عاجل/ القضاء يحسمها بخصوص مطلب الإفراج عن المحامي أحمد الصواب..    مندوب حماية الطفولة: فتح تحقيق في شبهة اعتداء جنسي على طفل داخل روضة    برنامج الكراء المملّك للتوانسة يفتح أبوابه في 11 ولاية لأول مرة : هذه التفاصيل    في رمضان: تلقى الأسعار الكل هنا في ''قفّتي''    جانفي 2026: تقلّص العجز التجاري إلى 1287,6 مليون دينار    حالة تأهب/ تحذير عاجل للحماية المدنية: رياح قوية وأمطار تضرب البلاد..دعوات لليقظة..    فتح بحث أمني في شبهة انتهاك حرمة طفل ال3 سنوات داخل روضة أطفال    7 ميداليات للعناصر الوطنية في بطولة فزاع الدولية لبارا ألعاب القوى    إنتقالات: أوغبيلو يوقع رسمياً للإتحاد الليبي.. و2.8 مليون دولار تحسم موقفه من الرحيل الفوري    عاجل/ في بلاغ رسمي..الداخلية تعلن ايقاف هذه العناصر..    فتح مناظرة خارجية لانتداب أساتذة التعليم الثانوي والفني والتقني    محاضرة علمية بطوكيو حول إسهامات تونس في الفكر الإصلاحي    عاجل/ ملفات إبستين تنفجر من جديد: كشف مرتقب قد يطيح برؤوس كبيرة من عدة دول..    عاجل-فرنسا: إنذارات حمراء وبرتقالية بسبب فيضانات وانهيارات ثلجية..العاصفة نيلس تجتاح الجنوب    أمريكا تدرس إلغاء جوازات السفر لهؤلاء الأشخاص    عاجل/ بشرى سارة للتونسيين بعد سنوات صعبة: مخزون السدود يتجاوز 50% لأول مرة منذ 2022    عاجل-كواليس التحكيم: من سيراقب المباراة الحاسمة للترجي؟    إنتقالات: ثنائي النادي الإفريقي تحت أنظار أحد أندية الدوري الليبي    5 نصائح طبّقهم قبل ما تستعمل الذكاء الاصطناعي لتحويل صورتك    من بينها 3 عربية: البرلمان الأوروبي يتخذ هذا الاجراء ضد مواطني 7 دول..    صادم : زوجة تقتقل زوجها بسبب ''شارجور''    تحذير عاجل: عاصفة بحرية عنيفة تضرب السواحل التونسية وتنبيه للبحارة..    جريمة غذائية خطيرة: ذبح بقرة نافقة لبيع لحمها للمستهلكين..#خبر_عاجل    عاجل/ تحرك تشريعي مثير: نحو فرض حصار بحري على قوارب المهاجرين..ما القصة؟!..    تحب تحافظ على قلبك؟ شوف شنوا يعمل هذا العصير    الدفع عبر الهاتف الجوال يقفز ب81%... وخبير بنكي يوضّح الفارق بين الدفع ب "الكارت" والدفع ب "الموبايل    اشتباكات بالأيدي في البرلمان التركي اعتراضا على تعيين وزير    البريمرليغ: حنبعل المجبري يساهم في إنتصار بيرنلي    من 5000 إلى 8500 دينار.. كيفاش تتغير أسعار العمرة في رمضان؟    في رهانات التحديث ...تكريما للدكتور عبد المجيد الشّرفي    الأكاديمي التونسي رضا المامي يفتتح أول قسم عربي وإسلامي بالمكسيك    ياخي برسمي ما عادش فما ''شياطين'' في رمضان ؟    فرنسا تشجّع النساء بعمر 29 سنة على الإنجاب...علاش؟    كيفاش تتفادى الجوع والعطش أثناء الصيام خلال رمضان؟    خطوات بسيطة تخليك تبعد على القهوة والشاي نهار رمضان    عاجل : رسميا.. دولة عربية تحدد موعد بداية شهر رمضان    هذه الدولة تمنع التعادل في مباريات دوري كرة القدم    رمضان 2026... قائمة أقوى المسلسلات المصرية    بعد الفيديو الصادم.. الإطاحة بمنفذي براكاج طالب بمنفلوري    كويكب عملاق يقترب من الأرض.. هل سيعبر بأمان؟    تركيا: مرونة أميركية وإيرانية لإبرام اتفاق نووي    عاجل: قبل مواجهة بيترو أتليتيكو.. قرار جديد من الترجي    عاجل: معهد الرصد الجوي يحذر من رياح قوية جدا    رئيس الجمهورية يشدّد على حماية التلاميذ من آفة المخدرات    السلطة السردية والسلطة الإصطناعية.. سلطة خامسة ووظيفة سردية في بناء نموذج الدولة والمجتمع    ارتفاع عمليات الدفع عبر الهاتف الجوّال    صدور العدد الأوّل من مجلّة «تأمّلات» ..محاولة في نثر بذور تتحمّل قسوة المناخ    الباحثة نجوى شنيتي.. حكمة الحبّ في استعادة «الآخَر» من براثن التشييء المعاصر    بهدوء...أجنحة خلف الأقفال    البطولة الوطنية المحترفة لكرة السلة: نتائج مباريات الجولة السابعة    البنك المركزي يبقي نسبة الفائدة المديرية دون تغيير عند 7 بالمائة    "أنقذتني الكتابة" ثلاث مرات من موت روحي محقق ...!!.    الهاشمي الوزير يتحصل على وسام الاستحقاق الوطني الفرنسي    رئيس مدير عام لمركز النهوض بالصادرات: ''تونس تفرض قيمتها في اليابان.. حضور قوي في أوساكا 2025''    عاجل : وفاة ممثل تركي مشهور عن عمر 45 عامًا    مفاجأة بعد أسبوع واحد فقط من تقليل الملح.. هذا ما يحدث لضغط دمك..!    اليوم وغدا: توقعات بنزول أمطار رعدية مع رياح قوية جدا    عيد الحب 2026: سؤال من 6 كلمات لازم تسألوا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الآذان يعلو من جديد في غرناطة
نشر في الحوار نت يوم 16 - 08 - 2010

تم قبل سبعة أعوام افتتاح مسجد غرناطة الكبير، وذلك بعد خمسمائة عام من طرد آخر المسلمين من شبه الجزيرة الإيبيرية على يد الإسبان الكاثوليك. وعلى الرغم من طابع مدينة غرناطة متعدِّد الثقافات، إلاَّ أنَّ بعض سكَّانها ينزعجون من صوت المؤذِّن. تروي ناحومكو يلقي الضوء على الإسلام والحياة في مدينة غرناطة.
في فترة الظهر - شاب يصعد على درج حلزوني وفي نهايته يظهر له في الأسفل منظر الوادي الرائع. يستريح هذا الشاب قليلاً ويتنفَّس بعمق وثم يبدأ برفع الأذان؛ وفي هذه اللحظة يعلو صوت لم يُسمع منذ أكثر من خمسمائة عام هنا في أطراف هذه الغابة في الجبال؛ صوت كان قبل ذلك يرتفع خمس مرَّات في اليوم طيلة ثمانمائة عام تقريبًا في جميع أنحاء البلاد.
نحن هنا في غرناطة، وأسفلنا يمتدّ قصر الحمراء بمحاذاة سلسلة جبال سييرا نيفادا، التي تلتف حول الوادي بتموّجاتها المميَّزة مثل فستان الفلامنكو. وغرناطة - هذه المدينة الشهيرة التي وصفها الرحَّالة العالمي الكبير، ابن بطوطة في القرن الرابع عشر بأنَّها فخر الأندلس. وهنا في هذه المدينة التقى ابن بطوطة الطنجي أشخاصًا عاشوا في أماكن مشهورة تقع على امتداد طريق الحرير - في مدن مثل سمرقند وتبريز أو قونية، واستقرّوا أخيرًا هنا في هذه المدينة التي كان يأتيها الناس حتى من الهند. ومدينة غرناطة ما تزال تشكِّل حتى يومنا هذا مكانًا تلتقي فيه ثقافات العالم، ويجتمع فيه أشخاص من كلِّ بقاع الأرض، للاتصال ببعضهم بعضًا والتفاعل فيما بينهم.
عبق التاريخ
وإذا تجوَّلنا في حي البيازين، هذا الحي الذي تم إنشاؤه في الأصل لاستقبال اللاجئين المسلمين الذين هربوا من زحف الجيوش المسيحية إلى شمال البلاد، فسنجد في شوارعه وأزقَّته المفعمة برائحة الهيل مطاعم مغربية مريحة وفنادق دولية وكذلك لافتات متعدِّدة اللغات. والموسيقى التي يعزفها هنا العازفون المتجوِّلون تغطِّي هذا المشهد بمزيج من موسيقى عازف البلوز "جيمي هندريكس" وموسيقى الفلامنكو، ولكن الآن صار يتخلَّلها صوت الأذان خمس مرَّات في اليوم.
ويقول صاحب مطعم Manchachia بفخر واعتزاز: "أعيش هنا منذ أكثر من خمسة وعشرين عامًا". ومطعمه هذا يتميَّز بأصناف الطعام المغربية اللذيذة؛ وخلال تقديمه وجبات التاباس والمشروبات ومع تحضيره لطلبات الطعام السفرية، يقول بطلاقة تارة باللغة العربية وتارة بالإسبانية: "لقد عشت هنا فترة أطول مما عشت في المغرب، ولذلك فها وطني".
وأمَّا المؤذِّن الشَّاب الذي صعد المئذنة فهو من أصل آسيوي، ويعدّ جزءًا من هذا المزيج متعدِّد الثقافات. وهو يؤذِّن خمس مرات في كلِّ يوم ليدعو إلى الصلاة المسلمين المقيمين هنا القادمين من المغرب والجزائر ومن جميع أنحاء العالم. وهنا في غرناطة يتم رفع الأذان من قبل رجل واحد فقط، وتحمل الرياح صوته؛ على العكس من صوت الأذان الذي يتم رفعه بمكبِّرات الصوت فوق المآذن النحيلة في القاهرة، وصوت المؤذِّن المتحشرج الذي يتم رفعه من شريط مسجّل في إيران، أو صوت المؤذِّنين المشوَّش في مدينة صنعاء، حيث تتداخل هناك أصوات أكثر من ستين مؤذِّنًا. وصوت المؤذِّن في غرناطة خفيف ورقيق، بحيث أنَّه ينصهر على بعد بضعة خطوات من المئذنة في معمعة الأصوات المختلفة عند منطقة ميرادار الشهيرة المطلة على قصر الحمراء.
اتِّهامات مبالغ فيها
ولكن لماذا يا ترى هذا الصوت الهادئ الذي يرتفع بدون مكبِّرات صوت في واحدة من أكثر مدن أوروبا صخبًا؟ وتفسير ذلك بسيط، فهذا المسجد يقع بجوار الكنيسة الكاثوليكية ذات النفوذ الواسع التي تنظر بريبة وخوف إلى كلِّ ما يمكن أن يطغى على صوت أجراس الكنيسة. ويتم من خلال الخطب المعادية للإسلام توجيه اتِّهامات مبالغ فيها لهذا المسجد. وهذه الخطب المعادية للإسلام تبدو غير معقولة وسخيفة ولا يمكن ببساطة تصديقها.
وهكذا يتم في هذه الخطب التحذير من احتمال حدوث مشكلات في إيجاد أماكن لوقوف السيَّارات في الشوارع التي غالبًا ما تكون محجوزة للمشاة وكذلك من تجمّعات الناس في الساحات العامة. وهذا الاتِّهام يبدو غير معقول في بلد يقضي سكَّانه معظم أوقاتهم في الشوارع. ولكن من الواضح أنَّ الرسالة الحقيقية التي تكمن خلف هذه الاتِّهامات السطحية مفادها أنَّه يمكنكم الاندماج هنا، ولكن فقط إذا كنتم تتصرَّفون بشكل غير مثير للانتباه.
معجزة صغيرة
وحقيقة التمكّن من بناء هذا المسجد تعتبر في حدّ ذاتها معجزة صغيرة. ففي إسبانيا كثيرًا ما يقوم ممثِّلو المجالس البلدية برفض منح التراخيص لبناء المساجد، مدفوعين من قبل معارضة صغيرة ولكنها قوية. ومن خلال ذلك يضطر المسلمون إلى إقامة صلاة الجماعة في بيوت خاصة أو حتى في كراجات. وهكذا يؤدِّي انسحاب الجالية المسلمة إلى حياة منعزلة وسرية إلى خلق بيئة يمكن في داخلها انتشار حالة من السخط والغضب. وبهذا لا يتم التوصّل إلى الاندماج المطلوب، بل إلى نقيض الاندماج.
ولا يقتصر هذا الشكل من الرفض وعدم التسامح على التعامل مع المهاجرين القادمين من وراء البحار، بل يعتبر منذ فترة طويلة أيضًا بالنسبة للمسلمين المولودين في إسبانيا جزءًا من حياتهم اليومية. وقبل بضعة أعوام طلب اتِّحاد مسلمي إسبانيا الحصول على إذن لإقامة الصلاة في مسجد قرطبة القديم الذي انتقل الآن إلى ملكية الفاتيكان.
منع المسلمين من الصلاة في مسجد قرطبة
وبعد صلاة البابا بنديكتوس السادس عشر مع مفتي تركيا الأكبر في المسجد الأزرق في إسطنبول، كان المسلمون في قرطبة يعقدون آمالهم على التمكّن من استخدام صالات مسجد قرطبة بشكل مشابه؛ حيث كانوا يريدون مشاركة الكاثوليك في استخدام هذا المسجد الذي كان في السابق معبدًا وثنيًا. وفي هذا المكان يقيم الإسبان الكاثوليك صلواتهم منذ القرن السادس عشر، وفي ذلك الوقت بنوا كنيسة في داخل المسجد.
ولكن لقد تم رفض هذا الطلب من دون تردّد. ومنذ ذلك الحين يقف دائمًا بجانب المحراب حرَّاس ورجال أمن، يكونون دائمًا على استعداد لمنع أي زائر من محاولة الصلاة "في الاتِّجاه غير الصحيح وللإله غير الصحيح وفي الزاوية غير الصحيحة". ومع ذلك كانت هناك مرارًا وتكرارًا مناسبات كان يتم فيها خرق هذا الحظر المفروض على صلاة المسلمين. وهكذا سمح دكتاتور إسبانيا الثيوقراطي، فرانشيسكو فرانكو في العام 1974 للرئيس العراقي الراحل، صدَّام حسين الذي كان غير معروف كثيرًا في تلك الفترة بالصلاة أمام محراب مسجد قرطبة.
وهذه السياسة التي تنتشر الآن في إسبانيا لحماية المعالم الإسلامية الأندلسية ومنع المسلمين من استخدامها في عبادتهم، تبدو ذات نتائج عكسية - فعلى كلِّ حال تزداد في إسبانيا في كلِّ يوم أهمية الأصوات العلمانية التي تدعو إلى فصل الدولة عن الدين فصلاً واضحًا. وهكذا نجد الكثير من الشباب الذين لا توجد لديهم ذاكرة حيَّة حول الأربعين عام من الحكم الدكتاتوري في عهد فرانكو يتساءلون وباستمرار: لماذا يوجد في الأماكن العامة مثل هذا الحضور للرموز الكاثوليكية، لا سيما وأنَّ الدستور الإسباني غير منحاز لمذهب أو طائفة ما.
بدائل للمواجهة المباشرة
ومن الممكن أن يكمن جزء من حلِّ مشكلة فقدان الثقة أسفل المئذنة التي تشرف على قصر الحمراء في مدينة غرناطة. فهنا يوجد مهاجرون من أصول أمريكية لاتينية اعتنقوا الإسلام، ويعيشون في أماكن ضيقة مع شباب أمريكيين استقرّوا هنا من أجل تعلّم اللغة الإسبانية. وهنا تمتلئ الأجواء بموسيقى الفلامنكو، في الوقت الذي يشتري فيه سكَّان مدينة غرناطة الأصليون خبزهم من مهاجرين قادمين من أوروبا الشرقية يعملون في مخابز أصحابها مهاجرون قادمون من الجزائر.
وكذلك لا يهتم الناس الذين يعيشون سوية هنا، فيما إذا كان البابا قد منح الآن المسلمين المقيمين في مدينة قرطبة الحقّ في استخدام مكان مقدَّس بمثل الحقوق التي يتمتَّع بها المسيحيون. وهم لا يهتمون أيضًا فيما إذا كان هناك قاضٍ يجلس في مدريد ويقول إنَّ صوت المؤذِّن الذي يعلو فوق حيّ البيازين يخالف المصلحة العامة.
وفي إسبانيا يوجد مثل شعبي يقول: "Las cosas de palacio van despacio"، ويعني أنَّ حبال الحكومة طويلة. وربَّما سوف يكون الوقت قد تأخَّر كثيرًا إلى أن يدرك الحكَّام في مدريد أنَّ هناك في حي البيازين فرصة فريدة من نوعها، من أجل استخلاص العبر من الماضي وتجنّب الوقوع في الأخطاء التي وقعت فيها البلدان الأخرى.
ولكن حتى ذلك الحين من الممكن لكلِّ مَنْ يسر في الأزقّة المتعرِّجة التي تؤدِّي من ضفة نهر حدرة (Darro) إلى المدينة، في أثناء بحثه عن صوت المؤذِّن الهادئ الذي يراعي الآخرين، أن يتذكَّر أنَّه دائمًا توجد أيضًا بدائل للمواجهة المباشرة.
تروي ناحومكو
ترجمة: رائد الباش
مراجعة: هشام العدم
حقوق النشر: موقع قنطرة 2010


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.