رجة ارضية بقوة 3 درجات على سلم ريشتر بالقطار من ولاية قفصة    منوبة : استئناف اختبارات الأسبوع المغلق بمعهد ابن ابي الضياف بمنوبة    ندوة علمية بعنوان " الذكاء الاصطناعي في تونس... أي جاهزية لمواجهة التحولات الرقمية " يوم 14 مارس 2026 بتونس العاصمة    الحماية المدنية : 439 تدخلا بينها 248 للإسعاف في غير حوادث المرور خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية    وزير الشؤون الاجتماعية : التفطن إلى 123 متقاعدا يجمعون بين الجراية والأجر بالقطاعين العمومي والخاص    الخطوط السعودية تحلّ ثانية عالمياً في انضباط مواعيد وصول الرحلات خلال 2025    أسعار اللحوم الحمراء تتجاوز ال60 دينارا..!    الحرس الثوري الإيراني: قواتنا البحرية أصابت ناقلة نفط أمريكية في شمال الخليج    نوفاك: روسيا مستعدة لزيادة إمدادات النفط إلى الصين والهند    عاجل/ 12 دولة تسعى للتوسط لوقف حرب إيران..    بطولة الكرة الطائرة: تعيينات منافسات الجولة الثالثة إيابا لمرحلة التتويج    بطولة كرة السلة: مواجهة منتظرة اليوم بين الإتحاد المنستيري والنجم الساحلي    الرابطة الأولى (الجولة 23 – الدفعة الأولى): مستقبل سليمان ومستقبل قابس أمام اختبار حاسم في صراع البقاء    الزهروني: إيقاف مشتبه به في سرقات استهدفت عدداً من المنازل    إعلان هام للجالية التونسية بالجزائر حول تأشيرات الحج    مركز البحوث والدراسات والتوثيق والاعلام حول المرأة ينظم تظاهرة علمية فكرية يوم 6 مارس 2026    عاجل/ ايران تكشف حقيقة اطلاقها صاروخ باتجاه تركيا..    راني خضيرة يعزز رسميا صفوف المنتخب التونسي لكرة القدم    عاجل/ دوي انفجارات جديدة في العاصمة القطرية الدوحة..    إنقاذ ''قبة الهواء'' بالمرسى: تحرّك عاجل للجنة الجهوية لتفادي الكوارث    طقس اليوم..أمطار متفرقة ورعدية بهذه المناطق..    إعلان هامّ للتوانسة في قطر: ''باسبوراتكم'' الجديدة جاهزة للتسليم    افتتاح مهرجان سليانة المدينة في دورته السابعة والعشرين    أدعية اليوم 15 من رمضان... كلمات تقرّبك من الله وتغفر الذنوب    شنّوة هو صديد الأمعاء الذي أصاب مي عز الدين؟ الأطباء يوضحون    يهمّك: تحذير من تعارض الثوم مع هذه الأدوية    امتحانات الsemaine bloquée ترجع في معهد ابن أبي ضياف    تطورات الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران في يومها السادس    اليوم آخر أجل لخلاص الvignette...على هذا الرابط    هجوم صاروخي إيراني جديد الآن وانفجارات ضخمة تهز تل أبيب    "الشيوخ الأميركي" يدعم حملة ترامب على إيران    أرسنال يستغل تعثر المان سيتي ويعزز صدارته للدوري الإنجليزي    تونس البحرية: الحكم بالسجن 10 سنوات على قاصرين حاولا إعدام صديقهما شنقا    عاجل/ حادث مرور مروع بهذه الطريق..واصابة 6 أشخاص..    الاطاحة بوفاق اجرامي لترويج المخدرات في سوسة..    متحف سوسة الأثري يحتضن حلقة نقاش حول النماذج الرقمية للمعالم التاريخية بسوسة    أم المؤمنين خديجة (15) متطوعة بالجهد والمال لتخفيف آثار الحصار    بطولة القسم الوطني "أ" للكرة الطائرة: برنامج مباريات الجولة الثامنة لمرحلة التتويج    أسئلة رمضان . .يجيب عنها الأستاذ الشيخ: أحمد الغربي    الكوتش خالد العجمي .. الرياضة في رمضان مفتاح الانضباط والتوازن    أطباق من الجهات ...«البسيسة الساحلية» سلاح الصائم    كاتب الدولة للإنتقال الطاقي يؤكّد...لا إشكال في تزوّد تونس بالغاز والنفط    بعثة اقتصادية إلى داكار    "مواسم الريح" للأمين السعيدي في فلسطين والكويت ومورتانيا ومالي    ذكريات رمضان فات .. المستنية    تحذير طبي في رمضان: أعراض لا يجب تجاهلها أثناء الصيام    علاش اسمها ليلة النصف من رمضان و نحتفلوا بها؟    حامة الجريد: اختتام مشروع تحسين إنتاجية النخيل باستعمال التلقيح الآلي    عاجل: وزارة الفلاحة تعلن: رصد مرض الصدأ الأصفر ببعض مزارع القمح بالشمال    كرة السلة (السوبر بلاي أوف): شبيبة القيروان تفوز على النادي الإفريقي 87-84    ''الشيمينو'' تستغيث: رشق قطار تونس-الرياض بالحجارة وهو ما يتسبّب في إلغاء بعض اسفرات    مهرجان المدينة بالكاف: عروض فنية متنوعة    تونس: "ناس الغيوان" المغربية في ضيافة مدينة الثقافة    عاجل: عقوبات جديدة ضد أندية كبرى... التفاصيل كاملة    حجز أكثر من 50 ألف لتر من المياه المعدنية داخل مخزن عشوائي بهذه الجهة..    معز التومي لمنتقديه: أين كنتم عندما عانيت من المرض أربع سنوات؟    ريم بن مسعود: ''أخي المواطن...المتابعات على أنستغرام غلبت الموهبة''!    طقس اليوم: ضباب محلي صباحا وارتفاع طفيف في الحرارة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بين النخب السياسية و المجتمع التونسي : التباسات بالجملة
نشر في الوسط التونسية يوم 04 - 12 - 2010

من المفارقات أن يتزامن إقبال التونسيين على الخلاص الديني و الدنيوي ، مع إقبال الأحزاب السياسية و النخب التونسية على اقتراح كبرى المشاريع الثقافية و الاجتماعية في محاولة ربما لإعلاء الصوت و رفع الشأن و فرض الذات و تحريك المياه الراكدة أو ربما محاولة لتقديم ما يمكن وصفه بحلول إلى ما يمكن وصفه بإشكاليات. و لكنها محاولة تضاعف الشرخ بين العامة و النخبة و تخلق نوعا من التوتر بين الفاعلين السياسيين لافتقاد الثقة المتبادلة بينهم و على قاعدة أن كل ما يأتي به الآخر هو محض هراء و هذيان و افتراء، و تمنح الدولة ، و ربما هذا الأهم ، تصلبا و تكلسا مضاعفا في مواقفها.
التصلب الأول يأتي من رفضها الاهتداء أو الاقتداء بما يقدم من مبادرات، بمعزل عن أهميتها و قيمتها، طالما جاءت من خارج أطرها الضيقة . قد يكون لهذا التمشي أسبابه التاريخية فالدولة التي نشأت و اكتسبت مشروعيتها من تقديم المبادرات و قيادة المجتمع لا ترضى عن مبادراتها بديلا و كأن في الأمر مس من كبريائها و حتى كرامتها ، لا سيما و السلطة لم تتخلص بعد من طابعها الشخصاني .و النتيجة أن رفض الدولة الأخذ بما تقدمه النخب الوطنية من اقتراحات يدفعها إلى المحافظة على القديم بعيدا عن كل تجديد .
التصلب الثاني يأتي من محاولة استغلال الدولة التوترات الحزبية و النخبوية و تزاحم الاقتراحات و الأفكار، لتقدم نفسها بوصفها الثابت الوحيد الذي يحقق الإجماع حوله، و يضمن الاستقرار للجميع بعيدا عن المغامرات غير المحسوبة و المجازفات الصبيانية. و قد لا نجانب الصواب إذا اعتبرنا أن هذا المناخ يدعم مشروعية السلطة و الحال أن هذه المقترحات كانت تبحث في ما تبحث ، سحب الشرعية عنها.
من بين هذه المشاريع التي أطلت علينا في المدة الأخيرة الدعوة إلى إقرار قانون يكرس المساواة في الميراث ( النساء الديمقراطيات)، تعديل الفصل الأول من الدستور في اتجاه تعزيزه و تدعيمه (الاتحاد الديمقراطي الوحدوي )، حذف الفصل الأول من الدستور (الجمعية التونسية للدفاع عن اللائكية) ، وضع دستور جديد للبلاد (مشروع نجيب ألشابي)، و أخيرا و ليس آخرا اقتراح قرطاج كاسم جديد للعاصمة بديلا عن تونس( الحزب الاجتماعي التحرري).
لا شك ان الحلم يراود البعض من أصحاب هذه المشاريع في أن يبعث التاريخ بورقيبة من مرقده أو يجود علينا بشخص مثله ليستجيب إلى كل هذه الرغبات و البرامج و ينهض التونسيين في اليوم الموالي على واقع جديد ، لا حول لهم و لا قوة فيه ، سوى التعامل معه بصمت و خوف و الاستماع إلى كل الشعارات الفضفاضة و غير الفضفاضة.
و نحن إذ نعبر عن دعمنا لكل الإصلاحات التي جاء بها المشرع التونسي منذ فجر الاستقلال، فإننا لا نرى فائدة من الاستمرار في نفس التمشي الإصلاحي بعدما أصبحنا محل استهزاء على اعتبار ان إصلاحاتهم ترجمة للتضحيات و النضال، بينما إصلاحاتنا مسقطة و مفروضة من أعلى ، كما جاء ذلك في مداخلة أستاذة مغربية مؤخرا، كانت بصدد مناقشة أطروحة دكتوراه في إحدى الكليات التونسية في إشارة إلى أن مجلة الأحوال الشخصية التونسية لم تكن سوى تتويجا لرغبة بورقيبة بينما قانون الأسرة المغربي جاء تتويجا لنضال اجتماعي و توافق سياسي حقيقي. كما لا نرى جدوى في فرض واقع من الإصلاحات يضاعف الهوة بين الدولة و الشعب واضعا كل واحد منهما في واد، فيتضاعف الإحساس بالغربة و يتضاعف الشعور بالحرمان من زمن مثالي تطبق فيه الشريعة بكل صرامة و يعيش فيه الناس في ضل مبادئ الإسلام في امن و سلام حقيقيين. و لا فائدة من استحضار عدد المرات التي عبّر فيها الناس عن حسرتهم عن عدم تطبيق الشريعة الإسلامية في تونس و انه متى تم قطع يد سارق سينتفي الشر من جذوره، بل أن بعض النائبات لم يجدن انزعاجا من العودة للعمل بتعدد الزواج في تونس. و على هذا الأساس نقدر تريث الدولة في عدم الإقبال على بعض الإصلاحات الحساسة و ذلك على الأقل من باب عدم مضاعفة الغربة التي يعيشها الشعب و إعطائه الفرصة ليتأمل و يعايش الإصلاحات التي جاء بها المشرع الى حد الآن.
و نحن نعتقد إن انتشار الفكر السلفي في تونس و الذي بات يتسم بنوع من الانغلاق و التعصب أكثر من أي وقت مضى - و هو بالمناسبة فكر لم يعد متاحا كشفه بسهولة ، بعدما بات مغلفا بكل مظاهر التكنولوجيا و قيم الاستهلاك و خدع الحداثة و حتى تفشي ظاهرة الفرنسة التي أصابت حتى أكثر الشرائح تأسلما - ، انما يفسر بسبب غياب التواصل مع الحركة الإسلامية التي كان بإمكانها ان تلعب دورا توجيها و تأطيريا حاسما في هذا الصدد لما تحضى به من ثقة لدى العامة لاسيما بعدما طورت في خطابها و بات يستجيب لمقتضيات العصر. و لا فائدة من الدخول هنا في التفاصيل الجزئية فكلنا يعلم أن صاحب العمامة و اللحية الطويلة يعد اصدق قولا و أصلح رأيا و هو يتحدث في أمور الدين حتى و لو أخطا فيها و أن المثقف العلماني سيضل دخيلا و غريبا عن شؤون الدين حتى و لو قال صدقا و جاء بالرأي الأصلح و الأصح.
و بقطع النظر عن اتفاقنا أو رفضنا لهذه المشاريع المشروعة، نعتقد أن طرحها يتطلب نضجا جماهيريا ووعيا حقيقيا و متابعة مستمرة للشأن العام. و هو يتطلب على من يطرح مثل هذه المشاريع قاعدة اجتماعية حقيقية يتم رصدها بمختلف الإشكال الملموسة و بعيدا عن أي وصاية على الشعب، و أن تكون هذه المشاريع نابعة من واقعها و معبرة عن مطالب شعبية حقيقية، و انعكاس لرؤى فعلية و حاجات ملحة.
أما والقيادات الحزبية مجهولة في الشارع التونسي ، و بعض الشخصيات النخبوية ليس لها في الوعي الشعبي و ذاكرته أي حضور، و شعب يرفض أن يتابع الشأن السياسي أو يشارك فيه معتمدا بالكامل على إمكانياته الفردية في إيجاد الحلول بعيدا عن تدخل الدولة و غير مستعد أن يدخل في نقاشات نظرية قد تستفزه أو تحيره . مفضلا التعامل مع دولة الواقع كما هي بكل ما يترتب عنها من قمع و استلاب على مستوى الحريات و تسامح على مستوى الإخلال بالقانون، فهذا يتطلب تحركا من نوعا آخر.
و هو بالمناسبة وضع أدى إلى تنامي شخصية جديدة للفرد التونسي تقوم على نوعين من الخلاص . الخلاص الدنيوي من خلال البحث عن الربح بشتى الطرق و ضمان أفضل وضع لأسرته بعيدا عن أي تصادم مع السلطة و خلاص ديني يقوم على إقامة العبادات من خلال الحفاظ على الصلوات و صلاة الجمعة و أداء ركني الحج و العمرة و الزكاة و إيتاء الصدقات و صوم رمضان و أيام الاثنين و الخميس من الأشهر الحرم ، و التركيز على الشكليات الخارجية دون أي محاولة لربط تلك العبادات بالواقع . و ليس صدفة أن ترى تصرفات المصلين تشوبها كثرة الشوائب عند البيع و الشراء و كل المعاملات اليومية إلى حد يمكن معه القول أن البحث عن الخلاص الديني ليس إلا محاولة لترميم انزلا قات و ثغرات العمل الدنيوي.
لا نعتقد أن الوقت مناسب في ظل هذا المناخ السلبي لطرح أي مشروع. ذلك أن المطلوب قبل الحديث عن أي اقتراحات هو تأهيل المواطن التونسي و العمل على نقله من حالة الخلاص الفردي إلى مرحلة الخلاص الجماعي و الخلاص الوطني و انتشاله من موروثه الثقافي و السياسي الثقيل الجاثم على صدورنا إلى حالة المواطنة في وطن ، و من ثم إعطائه الفرصة أن يكون له رأي في ما يجري و في الشأن اليومي و لن يتحقق له ذلك إلا بالإقدام على المطالعة و الإطلاع على كل تفاصيل الشأن العام و التاريخ التونسي بكل حيثياته .
إن الإشكالية اليوم في التونسي هو انسحابه من الحياة العامة و شعوره انه غير معني بأي قضية. لقد حدث و أن تم وضع الدستور التونسي دون مشاركة فعلية منه سنة 1959 و وقع تنقيحه لاحقا مرارا في اتجاه تدعيم السلطة التنفيذية و تكريس الحكم مدى الحياة دون أن يثير اي نوع من اهتماماته، و هذا لان الدستور و ضع منذ البداية خارج إرادته . و لا نريد ان يتكرر هذا الأمر و أن تبقى المسائل المرتبطة بالهوية و الإسلام و العروبة معلقة مجددا. و نحن نعتقد إن المعركة ضد الاستبداد إذا كان لابد من خوضها بجدية فهي معركة لا تتحمل الخلاف على المسائل الأساسية المتعلقة بالهوية الإسلامية و الانتماء العربي. إن الخلاف حول الإسلام و العروبة يعني تزكية الوضع الراهن.
و تعليقا على ما جاء في "مشروع ألشابي" فنحن نعتقد أن المشكل إذا كان لا بد منه فهو ينحصر حول الهوية و الانتماء ، ذلك إن المطالبة بإحداث محكمة دستورية أو التحول إلى النظام البرلماني و تكريس كل الإجراءات التي من شانها تحقيق الحريات و ضمان الحقوق باتت قواسم مشتركة بين العديد من الأحزاب السياسية التونسية و هي مطالب سبق و أن دعا إليها العديد من الشخصيات الوطنية و السياسية و حتى الأكاديمية . و الأمر لا يحتاج سوى إلى إرادة سياسية تقبل الانتقال من الحالة التسلطية إلى الحالة الديمقراطية.و هو مطلب تقتضيه الحداثة السياسية و منطق العصر. و لا شك أن الدعوة إلى استحداث مجلس للشيوخ يمثل مختلف جهات البلاد بات ضرورة ملحة بعدما بان فشل تحقيق التنمية العادلة و المتوازنة بين مختلف المدن التونسية و تركز التنمية على مدن قليلة. و لعل افتقاد ولايات الجنوب إلى الماء الصالح للشراب و كل مرافق التسلية و مواطن الشغل اكبر دليل على هذا التفاوت.
إن اعتماد صياغة تونس دينها الإسلام أثارت الكثير من النقاش و الجدل حتى بات لكل مهتم موقفا من الموضوع، و لا نرى فائدة من الاستمرار في هذا الجدل علما و أن النقاش المثار حول هذه المسالة يتلخص في الآتي ، إذا اعتبرنا تونس دولة إسلامية قد ننزلق في الدولة الدينية و إذا أنكرنا على الدولة دينها نكون قد أنكرنا بعدا وطنيا و تاريخيا مهما لا احد يمكن قبوله.
من هذا المنطلق نحن نعتقد إن الفصل الأول يحتاج إلى مزيد من التدقيق رفعا لكل التباس وذلك بالتأكيد على أن الإسلام دين الدولة من جهة و التشديد على البعد الاجتهادي للإسلام. و نحن نقترح الصيغة التالية: "دين الدولة هو الإسلام، إسلام الدولة يقوم على الاجتهاد و لا يتعارض مع الفكر التنويري". و نحن اذ نشير إلى أهمية المزاوجة بين الفصل الأول و الخامس و الثامن من الدستور التي أشار إليها الأستاذ نجيب الشابي، فإننا نعتقد إن هذه المزاوجة غير كافية لتقطع السبيل أمام كل التأويلات المغرضة و غير المغرضة، و سيضل الباب مفتوحا لتفضيل فصلا على فصلا و البحث عن توافقا يصب أما في جهة حقوق الإنسان ضمن الأفق الإسلامي أو حقوق الإنسان ضمن الأفق الدولي.
أما في ما يتعلق بديانة رئيس الجمهورية الذي حافظ عليه "مشروع الشابي" فنحن نفضل تجاوز هذا الفصل إذ لا فائدة من التنصيص على هذا الشرط طالما ان مقتضيات الانتخابات الحرة و النزيهة لن تأتي إلى سدة الحكم إلا من كان مسلما بحكم إن الشعب التونسي في اغلبه مسلما . وبهذا نجنب الدستور أي اتهام بالتمييز بين الأديان .
اما بخصوص الانتماء العربي فنحن نعتقد إن الاكتفاء بعبارة تونس لغتها العربية غير كاف و يفتح المجال أمام أكثر من التباس ، أما اعتبارها جزء من الأمة العربية فهذا كما جاء في "مشروع الشابي" ينطوي على نوع من التبعية غير المضمونة قي ظل الدعوات الإقليمية المتزايدة .
و المطلوب حسب رأينا هو التأكيد من جهة على أن لغة الدولة هي العربية و في ذات الوقت التنصيص على الانتماء العربي لتونس دون الحاجة إلى الاقتداء بأي نموذج أو حتى اعتبارها جزء من أي امة . فتونس عربية بحكم تجربتها التاريخية التي انصهرت مع العنصر البربري و التركي والتي لم تدون إلا باللغة بالعربية و ترسخت لاحقا عبر العصور. تلك التجربة التي انطلقت من القيروان لتشع على كافة منطقة المغرب و الأندلس و استمرت لقرون في ضل الدولة الفاطمية الشيعية و الدولة الحفصية البربرية السنية المالكية و الدولة المرادية و الحسينية ذات الولاء العثماني و تجلت من خلال كتب ابن رشيق و الحصري و سحنون و ابن الهاني و ابن خلدون و ابن عرفة و بن منظور و خير الدين و غيرهم، كما تجسدت من خلال الزوايا و المساجد و "الأسواق العربي" و الأسوار و القلاع و الربطات التي لا تخلو منها جهة أو مدينة ، و استمرت منذ ذلك الوقت إلى اليوم دون انقطاع، و على أساسها خاض الأجداد كفاحهم ضد الاستعمار و هي تشكل اليوم روحنا ووجداننا و تراثنا الحسي و الملموس. و على هذا الأساس نقترح صياغة و واضحة لا لبس فيها و لا ارتياب تكون و فية لماضيها و حاضرها، "تونس دولة عربية و لغتها العربية" و هي صيغة نعتبرها موضوعية و لا تتضمن إقصاء لأي طرف أو حقبة بما فيها الموروث الفينيقي الذي نعتز به و تجسد عبر اوتيك و قرطاج، و حتى الموروث الروماني الذي جاء غازيا و مستوطنا و لكنه ترك في بلادنا ما لا نملك التفريط فيه بأي ثمن من الأثمان. و نحن نعتقد إن هذا الموروث خاص بتونس و تونس وحدها .
و ما تقدم به مؤخرا أمين عام الحزب الاجتماعي التحرري الأستاذ منذر بن ثابت من اقتراح باستبدال اسم العاصمة التونسية تونس بقرطاج على اعتبار أن اسم قرطاج أكثر إنصافا و استيعابا لتاريخ تونس بعيدا عن أي اختزال في إطار الحقبة العربية الإسلامية ، فهذا يدعونا إلى طرح الملاحظة التالية : إذا كان الإبقاء على تونس بوصفها عاصمة الدولة التونسية فيه اختزال لتاريخ تونس فلسنا نرى استبدال تونس بقرطاج حلا أفضل، و الحال أن حضارة قرطاج لم تقم إلا على اضطهاد و قمع السكان الأصليين البربر في ذلك الوقت. ثم إذا كنا سنسمي تونس قرطاج فماذا سنسمي قرطاج كما تسائل في الحقيقة احد المعلقين على الفايس بوك . و إذا كنا نحار في اعتماد تسميات جديدة لشارع او نهج فما بالك باسم تعودنا عليه منذ قرون و اختزل في ذاكرتنا أشياء كثيرة ، و بالتالي لماذا نورط أنفسنا في مغامرات و مطالب فاشلة .
و بالمناسبة موضوع الامازيغية خطاب جديد بات يأخذ حيزا هاما من التعليقات على مواقع الواب و الفيسبوك و هو موضوع يحتاج إلى معالجة عاجلة و موضوعية حتى نجنب الأجيال القادمة ثقافة الحقد و البغضاء التي باتت تتحكم في عواطف المغاربة و الجزائريين و ذلك قبل فوات الأوان.
مرة أخرى إذ تؤكد مجمل الاقتراحات إن نخبنا السياسية تعيش لحظة فنطازيا فكرية في الوقت الذي يواجه المجتمع التونسي تحديات كبرى تتعلق بارتفاع نسب الحوادث و الطلاق و العزوبية و الخصوبة والشيخوخة و الانفلات الأخلاقي و التغريب و الفرنسة و التبذير و التشهير و الدعارة و العزوف عن الشأن العام و القراءة و انسداد الأفق السياسي و انعدام الحوار على كل المستويات .بينما كان المطلوب منها بحث هذه المواضيع و الإقرار بوجود تحديات حقيقية تتعلق بتأمين التواصل الثقافي و الأخلاقي و السياسي بين الأجيال و الطبقات و الأفكار بعدما بات كل واحد يغني على ليلاه و يتصرف وفق منطقه الخاص بكل ما يتضمنه من أنانية و غياب القواسم المشتركة الحقيقية و الطموحات المشتركة ( باستثناء البذاءة و اللامبالات).
إن شعب لا يملك قواسم فكرية مشتركة و طموحات مشتركة أو مشروعا مستقبليا موحدا ، غير جدير بالاحترام و هو محكوم عليه بالعجز و الاختراق من كل أمراض العصر : الجريمة، السرقة، الهجرة السرية ، النهب، السلب، الدعارة، إتلاف الملك العام و بيع الأوطان .
شاكر الحوكي ، جامعي تونس باحث في العلوم السياسية
صحيفة الوطن الالكترونية الصادرة من غزة - تاريخ النشر : 2010-07-27


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.