الشرطة الكندية تكشف عن عدد ضحايا وتفاصيل عن الهجوم المسلح على مدرسة ومنزل    تقلّبات جوّية منتظرة غدا الخميس.. مرصد سلامة المرور يُقدّم نصائح لمستعملي الطّريق    لجنة إسناد بطاقة الصحفي المحترف تحذّر من بطاقات مزوّرة وتلوّح باللجوء إلى القضاء    ارتفاع عمليات الدفع عبر الهاتف الجوّال    اليوم ...البرلمان ينظر في قرضين لدعم القطاع الصحي    مع الشروق : بين المناورة العسكرية والسياسة الإقليمية    الشرطة الكندية تكشف عن هوية مطلق النار في المدرسة بماكدونالد    أخبار النادي الإفريقي ...عزم على مواصلة المسيرة الوردية والحرزي والسهيلي خارج الحسابات    إدارة التحكيم تُقدّم «مافيولا» «الكلاسيكو» ... هدف الإفريقي غير شرعي وقيراط مُتّهم بالتقصير    بطولة فزاع الدولية: تونس تتوج ب07 ميداليات 03 منها ذهبية ضمن منافسات اليوم الثاني    معينة منزلية تستولي على مصوغ وأموال مشغّلتها    السلطة السردية والسلطة الإصطناعية.. سلطة خامسة ووظيفة سردية في بناء نموذج الدولة والمجتمع    البنك المركزي يبقي نسبة الفائدة المديرية دون تغيير عند 7 بالمائة    خطير في قليبية: ضبط شخصين بصدد ذبح بقرة نافقة لبيع لحمها    بطولة القسم الوطني أ للكرة الطائرة (مرحلة التتويج): نتائج مباريات الجولة الثالثة    تونس ضمن قائمة الدول الآمنة: مخاوف من تأثيرات على طالبي اللجوء وبن عمر يحذر    صدور العدد الأوّل من مجلّة «تأمّلات» ..محاولة في نثر بذور تتحمّل قسوة المناخ    بهدوء...أجنحة خلف الأقفال    الجمل اللّطيف ودموع المكيّف المغرور .. إصداران للأطفال لحمدان الجبيلي    وزير الخارجية يجري في أديس أبابا لقاءات مع قيادات مفوضية الاتحاد الإفريقي وعدد من نظرائه من الدول الافريقية    الباحثة نجوى شنيتي.. حكمة الحبّ في استعادة «الآخَر» من براثن التشييء المعاصر    عيوب الضيافة اللغوية في المجتمع التونسي    تعزيز التعاون الثقافي وتطوير الشراكات الثنائية محور لقاء وزيرة الشؤون الثقافية بسفيرة الهند في تونس    الإطاحة بمُنفذي "براكاج" لطالب أمام مبيت منفلوري..وهذه التفاصيل..    "أنقذتني الكتابة" ثلاث مرات من موت روحي محقق ...!!.    الشروع في تركيز قسم للدراسات العربية الإسلامية في الأكاديمية المكسيكية برئاسة الاكاديمي رضا مامي    الدكتور الهاشمي الوزير يُكرّم بوسام الاستحقاق الوطني الفرنسي    "المعارضة النقابية" تدعو إلى مؤتمر وطني استثنائي لإصلاح اتحاد الشغل واستعادة الثقة    أثرياء العالم يغادرون أوطانهم...إلى أين؟    عاجل: لأول مرة... صبري اللموشي يوضح حقيقة الأخبار المتداولة حول رفضه اللعب مع المنتخب سنة 1994    عاجل/ مستجدات محاكمة عبير موسي في هذه القضية..    عاجل-فلكياً: رمضان فيه 29 يوماً من الصيام كيفاش؟    عاجل: وفاة بوبكر بن جراد أحد أعمدة الكرة التونسية    كيفاش تحضّر بدنك لمن غير تعب؟ خطوات عملية لكل يوم    تونس: السجن ل 3 أشخاص حوّلوا البريد لأداة تهريب المخدّرات!    رئيس مدير عام لمركز النهوض بالصادرات: ''تونس تفرض قيمتها في اليابان.. حضور قوي في أوساكا 2025''    341 مخالفة اقتصادية خلال شهر جانفي بهذه الولاية..    عاجل : وفاة ممثل تركي مشهور عن عمر 45 عامًا    عاجل/ عقوبات تصل الى السجن وخطايا ثقيلة ضد مرتكبي هذه المخالفات..    طبيب تونسي: الجراحة الروبوتية تُقلّل من النزيف والألم بعد العملية    مفاجأة بعد أسبوع واحد فقط من تقليل الملح.. هذا ما يحدث لضغط دمك..!    لجنة الصحة بالبرلمان تستمع لجهات المبادرة في مقترحات تشريعية تتعلق بذوي الإعاقة وإدماجهم    الدفعة الأخيرة من وثائق إبستين تكشف علاقة شخصية وثيقة مع مستشار ترامب ستيف بانون    بطولة بو الفرنسية للتنس: معز الشرقي يتأهل إلى الدور ثمن النهائي    بالفيديو: وزارة الأسرة والمرأة للتوانسة ''4 لاءات قولهم لصغيرك''    عيد الحب 2026: سؤال من 6 كلمات لازم تسألوا    الدجاج يسيطر على طاولة التوانسة: إرتفاع الاستهلاك ب 50 %    رمضان 2026.. هذه أهم المسلسلات اللى يستنى فاها التونسي    عاجل: إمكانية اسناد اللون البرتقالي التحذيري لهذه المناطق    فاجعة: كلب مسعور يمزق أجساد 13 شخصاً..!    عاجل: الإدارة الوطنية للتحكيم تكشف حقيقة لقطة هدف الافريقي    عاجل/ من بينها نفوق 200 الف دجاجة: أرقام مفزعة لخسائر الفراولة والماشية بعد فيضانات جانفي بنابل..    عاجل/ تونس تحت تأثير منخفض جوي جديد..أمطار وانخفاض حاد في الحرارة..    كاس ألمانيا: فرايبورغ يتأهل للمربع الذهبي على حساب هرتا برلين    مداهمات أمنية تُطيح بشبكات ترويج مخدرات بالوسط المدرسي بسيدي حسين    الطقس اليوم.. أمطار متفرّقة ورعدية تشمل هذه المناطق..#خبر_عاجل    رئيس هذه الدولة يُعلن نجاته من محاولة اغتيال..شكون؟    تعزيز مقاربة "الصحة الواحدة" بين تونس ومؤسسة ميريو الفرنسية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في ذكرى تأسيس حركة النّهضة : الحلقة الثّانية

تمرّ هذه الأيّام الذّكرى السّابعة والعشرون لإعلان حركة النّهضة التّونسيّة، ويعتبر ذلك الحدث نقطة تحوّل كبرى وبداية منعرج خطير لمشروع الحركة الإسلاميّة التّونسيّة ترك ظلاله على مسيرتها منذ ذلك الإعلان.
ومن مبدأ المسؤوليّة والقيام بواجب النّصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولعموم المسلمين وخاصّتهم، وحرصا على وحدة عقيدة التّونسيّين ومنهجهم، وتحريرا لدينهم من التّجاذب والتّوظيف، وترسيخا لقيمة حقّ الاختلاف وقطعا مع التّعصّب والجمود والانغلاق، وإسهاما في إصلاح جذريّ، وإقامة الحجّة والاعذار حتّى تعلم الأجيال حقائق الأمور، وتستفيد الصّحوة الجديدة من سابقتها لأنّ كلّ تجربة هي من مواطن حقّ امتلاك النّاس جميعا: معرفة واستفادة.
سبب الإعلان:
لقد كان السّبب الحقيقيّ للإعلان عن حركة النّهضة في 06/06/1981 أمنيّا بحتا وسبقا انتحاريّا لمعالجة كارثة ترك محفظة ملغومة تحتوي على وثائق هامّة و خطيرة تكشف عن تنظيم إسلاميّ سرّي تركها قياديّان في سيّارة أجرة.1
إنّ الإعلان الذي اختطَف الحركة وحبسها في عالم السّياسة و يُحتفل به كأنّه إنجاز ضخم ما هو في حقيقة الأمر إلاّ تسوية مؤقّتة لورطة تنظيميّة وتعبيرة صادقة عن هروب إلى الأمام دون قدرة على الرّجوع عنه، وتجسيدا للفوضى و التّحرّك العشوائيّ وتأسيسا للمغامرة وردود الفعل المتسرّعة والمتشنّجة لمعالجة الأخطاء، ذلك أنّ الإعلان قبل حادثة الانكشاف الذي وقع في 05/12/1980 لم يكن في ذهن أحد من أبناء الحركة أبدا، ولم يقفز إلى الأذهان إلاّ بعد حصول تلك الكارثة.
فالإعلان إذن لم يتّخذ أبدا ضمن خطّة مدروسة ولا إستراتيجيّة منتظمة، لقد كان شبه ترس وقاية أو قرص"أسبيرين" مسكّن لزلزال تنظيميّ، بل جاء قفزة رياضيّة في غير محلّها كما عبّر عن ذلك رئيس الحركة " اعمل طيحة بتكربيصة "2 وهذا التّفسير وحده يكشف ودون تجنّي عن فقدان التّوازن الذّاتي للحركة و تخبّطها بالهرولة والانجرار أمام الهزائم الميدانيّة الجليّة.
إنّ الإعلان ما هو في الحقيقة إلاّ حركة إنقاذ قيادة لم تتحمّل مسؤوليّتها كاملة في هزيمة تنظيميّة ففرّت إلى الأمام وقفزت في المجهول وطالبت بالمستحيل، كما يكشف بعمق أنّ الحركة لا تختار وهي حرّة، ولا تضبط سياساتها وخياراتها من خلال أجندتها بل هي تلاحق تبعات أخطائها.
لقد كان وراء الإعلان إملاءات حادّة: نفسية وأمنيّة تطلّبت وألحّت على إيجاد حلّ مسابقة للزّمن وهروبا من الواقع العقيم، فتعطّلت إرادة الحركة وشلّت حركتها، و في غياب عن الرّؤية المستقبليّة الواضحة، فرض على القوم التّداوي بالدّاء، أو بما يعبّر عنه بكلّ دقّة
قول العربيّ المفلس: اليوم خمر وغدا أمر!
وعليه، نؤكّد أنّ الذي قرّر الإعلان هو الاستسلام لقدر الأخطاء أو قل لتبرير العجز التّنظيميّ فخرجت الحركة من كهف العمل السّرّيّ إلى دوّامات العمل السّياسيّ وهي بلا شكّ أشدّ تعقيدا وتشابكا ومخاطرة. هذا وقد يكون لهذا الإعلان القسري والانزلاق نحو العمل السّياسي عوامل ذاتيّة لبعض القيادات المسؤولة عن ذلك الانكشاف.
ولأنّ الإعلان قام في زمن ساده الارتباك والتخوّف من حملة أمنيّة نوعيّة شرسة منتظرة، فاتّخذ في ظرف خفّة وطيش لما صاحبته ظروف المشوّشات، فهو بالتّالي لم يؤسّس في ظروف طبيعيّة، ولم يولد ولادة شرعيّة، ولأنّه لم يبن على هدوء وعمق ورويّة، فقد كان فاتحة طريق إلى ما بعده من كوارث الغرور والإعجاب بالكثرة والتّسرّع والتّخلّي عن العمل التّربويّ والدّعويّ عبر الدّخول الواسع في العمل السّياسي والزّجّ بالحركة في المواجهات و المغامرات السّياسيّة والأمنيّة. كلّ ذلك في تقديري كان سببه المباشر الإعلان الذي أغرى بعض متعجّلي قيادة النّهضة إلى نزاع السّلطة في الحكم.
لقد ذقنا علقم ذلك الإعلان وما تبعه من مظالم ولا نزال، ولئن كان الاحتماء به مفهوما لدفع حرج ورفع مشقّة في ظرف ما، فهو لا يدلّ على صوابه وحجّيّته على الدّوام وفي كلّ حال، فما أبيح استثناء وترخّصا لا يصير أصلا وعزيمة، وما أبيح تقديرا للضّرورة التي لها أحكامها وآثارها يمنع أن يكون شرعا أو قانونا، وما كان قدرا تاريخيّا لا يصحّ أن يكون صيرورة حتميّة أو أن تفرض علينا الضّرورة فتصير قدرا شرعيّا.
لقد كان ذلك الإعلان منعرجا خطيرا طيّش كلّ المشروع الإسلاميّ وحطّمه، كما كان مشقّة على أفراده خاصّة وعلى الشّعب عامّة، وعلى الذين سبّبوا في هذه الكوارث أن يدركوا تلك الحقيقة، وفي الحديث "إنّ شرّ الرّعاء الحطمة"3، و«الرّعاء» جمع راع، وهو كلّ من يدبّر أمور المسلمين، و«الحطمة» الذي يشقّ عليهم فيحطمهم.
الخروج من مآزق حركة النّهضة
إنّه وإن كان يُحمد لبعض الإخوة الذين قرأنا لهم من الدّاخل وهم يدعون إلى مراجعات جادّة تقوم على المصارحة والمكاشفة، غير أنّهم مدعّوون في نفس الوقت أن يضعوا أصابعهم على الدّمامل التي استشرت في جسم الحركة ودمّرتها حتّى صارت ورما خبيثا يستحيل السّيطرة عليه، وإن أردنا مراجعة جذريّة مسؤولة وجريئة وجادّة ونوعيّة تبرئ ذمّتنا فلا بدّ من طرح مسائلنا بشكل صريح وعميق ومفصّل.
وإنّ من أكبر هذه الدّمامل وأهمّها أنّ بعض أفراد في قيادة حركة النّهضة مع الأسف الشّديد تمتّعوا بصلاحيّات عليا وبحصانات كبرى فاستهتروا بالمؤسّسات واستصحبوا حال الصّمت والرّخاوة والمساهلة وعدم المساءلة الجادّة والصّارمة لهم رغم مسؤوليّتهم القانونيّة والأخلاقيّة عن كلّ الكوارث، حتّى صار ذلك عرفا يدار به ذلك الجهاز، وتشريعا تسير به تلك المؤسّسة، لأنّها فرّطت في المحاسبة وبالغت في المجاملة وتمشية الحال.
كا يجب أن نقرّر كذلك ولا ننكر أنّ جوهر الخلل في حركة
النّهضة الأساسي هو القيادة، ومع الأسف الشّديد فلا يزال البعض يعتبرون القيادة الحاليّة هي طوق النّجاة في حين أنّها هي المشكلة الأبرز وليست هي الحلّ أبدا، وهذه الحقيقة هي التي أوجدت مرضا غريبا داخل جسم الحركة، أفرز إشكالا قاتلا و هو المجاملة وتمشية الحال، وعدم محاسبة الذين صنعوا الكوارث وتسبّبوا في الخسائر العظمى، ولا يزالون، وقد أشعلوا حروبا ثمّ خرجوا من البلاد وتركوا إخوانهم وأهاليهم يدفعون فاتورة ثقيلة من الاضطهاد، فجرى عليهم من إذلال السّجن والتّجويع والانتقام والتّشريد والإهانة، ثمّ يواصل هؤلاء القادة يحملون أثقالا على أثقالهم ويتحمّلون الأمانة الثّقيلة ويصرّون على التّشبّث بالمسؤوليّة وينازعون عنها ويحيطون أنفسهم ببطانة ضعيفة طامحة متلوّنة، إذا كانوا معه ألبسوه ألبسة الزّعماء المنقذين، وإذا خرجوا من عنده قالوا غير ذلك! و هذه هي عمق أزمة حركة النّهضة المجاملات وتلوّن الوجوه، هذه هي الكارثة الكبرى، فما عسى أن يقول هؤلاء لربّهم يوم يسأل الصّادقين المُتْقِنين المشفقين عن صدقهم، فكيف يأمن المسيء المخلّط الجريء؟
لقد أصيبت تلك الحركة بأعظم مقتل يصيب الجماعات، حين أهملت محاسبة المتسبّبين في كوارثها واستسلمت أمام كبارها واستسهلت الأخطار وأغمضت أعينها ومشّت الأحوال وآتّكلت على العفو فأمن الزّعماء وآستصحبوا الأحوال وتمرّدوا على الحركة فعسر عليها كبحهم وإفطامهم فاختطفوها وأَورَدوها والبلادَ والعبادَ إلى المآزق، ورحم الله ابن القيّم وهو يتحدّث عن إهمال المحاسبة: "أضرّ ما على المكلّف الإهمال وترك المحاسبة، والاسترسال، وتسهيل الأمور وتمشيتها؛ فإنّ هذا يؤُول به إلى الهلاك، وهذا حال أهل الغرور: يغمض عينيه عن العواقب، ويمشّي الحال، ويتّكل على العفو، فيهمل محاسبة نفسه والنّظر في العاقبة، وإذا فعل ذلك سهل عليه مواقعة الذّنوب، وأنسَ بها، وعسر عليه فطامها"4.
إنّه لا بدّ من محاسبة الذين تسبّبوا في الكوارث الكبرى للحركة: من مثل انكشاف 05 / 12/ 1980 الذي سبّب في الإعلان، و كشف أرشيف الحركة في منطقة الزّهروني سنة 1986، و مغامرة08 /11 /1987 و أحداث باب سويقة، و تجاوز مقرّرات مجلس الشّورى في انتخابات 1989 و مخطّطات 1990، وغيرها كثير؟؟؟ هؤلاء هم الذين كانوا السّبب المباشر في إنزال كوارث متعدّدة ومتكرّرة على شعبنا البريء وعلى الحركة وعلى القاعدة العريضة التي خاب أملها في قيادة أعطتها ثقتها المطلقة ومدّتها بكلّ ما تملك.
ولأنّ تلك القيادة سبّبت في أضرار عظيمة لديننا ولشعبنا، فمطلوب من الحركة إن أرادت لها شرعيّة ومصداقيّة ومستقبلا أن تحاسب أولئك، وهي مطالبة كذلك كما السّلطة تماما بردّ الحقوق إلى المتضرّرين من شعبنا، ومن لم يبادر من الطّرفين إلى ردّ الحقوق إلى أهلها في الدّنيا، بقيت عليه التّبعة والمؤاخذة يوم العرض الأكبر لقاعدة "من أقدم على اعتداء ضمن ضمان المتعدي بالجملة" ولقول المشرّع العادل:"لتؤدّنّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة"5. ولقاعدة "الاضطرار لا يبطل حقّ الغير" ذكرها عزّ الدّين بن عبد السّلام في "قواعد الأحكام" والقرافي في"الفروق" والسّيوطي في"الأشباه والنّظائر"وابن رجب الحنبلي في"القواعد".
وإن قلت لي أيّها القارئ الفطن إنّ القوم اجتهدوا وتأوّلوا، أقول لك: لقد تأوّل بعض الصّحابة واجتهدوا وهو أهل لذلك فلم يشفع لهم ذلك في شيء، لأنّ الخطأ والتّأوّل لا يسقط حقّ الغير، ولذلك دعا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على من أفتى جريحا جنبا بالغسل فمات، كما دفع دية الرّجل الذي أخطأ أسامة بن زيد في قتله، كما دفع صلّى الله عليه وسلّم ديات بني جذيمة الذين أخطأ خالد بن الوليد في قتلهم، وفيها قال النّبي ّصلّى الله عليه وسلّم:"اللّهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد".
لقد ضعف إحساس بعض النّاس مع الأسف الشّديد بثقل الأمانة وبخفّة الذّنوب حيث يأتي بعضهم بالموبقات يرونها أدقّ في أعينهم من الشّعر، ويرونه اجتهادا يؤجرون عليه ولو قذفوا بالعباد إلى البؤس والبلاد إلى البأس.
أقول هذا لتستفيد الصّحوة، حتّى لا تقبل بمسؤولين لم تتمثّل فيهم الشّروط الشّرعيّة للقيادة، ولتعلم أنّ خيبة الجماعة من أمرائها، وأن لا تثق ثقة عمياء في مسؤول، وأن لا تجامل في الحقّ، ولا تداهن في باطل، ومن أخطأ يحاسب دون نظر إلى سابقة أو صدق أو حسن نيّة. وليكن لهم في سير السّلف خير منهج في المحاسبة والمراقبة.
أقول هذا حتّى لا تقدم الصّحوة على عمل قبل أن تنظر حكم اللّه تعالى فيه، ثمّ تتبصّر في آثاره وعواقبه، ولتتجنّب المغامرات، ولتعلم أنّ النّظر في مآلات الأفعال معتبر شرعا، فما أدّى إلى فساد فهو فاسد ولو كان القصد حسنا والنّيّة صالحة، والفساد ممنوع باتّفاق الشّرائع والعقول السّليمة. ورحم الله امرءًا عرف قدر نفسه إذ" لا ينبغي للمؤمن أن يذلّ نفسه! قالوا: وكيف يذلّ نفسه؟ قال: يتعرّض من البلاء لما لا يطيق"6. ورحم الله تعالى ذلك الجيل الذي كان يراجع نفسه ويحاسبها في أدقّ الأمور، حتّى حكى الغزالي في"الإحياء" أنّ أبا بكر الصّدّيق قال لعائشة رضي الله عنهما عند موته:"ما أحدٌ من النّاس أحبّ إليّ من عمر" ثمّ قال لها:"كيف قلتُ؟" فأعادت عليه ما قال، فقال:"ما أحدٌ أعزّ عليّ من عمر"!! يقول الغزالي:"فانظر كيف نظر بعد الفراغ من الكلمة فتدبّرها وأبدلها بكلمة غيرها"، قلت: فما بال الكثير منّا لا يسيء الظنّ بنفسه ولا يميّز النّعمة من الفتنة فثقلت سجلاّته بطيش الكلام وبفوضى الأعمال وهو بارد القلب مطمئنّ النّفس مستوثق خفّة الحساب ورضاء الرّبّ وكأنّه علم مقعده من الجنّة.
لقد قلّ العلم والورع والدّيانة في كثير ممّن ينتصب لقيادة الصّحوة، من أجل ذلك فهي مطالبة بتزكية النّفس من الحظوظ وتطهيرها من الأطماع وإصلاحها وإلزامها أمْر الله عزّ وجلّ.
إنّها دعوة لمن يتحمّل أمانة في الصّحوة أن يتّقوا الله عزّ وجلّ ويتّقوا الله في أنفسكم ويتقّوا الله في دينهم ويتّقوا الله في وطنهم ويتّقوا الله في شعبهم.
إنّها دعوة إلى أن نُحاسِب أنفسنا قبل أن نُحاسَب، وأن نؤطّر بعضنا
على الحقّ أطراً، "فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خفّ في القيامة حسابُه، وحَضَرَ عند السّؤال جوابُه، وحسُن منقلبُه ومآبُه. ومن لم يحاسب نفسَه قبل الحساب الأكبر دامت حسراتُه، وطالت في عرصات القيامة وقفاتُه، وقادته إلى الخزي والمقت سيّئاتُه"7. ومن أراد أن يخفّ حسابه غدا فليحاسب نفسه في الدّنيا، وإنّما شُقَّ الحسابُ يومَ القيامة على قوم لم يحاسَبوا في الدّنيا.
ليعلم الذين يعملون للإسلام أنّ المصائب التي يقعون فيها بسبب أخطائهم لا بدّ أن تدعوهم إلى التّوبة والمراجعة ولمزيد المصالحة مع المنهج الثّابت الأصيل، هذا هو منهج القرآن الكريم ولمثل يدعونا الحقّ تبارك وتعالى: "فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا" 8 وقال: "فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ"9، "إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ" 10وقال مندّدا بمن لم يفهم ذلك القانون:"وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ"11. هذا هو القرآن المحكم الواجب الإحتكام إليه، ومن قال بخلاف ذلك فليأتني بقرآن غير هذا، ومن لم يسلّم للمنهج القرآنيّ القطعي الثّبوت والدّلالة، فقد آبتدع في الدّين وكلّ بدعة ضلالة، وفي الصّحيح"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ" وفي الصّحيحين "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ"...
الجمعة 01/06/1429ه الموافق06/06/2008.
1 اقرأ مقالي "قصّة الإعلان".
2 مثل تونسي يفيد حوّل السّقطة إلى قفزة. أنظر كتاب حركة الاتّجاه الإسلامي في تونس3/140.
3 صحيح مسلم رقم 3411 ومسند الإمام أحمد رقم 19719.
4 إغاثة اللهفان ص82.
5 مسلم رقم2582.
6 سنن التّرمذي رقم 2180، و سنن ابن ماجه رقم 4006.
الإحياء 4/118. 7
8 الأنعام 43.
9 الأنعام 42
10 الأعراف94.
11 المؤمنون 76.
@@@@@@@@@@@@@


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.