مناوشات حي الانس بساقية الزيت: مراد التركي يوضح    النهضة تدين ممارسات عبير موسي    نابل: تحسن في المؤشرات السياحية وأغلب المؤسسات السياحية فتحت أبوابها    سيدي بوزيد: تسجيل 6 وفيات و 46 إصابة جديدة بفيروس كورونا مقابل 53 حالة شفاء    الرئاسة تشرف على معرض صفاقس    سيدي بوزيد..القطاع يغرق والدولة غائبةمربّو «الدواجن» ضحايا سطوة «الحيتان الكبيرة»    قيس سعيّد يزور إيطاليا    خطير منوشات دامية بين 700 افريقي وسكان حي الانس بصفاقس (بالصور)    عدد الوفيات وعدد الإصابات.. تحيين الحالة الوبائية في تونس    القصرين: النيابة العمومية تأذن بالاحتفاظ برئيس بلدية جدليان بتهمة محاولة القتل العمد والإضرار بملك الغير    نور شيبة: "نقابة الفنانين التونسيين لم تقبل مطلب إستقالتي"    مكتب المجلس يصدر قرارا خاصا بالنقل المباشر لاجتماعاته عبر الهاتف الجوّال    تأييد أحكام إعدام 12 من الأعضاء البارزين بالإخوان المسلمين في مصر    نفتالي بينيت...أول زعيم حزب يميني ديني متشدد يتولى رئاسة الحكومة في تاريخ إسرائيل    ماذا في برمجة المعرض الوطني للكتاب التونسي؟    فصائل المقاومة الفلسطينية في بيان شديد اللهجة: اصرار الصهاينة على تنفيذ "مسيرة الأعلام" سيفجر المنطقة    سيدي بوزيد: ارتفاع عدد رؤوس الأغنام المخصصة لعيد الاضحى إلى 313 ألف رأس    سيدي بوزيد: الوالي يعلن تمديد العمل بالإجراءات الوقائية الخاصة بمجابهة فيروس "كورونا"    المفوضية السامية لحقوق الإنسان: الأمن التونسي ارتكب انتهاكات جسيمة    وزير التربية: مضامين الامتحانات ستتمحور حول البرامج المخففة التي تم اعتمادها للسنة الدراسية الحالية    بدر الدين القمّودي:"ما فعله وزير الماليّة هو هروب غير مبرّر"    وزارة الشوون الدينية تعلن عن ارجاء موسم الحج الى السنة القادمة    معركة بين عدد من الشباب تخلّف جريمة قتل.. وهذه التفاصيل    منذر الكبير "نسعى الى انهاء التربص باداء يليق بمستوى اللاعبين"    رئيس الجمهورية يضع الدورة 55 للمعرض تحت سامي إشرافه    فتحي السلاوتي: الوزارة ستلاحق قضائيا كل مترشح لامتحان الباكالوريا بصفة فردية يتورط في محاولة الغش    الصحبي عمر يقدّم مسرحية "المندرة" يوم 19 جوان بقاعة الفن الرابع    إحباط عشر عمليات هجرة سرية وانقاذ 433 مجتازا من الغرق    نابل :توافد 20 ألف سائح على منطقتي نابل و الحمامات و تحسن المؤشرات السياحية    بعد محاولته دهس شقيقه بسيارة البلدية: إلقاء القبض على رئيس بلدية جدليان..    وفيات كورونا حول العالم تبلغ 3.8 مليون وفاة..وهذا ترتيب الدول الاكثر تضررا..    الوضع الوبائي بمختلف الولايات: الاثنين 14 جوان 2021    محمد الشرفي في ذمة الله    الجديد...في باكالوريا 2021    منتصر الطالبي قريب من الانتقال لنادي اودينيزي الايطالي    مباريات اليوم الاثنين والنقل التلفزي    اول ايام كوبا امريكا: البرازيل تنتصر وكولومبيا تنسج على منوالها    هام-سيجتازها أكثر من 146 الف تلميذ: روزنامة امتحانات البكالوريا وموعد الاعلان عن النتائج..    وزارة الشؤون الدينية تعلن عن تأجيل الحجّ إلى السنة القادمة    الناتو: مهاجمة المركبات الفضائية أو تنفيذ هجمات من الفضاء سيؤدي إلى رد فعل جماعي    سقوط بقايا الطابق الثاني من الصاروخ الصيني التائه في منطقة حدودية بين الهند وبنغلاداش    أمل بوشمة ..قلة الأموال قضت على الآمال    كوكتال الويكاند على أثير إذاعة صفاقس تسلط الضوء على الدورة 55 لمعرض صفاقس الدّولي    البرازيل تفتتح كوبا أمريكا بالفوز 3-صفر على فنزويلا    كان مسلحا بسكين وعبوة غاز مشل للحركة ...الاطاحة بمجرم خطير محل 10 مناشير تفتيش    انس جابر تصعد الى المركز 24 في التصنيف العالمي الجديد للاعبات التنس المحترفات    مزغيش حول نقل القروي للمستشفى: "لا يُمكننا إعلام عائلات 22 ألف سجين..الإعلام يكون في الحالات الحرجة''    كرة السلة (دورة اينيرغا كاب) - المنتخب التونسي ينقاد الى خسارة ثانية امام نظيره المكسيكي    الوردانين تؤسس ملتقى الأبداع والفكر    الكورونا    أولا وأخيرا....إلى متى ستبقى الحيّات حية في تونس؟    محمّد الحبيب السلامي وتلميذ الامام مالك    غلق محوّل وذرف/المطويّة لمدّة 15 يوما انطلاقا من منتصف ليل الإثنين    الشركة الوطنية لتوزيع البترول "عجيل " تحتكر 40 بالمائة من حصة السوق المحلية    تونس تستقبل أكثر من 350 رحلة سياحية خلال شهر جوان    الشاعر العراقي سعدي يوسف في ذمّة الله    نزاهة القضاء سبيل لاستقرار المجتمع وتقدمه    العدل أساس العمران    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





هل يتجه العالم نحو نظام دولي متعدد الأقطاب ؟
نشر في الوسط التونسية يوم 30 - 08 - 2008

من مضاعفات و تداعيات حرب القوقاز البعيدة المدى على علاقات روسيا بكل الجمهوريات السوفياتية السابقة وبالغرب، أن الرئيس الأميركي المقبل سيرث عالما مختلفا جدا عن العالم الذي ورثه جورج بوش، سياسيا واستراتيجيا واقتصاديا. وروسيا اليوم غير روسيا الضعيفة قبل عشر سنين والصعود التدريجي لنفوذ موسكو في حقبة فلاديمير بوتين، المدعوم بعائدات النفط والغاز الكبيرة، يعني ان روسيا ستكون قادرة أكثر من أي وقت مضى منذ انهيار الاتحاد السوفياتي على وقف المد الغربي عبر توسيع حلف شمال الأطلسي في منطقة نفوذها التقليدية في القوقاز وأوروبا الوسطى. كما أن ارتفاع أسعار الطاقة سيعزز نفوذ دول نفطية أخرى تسعى إلى تحديد نفوذ واشنطن في مناطقها مثل إيران وفنزويلا.
عقب نهاية الحرب الباردة، وانفجار الاتحاد السوفياتي ثم موته، تمت إعادة بناء العولمة الرأسمالية الليبرالية تحت حماية و هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية ،إذ سعت هذه الأخيرة إلى إعادة بناء "النظام الدولي الجديد" في نطاق هذه العولمة ،و على شاكلتها و مثالها ، و المستند إلى إيديولوجية الليبرالية الأمريكية الجديدة التي أفرزتها الثورة المحافظة في الغرب بقيادة ريغان ، تاتشر، وبوش، التي تهدف إلى قتل الإنسان في عالم الجنوب، في تناقض كلي مع الايديولوجية الليبرالية الكلاسيكية الأوروبية المنبثقة من الثورة الديمقراطية البرجوازية التي تهدف إلى تحرير الإنسان سياسيا و حقوقيا.
وفي الواقع ،مع بداية القرن الحادي و العشرين ، و على نقيض النبوءات الساذجة لفرانسيس فوكوياما عقب انهيار جدار برلين ، و نهاية الحرب الباردة عام 1989،ظل النظام الدولي غير متجانس، أي أن "الدول هي منظمة حسب مبادىء أخرى، وتتبنى قيما متناقضة".
ومنذ أن فرضت الولايات المتحدة الأمريكية هيمنتها بإطلاقية على النظام الدولي الجديد أحادي القطبية، على الأقل مؤقتا، فرضت قناعة على حكومات العالم وشعوبه بدور حكومة الولايات المتحدة الأمريكية في فرض الآلية الجديدة للنظام الدولي الذي تريد فرضه في الشرق الأوسط، من خلال مواجهة العراق بقوى دولية واسعة وقوية بهدف تدميره.وتقدم لنا في منطقة الشرق الأوسط أحداث العراق الدامية، منذ ما يقارب خمس سنوات من الاحتلال الأمريكي لهذا البلد ،صورة مسبقة عما سيكونه مستوى العنف فيما إذا قيض للإمبراطورية الأمريكية أن تصطدم بإيران الطامحة إلى امتلاك السلاح النووي، و اندلاع حرب إقليمية ذات بعد عالمي يكون مسرحها الشرق الأوسط.
في العراق كانت الاستراتيجية الأمريكية تقوم على تحقيق النصرو إقامة ديمقراطية تعتبر نموذجا يحتذى بها في عموم الشرق الأوسط.و النصر الذي يقصده الأميركيون يتمثل في عراق موحد وديموقراطي وعلماني، ومقاومته مهزومة من جانب الأميركيين وبمساعدة الجيش العراقي الجديد الموثوق الذي بنته الولايات المتحدة!بيد أن الحقائق على الأرض تؤكد أن القوات الأميركية الحالية (والتي يوشك بعضها أن ينسحب)، لا تستطيع أن تهزم المقاومة..
وهكذا بتنا اليوم نحتاج إلى استرتيجية أمريكية جديدة للخروج من العراق بعد إخفاق استراتيجية النصر التي اعتمدتها إدارة بوش المستوحية فلسفتها في إدارة الأزمات الدولية والإقليمية من إيديولوجية المحافظين الجدد. فقد اعتمد هؤلاء الحرب الاستباقية مذهبا ً لهم ،في ظل نشوة انتصارالولايات المتحدة الأمريكية عندما انهارت الشيوعية في العام 1989، وصدقت ان العالم تغير جذرياً تغيراً لا رجعة فيه، وافترضت أن التاريخ ذاته انتهى، وأن العولمة الرأسمالية الديموقراطية انتصرت إذ استطاعت الإجابة عن كل الأسئلة الكبرى، و أنها باتت القائد بلا منازع للنظام العالمي الجديد أحادي القطبية، و أن الناس العائشين في ظله ، سيستكينون إلى اهتمامات دنيوية: بعضهم سيعمد إلى جمع الثروات، وبعضهم الآخر سيلجأ للاستهلاك.
ويشكل الملف النووي الإيراني تحديا ً جديدا ً للنظام العالمي الجديد أحادي القطبية ، إذ إنه حتى لو نجحت الولايات المتحدة في فرض عقوبات على إيران لا تضر بالفعل بالأعمال النووية الإيرانية، بل تضر بالشعوب الإيرانية ، فإن هذ ا سيزيد من تقوية حدة العداء لأمريكا. . ويرتكب الغرب خطأ جسيما ، إذا اعتقد أن الشعوب الإيرانية هي الآن ناضجة لكي ترتمي في أحضان الغرب. إن امتلاك التكنولوجيا النووية أصبح شعارا وطنيا، زد على ذلك البلد محاط بدول تمتلك أسلحة نووية(إسرائيل ،الهند ، باكستان). ويعتقد المخططون الاستراتيجيون في طهران أن الولايات المتحدة الأمريكية أضحت ضعيفة منذ مغامرتها العسكرية في العراق.فهم لا يخشون هجوما عسكريا أمريكيا أو إسرائيليا، يمكن أن يتحول إلى فشل ذريع، و لاعقوبات اقتصادية ، تتطلب فعاليتها تشكل جبهة عالمية داخل الأمم المتحدة.
بشكل عام خفف الرئيس جورج بوش كثيراً من الغطرسة التي طبعت ولايته الأولى، وهذا عائد إلى تزايد الإنتقادات الأمريكية الداخلية من جانب الحزب الديمقراطي، و الصحافة الأمريكية لسياسته الخارجية،التي تستبعد الحلفاء والشركاء، وتسعى جاهدة إلى إعادة تشكيل العالم وفق الرؤية الأحادية القطبية.و الولايات المتحدة الأمريكية لا تعاني من مأزق في العراق أو افغانستان فحسب، بل إن التطورات التي أسفرت عنها العملية الانتخابية في أمريكا اللاتينية ، مسألة جديرة بالاهتمام،إذ إن اليسار هو الذي يحقق انتصارات في الانتخابات، و هذا من دون شك يعزز المحور المناهض للولايات المتحدة الأمريكية في القارةالجنوبية.
فالولايات المتحدة الأمريكية تلقت ضربات موجعة في حديقتها الخلفية مع مجيء رؤساء يساريين في بلدان أمريكا اللاتينية ، أمثال الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز، الذي يقدما خطاباً شعبوياً و كاسترياً مناهضاً للامبريالية - و الذي أعطاه الريع النفطي سلطات لم يستطع أن يحلم بها أبداً فيديل كاستر-،والبرازيلي لويس لولا دا سيلفا، والاورغواني تابار فاسكويز، والارجنتيني نيستور كريشنر، والبوليفي إيفو موراليس، و التشيلية الاشتراكيةميشال باشليه..
ومنذ الغزو الأميركي للعراق،ما انفكت بعض الدول الأوروبية، ، تنادي بعالم متعدد الأقطاب لمواجهة العالم الأحادي القطبية العزيز على قلب جورج بوش. إن أوروبا الممسوكة بقوة من قبل المحور الألماني – الفرنسي، أصبحت أحد الأقطاب الرئيسيين لهذا العالم المتعدد، يكشف على ذلك الصراع التنافسي الذي تخوضه مع الولايات المتحدة الأمريكية على مسرح الشرق الأوسط ، و إفريقيا.
نحن الآن لسنا في زمن تواجه فيه الولايات المتحدة الأمريكية تحديا ً مفتوحا ً مباشراً، كما كان في الحقبة السوفياتية ، أو في عهد الجنرال ديغول و المحور الألماني – الفرنسي لمدة ربع قرن تقريبا. و إذا كان العالم لم يعد أحادي القطبية ، فإن هذا لايعني أنه أصبح متعدد الأقطاب.ولكن أليس هو في الطريق لكي يصبح ثنائي القطبية؟
وحدها الصين الآن ، التي أصبحت القوة الاقتصادية الرابعة في العالم، تمتلك الوسائل الكافية لمنافسة الولايات المتحدة الأمريكية التي تخلت عن هديها إلى الديمقراطية. فمسألة تايوان ، و الميزانية العسكرية الضخمة للصين ، وقدرة الصواريخ الصينية العابرة للقارات على تهديد نيويورك، ،هذه المسائل مجتمعة تمنع من أن يكون قرار السلام في هذه المنطقة من العالم حكرا ً على الولايات المتحدة الأمريكية بمفردها.
الصين أيضا تشكل قلقاً، لأنها مستمرة في تعزيز تحالفاتها الإقليمية، مع المناداة بطريقة ذكية ببناء تدريجي لنظام دولي "متوافق ". بيد أن التوافق لا يعني الإنسجام . و في الواقع العملي تستمر بكين في بسط شبكة نفوذها لتخفيض تبعيتها في مجال الطاقة، وهي تتقاسم مع موسكو الهدف عينه،لجهة قضم التواجد الأمريكي الذي تطورفي آسيا الوسطى بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.
وهكذا، هل نخشى فعليا من رؤية تزايد عدم تجانس النظام الدولي ،بدلا من أن يتناقص. من هنالك نستنتج العودة إلى نوع من حرب باردة جديدة. في الوقت الحاضر ، تتبع الصين و روسيا نهجا ديغوليا في السياسية الدولية (الاستقلال الوطني)و لكنه مجرد من كل محتوى إيديولوجي، على نقيض الحرب الباردة التاريخية.كل هذه التناقضات متجسدة حاليا بشأن إيران، وحرب القوقاز الأخيرة.
لا روسيا ، و لا الصين ، تريدان مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية و أوروبا،فضلا عن أنهما لا تعتقدان أنهما تحققان مكسبا استراتيجيا في حال امتلاك إيران السلاح النووي. بيد أن روسيا و الصين تريدان إقامة علاقات جيدة مع إيران.
أما على الصعيد العربي فهناك غياب كلي للنظام الإقليمي العربي، الذي لوكان فاعلا، لكان بإمكانه أن يقدم رؤية استقلالية لأزمات المنطقة تخدم مصالح الشعوب العربية في التحررمن السيطرة الأميركية – الصهيونية ، و لاسيمافي سبيل تعزيز نهج المقاومة من أجل تحرير فلسطين ،و تشكيل محور عربي قادر على تقديم مشروع بديل من الاستقطابات الإقليمية و الدولية للبلاد العربية.
وبديهي أن الغياب العربي الآن على المسرح الإقليمي قد أفسح في المجال أمام الآخرين للعب دور إقليمي بارز،ولا سيما تركيا، التي توازي بين انتمائها الأوروبي وهويتها الشرقية وتجاري الاستراتيجية الأميركية مع حرص على التمايز ضمن الخط العام (علاقتها بأميركا تاريخية وهي تدعم انضمامها إلى الأسرة الأوروبية فضلاً عن انتمائها إلى الحلف الأطلسي).
ومن الملاحظ هنا أن الدور الإقليمي لتركيا بات متصادما بحدود معينة مع السياسة الأميركية،إذ رفض البرلمان التركي في الأول من آذار 2003 السماح بعبور القوات الأميركية الأراضي التركية لمهاجمة العراق من الشمال. و في حرب القوقاز الأخيرة ، وجهت تركيا رسالة قوية لواشنطن جاءت على لسان رئيس الجمهورية عبد الله غول في حديث صحافي، عندما قال أن على الولايات المتحدة أن تقاسم قوتها في النظام العالمي الجديد، مشيرا إلى أنه يرى نظاما عالميا متعدد القطب على أنقاض الحروب التي تجري في القوقاز.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.