا السهم وأرضنا محتلة وبلادنا مهددة أمنيا وعسكريا.
(90)
الزكاة ترسم صورة الأمة ونظامها الإجتماعي والمالي والقيمي.(4)
16 كلمة أخرى حول مصرف (في سبيل الله). هذا أوسع سهم وأوسع مصرف. أجل لا بد من إعتبار إتجاهه التحريري مثله مثل بقية إخوانه من المصارف والأسهم. هو مصرف يحرر الأوطان أولا من نير الإحتلال العسكري المباشر. سوى أن الإحتلال العسكري المباشر اليوم لا يكاد يكون إلا في فلسطين المحتلة وهي قضية الإسلام الأولى اليوم وقضية الأمة الأولى. كل تغافل عنها لا يخدم إلا أعداء الأمة. هذا المصرف يخصها اليوم بالمقام الأول. مصرف (في سبيل الله) لطابعه الجهادي التحريري يخص جهاد الدفع أي المقاومة في المقام الأول إذ أن درأ المفاسد في الشريعة أولى من جلب المصالح. الفتح مصلحة والإحتلال مفسدة. لذا أعتقد أن الأمة كلها آثمة بقدر تهاون كل واحد منا ولكن بقدر مكان وقدرة كل واحد منا ما لم تصرف الزكاة في جزء منها (هو الثمن على الأقل) لتحرير فلسطين. نشأت فينا كلمة جاهلية إنحطاطية إسمها (فلسطين للفلسطينيين). أصل هذه القيمة الهابطة مؤتمر الجزائر في سبعينيات القرن الميلادي المنصرم لأجل تفتيت ما بقي من توحد عربي حول قضية فلسطين. وعندما تتحرر فلسطين ويغرب عنا الإحتلال العسكري المباشر نقاوم بالزكاة إحتلالات أخرى معروفة بل هي الأقسى من مثل الإحتلال المالي والإقتصادي والسياسي والإستراتيجي والفكري وغيرها من الإحتلالات المعاصرة الذكية المسماة (neocolonialisme).
على أن هذا المصرف (سهم في سبيل الله) من بعد تلك الأولوية الجهادية مع تقديم جهاد المقاومة لتحرير الأرض المحتلة أولا لا يحبس هناك بل ينداح ليشمل كل عمل في سبيل الله سبحانه مما لا تأتي عليه المصارف السبعة الأخرى. بناء المساجد مثلا. الصرف على التعليم والبحث العلمي ومحو الأمية وإنكاح العزب وتعمير البلاد بالبنيات التحتية المتينة لفتح آفاق طموحة وسريعة وآمنة أمام الحركة الإقتصادية وغير ذلك مما لا يأتي على حصر. كله في سبيل الله سبحانه مادام يحتفظ بمعيار خدمة الإنسان في مرفقه الدنيوي أو الآخروي فردا وجماعة. الأفراد لهم مصارف تقدمت بنا من مثل (الفقراء والمساكين). الشعوب والمجتمعات لها هذا المصرف العام.
قصر دلالة (في سبيل الله ) على عمل أخروي فحسب أو عمل فردي فحسب أو عمل ديني فحسب .. ذلك تضييق لواسع. كل عمل فكري أو عضوي فردي أو جماعي أهلي أو حكومي يضم إليه شرطي الإخلاص وتحرير الإنسان من أي ضرب من ضروب الإسترقاق والإستعباد مادة أو معنى هو في سبيل الله. بكلمة واحدة : في سبيل الله تعني في سبيل تحرير الإنسان. إذ لا يريد سبحانه للإنسان سوى أن يتحرر أولا ثم يعرض عليه الدين فإن قبله فهو المؤمن وإن رفضه فهو حر مكرم بيننا لا يؤذى بل يدعى بالحكمة واللين وحسابه على ربه يوم القيامة.
17 وآخر مصرف هو سهم (وإبن السبيل). هو المصرف الثامن الأخير. إبن السبيل هو كل آدمي مهما يكن دينه ولونه وعرقه ولسانه إغترب عن موطنه وأصله لأي سبب إلا سبب العدوان طبعا أو الجوسسة فهو في حاجة إلى ما يحرره من الجوع أو العطش أو الخوف أو العراء أو الجهل أو الوحدة (أي الفردية بالتعبير القرآني " لا تذرني فردا"). ومهما يكن غناه ويسره في موطنه الأصلي إذ العبرة بالحال. ما يغني عنه أنه موسر في بلده وهو الآن جائع؟ إبن السبيل كان في الماضي وضعا مشهودا بسبب وسائل النقل وبعد المسافات وغير ذلك. لذلك إهتم به التشريع. اليوم ينقرض هذا السهم ولذلك أخر في آخر حلقة من الحلقات الثماني للزكاة. إبن السبيل اليوم بمعناه الفردي البائس نادر الوجود مع تقدم ثورة الإتصالات. ولكن نعايش إبن سبيل آخر من مثل هجرة السوريين المشردين في أنحاء الأرض وغيرهم. كفالة السوريين المشردين في الأرض اليوم من الزكاة فريضة مفروضة على الأمة.
خلاصة.
1 لأن الإسلام رسالة تحريرية جامعة فهو يفرض على أتباعه ضريبة تعبدية يصرفها على تحرير الإنسان بدءا بتحريره من الخصاصة المادية (الفقراء والمساكين) ومرورا بالتحرير من الرق البدني المباشر ومن الرق المالي أي المديونية التي هي ذل وهم (وفي الرقاب والغارمين) وإنتهاء بتحريره من الإحتلال سواء العسكري المباشر أو الإحتلال غير المباشر أي تحرير بلاده وأوطانه (في سبيل الله) وكذا تحريره من حالات الخوف الخاصة الإستثنائية التي تطرأ لكل إنسان مرة أو مرات في حياته (وإبن السبيل). الإسلام يخصص جزءا من ميزانيته لتحرير الإنسان بغض النظر عن دينه ولونه وعرقه ولسانه.
2 لا يقصر الإسلام مشروعه التحريري على الوعظ والإرشاد ولا حتى على التحريض والحث لتخصيص تلك الضريبة المالية التعبدية بل ينظم دولة تنظيما مؤسساتيا حكوميا وينشئ لذلك صندوقا خاصا بالزكاة سماه (العاملين عليها) أي أن الزكاة حق الله أي حق أهلها المذكورين هنا في مصارف ثمانية ولذا تشيد لها الأمة عبر دولتها المنتخبة مؤسسة وطنية عامة راسخة بسبب أن تلك المؤسسة تصرف على نفسها من مال الزكاة الذي تجبيه وبذلك تترسخ أقدامها وتصبح مؤسسة وطنية مستقلة إستقلالا وظيفيا يمكنها من التفرغ لتحرير الإنسان وفق ترتيبات آية الصدقات. ذلك هو الذي جعل الصديق في عملية إجماعية كبرى من لدن الأصحاب يشن الحرب على مانعي الزكاة في اليمامة ويزج بخيرة الرجال في النار دفاعا عن حق الفقراء والمساكين والمؤلفة قلوبهم والغارمين والعبيد وإبن السبيل.
3 ولا تقتصر رسالة الإسلام التحريرية على الجانب المالي المادي الإقتصادي على أهميته بل يخصص جانبا من صندوقه لهداية غير المسلمين ممن بدت عليهم علامات ذلك أي المؤلفة قلوبهم وفي العملية تقديرات إجتهادية واسعة ومعاصرة لو كانت لنا دولة تفكر. تلك هي وظيفة المال في الإسلام : وظيفة تحريرية مادية ومعنوية معا وهي وظيفة مؤسسة تأسيسا حكوميا يضمن حق التفرغ للعاملين فيها.
(91)
من هو الله؟ (1)
(ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها). جاء في الحديث الصحيح (إن لله تسعا وتسعين إسما مائة إلا واحدا من حفظها وفي رواية من أحصاها دخل الجنة). في الصحيحين عن أبي هريرة. كما جاء في أحاديث أخرى بعضها صحيح الإسناد أن من بينها الإسم الأعظم الذي إذا دعي به سبحانه أجاب وإذا سئل به أعطي.
هذا عمل قمت به بنفسي إستقراء لأسمائه سبحانه في الكتاب العزيز. جمعتها ورتبتها ولي فيها قراءة تفضي إلى خلاصات. الأرقام الواردة قد يشوبها الخطأ اليسير فيما لا يتجاوز بحوله سبحانه في كل رقم مثبت عدد أصابع اليد الواحدة إذ لا يأمن الإنسان على نفسه الخطأ اليسير.
قرأت منذ سنوات لأحد العلماء أن الأسماء الحسنى المثبتة اليوم عندنا في لوحات ومعلقات وغيرها لم تكن جزءا من الحديث آنف الذكر إذ أخبرنا عليه السلام عن عدد أسمائه (مائة إلا واحدا) ولم يخبرنا عن الأسماء نفسها إنما المثبت عندنا إجتهاد من بعض الأئمة السابقين منهم الإمام السيوطي.
كان الباعث على (من هو الله؟) ضمن هذه السلسلة (فهل من مدكر) قديما إذ كلما قرأت القرآن الكريم ألفيت أنه يتحدث عن الله سبحانه كثيرا جدا فأيقنت أن رأس العلم هو معرفة الله سبحانه معرفة صحيحة جامعة فلا يعبد بحق ولا يحب ولا يخشى سوى من إستوت معرفته في القلب وترسخت في الفؤاد. ومرة أخرى أقول بمثل ما قلت في شأن محمد عليه السلام أن معرفتنا به سبحانه ليست على ما يرام فهي باهتة شاحبة عند بعضنا أو هي منقوصة مبتورة عند بعضنا الآخر بل ربما تكون مغلوطة مقلوبة عند صنف ثالث منا. أسماؤه وأفعاله وصفاته المثبتة في الكتاب العزيز كفيلة بمنحنا أقرب تصور عنه سبحانه.
لعل هذه الحلقات المتتابعة من هذه السلسلة تساهم في تصحيح التصور عنه سبحانه إذ هي تنشد الجماع لا الإبتسار والإستقراء لا التلقين.
إحصائيات بعضها دقيق وبعضها الآخر قريب جدا من الدقة.
1 الإسم العلم المفرد له سبحانه هو (الله) ورد 2697 مرة.وليس لهذا الإسم ترجمات أخرى من مثل ما يرد في اللغات الإنجليزية والألمانية وغيرها gott فهي تعني الرب.
2 أكثر أسمائه ولم ترد كلمة الصفة لا في القرآن ولا في الحديث وإنما وردت على ألسنة المتكلمين الذين خاضوا معركة الكلام المعروفة تمييزا بين الذات والصفات ورودا هو ( العليم أو عليم ). ورد 135 مرة. يليه ( الحكيم أو حكيم 89 مرة) ثم ( الغفور أو غفور 88 مرة) ثم (العزيز أو عزيز 87 مرة) ثم (رحيم أو الرحيم 83 مرة) ثم الرحمان 49 مرة) ثم ( قدير 44 مرة ) ثم ( سميع أو السميع 41 مرة ) ثم (خبير أو الخبير 38 مرة ). تلك هي الأسماء التسعة عدا الإسم العلم المفرد التي إحتلت المراتب الأولى من الأسماء المفردة. المرتبة العاشرة لإسم مركب هو (رب العالمين 35 مرة).
3 جمعت من الأسماء المفردة زهاء 83 إسما أما من الأسماء المركبة فزهاء 40 إسما. ولي معها عند الإستقراء عودة بحوله سبحانه.
4 لما جئت إلى فرزها وترتيبها بحسب الموضوع أو بحسب الصفة ألفيت ما يلي :
أ أسماء القوة والقدرة والعزة والعظمة والغنى والعلو والكبر وما يدخل تحتها تحتل المرتبة الأولى بزهاء 320 إسما وسيأتي تفصيلها بحوله سبحانه. الإسم المركزي لهذا المحور محور أسماء القوة هو (العزيز الوارد 87 مرة).
ب أسماء الرحمة وما يدخل تحتها من أسماء المغفرة والحلم وغيرها تحتل المرتبة الثانية بزهاء 291 إسما وسيأتي تفصيلها لاحقا عند الإستقراء. الإسم المركزي لهذا المحور محور أسماء الرحمة والمغفرة هو (الغفور الوارد 88 مرة والرحيم الوارد 83 مرة).
ج أسماء العلم وما يقتضيه بالضرورة من سمع وبصر وخبرة وشهادة ورقابة تحتل المرتبة الثالثة بزهاء 270 إسما. الإسم المركزي لهذا المحور محور أسماء العلم هو (العليم الوارد 135 مرة).
د أسماء الحكمة وتكاد تقتصر على إسم أو صفة (حكيم أو الحكيم) تحتل المرتبة الرابعة بزهاء 90 إسما. الإسم المركزي لهذا المحور محور أسماء الحكمة هو (الحكيم الوارد 89 مرة).
ه أسماء الحمد المنحصرة في إسم ( الحميد أو حميد) الوارد 18 مرة. ربما يستقل هذا المحور بنفسه وربما ينصرف إلى محور آخر سابق يغذيه ويقويه. هو حميد سبحانه لأن الكون الذي ذرأه يحمده طوعا وكرها. علام يحمده؟ إن قلت يحمده على قوته فهو محمود على قوته وعزته وإن قلت هو محمود على رحمته ورأفته وحلمه فهو ذاك وإن قلت هو محمود على علمه فكلامك صحيح وإن قلت هو محمود على حكمته فالأمر كذلك. هو محمود من لدن كونه وخلقه على كل ذلك. الإسم المركزي هنا هو الحميد 18 مرة.
(92)
من هو الله؟ (2)
الأسماء المركبة.
أكثر الأسماء المركبة ورودا هي (رب العالمين 35 مرة) ثم (لاإله إلا هو أو لا إله إلا الله إلخ .. 29 مرة) ثم (عالم الغيب والشهادة 7 مرات) ثم (رب العرش العظيم أو الكريم 6 مرات) ثم (أرحم الراحمين 5 مرات) ثم (ذو إنتقام 4 مرات) ثم (علام الغيوب 4 مرات) ثم (شديد العقاب 4 مرات) ثم ( خير الرازقين 3 مرات) ثم ( خير الحاكمين 3 مرات)...
من الأسماء المركبة الأخرى : واسع المغفرة أهل المغفرة ذو مغفرة خيرالغافرين ذو رحمة خير الراحمين سريع الحساب قابل التوب رفيع الدرجات ذو القوة ذو الفضل ذو الطول ذو العرش ذو عقاب ذو الجلال والإكرام رب العزة رب الناس رب الفلق ملك الناس إله الناس خير الماكرين خير الفاتحين خير حافظا خير الوارثين أحسن الخالقين أحكم الحاكمين شديد المحال نور السماوات والأرض رب المشرق رب المشرقين رب المشارق مالك يوم الدين مالك الملك أهل التقوى عدو للكافرين ...
كما ترد بعض أسمائه أحيانا بصيغة الجمع مثل : نعم المجيبون حاسبين حافظين ...
أسماء أخرى مركبة بصيغة الملكية ( له أو إليه أو بيده).
الحمد لله الواردة 8 مرات الحمد لله رب العالمين الواردة 5 مرات
له الأسماء الحسنى له الحمد له الشفاعة جميعا له مقاليد السموات والأرض له الحكم له المثل الأعلى له الكبرياء له ما في السموات والأرض إليه المصير بيده الملك
أفعاله لا تكاد تحصى.
فهو يهدي ويضل ويعفو ويحيي ويميت ويقبل التوبة ويمنّ ويهب ويعز ويذل ويبسط ويخفض ويرفع ويقدر ويولج ويخلق وينشئ ويستوي ويسوي ويريد ويفعل ويحب ويجعل ويعلم إلخ .. كما يصف نفسه ب (تبارك). ومن أفعاله إشتق السيوطي وغيره بعض الأسماء والصفات إشتقاقا وسيأتي بحث هذا في سياق لاحق بحوله سبحانه.
أسماء خاصة به سبحانه.
من أجود من كتب في أسمائه سبحانه الإمام الغزالي في رسالة قصيرة مفيدة قائلا أنها للتمثل من لدنّا قدر الإمكان سوى ما إختص به سبحانه. مما إختص به سبحانه من الأسماء والصفات المفردة غير المركبة : الرحمان المتكبر الإله المتعال القدوس الأحد الصمد. ومن الأسماء المركبة كثير منها : عالم الغيب والشهادة أرحم الراحمين خير الراحمين رب العالمين ذو العرش ذو الفضل العظيم رب العرش رب العزة رب الناس ملك الناس إله الناس رب الفلق خير الرازقين خير الحاكمين أحسن الخالقين أحكم الحاكمين علام الغيوب نور السماوات رب المشرق ذو الجلال والإكرام مالك الملك وقد نهى عليه السلام أن يتسمى الإنسان بملك الملوك لأن ملك الملوك هو الله.
التسمية بين العبودية وبين الإلهية.
ينشأ الخلاف دوما بين الناس حول هذا الموضوع. عندما تتحدد الأسماء الخاصة به وحده سبحانه مفردة ومركبة بمثل ما أنف ذكره فإن بقية الأسماء لا حرج أن يتسمى بها الإنسان حتى دون تعبيد لفظي لله سبحانه. من ذلك إسم عليّ. فهو (علي حكيم) سبحانه. ولو كان التسمي بإسم (عليّ) مفردا نكرة غير منسوب إليه ( عبد العلي) منكورا لما تردد عليه السلام في تغيير إسم إبن عمه علي إبن أبي طالب سيما أن له عليه سلطان الولاية الأسرية وسلطان الإسلام وهو الذي منعه منع تخيير لا حرمة فيه من الجمع على فاطمة ببنت أبي جهل. من فعل هذه لا يضيره أن يفعل الأخرى وهي أعظم وأولى. ومن ذلك كذلك إسم (الهادي) حتى لو وردت معرفة غير منسوبة إليه سبحانه بإضافة (عبد الهادي). العلو أولى بالمنع من الهداية لو كان فيهما ما ينكر. لقد سمى نبيه محمدا عليه السلام ب(رؤوف رحيم). وهو دليل على أنه للإنسان أن يتسمى أو يسمى بهما دون إضافة نسبة إليه سبحانه (عبد الرؤوف أو عبد الرحيم ) إلا أن تعريفهما (الرؤوف الرحيم ) غير مناسب لأن الإستغراق هنا أولى به الله سبحانه. إسم الرب مثلا تطلقه العرب على مالك الشيء ومدبره دون نكير منه عليه السلام. بل ورد ذلك صحيحا صريحا في الكتاب العزيز حديثا عن رب صاحب يوسف عليه السلام (فأنساه الشيطان ذكر ربه). كل ذلك مشروط بعدم التعريف والإستغراق (الرب). ألا تجد أن من أسمائه سبحانه (المولى) في قوله مثلا (الله مولى الذين آمنوا)و( هو مولانا) والعرب تسمي العبد المحرر مولى ويقول الناس بحضرته عن زيد أنه مولاه. إشترك العبد مع الله سبحانه في الإسم ولم يكن في ذلك أي ضير ضمن مناخ معلوم وتحت سقف معروف. وكذلك إسم (الوالي) ينطبق عليه ما إنطبق على إسم (الرب) وعلى إسم (مولى) مع تجنب الأسماء ذات الصيغ المبالغة من مثل ( الخلاق) و(الرزاق). وقد نسب سبحانه فعل الخلق في كتابه إلى غيره ولكن بصيغة سلبية (وتخلقون إفكا). عاب عليهم الإفك وليس الخلق ولكن لكثرته وفرطه الآثم وصفه بالخلق وهو مجرد فعل. وكذا لا تجتمع للعبد أسماء متسلسلة تشبها به سبحانه كمن يسمى نفسه أو يسمى (الأول الآخر) أو (الظاهر الباطن) إلخ..
(93)
من هو الله؟ (3)
يمكن ترتيب أسمائه الواردة في الكتاب العزيز سبحانه ضمن 4 محاور كبرى وهي :
1 أسماء العزة وملحقاتها بزهاء 320 مرة ورودا.
لا بد لهذا المحور أن يتخذ له عنوان العزة لأن إسم (العزيز) هو الإسم المركزي فيه ب87 مرة. فهو العزيز سبحانه القدير التي عادة ما ترد بصيغة : على كل شيء قدير الورادة 44 مرة. وهو الغني الواردة 17 مرة. وهو الواسع 8 مرات. وهو القوي 9 مرات وهو العظيم 9 مرات كذلك. وهو العلي 8 مرات وهو الكبير 6 مرات وهو القهار أو الواحد القهار أحيانا 6 مرات كذلك وهو المحيط 4 مرات. ومن لوازم العزة الحياة والقيومية بالضرورة فهو الحي القيوم 8 مرات بينهما. ومن لوازم العزة أسماء مركبة فهو رب العالمين سبحانه 40 مرة وهو الذي لاإله إلاهو 29 مرة. وهو الملك 4 مرات وهو مالك الملك وهو الأعلى المتعال وهو المهيمن المتكبر الوارث القاهر الخالق الخلاق الباري المصور البديع الفاطر الحافظ القادر المقتدر. ليكون مجموع أسمائه ضمن محور العزة زهاء 320 إسما بإعتبار الأسماء المركبة الدالة على العزة والقوة والربوبية الواردة في حلقة سالفة وكذلك بإعتبار أنه نصير (7 مرات) و(وكيل 12 مرة) و (ولي 9 مرات) وكلها أمارات قوة تلحق بهذا المحور.
2 أسماء الرحمة والمغفرة وملحقاتهما بزهاء 291 مرة ورودا.
أنسب إسم لهذا المحور هو (المغفرة) فهو الإسم المركزي الوارد 88 مرة. وهو رحيم 83 مرة ورحمان 49 مرة.وحليم 11 مرة وتواب 10 مرات وروؤف 7 مرات وعفو 6 مرات واللطيف 6 مرات كذلك وأرحم الراحمين 5 مرات وغفار 4 مرات وغافر مرة واحدة. وهو ذو الرحمة وذو المغفرة وواسع المغفرة وأهل المغفرة وخير الراحمين وخير الغافرين وهو (شكور 4 مرات) و(شاكر مرتان) و(قريب 3 مرات ) وهو مجيب وشفيع وكريم وودود والسلام والأكرم وكلها أسماء وصفات تلحق بمحور المغفرة والرحمة والحلم ليكون رصيد هذا المحور زهاء 291 مرة ورودا.
3 أسماء العلم والخبرة وملحقاتهما بزهاء 264 مرة ورودا.
فهو العليم بأعلى درجة ورودا كما تقدم طرا مطلقا (135 مرة) وهو السميع 41 مرة وهو البصير 29 مرة وهو الخبير 38 مرة وهو الشهيد 12 مرة وهو عالم الغيب 7 مرات و الرقيب مرتان.
4 أسماء الحكمة وهي مختصرة في إسم (الحكيم 89 مرة).
خلاصات وإستقراءات.
1 أوسع أسمائه سبحانه إنبثاثا في الكتاب العزيز هي أسماء العزة والقوة وما يدخل تحتهما أي بزهاء 320 موضعا ثم تليها أسماء المغفرة والرحمة والحلم بزهاء 291 موضعا ثم تليها أسماء العلم والخبرة بزهاء 264 موضعا ثم أسماء الحكمة بزهاء 89 موضعا. وبذا تكون المواضع زهاء 964 موضعا دون إعتبار إسمه العلم المفرد الله 2697 موضعا.
2 فهو الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين العزيز الغفور العليم الحكيم. عزيز عزة قوة وملك وغنى فلا يعجزه شيء وهو على كل شيء قدير. وغفور رحمان يبسط عفوه فلا ييأس من فضله يائس. وعليم خبير سميع بصير يعلم الغيب والشهادة فلا يندّ عنه شيء. وهو الحكيم الذي يضع كل شيء في أوانه وكل أمر في ميزانه.
3 رسالة عزته إلينا هي : كل شيء بقبضتي وحولي فلا وكيل دوني ومن أراد القوة فأنا مصدرها الأول. رسالة مغفرته إلينا هي : لا يأس ولا قنوط من رحمتي سيما لمن لقيني لا يشرك بي شيئا. رسالة علمه وخبرته إلينا هي : لا يغيب عني شيء أعلم حتى خائنة الأعين وما تخفي الصدور ولا يعلم الغيب الذي يخشاه الناس سواي. رسالة حكمته إلينا هي : الرضى بقضائي ومشيئتي هي الحكمة.
4 هذا الترتيب منطقي جدا بحساب الإلهية إذ لا يكون إلها واحدا أوحد يعبده الناس إلا عندما يكون متصفا أكثر شيء بالعلم ثم بالحكمة ثم بالمغفرة ثم بالعزة. تلك هي أكبر أسماء الإله الجدير بالعبادة والتأليه. تأخرت المغفرة عن العزة والقوة لأن من شرط الغفور أن يملك القدرة الكافية للرحمة والمغفرة. كما تأخرت الخبرة لأنها فرع من العزة والقوة فلا يكون عليما خبيرا حتى يكون عزيزا قويا متينا. أي ترتبت أسماؤه عددا ومحاور ترتيبا منطقيا بحساب علاقة الخالق مع المخلوق والصانع مع المصنوع والرازق مع المرزوق والمالك مع المملوك أي بحساب علاقة العابد مع المعبود.
5 أكثر أسمائه مفردة لا مركبة أي مباشرة غير مضافة فهو غفور بأكثر مما هو ذو مغفرة و رحيم ورحمان بأكثر مما هو ذو رحمة أو أرحم الراحمين أو خير الراحمين.
6 أسماء الرحمة لا تقارن عددا بأضدادها. فلم يرد سوى مرة واحدة أنه المتكبر ومرة واحدة أن له الكبرياء ومرة واحدة أنه منتقم (منتقمون) و4 مرات فحسب أنه ذو إنتقام.
7 من جملة 6236 آية قرآنية زهاء 3661 منها تعرفنا بالله سبحانه. الرسالة هي : من أحسن معرفة ربه أنه (بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وهو الغفور الرحيم وهو الحكيم) آمن بعقله وأسلم بجارحته طوعا لا كرها فإن إستغنى فهو لا يتكبر وإن ضعف فهو لا ييأس. من عرف ربه بمثل ما قدم نفسه سبحانه بنى شخصية بشرية سوية قويمة معتدلة. من عرف ربه عرف دينه ورسالته وعرف نفسه والإنسان من حوله وأعطى كل ذي حق حقه. تلك هي رسالة أسمائه الحسنى المبثوثة بنسبة 60 بالمائة في كتابه العزيز.
(94)
من هو الله؟ (4)
مما يمكن لك ملاحظته بيسر كذلك أن أكثر أسمائه سبحانه وردت بصيغة المبالغة سواء على وزن فعيل ( عليم رحيم حكيم حليم كريم إلخ ..) أو على وزن فعول ( غفور شكور ) أو على وزن فعلان ( رحمان ) أو على وزن فعال ( تواب غفار ) إلخ..
ما معنى حفظ أسمائه أو إحصاؤها.
(لله تسعا وتسعين إسما من حفظها أو أحصاها دخل الجنة). إذا كانت رواية (أحصاها) فإن الإحصاء غير العد. عد الشيء أي عرف حجمه سواء كان موزونا أو مكيلا. هي معرفة ظاهرية سطحية كمن يعرف كم تلميذا في القسم أو كم عدد الإبل في المرعى. الإحصاء هو تجاوز العد الكمي إلى حقيقة المعدود. قال تعالى ( لقد أحصاهم وعدهم عدا) وهو يتحدث عمن في السماوات ومن في الأرض. لو كان المقصود عدهم فحسب لما إحتاج إلى قوله (لقد أحصاهم). كما قال (وأحصى كل شيء عددا). ولا يمكن إحصاء كل شيء في الكون عددا إلا من بعد علم محيط دقيق جامع وهذا لا يتأتى إلا له وحده سبحانه. العد إذن عملية كمية والإحصاء عملية كيفية. العد إحصاء ظاهري والإحصاء عد جامع لا يند عنه شيء. الإحصاء من الحصى أي النفاذ إلى الدقائق والصغائر والرقائق. إحصاء أسمائه إذن سبحانه يعني : العلم بها وفقهها لأجل حسن معرفة الله سبحانه ومن ثم يكون تعظيمه وتقديره وتقديسه وتنزيهه وكذلك لأجل تمثل ما يمكن تمثله منها كصفة الرحمة أو العلم. ولا يعني إحصاؤها عدها كما تعد مائة قطعة أو حبة ولا يعني كذلك إستحضارها باللسان. أما إذا كانت الرواية (حفظها) فإن الحفظ كلمة نسخ العرب المتأخرون معناها. الحفظ لغة يعني القيام على الشيء قياما يصونه ويحميه. قال تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون). الحفظ عندنا نحن اليوم يعني الوعي أي جمع الشيء أو الأمر في وعاء حتى إذا حانت ساعة إستحضاره مجته ألسنتنا كما يمج إبريق ماءه المندلق المهراق. لما قال عليه السلام للفضل (إحفظ الله يحفظك) هل كان يعني حفظ كلمة الله؟ كيف يحفظ المرء الله؟ أي يحفظ ذكره في صدره بما يجعله دوما فيه قويا عظيما مهابا. هو حفظ معنوي إذن وليس حفظا وعائيا ماديا. حفظ أسمائه إذن يعني حسن فهمها لتكون كنزا يذخر الصدور ويعمر الحياة وليس إستحضارا آليا كما تفعل الآلات المسجلة.
فمن تكبر مثلا فما حفظ أسماءه سبحانه لأن التكبر صفة خاصة به وحده سبحانه. ومن تسمى بملك الملوك ما أحصى أسماءه. ومن نزعت الرحمة من صدره ما أحصى له إسما ولا حفظ. ومن أشرك به شيئا فما أحصى ولا حفظ إسم الله أو القدوس. إلخ...
الإسم الأعظم.
عبثا يحاول الناس تثبيت ما أراده سبحانه متحولا لأجل الإبتلاء. أخفى علينا سبحانه أمورا ثلاثة هي : إسمه الأعظم وليلة القدر وساعة الإجابة في يوم الجمعة. لم؟ لأجل الإبتلاء بالكدح والسعي والإجتهاد وهو الطريق الوحيد للظفر بالمستور. فلو بين لنا ذلك بيانا مدققا منضبطا لم يكن للإمتحان أي طعم ولا نكهة. ما تعد معلما أو أستاذا يخبر تلاميذه أو طلبته بالأسئلة وأجوبتها قبل موعد الإمتحان؟ أليس يعبث بهم وبمستقبلهم؟ ولذلك يعد الجدل حول هذه الأمور المستورة لأجل الإبتلاء وإمضاء السعي والتنافس جدلا فارغا ينشغل به البطالون. أما العاملون فإنهم يجتهدون في رمضان وأواخره العشر ليظفروا بليلة القدر وكذا يفعلون مع يوم الجمعة أملا في الظفر بساعة الإجابة ومع الإسم الأعظم.
الإسم الأعظم رغم ورود أحاديث لم تصل درجة الصحة فيه هو مثبت ضمن الأسماء التسعة والتسعين فمن داوم على سؤاله سبحانه بكل أسمائه على مدار الأيام يظفر بالإسم الأعظم حتما بحوله سبحانه. ومن ظل يزعم الإيمان وهو يزاول الكهانة متى تكون ليلة القدر وساعة الإجابة والإسم الأعظم فإنه لن يظفر بشيء من ذلك لأنه خالف السنة التي أرادها سبحانه أي سنة العمل الدائم الدؤوب الذي يفضي إلى الظفر بالمطلوب.
نظرة في الأسماء المنسوبة إليه سبحانه.
ثابت أن حديث الأسماء التسعة والتسعين لم يعين منها إسما واحدا وإنما إجتهد أئمة من مثل السيوطي فأخرجوا تلك القائمة المعروفة عندنا اليوم. هو إجتهاد بشري فيه الصواب وفيه الخطأ. بل هو إجتهاد متأخر زمانيا. لم لم ينشغل الأصحاب بها ولم يسألوا عنها سؤالا واحدا والتابعون من بعدهم؟ ألفوا أسماءه سبحانه مبثوثة في الكتاب العزيز فحفظوها في صدورهم وتمثلوها وأحصوها في قلوبهم لا بألسنتهم.
هل نقصر الأسماء على ما هو مبثوث منها سواء بصيغة المفرد أو الإسم المركب أم نشتق من أفعاله أو بعضها كما فعل السيوطي وغيره أسماء؟ وإذا إشتققنا فبأي معيار؟
الحقيقة التي أدين بها هي أن الأسماء الحسنى ليست معينة إسما إسما بكاملها ومن ذا وجب الإجتهاد فيها في إطار ما ورد في النص الصحيح الأوحد أي القرآن أن ننسب إليه سبحانه إسما ليس من أسمائه. ثانيا لا بد من تقديم الإسم المركب على الإسم المشتق من الفعل سيما أن الأسماء المركبة عندما تضاف إلى الأسماء المجردة الأخرى الصحيحة تربو عن المائة ومن ذا وجب الإنتقاء بحسب معيار محدد ليس هنا محل البسط فيه. ثالثا لا أقبل أن نسمي ربنا سبحانه (الضار) هذا لا يليق به سبحانه. إذن يمكن أن نسميه (المضل) إشتقاقا من الفعل كما فعلنا مع فعل الضر؟.
(95)
هل أتممت البيعة مع الله؟ (1)
(إن الله إشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة : يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم. التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين). التوبة.
تكريم الإنسان بجعله طرفا في عقد مع ربه.
أجل. هو مظهر من مظاهر التكريم أن يكون العبد المخلوق المصنوع المرزوق المملوك طرفا في عقد طوعي قصدي إرادي حر مع من وهب له الحياة وأسبابها. هو من يهب الحياة والمال وهو من يشتريها منك بثمن. في هذه الآية فحسب تقدمت النفس على المال وفيما عدا ذلك نطالب دوما بالجهاد بالمال ثم بالنفس. الصيغة هنا إخبارية وليست مطلبية. مضمون العقد : القتال في سبيل الله.
القتال في سبيل الله معناه تحرير الإنسان.
لا يقاتل ولا يقتل إبتداء إلا المقاتل أي المعتدي الباغي على حرمات الناس. نشأنا في زمن إنقلبت فيه أشياء كثيرة وورثنا بضاعة فيها الغث والسمين كثيرا وهجمت علينا دبابات الإحتلال غازية فكريا فكانت الحصيلة تشوه مفاهيم إسلامية كثيرة في رؤوسنا. عندما يكون القتال في سبيل الله لا يكون إلا قتال لأجل تحرير الإنسان. ولم يكن الفتح الإسلامي السابق سوى حلقة من حلقات تحرير الشعوب المستضعفة من قياصرها وأباطرتها التي منعتها من سماع الرأي الآخر وهو الرأي الإسلامي الذي بعث به عليه السلام إلى زهاء عشرين مملكة ثم إستأنف خلفاؤه من بعده ذلك. أما عندما يشغب عليك الآخر ليرسخ فيك أن الجهاد رجعية والقتال في كل صوره بغي وعدوان .. فالذنب ذنبك أنت.
تلك سنة البشرية في التوراة والإنجيل.
جاء التوراة بذلك وجاء الإنجيل بذلك كذلك. أي بقتال الباغي وصد المعتدي وليس هو أمر خاص بالقرآن أو بالإسلام أو بنا نحن اليوم. هل نكذب القرآن الذي أخبرنا بذلك هنا في هذه الآية ونصدق محرفي التوراة ومزوري الإنجيل والببغاوات الناعقة؟ القتال لأجل رد العدوان وتحرير الإنسان مسألة فطرية جبلية سبقت الدين نفسه فلما جاء الدين إستند عليها لبناء مشروعه التحرري.
ما هي أساسات الإعداد إرتقاء لمنزلة هذا العقد العظيم؟
1 التائبون. حالهم في الحياة حال توبة وأوبة وليس حالة تماد في الغي أو كبر وصلف. التوبة مراجعة لكسب الإنسان كما يفعل التاجر في المساء أو في آخر كل صفقة. التوبة حمام دافئ ساخن يعيد صقل النفس أن تكون نفسا سبعية (نسبة إلى السبع). لا يحتاج السياق إلى إخبارنا مم يتوب أهل العقد الأعظم. وهل تحتاج لتبرير عندما تغير ملابسك أو تخلد إلى محاسبة نفسك؟ هي عملية دورية تحتاجها النفس كما يحتاج الجسم إعادة تأهيل. بالتوبة فحسب تكتسب القوة الجديدة.
2 العابدون. قدم التوبة لأنها لازمة ضرورية لأجل الإقتدار على قطع أشواط أخرى. ثم جاء دور العبادة. كل الأساسات في صيغة حالية وليست هي عمليات عرضية إستثنائية. لا تحتاج هنا لتعدية العبادة إلى الحياة في هذا السياق لأن عبادة الحياة ستأتي ضمن أساس لاحق. العابدون هم المحافظون على وجباتهم الغذائية الروحية المطلوبة من صلاة وذكر وصوم وإنفاق وتفكر وتدبر. حالهم في وضع إنشداد إلى المعبود دوما فلا ينسى شكرا ولا صبرا ولا إستغاثة.
3 الحامدون. الحمد فقرة راسخة من فقرات العبادة بل الحمد ثمرة العبادة وبرهانها. الحياة معركة شرسة ويتعرض فيها الإنسان لصنوف من الشر كثيرة وقاسية فلا يهون منها سوى الحمد لله التي ( تملأ الميزان). مهما تهاطلت النقم فالنعم أهطل ومهما إزدحمت الأعسار فالأيسار أشد إكتظاظا فيك سوى أنك تحتاج لعين أخرى تبصر بها. هي عين الفؤاد. الحقيقة أن من رزق نعمة الحمد فبلغ مستوى الرضى (رضي الله عنهم ورضوا عنه) فقد قطع في العبادة أشواطا تقيه الردة والنكوص. الحمد هو منبع السعادة التي لأجلها يقتل الإنسان أخاه الإنسان. كل شيء يمكن أن تجلبه إليك من خارجك ومحيطك إلا الحمد عنوان السعادة فلا ينبت إلا فيك بقلا صغيرا مثل النطفة ثم ينمو ويشب ويترعرع فيتأبى عن الإقتلاع والمحو.
4 السائحون. لم أقتنع يوما ولن أقتنع بما يتحكم به من كتب في شأن السياحة. لم ألف من قال أن السياحة المقصودة هنا تفهم أولا من معناها اللغوي ثم تنسجم مع مطالب القرآن. تحرج الناس منها في القديم لعدم وجود قيمة السياحة أما في الحديث فبسبب إرتباطها بالسياحة الفاسدة أو المفسدة فإن لي الأعناق لأجل تجاوز معناها الصحيح كان هو الأعم الأغلب. قال الأقدمون كلهم تقريبا ربما عدا إستثناءات نادرة ضاعت في ركام الرداءة أن السياحة هنا هي الذكر وحسب. السياحة المقصودة عبرت عنها سياقات أخرى تبينها إذ القرآن الكريم يفسر بعضه بعضا.
لندع ذلك إلى حلقة تابعة.
(96)
هل أتممت البيعة مع الله؟ (2)
توقف بنا الحديث عن (السائحون) في الحلقة المنصرمة. السياحة فسرها القرآن الكريم في مواضع أخرى عندما دعا إلى " السير في الأرض ". ( قل سيروا في الأرض ..). تكرر هذا الأمر مرات. السير في الأرض يكون سياحة بدنية أي مادية باللحم والدم كما يكون سياحة فكرية عقلية نفسية وهو التذكر والتدبر والتأمل. سياحة متنقلة متحركة وسياحة صامتة. المقصد منهما هو الإعتبار من خلال الإكتشاف والعلم والتأمل. ربما أشكل على بعضهم وصف أزواجه عليه السلام في سورة التحريم بقوله ( مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا). كيف تسيح المرأة؟ أليست مكلفة بالإسلام بمثل ما كلف به الرجل على قدم المساواة؟ ذلك فهمي للسياحة وذلك فهمي لقوله ( السائحون ) هنا و(سائحات ) هناك. أما ليّ أعناق النصوص لتتلاءم مع ما ألفناه فلا أدين به.
5 الراكعون. لا يكون الراكع في حالة ركوع دائم في حياته بل إن حالة الركوع مرتبطة بالصلاة وهي لا تحتل إلا جزءا صغيرا من الحياة وإنما لقيمة الركوع تقديسا لله سبحانه وللمحافظة على الصلاة عرف الراكع بحالة الركوع في الحياة كأنه يمضي حياته راكعا. الصلاة صورة مصغرة أو دليل للحياة كلها ولذلك تتكرر الصلاة بما لا يحدث مع العبادات الأخرى. فمن فقه الصلاة فقها صحيحا إستقامت حياته سواء كان فردا أو أسرة أو جماعة أو أمة. بل إن الصلاة صورة مصغرة للحياة السياسية نفسها.
6 الساجدون. الركوع والسجود كناية عن الصلاة. وهما أكثر الصور المادية تعبيرا عن الإيمان والإذعان والإسلام لله سبحانه. كم من مصل يذكر في ركوعه أو في سجوده أنه يفعل تلك الحركة الممتلئة تقديسا وتأليها ومسكنة وضعفا وذلة؟ قليل من قليل. والسجود أبلغ في الطاعة بالغيب. حركة تتكرر معنا زهاء أربعين مرة في اليوم والليلة أي بمعدل سجدة كل نصف ساعة تقريبا على مدار الحياة. ليس أنكى على الإنسان من الغفلة عن مقصود عمله لتضحى الحركات باهتة باردة شاحبة.
7 الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. حتى لا نضيع الخيط الناظم لما نحن بصدده فإننا بصدد تحليل الشروط التي تجعل الإنسان مؤهلا لعقد بيعة مع الله سبحانه. كانت الشروط الستة السابقة (التوبة والعبادة والحمد والسياحة والركوع والسجود) عاملة على تأهيل الإنسان بنفسه. الآن جاء دور التأهيل الإجتماعي والسياسي العام. الحقيقة أن الفرقة الإسلامية التي جعلت فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ركنا من أركان الإسلام كانت أصوب من غيرها ولا يحاج ذلك بحديث (بني الإسلام على خمس). البناء يختص بالأركان الحاضنة فإذا ظل السقف عاريا ما أوى إلى البناء آو. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو السقف الذي يحمي تلك الأركان أو الأعمدة التي تحدث عنها عليه السلام في حديثه الصحيح. تلقينا ثقافة مشوهة عمادها الخلاص الفردي أي العبادة الشخصية دون الإهتمام بالناس. الإتجاه الإسلامي في الإتجاه المعاكس لذلك بالكلية. الإسلام ليس مسيحية يحرص على صلاح الفرد فحسب بل هو دين يحرص على صلاح الفرد تأهيلا له لإصلاح المجتمع فالصلاح الفردي ليس مقصودا لنفسه بل مقصود لغيره وهو صلاح الناس. المعروف والمنكر من أوسع الكلمات دلالة مثلهما مثل الخير والشر والفضيلة والرذيلة والحق والباطل والتقوى والفجور. فلا يند عنهما حقل لا سياسي ولا مالي ولا إداري ولا قانوني ولا علمي ولا عملي ولا داخلي ولا خارجي. ربما يكون حكمهما أنهما فريضة كفائية ولكن بشرط واحد هو أن تتوفر الأمة على العدد والعدة الكافيين منهما لضمان وحدة صفها وحصانة هويتها وحماية بيضتها فإن لم يكن ذلك كذلك فالإثم يغشى الجميع دون ريب. (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر). فمن نبذ التواصي بالحق وبالصبر بل وبالمرحمة كذلك فلا يأمن على نفسه الخسران يوم القيامة فلا يغنيه يومها أنه كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
8 الحافظون لحدود الله. حدود الله كلمة يخطئ فهمها أكثرنا اليوم إذ تنصرف إلى العقوبات الدنيوية وهذه لا تسمى حدودا. علينا إتباع دقة التعبير القرآني لندرك أن الحدود هي التي ثبتها هو نفسه في حديثه عن مباشرة المرأة في حالة إعتكاف وعن إلتزام أمره في تقسيم التركات (الإرث) وعن الطلاق سواء في عدده أو في عدده (بضم عين وفتح أخرى). تلك هي مواضع الحدود في القرآن الكريم وكلها متعلقة بالأسرة والمرأة. الحدود في الشريعة أعظم شأنا من المحرمات. تلك الحدود تعمل في الإنسان وحياته القيمية عمل الحدود البرية أو البحرية بين البلدان فهي تحمي حمى الإسلام كما تحمي الحدود المادية حمى البلدان.
خلاصة الأمر.
لا يترشح لإبرام العقد الأكبر مع الله سبحانه سوى من وفى قدر الإمكان بتلك الشروط الثمانية ( التوبة والعبادة والحمد والسياحة والركوع والسجود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحفظ حدود الله ). فمن قصر حياته أو عبادته على التوبة وغيرها ونبذ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما تيسر له وتسنى فلا يترشح لإبرام أشرف عقد وأغلى بيعة. ومثله من تعدى الحدود الحامية لحمى الإسلام كمن يجادل في الإرث بين النساء والرجال. مثل هذا لا يعرض نفسه للقتل في سبيل الله أي تحريرا للإنسان المنكوب في كرامته أو بطنه أو عرضه أو عقله أو وطنه أو أمنه.

(97)
المقاومة السياسية عمل صالح.
(ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ومخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين. ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون).
عقبتان تعيقان الفهم الصحيح : اللسان والتاريخ.
هل كان على الوحي أن يثبت كلمات (سياسة وإقتصاد وعلاقات خارجية ودستور وإدارة ومقاومة إلخ ..) حتى نقتنع أن رسالة الإسلام تشمل كل ذلك؟ هل كان ذنبه أن يعبر عن السياسة والشأن العام كله بلفظ (الأمر)؟ هل كان لا بد أن يحوي كلمة (الدولة) حتى نعد الدولة مطلبا إسلاميا لتفعيل مقاصد الإسلام ولتكون محروسة مصونة؟ ألمي شديد أننا عرب بلا عروبة. أي رصيد لنا من العروبة التي لو غمزنا فيها غامز وأدناه؟ أي عروبة واللسان أعجمي هجين؟ ألم نع بعد أن اللسان وسيلة تواصل وأن مبانيه المادية المنطوقة لها مرادات ومقاصد ومفاهيم ومعان فلا ينحبس فيها السامع بل ينفذ إلى رسالة المتكلم؟ تلك هي عقبة اللسان التي تعيقنا أن نظفر بالفهم الصحيح المراد. أما عقبة التاريخ فهي أن الأيام والليالي (قيم الزمان والمكان) هي التي صنعت للإسلام مجدا ولأمته سؤددا. التاريخ مصنوع لا صانع. الإنسان يصنع التاريخ وليس التاريخ يصنع الإنسان. أكثر المسلمين اليوم يظنون أنهم لو عاشوا معه عليه السلام أو في القرون الخيرية الثلاثة الأولى (الأجيال) لكان كسبهم خيرا مما هو عليه الآن. تلك هي عقبة التاريخ. عندما نصاب بالداءين معا : داء اللسان وداء التاريخ يكون العبء باهظا.
مقاومة المشاكل ومواجهة الصعوبات : عمل صالح بالتعبير القرآني القح.
ألم يترسخ فينا جميعا أن العمل الصالح هو العمل الفردي بينك وبين ربك من صلاة وصيام وصدقة سرية وطواف فحسب؟ الصالحات في تديننا الأخرق هي الصلاة والصيام والزكاة والحج وربما تلاوة القرآن وبر الوالدين وصلة جار وإحسان إلى يتيم. من يملك المعيار؟ نحن أم الله؟ إذا سلمنا بأنه هو من يعيّر الصلاح من الطلاح أو المقاومة من القعود فإنه هو نفسه سبحانه يقول لنا أن النيل من العدو ووطء حماه وما يلقاه المقاوم في ذلك من جوع وعنت هو عمل صالح. عمل صالح مكتوب أي موثق مدون لا يضيع. بل عد ذلك إحسانا إذ كانت الفاصلة (إن الله لا يضيع أجر المحسنين). هو عمل المحسنين والإحسان هو أرقى وأجود أنواع الإسلام والإيمان. ومثله الإنفاق الذي تقتضيه تلك المقاومة ومهما كان المال أو الجهد المنفق صغيرا أو كبيرا. هل كان لا بد أن يتحدث القرآن عن أساليب عصرنا من قطع العلاقات الدبلوماسية مثلا مع عدو مغتصب بل قطع الأودية؟ هل كان لا بد له أن يعين العدو المقصود بالإسم لحما ودما حتى نهب إليه مقاومين؟
ملابسات الآية وخلاصات أخرى.
1 جاء هذا تعقيبا على تخلف بعض المسلمين عنه عليه السلام في واقعة تبوك فهو تحريض وحض ينبض تأنيبا ويؤكد أن مقاومة الروم الذين ينوون غزو المدينة عمل صالح.
2 من يتخلف عن أي مقاومة لا بد أن يظفر بأكثر من صاحبه النافر إليها صلاة وسجودا وتلاوة وصوما ولكن الأجر يقاس بالكيف لا بالكم كما يقاس بنظرية إبن القيم (واجب الوقت) فما أوجبه الوقت أي الحاجة والضرورة والواقع والتحديات المعاصرة بتعبيرنا المعاصر أولى من بقية العبادات التي تخضع هنا للقصر والجمع والتأجيل وغير ذلك مما يفسح المجال لمقاومة الشرور الكبرى والضرر الأعظم.
3 إلا من حبسه حابس قاهر عن الإنخراط في مقاومة القهر والظلم والإستبداد والفقر والجهل والتخلف والإحتلال والفرقة فقد قال فيه عليه السلام في هذا الموقع نفسه أن من إخوانكم ممن حبسهم المرض في المدينة لا تقطعون واديا إلا شاركونا الأجر. عند العجز يظفر صاحب النية الحسنة بالأجر كاملا. أما عند القدرة فيقتسم الثواب بحسب التقدم والتأخر فمن تقدم نال ومن تأخر حرم.
4 ولكن إنتبه إلى هذه الحقيقة الشرعية : جاء هذا العتاب في ثوب تحريض في سياق ما سمي قديما جهاد الطلب أي خارج الحدود ولذلك لم تكن فاصلات الآي(نقول الآي والآية) تحمل تهديدا ووعيدا. ولو كان الحال مقاومة لعدو داهم الدار لكان الحكم الشرعي : الوجوب الحتمي العيني المباشر والفوري ولا يعد المتخلف إلا خائنا يعامل معاملة الخونة في الدنيا والله ينصفه يوم القيامة إن كان ظاهره الخيانة وباطنه الصدق. (الحكم الدياني والقضائي).
بالتعبير المعاصر : أفضل عمل إسلامي اليوم هو مقاومة القهر.
ذلك ما إنتهيت إليه بعد رحلة علم متواصلة حتى أموت. ليس هناك عمل يحوز فضلا ويظل على فضله ذاك في كل حال وزمان ومكان. لا يكون العمل حسنا وليس صالحا فحسب حتى يلبي حاجة تطحن الإنسان. فريضة المؤمن اليوم فردا وجماعة هي (جهاد الكفار بالقرآن). الجهاد معناه بذل أي جهد مادي أو معنوي لأجل تحرير الإنسان ولا ضير علينا أن نسميه اليوم مقاومة لا نفورا من كلمة الجهاد ولكن توسلا إلى حسن الفهم عند الناس إذ العبرة بالمقاصد لا بالمباني. الكفار هم الظالمون بغض النظر عن دينهم ولسانهم وقربهم وبعدهم منا. الإسلام يقاوم الظلم ويهدي الكفر. لا يميز بين ظالم مؤمن وظالم يهودي. يقر الكافر على كفره إنسانا ويرزقه ويعامله معاملة المؤمن في الدنيا ولا يقره عليه دينا ولكن الحساب مؤجل إلى يوم القيامة إلا إبتلاء يتعرض له الكافر والمؤمن سواء بسواء. الإسلام يقاوم الكافر الظالم لغيره ولا يقاوم الكافر المسالم إلا مقاومة فكرية بالحسنى. الجهاد بالقرآن معناه الإلتزام بأخلاق القرآن في الحرب والمقاومة والجهاد أي تحريره ليكون في سبيل الله أي ليكون مقصده الأسنى تحرير الإنسان من القهر بقمع الظلم عنه.
(98)
التفقه في الدين فريضة كفائية لا عينية.
(وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذورا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون). التوبة.
لم يستخدم لفظ (النفير) في القرآن الكريم إلا للدلالة بالعبارة المباشرة على الجهاد وعلى التفقه في الدين. النفر حركة إنطلاق جماعية كما تدل على حركة إنطلاق فردية إلى مكان بعيد. يكون النفر في الحج عندما يكون الحجاج في حركة واحدة لإنضباطها بتأقيت موحد في عرفة إليها ومنها. المسافة قريبة ولكن الحركة جماعية فهي نفرة. وتقول نفر بعيري أي ند وشذ إلى مكان بعيد. طلب التحرير (الجهاد) وطلب التفقه كلاهما يتطلبان نفرة أي حركة إنطلاق قوية وكبيرة وبعيدة. تحرير الإنسان من القهر أو من الجهل يحتاج وقتا.
سياق التفقه في الدين هنا سياق مهم جدا.
جاء سياق هذه الفريضة الكفائية هنا معقبا على قصة المخلفين الثلاثة عن تبوك إذ بعد سياق تأنيبي تحريضي دعا سبحانه إلى النفير لأجل التفقه في الدين والرسالة هي : عوا جميعا وتعلموا أن التخلف عن المقاومة سيما عندما يكون الخطر بكم محدقا سببه عدم الفقه الكافي بأن رص الصف الإسلامي الواحد المتنوع فريضة دينية شرعية عظمى وأن تخلف ثلاثة فحسب عن المقاومة في تبوك التي لم يجر فيها قتال أصلا لن يعضلها ولن يعيقها ولكن العبرة بالإعتصام بالصف الواحد يتحرك معه العضو أينما إتجه. ذلك هو معنى التفقه في الدين أي فقه عظائم الدين وكبائر الدين وعزائم الدين وعقائد الدين ومعاقد الدين وكليات الدين وأصول الدين ومدار ذلك كله : توحيد الله سبحانه وتحرير الإنسان ورص الصف. وذلك بخلاف ما نعتقد نحن اليوم أي أن التفقه في الدين هو فقه فروعه وجزئياته ومتشابهاته وصغائره ونوافله ومستحباته. إذا جاز لنا اليوم فقه مثل هذه الصغائر فلا يكون ذلك إلا عندما نحكم الأصول الثلاثة العظمى في الدين : فقه العقيدة قياما على التوحيد الصافي من كل شائبة شرك وفقه الإنسان تكريما وتحريرا من كل ربقات الإسترقاق والإستعباد وفقه الجماعة وسياستها بالصف الواحد المرصوص رصا يداول التشاور والديمقراطية ويحفظ المقدسات والخصوصيات معا. ذلك هو السياق الذي تنزل فيه التفقه في الدين نفيرا إليه وهو سياق الفقه السياسي الأعظم الذي أهملناه وعددناه نافلة بل مكروها أصلا عند بعض الفرق الإسلامية الكبرى المعاصرة مثل جماعة الدعوة والتبليغ على بركة جهدها وعظيم قدرها في مواضع أخرى وحقول نحن في حاجة إليها.
موازنة الإسلام بين تحرير الإنسان من القهر المادي والقهر المعنوي.
الإسلام عنوان الوسطية والإعتدال والتوازن. تحدث عن مقاومة الروم وغيرهم من الغزاة غزوا عسكريا وحرض الناس ونزل الأحكام وأقام التعاليم ولم يفته أن يعلن أن الإنسان بحاجة إلى تحرير من نوع آخر هو تحرير معنوي فكري عقلي ذهني من الغزو الفكري نفسه وهل الجهل بالدين في أصوله لا في فروعه وفي كلياته لا في جزئياته إلا غزوا فكريا. ها هي (داعش) اليوم ومن قبلها (القاعدة) وأمثال لهما في الأمة قديما وحديثا تستعرض عضلات الجهاد المادي فما هي أرصدتها من الجهاد الفكري لتقديم وجبات عقلية دسمة تجعل الإنسان إنسانا أولا ثم مؤمنا ثانيا إن شاء أو إنسانا كافرا مسالما على الأقل. أرصدتهم في ذلك أصفار مرصوصة على الشمال كما يقال. الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يقاد من عقله وليس من رقبته أو رجله أو يضرب ذيله بالنعال حتى يغذ السير. أعظم قاعدة في الإسلام أن إيمان المكره لا يقبل لأن الإكراه على الإيمان إكراه على النفاق والنفاق في أحط موضع من النار يوم القيامة لأن صاحبه لم يفقد عقله فسحب فلم يؤمن بل فقد كرامته وحريته فأضحى بيدقا تحركه الأيدي والأنامل أي الأطماع و الأحقاد.
أصل الكلام ( وما كان المؤمنون لينفروا إلى الجهاد كافة..) لأنه سياق حض على الجهاد. ولا ضير علينا تحت سقف الأمة وفوق أديم المساواة الآدمية أن نكون فرقا وطوائف. المعيب هو التفرق وليس الإنقسام إلى فرق متآلفة والمعيب هو (التطيف) أي تحولنا إلى طوائف متناحرة أو حتى غير متعاونة بما فيه الكفاية لحماية الصف الواحد المرصوص. نحن بالضرورة الجبلية فرق وطوائف. أي شعوب وقبائل متنوعة لأجل التعارف فإذا كنا فرقا وطوائف وشعوبا وقبائل لا نسعى لتوطيد أركان التعارف كنا عصاة دون ريب وهو عصيان نجني إثمه في الدنيا إحتلالا وإستضعافا. مشكلتنا اليوم مع الشيعة مثلا أنها خرجت من الدائرة المذهبية الفقهية الأصولية لتكون طائفة سياسية بل طائفة عنصرية فارسية في بعض الأحيان وبؤرة تزرع التوتر وتصنع الفرقة وتغري بنا العدو.
ما هو التفقه في الدين ولأي مقصد وما معنى واجب كفائي.
1 المطلوب هو التفقه وليس مجرد التعلم أو الفهم لأن الفقه في كل شيء هو العلم به علما بدليله جامعا لا مجتزءا ومتكاملا لا مشوها أحول وعميقا لا ظاهرا مسطحا. لذلك عاب المنافقين بأنهم لا يفقهون لعدم فقههم الإسلام والحياة في أصولهما العظمى وليس في التفاصيل وأي علاقة بين المنافق وفقه شروط الزكاة مثلا؟ لا علاقة.
2 الدين مساحتان متكاملتان مختلفتا المستوى : مساحة الكليات العظمى وهي تشمل العقائد الأصلية لا الفرعية والقيم المؤسسة الكبرى للإنسان لمباشرة رسالة التزكية الجامعة عقلا وروحا ورسالة التعمير والعبادات والمقاصد كفيلة بإقامة كل ذلك. ومساحة الجزئيات الصغرى وهي كثيرة لا تحصى والعبرة بردها إلى كلياتها وتجاوز الخلاف فيها لأنها مؤهلة أصلا للخلاف وأكبر عبرة هي : جعل الكليات حاكمة على الجزئيات والعقائد على الأعمال والمقاصد على الصور فمن قلب هذا السلم ما ظفر من فريضة التفقه في الدين بقلامة ظفر. تلك هي المشكلة الفكرية الأولى لأغلب الطوائف السلفية اليوم التي تأخذ الدين من السنة أولا لا من القرآن في سلم مقلوب وتعظم شأن الجزئيات وتؤخر شأن الكليات.
3 المقصد محرر من القرآن نفسه حين قال (ولينذروا قومهم). أي أن التفقه في الدين وظيفة إجتماعية عملية وليس ترفا فكريا أو إستواء على المنابر ولا على الأرائك الوثيرة كمن يعود طبيبا. الفقيه يعود الناس ولا يعوده الناس. الفقيه طبيب إجتماعي متنقل. لم قدم النذارة هنا ولم يأت ببشارة؟ لأن العناية من الشريعة بالمحرمات أكثر من العناية بالواجبات والمباحات وأحرم المحرم في الحياة والإسلام : العدوان على حرمة الإنسان.
4 التفقه في الدين أصولا وعقائد وكليات أولا واجب كفائي لأنه يتطلب التفرغ والنفير ولا يتسنيان لكل أحد. نحتاج فقيها واحدا على كل ألف ساكن مثلا بمثل ما نحتاج لمثلهم طبيبا واحدا ومهندسا واحدا ومحاميا واحدا إلخ.. التخمة في عدد الفقهاء ضارة مضرة كالتخمة في الأكل.
(99)
حوار مع السلفية المغشوشة. (1)
(يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة وإعلموا أن الله مع المتقين). 123 التوبة.
هذا حوار إفتراضي معهم على أساس فهم هذه الآية. تكون السلفية مغشوشة عندما تكون سلفية جهادية تعلن الحرب على المؤمن والكافر والظالم والمسالم (القاعدة وداعش مثالا) وعندما تكون سلفية علمية تقوم بالدور ذاته الذي قامت به الكنيسة تحالفا مع القيصرية في أروبا حتى ضج الناس وثار العلماء ونجحت النهضة الأروبية أي عندما تكون وظيفتها شرعنة الحكم القهري الإستبدادي بغض النظر عن أصله الوراثي العشائري أو الملكي أو العسكري الأشنع (حزب النور المصري مع السفاح السيسي) ثم تزيد على ذلك إفكا فظيعا بإصدار الفتاوى والكتب المحرمة تحريما فقهيا حقيقيا لا مجازا للثورة الشعبية حتى عندما تكون سلمية مثل ثورات الربيع العربي الأخيرة التي ساهمت في إغتيالها السلفية. وعندما تكون سلفية حركية سياسية مسلكية تخرق المنهاج الفكري في حسن الفهم ودقة الفقه لتحكم الجزئيات في الكليات والفروع في الأصول والأعمال في المقاصد لتحشر الناس في الإهتمامات الضيقة التي ضج به الماضي الرحب من مثل تعظيم الإهتمام بعلامات الساعة وهي ظنية على ما أعد الناس للساعة نفسها وهي قطعية ومن مثل معاملة المرأة أنها كائن منقوص متأخر عن درجة الرجل ومعالمة الغرب أنه شر كله وهو مصدر القوة العلمية والمعرفية التي بها اليوم تحتل أرضنا عسكريا ويفرض عليها التخلف والفقر واللجوء. كما تكون السلفية مغشوشة عندما تقدم نفسها أو يظن الناس أنها مذهب فقهي أو أصولي وهي في الأعم الأغلب دياجير من الجهل والأمية وإنحدار الوعي وغياب الفهم. لذلك أعد السلفية المغشوشة اليوم شقيقة السلفية الأروبية إبان المعركة الدامية المعروفة أو هي القراءة الإرتدوكسية للإسلام أي قراءة الأنا لا قراءة الأمة وقراءة المنع لا قراءة الإباحة وقراءة الماضي لا قراءة الحاضر وقراءة العدم لا قراءة الأمل وقراءة التكفير لا قراءة التفكير وقراءة التنفير لا قراءة التبشير وقراءة التعسير لا قراءة اليتسير وقراءة الأخرة لا قراءة الدنيا وقراءة القبر لا قراءة الحياة. السلفية المغشوشة هي صنو العالمانية الإستئصالية المتطرفة. كلاهما ينهش الإسلام من جهة. يختلفان في الإتجاه والمنطلق ثم يلتقيان في النتيجة : نقض صف الأمة الواحد المتنوع ليتسلل إليه العدو. لم ألف في حياتي أكفر بقيمة التنوع وإرادة الإختلاف وناموس التعدد وهي مشيئة إلهية ماضية من السلفية المغشوشة. يقيني أن من نبذ فقه الإختلاف الذي هو قيمة قرآنية تنبذه الحياة.
القتال : كلمة السر وعمدة الفقه عند السلفية المغشوشة.
محاولة للغوص في عقل سلفي إنطلاقا من هذه الآية. الآية صحيحة صريحة في دعوة المؤمنين كلهم إلى قتال الكفار الذين يلوننا كلهم أي جيراننا الأول فالأول والأدنى إلينا فالأدنى. وليكن قتالا غليظا لا رحمة فيه ولا شفقه. ذلك هو ظاهر الآية الذي يحبس فيه السلفي نفسه ثم يباشره.
1 لا يسأل السلفي نفسه : هل نفذ عليه السلام هذا الأمر أم لا؟ عندما يتعلق الأمر بتفريغ شحنات الحقد ضد الإنسان يقدم السلفي القرآن على السنة والقرآن عام ظاهر نادرا ما يتفرغ للتفاصيل إلا في الأسرة لأنها أمر ثابت ولا بد من فهمه على ضوء السيرة لأنها بيان له. أما عندما يتعلق الأمر بالتشديد على الناس ودوما تحت مطارق العقد النفسية التي يعيشها السلفي داخله فإنه يقدم السنة على القرآن لأن السنة تتعرض لحالات كثيرة واقعية تعالجها فهي لا تعطي وصفة نهائية لكل داء بل تعالج كل حالة بمفردها هذا فضلا عن كونها ظنية في تفاصيلها وتخضع لعلم مقامات المشرع الذي يجهله السلفي في العادة.
2 هل قاتل عليه السلام الذين يلونه من الكفار؟ أبدا. ظل في مكة معتصما بإستراتيجية البلاغ المبين والصبر الجميل ولما هاجر ظل مدافعا عن دولته بالمدينة ضمن حلف سياسي وطني يخضع لعقد سياسي موثق مكتوب شارك فيه اليهود كلهم وغيرهم. في بدر كان يريد إسترداد ماله فأراد سبحانه ذات الشوكة وقاتل قريشا الغازية على أرضه هو وليس على أرضها هي. ولو نجت قافلة أبي سفيان ولم تأت قريش متبرجة لما قاتلها. وفي أحد قاتل قريشا دفاعا عن دولته في المدينة وأحد على مرمى بصر منه. وفي الأحزاب قاتل قريشا وغطفان دفاعا عن دولته كذلك مرة ثالثة تحت وابل من التحالف العسكري العربي الأكبر بل سعى إلى الصلح بتمكين غطفان من ثلث ميزانية الدولة. وفي قتال الإسرائيليين من بني قينقاع وبني المصطلق وبني النضير وبني قريظة لأنهم خانوا الدستور المدني الذي وقعوا عليه أحرارا غير مكرهين إذ إعتدى هؤلاء على إمرأة في السوق فسار ثأرا لحق المرأة في حفظ عرضها وكرامتها وخطط أولئك لإغتياله بصخر يسقط عليه من فوق حصن فأجلاهم ولم يقاتلهم ولم يقتلهم وفي الخيانة الوطنية العظمى لبني قريظة إبان الخندق حكم فيهم صديقا مؤمنا لهم فقتل الرجال ولم يمس إمرأة واحدة ولا ولدا بسوء. قاتل الإسرائيليين كلهم لأجل الخيانة والغدر وليس لأجل دينهم ولا لمعتقدهم. كيف وقد بنى بهم الحكم الإئتلافي أول مقدمه إلى المدينة؟ وكان يسير السرايا إستباقا أمنيا وإستعلاما عسكريا فحسب تحوطا وحذرا أن يصاب بغدرة في محيط متربص بالدين الجديد.
3 ولما فشلت المخططات المتكررة لإستئصاله من بدر إلى الخندق مرورا بأحد عربيا ومن بني قينقاع إلى بني قريظة إسرائيليا رتب لتفاهمات سياسية مع قريش فكانت الحديبية التي عبر فيها بعقد سياسي سلمي يضع أوزار الحرب عقدا كاملا عما يدهش فعلا وحقا من حسن فقه للتوازنات السياسية وكيفية توظيفها لإحلال الأمن والسلم بين الناس حتى عد الصحابة ذلك إجحافا في حقهم وقبل بحق الردة لمن شاء من أصحابه راجعا إلى قريش في سابقة دينية سياسية لن أجل. لن نافية المستقبل يطأها عقل إنساني حتى يوم القيامة مهما إدعى من التقدمية والتنور والإنفتاح والقبول بحق الآخر والتعدد.



(100)
حوار مع السلفية المغشوشة. (2)
4 قبل أن يعود عن رحلته التعبدية إلى البيت الحرام معتمرا. أجل (الدين) وقدم التفاهمات السياسية بينه وبين قريش. أليس كذلك؟ من يقوم بمثل هذا اليوم يعد فينا منبطحا خائنا. ألا ما أتعس وعينا وما أبأس رشدنا. نريد دينا يوجه السياسة بفقه مخالف للفقه النبوي. نريد أن نكون أنبياء جددا. ثم تحالف مع قبيلة خزاعة المشركة تحالفا سياسيا وقدر ربك سبحانه لحكمة أن تعتدي قريش على خزاعة فكان لزاما عليه وفاء بعهده السياسي أن يغيث إستصراخ حليفه المشرك فذهب إليه ينصره ضد مشرك. أرأيت عالم السياسة؟ نبي ينصر مشركا على مشرك لأجل الوفاء بعقد سياسي سابق. فكان فتح مكة. إذ إستسلمت قريش المنهكة من بعد هزيمة الأحزاب المدوية. وفي أثنائها أجار مشركين أي منحهم اللجوء السياسي. وأعلن العفو النبوي العام.
5 دانت إذن له شبه الجزيرة العربية دينونة سياسية بوفود قبائلها وأذن لوفد مشرك وآخر مسيحي (نجران) بالصلاة في مسجده بحضوره. آن أوان التفرغ للجبهة الرومية من بعد تراجع الإسرائيليين عسكريا بما قدمت أيديهم من خيانات وغدرات ومن بعد فتح مكة وإندحار قريش وقبل الإسلام الإسلام السياسي (قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) خطوة متدرجة لبسط الأمن والسلام أولا حتى يؤمن من شاء الإيمان ويكفر من شاء الكفر فلا يخاف هذا إكراها ولا يخشى ذاك فتنة. ذلك هو مقصد الإسلام.
6 وصلته أنباء تحرش من الجبهة الرومية في الشمال فكانت مؤتة ثم تبوك. ما العمل الآن وقد أسلمت شبه الجزيرة العربية بالكامل إما إسلاما حقيقيا أو إسلاما سياسيا أي إعترافا بالدولة الجديدة وإنضواء تحت سقفها وترهيب الروم؟
هل قاتل إذن عليه السلام من يليه من الكفار؟
1 الآية تأمره ظاهرا بذلك. لم يقاتلهم. بل بعث إليهم بسفراء مدججين بكتب مختومة عنوانها (أسلم تسلم فإن أبيت فعليك إثم ..) أي : أدعوك إلى الإسلام تسلم من العذاب يوم القيامة فإن أبيت فعليك إثم نفسك وإثم الشعب الذي تحكمه (الأريسيين مثلا). رسل وكتب ناهزت عشرين بعثة من شرق الأكاسرة إلى غرب الرومان وحتى غساسنة مصر. هل نفذ عليه السلام إذن الآية الآمرة إياه بقتال من يليه من الكفار أم لا؟ طبعا لا. لم؟ لأنه لم يفهمها كما نفهمها نحن اليوم؟ ترى فهم من أولى؟ فهم داعش والقاعدة أولى طبعا؟؟؟؟؟
2 بل لم يبدأ قوما أبدا بقتال ولا قتل. بل ظل مقاوما عن حقه في الوجود وحقه في الدعوة السلمية. كانت ضحية السيف ولم يستخدم السيف لإكراه على دين ولو يوما واحدا. هذه سيرته وسنته بيننا حية نابضة. لم الإفتراء عليه إذن والبهتان؟
3 ما هو معنى الآية إذن؟ معناها أن المؤمنين يومئذ مدعوون إلى قتال الروم في تبوك إمعانا في عتاب وتأنيب المتخلفين عنها وتحريضا لهم جميعا على عدم التخلف عنه عليه السلام. لأن القرآن لا بد لحسن فهمه من مناسبة النزول ومعرفة مكان الآية هل هي مدنية أو مكية. عندما تخرج هذه الآية (آية التوبة التي نحن بصددها) عن سياقها نخرج نحن عن ديننا فنقاتل الآخر ظلما وعدوانا. معناها أن الكفار المعنيين في الأعم الأغلب سيما بالقتال هم المعتدون وليس هم الكافرون المسالمون. إذا كانت السلفية تعد إبن تيمية علما من أعلامها فإن الرجل نفسه هو الذي قال ذلك ورب الكعبة. يأخذون من كل عالم ما يناسب أهواءهم فحسب. سمي الظالمون يومها بذلك لأن أغلبهم كافر وهو تعبير مجازي فيه عند العرب زهاء خمسة عشر لونا منه : الكناية بالأغلب.
4 إحترامي لرجل يقول أن القرآن متناقض أكثر من إحترامي لدعي ينفي ذلك ولكنه يعمل بما يناسب هواه هو فحسب. القرآن يقول في موضع (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم) وفي موضع آخر (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار). أليس هذا عين التناقض؟ أجل. هو تعارض ظاهري يحسم بفقه قوامه مناسبة النزول وتبين المكي من المكي والناسخ من المنسوخ والمحكم من المتشابه كما يحسم بالفعل النبوي الذي هو بيان له (لتبين للناس ما نزل إليهم). لولا بيان السنة لضللنا فعلا والله وهلكنا. لذا لا مناص من تحكيم السنة والسيرة لحسن فقه الكتاب. ما هو المطلوب إذن؟ نقاتلهم بغلظة أم نبسط إليهم أجنحة البر والقسط؟
5 عجب عجاب أن يعتصم السلفي المغشوش بعياء فكري لا سابقة له في التاريخ فلا يميز بين القتل وبين القتال. القتل عدوان دوما إلا قصاصا. أما القتال فهو مشاركة فلا يقاتل إلا المقاتل وإذا قوتل المسالم حتى لو كان مشركا أبا عن جد وكافرا كابرا عن كابر فهو ظلم.(قاتلوا) معناها : قاوموا القتل الذي تتعرضون له وليس أنشؤوا قتالا أو قتلا.
6 إذا كان قتل الكافر لكفره فكيف نؤمر بإجارته في السورة نفسها (التوبة)؟ كيف يقبل نبي الإسلام عليه السلام أن يكون مجارا من مشرك ولسنوات طويلات عند عمه ولدى مشركين آخرين؟ كيف يستأمن مشركا على رحلة الهجرة السرية الخطيرة؟ كيف يعفو عنهم في فتح مكة عفوا عاما؟ كيف يمضي مع اليهود وثيقة سياسية؟ ومع قريش أيضا في الحديبية؟ كيف يبيح لنا نكاح نسائهم ليكون الكافر خالا لولدنا عليه بره؟ كيف يبعث إليهم وقد إنتصر بسفراء وكتب وليس بجيوش جرارة تحمل الموت؟
خلاصة : في نفسي معركة محتدمة حول السلفية المغشوشة. أقول حينا رؤوس هؤلاء مجندون لخدمة أهداف معروفة بأجر والأتباع ذيول وأذناب حسبهم التقليد الأعمى إذ هم أسياف ضد الصوفية وأتباع السلفية صوفية أقحاح إذ هم موتى بين أيدي مغسليهم. وأقول حينا آخر هؤلاء سيما الأتباع أما الرؤوس فقد بدأت الأيام تكشف أمرهم فاقوا الجهل جهلا فأتبعتهم الحماقة راغمة. ألم يقل لي أحد زعمائهم في جبل الجلود لما كنت خطيب جمعة هناك 2013 أن السلفية هي الإسلام لقوله سبحانه (إلا ما سلف)؟ الله العظيم أشهده على صحة ذلك بالحرف لحما ودما. السلفية هي الإسلام الحق لقوله (إلا ما سلف).

أحمده سبحانه على إتمام الجزء الثاني من هذه السلسلة (فهل من مدكر) وبذلك أستكمل الحلقة المائة. وحتى نلتقي في الجزء الثالث بدءا من الحلقة الأولى بعد المائة لكم مني أطيب السلام.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.