إن أي حريص على المصلحة العامة وعلى الإصلاح والإستقرار لا يمكن إلا أن يكون أحرص على الإستئناس بآراء أصحاب الرأي لا ينزعج من اختلاف أو إشارة إلى نقص وليس مفيدا في شيء تشمّمُ الروائح العقدية لتلك الأفكار أو الإجتهادُ في استنطاقها حول النوايا طالما أنها لا تحرض على مُقدماتِ أذى ولا تضخم نقائصَ ولا تتصيّد أخطاءَ، والحكمة تقول : « انظر فيما قال ولا تنظر فيمن قال» . وفي القرآن « الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنهُ».
«ثقافة النصح» مستولدة عن وعي وطني وعن روح إيمانية وعن مسؤولية تاريخية وحضارية، لا يتردد أصحابها في الإشارة إلى حيث تجب الإشارة وبما يقتضيه الحال من نصح ونقد ورفض أودعم وتثمين وتنبيه دون احتساب مكتسباتٍ ذاتية أو ضريبة قد تترتب عن مواقف ناقدة. وإن الحريصين على مزيد التطوير والإصلاح يُدققون في النقائص أكثر من ابتهاجهم بالإنجازات. إن تقاليد «الإبتهاج» إذا ما ترسخت في مجتمع تحولت إلى ما يُشبه خيمة إقامة البدو حين يحطون ترحالهم وينشغلون بملء فراغ الزمن بالذكريات والأغاني وأشعار الفخر والمناقب والغزل! «ثقافة البهجة» ثقافة خاوية ومُعيقة للفعل والإبداع وغالبا ما تكون ثقافة وهْمٍ حين تصور الحال في غاية الكمال وتصنع الإنتصارات والأحلام في النصوص الجميلة لتبريد أشواق الناس ورغباتهم الحقيقية . وهذا ما ينتهي عادة إلى ارتخاء المجتمعات بفعل الرضا الموهوم على النفس ... هل كان لمثقفي «البهجة» مسؤولية في تعطيل حركة المجتمعات وتطور الأنظمة السياسية حين اشتغلوا «مداحين» بمقابل و هجّائين لكل ذي فكرة جديدة أو مختلفة بدون مقابل فكري! وكل ذلك على حساب مصلحة الجميع وأولهم من يستطيب امتداحهُ!. تحتاج المجتمعات الحية وقفات تقييمية دورية تحصي فيها إنجازاتها باعتزاز وتتوقف عند مواطن الخطإ والفشل أو مواطن الصواب والتوفق وتستشرف فيها مستقبلها تذهب إليه بإرادة وعزيمة ووضوح رؤية ... ولها ومن باب الترف تخصيصُ مهرجان ترفيهي يحضره «المداحون» يُمارسون فيه لغوهم يقبضون أجورهم وينصرفون! دون تجاوز ل «دورهم» ذاك فليسوا مدعوين للإسهام في المشهد الثقافي الإحيائي إنهم عاجزون ومُقعَدُون إلى الأبد لا يقوون على إقامة قامةٍ ولا على تقويم خطإٍ!. هم يعرفون أنهم متكسبون والسياسيون يعرفون ذلك والعامة لا تثق بهم وتكذبهم تماما كما العرافين وإن صدقوا ! أولئك هم ممتهنو «العَرافة» الثقافية والسياسية .إنهم يقتاتون من امتهان تصنيع الوهم وإشاعة الشعوذة المعاصرة وتعليب السّخف المتهتك وتزيين ما حرفته الأخطاءُ البشرية. ليس لهؤلاء ما يخسرون ولكن الذي يجب التنبيهُ إليه هو ما يسببونه من خسارة للجميع إنهم الجدار الفاصل بين المجتمع وبين الأفكار المستنيرة ... النقدُ مرآة يرى فيها الجميع نقائصهم قبل محاسنهم ، وإنها لمكرمة أن نرى عُيوبنا وإنها لمعرة أن يراها غيرُنا ونكابرُ بها!. قد يكون جزء من معركة الإصلاح التصدي ل«مثقفي البهجة» إنهم دُخانُ المدائن وغبارُ الطريق يحجبون الرؤية ويتسببون في حوادث قد تكون كارثية ... وإن أي أزمة هي منتهى رحلة الجميع ، وإن أي حادث لا يُفسر فقط بغفلة السائق وإنما أيضا ب « هرج» المُرافقين! بحري العرفاوي كاتب وشاعر تونسي