لم يتوقّع التونسيون أنّ إطلاق إذاعة دينية متخصصة في بثّ سور القرآن الكريم و قصص السيرة النبويّة و برامج الوعظ في ال 13 من سبتمبر من العام 2007 ، ستشفع بتراخيص مماثلة لقنوات دينية أخرى. إذ من المنتظر أن ينطلق البثّ الرسميّ لقناة "حنبعل الفردوس" الخاصة في أول أيام شهر رمضان المقبل، وهي أوّل قناة تلفزيونية دينية في تونس. "حنبعل الفردوس" التي انطلق بثها التجريبي منذ سنة تقريبا، ويقول مسئولوها إنها تنشر " قيم الإسلام الذي يحث على التسامح والتواضع والخلق الحسن ويجافي العنف" ، تنتظر شقيقة لها باسم "الزيتونة" لم يثبُت بعد – رسميا – إطلاقها, إلا أن تسريبات تشير إلى أنّ مالك إذاعة "الزيتونة "، صهر الرئيس التونسي زين العابدين بن علي ورجل الأعمال المعروف صخر الماطري، سيطلق قناة "الزيتونة" خلال أشهر قليلة. "الزيتونة" الأكثر استماعا كانت نتائج استطلاع للرأي أجراه مركز مستقل لقياس الرأي العام و نسبة المشاهدة لدى الجمهور التونسي، مفاجئة بكلّ المقاييس لعدد من المتتبعين، إذ سجلت إذاعة "الزيتونة " الفتية أعلى نسبة استماع مقارنة بسائر الإذاعات التونسية الأخرى، في حين جاءت الإذاعة الرسمية في آخر الترتيب. وحسب مؤسسة "سيغما "الاستشارية التي تقيس نسبة المشاهدة لدى الجمهور التونسي، فإنّ "الزيتونة" تقدّمت على خمس إذاعات أخرى تبث انطلاقا من تونس، وحظيت إذاعة الزيتونة للقرآن الكريم بنسبة استماع بلغت 12.1% من الجمهور، تليها إذاعة "موزاييك" الخاصّة ب11.3%، ثم إذاعة الشباب الرسمية، فإذاعة تونس الدولية الناطقة بالفرنسية، ثم الإذاعة الوطنية الرسمية بنسبة 3.8%، بحسب العيّنة التي شملها الاستطلاع. "تسامح" غير بريء ربما تعجّب إسلاميّو تونس قبل علمانييّها من التسامح المفاجئ الذي أبدته الحكومة التونسية تجاه إسناد تراخيص بثّ لإذاعات وقنوات دينية، خصوصا و أنها البلد المعروف بقانون منع الحجاب وسياسة "تجفيف المنابع على الإرهاب والإرهابيين" و ضرب الحركة الإسلامية في تسعينات القرن الماضي، وما رافقه من جدل من استهداف للدين الإسلاميّ نفسه كما روّج لذلك بعض الإسلاميين ممن غادروا البلاد فرار من الضربة القاسية التي تلقتها حركة "النهضة" المحظورة. وذهبت عدّة قرارات إلى اعتبار أنّ "تغيّرا ما " قد طرأ على تعاطي الحكومة مع الظاهرة الدينية في تونس، فالإسلاميون رحّبوا بالموضوع و إن على حذر شديد. أما النخب العلمانية فلم تخف استيائها من الترخيص للإذاعات الدينية، مع الإشارة إلى أنّ الحكومة لم تمنح تلك التراخيص لغير المقربين. يقول الإعلامي مرسل الكسيبي رئيس تحرير صحيفة "الوسط" ذات التوجه الإسلامي المعتدل في تصريح للقسم العربي لإذاعة هولندا العالمية : " ليس ثمة في اعتقادي تغير مفاجئ في سياسة السلطة تجاه الظاهرة الدينية , كل ما في الأمر هو محاولة متدرجة لاستيعاب جزء من الظاهرة عبر احتوائها في فضاء إعلامي يغلب عليه التناقض الحاد , إذ نجد أنفسنا بين فترة سابقة كان الإعلام فيها أداة من أدوات تجفيف الينابيع عبر مصادرة رؤية الإسلام من ظواهر الكون والحياة , وفترة حالية تجتهد فيها بعض الشخصيات وبعض الأجنحة الناشئة داخل السلطة .., اذ نحن أمام تقاسم أدوار داخل المؤسسة الحاكمة بين جناح قمعي ينشغل بالسياسة والأمن، وبين جناح متدين بيده سلطة المال والإعلام. وبينهما أصحاب نوايا حسنة لا يشكلون تهديدا للائكية متطرفة تحرسها الرماح". ويتابع الكسيبي:"كانت اللائكية المتطرفة لاعبا منفردا بتفاصيل المشهد الإعلامي والسياسي إلى حدود وقوع أحداث سبتمبر الإرهابية المشئومة, ثم اهتدت السلطة إلى إفساح المجال أمام لاعب مُقرب من الحزب الحاكم، من شأنه تهذيب عتمة المشهد الإعلامي في صبغته الثقافية والدينية ، دون المساس طبعا بجوهر الوجهة العامة للعلمانية التونسية في صبغتها اليعقوبية القاسية." من جهته يرى خميّس الخياطي، وهو متخصص في رصد القنوات التلفزيونية وألّف كتابا اهتم بالخطاب الديني في التلفزيونات العربية، أنّ " مصاريف إنشاء قناة دينية محدودة للغاية ولا يشكّل البتة عائقا أمام إطلاقها". أما بخصوص "التسامح" تجاه إسناد التراخيص للإعلام الديني فلا يرى الخياطي الذي تحدّث لإذاعتنا، مبرّرا له، و اعتبره غير موجود بالمرة كون الإسلام في تونس محفوظ ولا وجود لقطيعة بين النظام السياسي و المجتمع والدين. استياء علمانيّ يشدّد الخياطي، القيادي بالجمعية الثقافية للدفاع عن العلمانية في تونس، وهي جمعية لم تحظ بعد بالترخيص القانونيّ، على أنه "لا مشكلة في الترخيص للقنوات والإذاعات الدينية مادام الدين مسالة فردية وشخصية ولا يختلط بالسياسة ". لكنه يبدي امتعاضه بالمقابل من عدم الإنصاف من طرف الحكومة في الترخيص لجمعيات تعنى بالحفاظ على علمانية النظام السياسي. ويقول : "لا حرج في الاستماع إلى إذاعة الزيتونة أو غيرها في أيّ مكان، لكننا نريد الإنصاف في إسناد التراخيص.فقد سمعنا أن احد أسباب منع الترخيص لجمعيتنا التي تدافع عن العلمانية هو "معاداتنا للدين "، وهذا غير صحيح. فالعلمانية هي حماية للدين". ويرى الإعلاميّ مرسل الكسيبي أنّ "جزءا من النخب العلمانية يمسك بمخالب الحكم وتلابيب السلطة, والجزء الأخر وطني وشريف، وقد اكتوى هو الأخر بنار القمع ولهيبها.أما الإسلاميون فهم خارج صناعة القرار ومازالت السلطة تستخدمهم كفزاعة فاشلة في استدرار عطف الخارج ". ويتابع الكسيبي :" الاستقراء المستقبلي ومؤشراته العلمية القوية، تؤكد أنه لا حل في تونس دون المشاركة الهادئة والمسئولة للتيار الإسلامي، وهي مشاركة لها أكثر من واجهة وفعل. ولعل الإعلام هو واحدة من واجهاتها الهامة. وأظن أن المساهمة الثقافية والإعلامية للإسلاميين، ستكون أكثر من ضرورية في إطار ترشيد الظاهرة الإسلامية الحديثة والناشئة والحفاظ على وسطيتها واعتدالها. ومن ثم فان حضور التيار الثقافي الإسلامي في هذه القنوات الفضائية الوليدة هو أكثر من ضروري. تخوف بعض الجمعيات اللائكية من وجود هذه القنوات والإذاعات الدينية هو غير مبرر بالمرة, بل انه يعتبر حصان طروادة يركبه مغالون لتواصل السلطة الوصاية على الإعلام الوطني." مُغازلة للإسلام السياسي هل الترخيص لوسائل إعلام دينية مغازلة لتيار الإسلام السياسي في تونس الذي شدّد من انتقاده لنظام الرئيس بن علي الذي لا يخفي رغبته في تطبيق العلمانية ؟ بالنسبة لخميّس الخياطي هي مغازلة بالفعل. فالصّورة التي تُروج في الخارج تشير إلى أنّ تونس لا تحترم الإسلام. أن تنفتح الدولة على التيار الإسلامي كتيار سياسي أمر مقبول. لكن ليس على الدولة ولا على التيار الإسلامي على حد سواء تجاوز السياسة. فالإسلام لكل الناس و نحن نرفض توظيف الدين لإغراض سياسية، حينها يدفع المواطنون و الدين معا ثمن ذلك التوظيف". أما مرسل الكسيبي فيرى أنه ليس من حقّ أي كان مصادرة هوية التونسيين في إعلامهم الحاضر والمستقبل , وهو ما يعد تناقضا صريحا حتى مع المشروع العلماني الذي يؤمن بالحرية في بعدها الإعلامي أيضا. أما بخصوص نوايا السلطة من خلال هذا النمط الإعلامي المتخصص، وهو الإعلام الديني, فإن المؤشرات السياسية العامة والتفصيلية بالبلاد تؤكد على أن الأمر لا يتجاوز حدود مسايرة الحس الديني العام، وتخفيض سقف الاحتجاج من خلال ترويض أخلاقي روحي سطحي لا يرتقي إلى أن يكون مدخلا جوهريا لقضايا الإصلاح الوطني الشامل والملح " .