الغنوشي: ‘تشكيل الحكومة يبقى من اختصاص الجملي..'    شركة الكهرباء والغاز تطلق خدمة جديدة لاستخلاص الفواتير عبر الهاتف الجوال    خليفة حفتر يدعو قواته للتقدم باتجاه قلب طرابلس    حالة الطقس ليوم الجمعة 13 ديسمبر 2019    تقرير خاص/ سيظهر الليلة النازا تكشف تفاصيل عن «القمر البارد» في أطول ليلة شتوية    تونس ضمن اهم الموردين للسوق الاسرائيلية وتستورد هذه المواد    أطباء مقيمون ينقذون عتصاما بمقر وزارة الصحة للمطالبة بالمصادقة على تربصات قاموا بها في الخارج بموافقة كلياتهم    رئيس اتحاد الكتّاب التونسيين: فتح فضاء دار الكاتب أواخر ديسمبر او بداية جانفي 2020    العاصمة: حجز 50 كلغ من فواضل المرطبات منتهية الصلوحية    عاجل/ انتخابات الجزائر: تفريق المتظاهرين بالغاز المسيل للدموع    تونس : تفاصيل بيع تذاكر كلاسيكو النادي الإفريقي و النادي الصفاقسي    تونس: مكافآت مالية للمبلغين عن الفساد و هذه تفاصيل الحصول عليها    منزل تميم: اصطدام 3 سيّارات يُسفر عن إصابة 5 أشخاص    موديز تخفض التصنيفات الائتمانية ل3 بنوك لبنانية    توقيع اتفاقية تعاون وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية والمعرض الوطني للكتاب التونسي    معزّ الجودي: إذا تمّ تطبيق تدقيق مالي على المؤسسات العمومية سنكتشف أنها مفلسة [فيديو]    صفاقس : حجز أوعية بلاستيكية معدة لخزن المواد الكيميائية الخطرة    السرس تحتضن مهرجان "الزهرة فائزة للمسرح" يومي 13 و14 ديسمبر 2019    ايقاف مجموعة من التونسيين من قبل السلطات القطرية … وزارة الشؤون الخارجية توضح    أصحاب التاكسي الفردي يطالبون بمنع “التاكسي سكوتور” ويهددون بالتصعيد    "الكاف" يعلن موعد قرعة التصفيات الإفريقية المؤهلة لمونديال قطر    إطلاق سراح مجموعة من أحباء الترجي في قطر… ورياض بنور يوضح أسباب عزل الفريق عن جماهيره    أطباء مقيمون ينقذون عتصاما بمقر وزارة الصحة للمطالبة بالمصادقة على تربصات قاموا بها في الخارج بموافقة كلياتهم    صفاقس: البلدية تُحذّر من استهلاك لحوم غير مختومة    على تخوم رأس الجدير: وفيات في صفوف جالية افريقية بفيروس «الايدز» ومحاولات للتسلل الى تونس    تونس: وزيرة الصّحة سنية بالشّيخ تقدّم في ندوة صحفيّة أبرز انجازات الوزارة [فيديو]    وزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية تحدد الأراضي التابعة لملك الدولة الخاص    غار الدماء: القبض على شخص من أجل مسك سلاح دون رخص    التحقيق في شبهة تحرّش أستاذين ب25 تلميذة    مدنين.. إيقاف 14 شخصا مفتش عنهم    منتخب الأواسط.. الكنزاري يستدعي 11 لاعبا محترفا    بسبب الطقس: تغييرات في مواعيد رحلات هذه البواخر التونسية    جندوبة: ايقاف فتاة بتهمة تمجيد الإرهاب    أيام قرطاج المسرحية 2019: المسرح داخل المؤسسات السجنية والإصلاحية تحت المجهر    أمير لوصيف حكم الكلاسيكو بين الافريقي والنادي الصفاقسي    حكيم بن حمودة لالصباح نيوز: 3 عوامل ساهمت في تحسن سعر صرف الدينار.. وتخوفات من خلاف مع صندوق النقد الدولي    عاجل/العثور على رسائل تهديد بتفجير فضاء تجاري في البحيرة..والداخلية تؤكد وتكشف..    الداخلية تطلب منكم البحث عن هذه الفتاة    منتجو زيت الزيتون يرفضون بيعه بالأسعار المطلوبة    إدراج “النخلة: المعارف والمهارات والتقاليد والممارسات”على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية    سمير الوافي يطلب من مريم الدباغ الإعتذار من اللغة العربية    جينارو غاتوسو مدربا جديدا لنابولي    عصابات من المستوطنين تدنس مسجدا في القدس بعبارات عنصرية مسيئة    دوري أبطال أوروبا ..اكتمال عقد الفرق المتأهلة إلى ثمن النهائي    ملك إسبانيا يُكلّف " بيدرو سانشيز" بتشكيل حكومة جديدة    في الحب والمال/هذه توقعات الابراج ليوم الخميس..    الدكتور صلاح القصب البياتي ل«الشروق» : الثقافة ستموت…. والمسرح التونسي هو الأهم في العالم العربي    الشاعرة زبيدة بشير ...سابقة عصرها وأوانها ! (1 - 3)    طرق منزلية للقضاء على التعب!    نبات الكاروية...يخفف المغص المعوي و يعالج الربو    خطوات هامة للحفاظ على صحة الحامل المصابة بالسكري    وزير الخارجية الامريكي: نريد العمل مع روسيا لإنهاء الصراع في ليبيا    الكنيست الاسرائيلي يحلّ نفسه    كميات الأمطار خلال الساعات الأخيرة    هذه الدولة الأعلى عالميا في عدد الصحفيين المسجونين    أثار جدلا واسعا/ عادل العلمي يهاجم النواب الذين أسقطوا قانون الزكاة    توقعات الأبراج ليوم الأربعاء 11 ديسمبر 2019    عبير موسي: مقترح صندوق الزكاة ضرب للدولة المدنية وتأسيس لدولة الخلافة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





حوار ساخن مع المفكر اليساري العفيف الأخضر

عبد القادر الجنابي: من هو العفيف الأخضر، أي أحلام كانت له وهو في مطلع شبابه؟
- توفي أبي وعمري 13 عاماً وكانت صدمة مروعة لم أنجح في إقامة الحداد عليه ربما حتى الآن، مات أبي في كوخنا المعزول، وعندما عدت إلى العاصمة تونس لمواصلة سنتي الثانية في التعليم الزيتوني كنت أذهب كل مساء إلى "سوق العصر" الذي يأتيه الفلاحون من إحدى الاحياء الفقيرة جداً "الملاسين" التي يسكنها الريفيون النازحون. وكلما رأيت فلاحاً يرتدي برنوساً ركضت لأنظر إليه من أمام عسي أن يكون هو أبي الذي دفنته بنفسي في مقبرة القرية. يعني ذلك أنني لم أصدق موته وهي حالة تقود عادة إلى الجنون.
كيتيم مفجوع اندفعت أبحث عن أب بديل أتماهي معه. تماهيت بالشيخ الفاضل بن عاشور الذي كان يأتي إلى الزيتونة في الساعة العاشرة يعطي درسه في حلقة التعليم العالي. وكان يمر على حلقتي، في الثانوي، فكنت أقوم من الحلقة وألتحق بحلقته غير مبال بالصفر الذي سيضعه الشيخ أمام أسمي عقاباً لي عن تركي حلقته. لاحظ الشيخ الفاضل ذلك فتعاطف معي وتوطدت العلاقة بيننا وبات يعاملني كأحد طلبة حلقته رغم أن الفارق بين حلقتي وحلقته خمسة سنوات. في الوقت ذاته تماهيت بطه حسين إلى درجة الذوبان فكنت أضع عصابة على عيني كما لو كنت أعمي وأرتجل أمام زميل لي هو الهادي بالأخضر مقلداً طه حسن. في 1954 تماهيت ببورقيبة فاندفعت بحماس بل ربما بتعصب عن خطه السياسي. وعندما أصدر غداة الاستقلال 1956 قوانين الأحوال الشخصية لتحرير المرأة التونسية من قصورها الأبدي، رد عليها شيوخ وخريجو الزيتونة بالتكفير تحمست أنا لها إلى درجة أنني في محافظتي النائية والمتأخرة جداً ثقافياً واقتصادياً وفكرياً كنت أخرج مع خلية حزب الدستور، حزب بورقيبه، إلى القرى والدواوير لأفسر لهم مزايا هذه القوانين الجديدة وعدم مجافاتها لروح الإسلام. كان ذلك خلال الإجازة المدرسية وكان لذلك صدى طيباً. وفي الوقت ذاته وعيت خطورة التعليم الديني العتيق فكتبت مقالات في جريدة "العمل" في صفحة الشباب مطالباً بغلق جامع الزيتونة ودمج التعليم الزيتوني العتيق في التعليم الحديث الذي ورثته تونس المستقلة عن فرنسا، وفعلاً بعد بضعة شهور أصدر بورقيبه قراراً بتوحيد التعليم وغلق الزيتونة. ولكن شيوخ الزيتونة الذين لم يصلوا إلى سن التقاعد وكذلك خريجوها الشباب تم إلحاقهم بالمدارس الحديثة كمدرسين لتعليم الدين وعلوم القرآن، فكانت النتيجة كارثية لأنهم درسوا المناهج الجديدة بعقليتهم وبضاعتهم الفقهية العتيقة. وهكذا غدت المدرسة التونسية التي كانت نسخة طبق الأصل من المدرسة الفرنسية ، بسببهم، مدرسة تقليدية وسلفية هي التي أنجبت معظم قادة وكادر ومناضلي وجمهور الحركة الأصولية التي نادت بإعادة فتح الزيتونة وبالتراجع عن قوانين الأحوال الشخصية .
سرعان ما قتلت الأب بورقيبة بسبب حكمه الفردي وولائه للغرب إضافة إلى أسباب ذاتية أخرى .. لكنني بقيت وفياً لإنجازاته الحداثية النادرة النادرة في أرض الإسلام: في سنة 1969 حضرت اجتماع مجلس وزراء جنوب اليمن فنصحتهم بدلاً من الاشتراكية الماركسية اللينية باتخاذ اجراءات حداثية منها إصدار قانون أحوال شخصية كالقانون التونسي فقال لي سالم ربيع رئيس الجمهورية مازحاً : هل أنت سفير لبورقيبه أم معارض له؟، فأجبته: الاثنان معاً. فطلب من وزير الخارجية أن يطلب من سفير تونس في عدن تزويدهم بنسخة من "مجلة" [قوانين الأحوال الشخصية التونسية] وفعلاً صدرت بعد ذلك قوانين شخصية يمنية مشابهة جداً للقوانين الشخصية التونسية. أما الأبوان الآخران فلم أقتلهما حتى الآن.
كان حلمي منذ أن قرأت "الأيام" في سن 17 أو 18 سنة أن أصبح نسخة من طه حسين وكنت أقرأ أيامه وأنا أكتب ذهنياً "أيامي" الخاصة، الحلم الأساسي إن لم يكن الوحيد الذي داعب خيالي في هذه السن هو أن أصبح كاتباً شهيراً ومستور الحال. ففقري المدقع أصابني منذ الطفولة بجروح نرجسية صاغت قناعاتي السياسية منذ الشباب وحتى الآن، فأنا اعتبر أن فقر أكثر من ثلثي الإنسانية شاهد إدانة على حضارة الإستهلاك: الشمال يستهلك الفرد 90 كيلو لحم سنوياً وهو لا يحتاج إلا إلى 9 وفي الجنوب لا يأكل الفرد من اللحوم كفاية. أجدني أردد لا شعورياً في الحمام مثلاً هذا البيت:إذا قتل الفقر اليتيم ولم يجد معيلا / فإن الموسرين جناة
طبعاً أعي الآن أفضل الأسباب الموضوعية لهذا الفقر الكوني: الانفجار السكاني. لكن ذلك لا يعفي أغنياء العالم دولاً وشركات وأفرادً من خطيئة عدم التفكير في نزع فتيل قنبلة الانفجار السكاني.
* عبد القادر الجنابي: ماذا تبقى اليوم من ماركسيتك التي اعتنقتها ودافعت عنها طوال السبعينات .. وأي دور لها على منهجك النقدي اليوم؟
- فقري الذي مازال رفيق حياتي كان وربما مازال وراء قناعاتي الماركسية التي وصلت إليها في 1963 آتياً من الوجودية والناصرية. كان ذلك في مناخ جزائر ما بعد الاستقلال بكل شعارات التسيير الذاتي الاشتراكي التي كانت بمثابة فعل إيمان لكل مناضل يساري .. إذن لم أكن مدفوعاً بقناعات نظرية عميقة بل بغريزة طبقية فقط. ضغينتي على الأغنياء الذين جرحوا نرجسيتي أي أذلوني في طفولتي ومراهقتي أسقطها على أغنياء العالم الذين وجدت أخيراً لهم اسماً شبه سحري: البرجوازية . مثلما أن الشهية تأتي خلال الأكل كما يقول المثل الفرنسي، فقد بلورت قناعاتي النظرية بعدما آمنت سلفاً بالماركسية. ولكن قد أظلم نفسي إذا قلت إن قناعاتي كانت محض فعل إيمان أي خالية من كل روح نقدي. منذ الستينات بدأت أتساءل عن مدى اشتراكية المعسكر الاشتراكي. مكنتني هجرتي الأوربية الثانية بعد الانقلاب العسكري على الرئيس بن بيلا 1965 من زيارة تشيكوسلوفاكيا وألمانيا الشرقية اللذين وجدتهما أشبه بالمعتقل لسكانهما منهما بالمجتمع. قالت لي فتاة تشيكوسلوفاكية عاملة عندما سألتها إن تعّرف لي النظام الذي يحكمها: "نظاماً فاشياً" أما في ألمانيا الشرقية وقد كنت يومياً أستمع إلى نكات العمال على حساب "جنة الاشتراكية الألمانية". في برلين الغربية كنت في حانة نحتسي البيرة فسألت مجموعة من العمال الشباب عن رأيهم في الماركسية فقتادني أحدهم إلى خارج الحانة وأشار بسبابته إلى جدار برلين الشهير قائلاً:"هذه هي الماركسية.. في الحقيقة كانت أوهامي عن الماركسية اللينينية في الاتحاد السوفيتي والصين وكوريا إلخ والأحزاب الشيوعية في العالم العربي والعالم قد تلاشت قبل ذلك. دخلت مع المعسكر الاشتراكي والأحزاب الشيوعية العربية في سجال عنيف. وردوا إليّ الصاع صاعين فاتهموني في 1967 بأني عميل لألمانيا الغربية بسبب موقفي من ألمانيا الشرقية، وفي 1971 زعم محمد يزيد، سفير الجزائر في بيروت، أمام المحامي الصديق جبران مجدلاني بأنه يعرف رقم الحساب المصرفي الذي فتحته لي المخابرات المركزية الأمريكية في أحد مصارف بيروت والحال أن الصديق المذكور كان يعرف وضعي المادي على حقيقته . ولولا أن صادق العظم آواني مشكوراً في منزله لمدة عام لكنت مشرداً حقيقياً. باختصار حاربتني الأحزاب الشيوعية بالشائعات . كانت مشاعري إزاء ذلك مزيجاً من الشعور بالاضطهاد والعزلة والاعتزاز . الاعتزاز بأنني غير مفهوم وأكلف الشرق والغرب مشقة فهمي: الغرب يرفضني لأنني ماركسي والماركسيون اللينييون يرفضونني لأنني عميل للغرب. ساعدني ذلك على أن أفكر بنفسي باستقلال عن المرجعيتين الشرقية والغربية. لكن الجانب السلبي فيه كان دفعي إلى الدخول في معارك سجالية أكثر مما هي معرفية مع الشيوعيين باستثناء الجهد النظري الذي بذلته في مقالاتي النقدية للماركسية اللينيننية وللأنظمة العربية في مجلة "دراسات عربية" وفي أيضاً في القاموس النظري ل"البيان" الصادر في 1974 الذي ساهم في تكوين تيار يساري نقدي بين شباب السبعينات في العالم العربي كله. تعريفي الاتحاد السوفيتي والصين بأنهما إمبرياليان أخرج أنصار هذه وذاك زائد القوميين العرب المتعاطفين معهم عن طورهم. كان اليسار يري فيّ يمينياً واليمين يري فيّ يسارياً متطرفاً.
مما هو إيجابي في ماركس هو نفحة الفكر النقدي في كتاباته .عندما قرأت في 1965 في المقدمة الأولي ل"رأس المال":" كتبت هذا الكتاب للذين يفكرون بأنفسهم، أحسست، أنا الآت من ثقافة عربية إسلامية لا يكاد يفكر فيها مفكروها فضلاً عن عامتها إلا بأسلافهم، بأنني انتقلت قارة ذهنية أخرى. بالمثل نقده لاستخدام الطبقات المالكة للدين كمخدر لاقي هوى في نفسي، أنا الذي كنت أعي أن إسلام القرون الوسطي يشكل عائقاً دينياً هائلاً يعتقل عقول المسلمين فلا تعود قادرة على التفكير الواقعي فضلاً عن العقلاني في أمور دينها ودنياها. فكرة أخرى عند ماركس أعجبتني ولا تزال - ضداً على البنيوية التي لا تدع مجالاً لأي تدخل إنساني في التاريخ، تقول بأن وعي قوانين المجتمع - وهي ليست قوانين صارمة بل قوانين ميلية أي قابلة للتعديل _ تسمح بتدخل بشري ما في مسارات التاريخ الموضوعية أي المستقلة عن وعي البشر وهكذا فالإنسان لا يعود لعبة الأقدار كما يعتقد المتدينون ولا لعبة البني الاجتماعية الموضوعية كما يري البنياويون بل يغدو إلى حد ما صانعاً لمصيره.
انطلاقاً من هذه الرؤيا كونت لنفسي الأطروحة التالية: يتقدم التاريخ عبر صراع الاتجاه والاتجاه المضاد التاريخيين، محصلة هذا الصراع هي التاريخ الواقعي بعد أن انتفت الإمكانات التاريخية الأخرى سواء بانتصارات الاتجاه أو بانتصار الاتجاه المضاد. يخطئ من يعتقد أنه يستطيع أن يمنع اتجاهاً تاريخياً هو عادة لا ‘يصد ولا ‘يرد وإنما تستطيع المجتمعات أن تتدخل بضبط الاتجاه التاريخي بتأطير مساره وتلطيف آثاره الجانبية غير المستحبة. مثلاً من الجنون محاولة إلغاء رأس مالية عصرنا، العولمة ، وإنما بالإمكان التدخل لضبط مسارها سواء من قبل الدول أو الهيئات الدولية أو المجتمع المدني القومي والعالمي. وقد اقترح رئيس الدولة التونسية في التسعينات إنشاء صندوق تضامن عالمي لمقاومة الفقر في العالم لتلطيف مفاعيل العولمة السلبية وقد بنيت المنظمات الإقليمية ثم الأمم المتحدة هذا الاقتراح في سياق هذا المنطلق التدخل الواعي بحدوده يمكن للحركات السياسية أن ترّشد معارضتها العقيمة للعولمة عندما تكون في حد ذاتها بدلاً من التصدي لآثارها السلبية فقط.
طبعاً كان ماركس حالماً وانا أيضاً وأنت أيضاً يا عبد القادر الجنابي. لا ننسي تأثير طوباوية الكتاب المقدس على ماركس فالمهدي المنتظر أو عودة المسيح حاضر كقماشة الخلفية وراء رؤياه الاشتراكية، لكنه اسقط عودة المسيح، الذي أضفي على أحلامه مسحة إنسانية وأخلاقية، على البلوريتاريا التي بات عليها أن تحقق مهام المهدي المنتظر. نقده لرأس المال هو نقد اقتصادي نصفاً وأخلاقي نصفاً. الحركات الاشتراكية في القرن التاسع عشر ومنها الماركسية كانت أساساً احتجاجاً أخلاقياً على الرأسمالية المتوحشة التي كانت تشغل العمال دون أدني ضمانات 14، 12 وأخيراً عشر ساعات متواصلة بمن فيهم الأطفال الذين كانوا أحياناً يموتون خلال الشغل.
الرأس مالية المعاصرة هي أيضاً، في نظري غير قابلة للحياة، وإذا لم تدخل عليها الإنسانية المفكرة والإنسانية المتألمة تعديلات جوهرية سواء في نمط إنتاجها أو في نمط استهلاكها غير المحدودين والحال أن موارد الكرة الأرضية محدودة ومهددة بالنفاذ، بعضها بالنفاذ الوشيك مثل الماء والأكسجين، وإذا أرادت البشرية أن تصل يوماً ما إلى مستوي استهلاك مماثل لاستهلاك الولايات المتحدة الحالي فيلزمها لتحقيق هذا الهدف ثلاث كرات أرضية كما يقول جيروم باندي مدير مكتب التحليل والتوقع في منظمة اليونسكو.بل حسب الصين أن تصل إلى مستوي الإنتاج الأمريكي خلال العقود القادمة لتحل بالأرض كارثة أيكولوجية. الخلاصة أن الرأس مالية تحتاج إلى إصلاحات ثورية سلمية متواصلة تؤدي في النهاية إلى تغيير طبيعتها الإنتاجية والاستهلاكية والتنافسية. التنمية المستدامة التي اقترحتها الأمم المتحدة خطوة أولي في مسيرة الألف ميل إلى هذا الهدف. معني ذلك أن تبدأ الأجيال الحالية في التفكير جدياً في مصير الأجيال التي لم تولد بعد وهذا يتطلب إعادة النظر في الأنانية المرضية المتأصلة في النفسيات اليوم.
طبعاً هذه المهمة الهائلة مطروحة على الإنسانية المفكرة والإنسانية المتألمة في البلدان الرأسمالية المتقدمة التي أنجبت الرأسمالية وبإمكانها أن تنجب بدائلها التطورية والسلمية. أما الإنسانية المفكرة والإنسانية المتألمة في البلدان المتأخرة التي لم تنجب الرأسمالية وليس بإمكانها بالتالي أن تنجب بدائل تطورية لها فمهمتها هي اللحاق بالبلدان المتقدمة عبر بناء دولة مؤسسات حديثة واقتصاد حديث وتعليم حديث ومجتمع حديث أما كيلها الشتائم للرأسمالية فهي مجرد حيلة لا شعورية لتفادي اللحاق بهذه الرأسمالية الملعونة التي هي أفضل ألف مرة من تأخرها واستبدادها وماضويتها ومعاملتها الوحشية للطفل والمرأة والفرد والأقليات الدينية أو الاثنية أو اللغوية. فالمرأة المسلمة وغير المسلمين يعاملون في بداية الألفية الثالثة معاملة أكثر ضراوة بما لا يقاس من معاملة الرأسمالية المتوحشة في القرن التاسع عشرة للنساء والأطفال.
ما بقي لي من أحلام الشباب يا صديقي هو الحلم بعالم أفضل، حيث حروب أقل وعنف أقل واضطهاد أقل وفقر أقل وجهل أقل وجروح نرجسية أقل وعقلانية أكثر.
أديب عطا الله : هل من الممكن مستقبلاً أن نري إرهاصات الحرية في بلادنا العربية ويشعر غير المسلم أنه سيكون آمناً على غده وأولاده من التفرقة التي جعلتني أهرب من بلادي إلى آخر العالم خوفاً مما سيعانيه أولادي من آلام واجهتني؟؟ ببساطة هل يحمل لنا المستقبل أي بارقة أمل نحن غير المسلمين في بلاد المسلمين أم علينا أن نتركها غير مأسوف عليها؟
- أخي أديب، بعد سقوط بغداد دون قتال واستسلام صدام دون مقاومة بدأت تباشير تاريخ جديد في الشرق الأوسط. أي أن هذه المنطقة من العالم لن تكون بعد هذا الحدث التاريخي كما كانت قبله. سقوط بغداد دون قتال مماثل في مغزاه التاريخي لسقوط جدار برلين. يمر العالم العربي والشرق الأوسط الكبير بأزمة حداثة عاصفة تشير مؤشرات عدة إلى أنه سيخرج منها سالماً إلى الحداثة . لماذا؟ تحديث الحداثة في البلدان المتقدمة والدخول إلى الحداثة في البلدان المتأخرة هو الاتجاه التاريخي اليوم. الاتجاه المضاد الذي يقوده الإسلام السياسي والإرهابي الهادف إلى العودة إلى عصر ذهبي موهوم في ماضيه السحيق لا يبدو أنه يمتلك زمام المستقبل. إذا كان هذا التحليل صحيحاً فالحرية قادمة إلى البلاد العربية وسيشعر غير المسلم فيها في مستقبل منظور أنه آمن على غده وأولاده من التفرقة التي جعلتك تهرب من بلادك إلى آخر العالم. فلم يعد روح عصرنا يقبل باضطهاد النساء أو الأقليات. تفكيرك في الهجرة مفهوم إنسانياً ولكنه مرفوض سياسياً، هجرة المسيحيين كارثة بجميع المقاييس: هي أولاً تحقيق لهدف الحركات الأصولية الإسلامية المتعصبة التي تعمل كل ما تستطيع في سبيلها. فحزب الله هجّر معظم المسيحيين من جنوب لبنان فقد كان يعدم في محاكمات هزلية بعض المسيحيين بتهمة العمالة للعدو. والجهاد الإسلامي وحماس هجرتا نصف المسيحيين والفلسطينيين خلال الانتفاضة لأنها كانت تطلب منهم الجزية لتجهيز إنتحارييها. أقترح على جميع الكنائس المسيحية في الشرق الأوسط أن تعقد مؤتمراً مشتركاً تتدارس فيه وسائل منع نزيف المسيحيين. قلت إن هجرة المسيحيين كارثة عليهم وعلى المسلمين أيضاً. عليهم لأن ذلك يجعل من تبقي منهم أقلية ضعيفة بشرياً ومادياً وسياسياً، والذين هاجروا منهم سيظلون لجيلين أو ثلاثة على الأقل يشعرون بالذنب من مغادرة مسقط الرأس الذي يكاد يكون رمزاً لرحم الأم. وكارثة على المسلمين لأن المسيحيين بينهم هم خميرة الحداثة أي العلمانية والديمقراطية والمساواة بين الجنسين والمساواة بين المسلم وغير المسلم.
د. مجيد فلوح: مقالاتكم وأطروحاتكم في الإصلاح الديني وضرورة إعادة قراءة الفكر الديني مع منطقيتها وعلميتها، تبقيني متأكداً من أنه لا مهرب من العودة في كل شيء إلى الدين وفي هذا سلفية واضحة وهي أكبر الآمال ستخضع إلي بعض التنقيح أو التفسير على ضوء الواقع الحالي.
أري أن الفكر الديني عبر التاريخ كان معادياً دوماً للفكر العلمي ومثبطاً لوتائر التطور وللطاقات الإبداعية عند البشر كما كان الانتماء سبباً في التعصب والفوقية وحب السيطرة والتسلط والاستهتار بالآخرين مما تنتفي معه أية فرصة للحرية والعدالة والمساواة وازدهار العلم والمعرفة وتطوير الطاقات البشرية وتكريس السلم وروح التعاون بين الشعوب وتبادل خبراتها .. إنني أخص بالتحديد ما سمي بالديانات السماوية التي تشغل العالم بصراعات المؤمنين بها مع بعضهم وعرقلت مسيرات الحضارة .. لا شك أن أيديولوجيا الدين استخدمت لضمان المصالح الطبقية ولكنني أتحدث عن الناس المستغلين (بفتح الغين) لا عن الطبقة الحاكمة ..
كيف يرى المفكر العفيف الأخضر مستقبل الصراع الجدي بين العلم والفكر الغيبي ومتي تبدأ حلقات البحث والحوار في الإصلاح المنطقي الإنساني الشمولي في جو يعترف لمن لا يريد الإقرار بمسلمات الأجداد الجهلة أولويات لمنهج معيشتنا بفاصل يتعدى عشرات القرون !! بدلاً من التناطح في حلبات التفسير والتأويل والاجتهاد الديني في بيئة سفسطة مقيتة لم يعد أحد بحاجة إليها ؟!!
- أخي د. مجيد سواح، سؤالك أيديولوجي إلى حد كبير لأنه تضمن جوابه. إذن سأحاول أن أناقش بعض ما طرحته من قناعات في شكل تساؤلات، مشروع تحديث وترشيد الإسلام، عبر تحديث وترشيد التعليم وخاصة التعليم الديني والخطاب الديني، بالعقلانية الدينية التي لا تقبل من الدين خاصة في المعاملات والعلاقات الإنسانية ومنظومات القيم إلا ما يتفق مع العقل أي المصالح وحاجات الناس، ضرورة تاريخية لا بديل لها إلا استمرار إسلام القرون الوسطي يصول ويجول في الإعلام والتعليم والخطاب الديني. التناقض التقليدي بين الدين والعلم قضية فيها نظر لأن ذلك يعني شطب الدين لحساب العلم في نظرك وشطب العلم لحساب الدين في نظر الأصولية الدينية وكلا الحلين عبثي ومستحيل.
أخي د. مجيد، العداء بين الدين والعلم الذي استفحل في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر لم يعد اليوم مطروحاً على جدول أعمال العلم والعلماء.فالعلم يعترف بالدين في مجاله الخاص، الذي هو الروحانيات وتقديم العزاء والسلوى للحزانى. الدين المفهوم فهماً حديثاً أي المفصول عن الدولة يعترف بدوره بالعلم في مجاله الخاص: تفسير وفهم الظواهر الطبيعية والاجتماعية بما فيها الدين نفسه حسب قوانينه الخاصة، المؤشرات على ذلك أن الكنيسة الرومانية التي حاربت العلم والعلماء قروناً متطاولة ردت أخيراً الاعتبار لجاليلي وداروين مثلاً. المشكلة الحقيقية هي إسلام القرون الوسطي الذي مازال بفضل التعليم والإعلام والخطاب الديني معادياً للعلم.
فما الحل؟ إما أن ننتظر أن يأتي يوم في المستقبل البعيد لا يدرس فيه الدين في مدارس العالم الإسلامي ، وإما أن نكون أكثر واقعية وعقلانية وتدخلاً في مسار الأحداث فنطالب بتعليم ديني بديل متصالح مع العلم ومع المرأة ومع غير المسلم ومع الديمقراطية ومع حقوق الإنسان ومع علوم الحداثة العقلانية والإنسانية وهذا ممكن _ بل هو في تونس منذ 14 عاماً أمر واقع _ قال لي أدونيس متعجباً، ونحن عائدان من القاهرة بعد حضور مؤتمر المجلس الأعلى للثقافة في يوليو الماضي، أتعتقد بضرورة تدريس الدين؟ وأضاف قائلاً في نظري لا ضرورة لتدريس الدين إطلاقاً. أجبته، هذا يعني عملياً استمرار تدريس الدين بشكله الحالي إلى أجل غير مسمي. بلجيكا وبريطانيا مثلاً تدرسان الدين في المدارس ولا أحد يشك في علمانتيهما التي لا تقل من حيث الأساس عن العلمانية الفرنسية التي لا تدرسه في مدارسها العامة. خيارنا إما أن نفرض على الحكومات العربية تعليماً دينياً مؤطراً بعلوم الحداثة مثل تاريخ الأديان المقارن الذي ينقل الظاهرة الدينية من عالم الميتافيزيقيا والمطلق إلى عالم التطور والنسبية التاريخي، وإما أن نتفرج مكتوفي الأيدي على تعليم ديني يغسل أدمغة الأجيال الطالعة، جيلاً بعد جيل، ب"الجهاد إلى قيام الساعة" وتبرير إبقاء المرأة قاصرة أبدية وغير المسلم كافراً "لا يجوز التشبه به" .. والعلم مؤامرة يهودية على الإسلام إلى آخر الهذيان المعروف.
فيما يخصني اخترت اقتراح مشروع تعليم ديني إسلامي يعيد صياغة الوعي الإسلامي ليتطابق أخيراً مع وعي عصره، يعلم الناشئة بأن القرآن ليس موسوعة علمية ولا تاريخية كما تقول له معظم المناهج الإسلامية اليوم، بل هو كتاب عبادات وأخلاق حميدة. فقد قال نبيه:"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" لوم يقل لأتمم حقائق العلم.
أخي د. مجيد، التعليم الإسلامي المنشود هو ذلك الذي يضع حداً لحقائق دين "عشرات القرون" الخوالي هو الدين الذي يتخلى عن الشريعة للقانون الوضعي وعن الشورى للديمقراطية وعن السياسة للسياسيين وعلماء السياسة .. مازال التناقض بين الدين ومصالح الطبقة العاملة راسخاً لديك. لكن في الواقع الأمر لم يعد كذلك في المسيحية على الأقل بعد أن ‘فصلت عن الدولة وانحسرت في المجال الروحي، تذكر مثلاً لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية ونقد جان بول الثاني للرأسمالية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ومطالبته المستمرة بالعدالة الاجتماعية. بإمكان إسلام حديث ومرشد ومعلمن أن يمتلك هو أيضاً لاهوت تحريره. بإمكان إسلام تخصص في الروحانيات وتخلي عن الجهاد والاستشهاد وعداء المرأة وغير المسلم والعقل والعلم والحياة أن يتصالح مع الحداثة مؤسسات وعلوماً وقيماً.
لا تنسي أخي أن للدين وظائف روحية ونفسية مازالت قوية في النفسية البشرية المسكونة بإعطاء حياتها معني بعد الموت: الخلود في عالم البقاء. ولا ضير من ذلك عندما لا يعترض الدين المعلمن والمرشد عن إعطاء الآخرين معني لحياتهم في الحياة لا فقط بعد الممات.
هنا الحلقة الثانية من الحوار الذي اجراه قراء وكتاب إيلاف مع المفكر التونسي العفيف الأخضر:
* أكرم هواش : لقد مر العالم العربي بمخاضات كبيرة وذلك منذ انهيار الاتحاد السوفيتي ، وأن توازن القوى مال كلياً لصالح الإمبريالية الأمريكية. واليوم يواجه العالم العربي حملة جديدة للسيطرة "فيزيقياً" على مصادر البترول وعلى المنطقة. لقد قيل إن الهدف من هذا ليس العالم العربي فحسب بل هو الدول الأوربية واليابان. وأن الحملة على الإرهاب ما هي إلا حملة مصطنعة من جانب الولايات المتحدة هدفها "كان ولا يزال إعلامياً" وجاء كبديلاً للصراع ضد الاتحاد السوفيتي كعدو وذلك لأن الرأسمالية وأمريكا على رأسها، بحاجة ماسة لعدو وقد وجدته في الإسلام والعرب. فما رأيك بهذا القول؟
- بالتأكيد البترول عنصر أساسي في السياسة الدولية. ولكنه بالتأكيد أيضاً ليس العنصر الأكثر حسماً . منذ انهيار الاتحاد السوفيتي انهار الانضباط الدولي لحقبة الحرب الباردة حيث كانت الكتلتان الغربية والشرقية تفرضان انضباطاً شبه حديدي على الدول الموالي التابعة لهما. بانهيار الكتلة الشرقية انهار هذا الانضباط ودخل العالم في حالة من فقدان الوزن أسميتها في حينها "الفوضى الدولية الشاملة" التي دشنها صدام بغزو الكويت. إذن عدو أمريكا وأوربا واليابان وروسيا والصين اليوم هو هذه الفوضى الدولية الدامية التي تهدد بخطر أن يصبح العالم غير قابل للحكم أي أن يصبح صومال كبيرة. في نظري من لا يدرك هذه الواقعة السياسية الدولية يعجز عن فهم غايات الدبلوماسية الدولية. أما القول بأن الولايات المتحدة اختارت الإسلام كعدو بديل عن الشيوعية فلا دليل عليه، وقد لا يعدو أن يكون مجرد تخييل لعقدة الاضطهاد المتأصلة في الوعي الإسلامي التقليدي والأصولي . الإرهاب الإسلامي في الشيشان وفي الصين وفي السعودية وفي المغرب وفي الجزائر وفي مصر وفي أوربا وفي باكستان وفي كشمير وأخيراً "القاعدة" الشهيرة لم تخترعه واشنطن بل هو نتيجة لأسباب دينية خاصة بالتعليم الديني الذي يغذي التعصب ويحرض على الجهاد ولأسباب اجتماعية وسياسية واقتصادية ونفسية طالما حاولت تحليلها ولا مجال للخوض فيها الآن ولا شك أنك اطلعت عليها يا صديقي أكرم.
* أكرم هواش: ماذا حل بالصراع الطبقي والنظرية الثورية البروليتارية؟ هل الإطاحة بالرأسمال العالمي لا تزال نظرية قابلة للتطبيق في ظل الأجواء العالمية القائمة والقاتمة والمظلمة؟
- سؤالك يطرح إشكالية حتمية الثورة كوسيلة للتغيير السياسي والاجتماعي . إذا عدنا للتاريخ نسائله فلن نجد دليلاً على هذه الحتمية بل إن مبدأ الحتمية نفسه لم يعد مقبولاً إلا في أضيق الحدود. مرت أوربا خاصة الغربية من الرق إلى الإقطاع بدون ثورة. ولم تنتقل إلى الرأسمالية بثورة حقيقية إلا في فرنسا وبنصف ثورة في إنجلترا ودون ثورة في ألمانيا وباقي البلدان الغربية.قد تنهار الرأسمالية العالمية بإفلاس مالي واقتصادي عالمي. لا أحد يستطيع التنبؤ بعواقب ذلك . هل ستدخل الإنسانية يومئذ في عصر حرب الجميع ضد الجميع: الفاشية والحرب. أم: العكس ستنطلق من جديد إلى نظام عالمي جديد ذي ضوابط دولية أكثر عقلانية أو على الأقل معقولية؟ كا إجابة مسبقة لن تكون إلا رجماً بالغيب أي رغبة أيديولوجية مقطوعة من الواقع.
*أكرم هواش: سلطة المجالس الثورية كانت في رأيك هي الحل الوحيد والبديل للديمقراطية البرجوازية. هل هذه النظرية لا تزال هي النقطة المركزية والهدف الأسمى لتحقيق الحلم الثوري؟
- رفعت هذا الشعار المأخوذ من الحركة المجالسية في أوربا في السبعينات ضداً على الشعار التروتسكي "ثورة سياسية" تحل قيادة عمالية تروتوسكية محل القيادة العمالية المتبقرطة كبديل لحكم البيروقراطية في المعسكر السوفيتي . وقد حسم التاريخ هذا السجال الأيديولولجي فسقطت الإمبراطورية السوفيتية دون حرب ودون ثورة وهو حدث غير مسبوق في التاريخ. وهذا ما ينبغي أن يجعلنا منذ الآن أكثر حذراً وتواضعاً . الحلم رغبة أو حاجة إنسانية ضرورية ولكنه لا يحرك التاريخ. لو كان هذا الأخير يلبي دائماً أحلامنا لما كنا، أنا وأنت، نخوض في هذا السؤال.
* بوحميد السرحان: هناك من يوسم العربية بالعجز حيال التطورات الفكرية في العالم .. أي هناك قصور أدائي يجعلها تعجز عن نقل المعني المطلوب .. أين هو الخطأ في نظرك: في العربية، في التلقي، أم في بنية المجتمع الفكرية؟
- من وجهة النظر الألسنية لا توجد لغة عاجزة عجزاً جوهرانياً عن قبول التطور اللغوي إلا إذا كان متكلموها مثلنا مصابين بعبادة الأسلاف: يفكرون بجماجم أسلافهم ويتكلمون برطانتهم لأن الأسلاف لم يتركوا للأخلاف ما يضيفونه. إذن لا وجود لقصور ذاتي في أية لغة كانت وخاصة اللغة العربية التي كانت في القرون الوسطي لغة فلسفة وعلم ودبلوماسية، قبل أن يشل ديناميك تطورها عبدة الأسلاف، منذ انتصار السلفية الدينية واللغوية في القرن الثاني عشر. السؤال هو كيف تستطيع العربية اليوم إثراء معجمها خاصة في العلوم الدقيقة والإنسانية بمعجم المصطلحات المعاصر، تماماً كما فعلت العبرية التي لم تعد اليوم بمعجمها الإصطلاحي لغة سامية بل تحولت إلى لغة أوربية. وهذا ما فعلته العربية منذ القرآن الذي اتضح اليوم أن معظم معجمه الديني عبري وسرياني فضلاً عن الكلمات اليونانية وغيرها.ليتك تستطيع قراءة مقال طويل نشرته في الحولية "قضايا فكرية" القاهرة [مايو 1997] بعنوان:"الأصولية تعيق تطور اللغة العربية". وقد قدمت مقترحات لتحديث المعجم اللغوي العربي بفتحه للدخيل أي المعرب ولنحت المصطلحات وترجمتها وترجمة معجمين أساسيين من الإنجليزية والفرنسية وأيضاً بترجمة المعاجم المتخصصة في العلوم الدقيقة والإنسانية فضلاً عن إصدار معجم عربي حقاً حديث ومعج اشتقاقي ومعجم تاريخ اللغة العربية ومعجم ب"فصحي الحياة" [العامية] والاعتراف باللحن الذي هو إحدى أهم محركات التطور اللغوي.
عبدالقادر الجنابي: كيف تشرح (ولماذا) وجود ثنائية متداخلة بين الدولة التي هي شكل من أشكال العلمانية، وبين السلطة الدينية المضادة لكل ما هو علماني .. بين القانون والتكفير، بين القضاء والشرع ..؟
- إحدى أسباب الشلل الذهني العربي هو المزاوجة بين الأضداد التي يلخصها بمأساوية الشعار الفصامي بامتياز: "الجمع بين الأصالة والحداثة" اللتين يحيد أحدهما الآخر. لا شك أن في كل حداثة توجد رواسب قديمة. فلا يوجد في التاريخ الجديد الخالص كالذهب الخالص. لكن في الحالة العربية توجد الحداثة غالباً كمساحيق لتجميل ملامح القدامة الأكثر قدامة. أزمة الحداثة التي يتخبط فيها العالم العربي اليوم رهانها هو الخروج من عنق زجاجة القدامة إلى رحاب الحداثة لنغدو أخيراً معاصرين لعصرنا أي الانتقال من التعليم الذي تطغي فيه القدامة على الحداثة ومن التعليم الديني السلفي الذي يغسل أدمغة الأجيال الصاعدة بكراهية المرأة وغير المسلم والمؤسسات الحديثة والقيم العقلانية والإنسانية إلى تعليم ديني قوامه العقلانية الدينية المنفتحة على كل جديد في الفكر والعلم والحياة بما في ذلك الشعري والرمزي والروحي.. إلخ. ومن الحكم الفردي الذي يسئ صناعة القرار، التي هي، الجزر التربيعي لاستمرار تأخرنا التاريخي، إلى حكم المؤسسات التي تعمل كطائرة بدون طيار وتصنع القرار حسب مواصفات صنع القرار في العالم المتقدم. وأخيراً الانتقال من الإسلام الجهادي والإستشهادي إلى إسلام روحي قوامه السلام والمحبة.
* طارق محيمد: ما هي في نظرك المهمات الأولية لمثقف اليوم؟
- بيولوجياً يمتلك الإنسان ثلاثة أدمغة :الغريزي والانفعالي والمعرفي (الأولان يشترك فيهما الحيوان مع الإنسان) أما الثالث فهو المعرفي الذي ينفرد به الإنسان والذي يقوم بأكثر الوظائف الذهنية تشعباً وتعقيداً . مهمة المثقف هو أن يستخدم دماغه المعرفي خاصة في العالم العربي حيث لا يكاد المثقف السائد يستخدم إلا دماغه الغريزي والانفعالي. قيل أن أحدهم سأل يوماً أبا نواس عن أيهما أفضل شرعاً أن يسير أمام الجنازة أم خلفها، فأجابه: لا تكن داخل النعش وسر حيث طاب لك المسير. بدوري أقول للمثقف كن حديثاً وفكر بدماغك المعرفي وكن يسارياً أو يمينياً أو بين بين .. فذلك ثانوي.
* د. أنور المغيث: يتجلي في كتاباتك في السنوات الخيرة الانشغال بواقعنا العربي الرديء والبحث عن سبل لإصلاحه. ولكنك في الكثير من كتاباتك السابقة كنت بالغ الاهتمام بالواقع العالمي وكنت نافذة للقارئ العربي للاضطلاع على ما يجري من تطورات للرأسمالية على مستوي العالم. والآن أريد أن أسألك سؤالاً بعيداص عن واقعنا العربي: ما هو تقديرك للتطورات الاقتصادية على مستوي العالم وحظ الرأسمالية في الخروج من أزمتها . وما هو موقفك من شعارات أنصار العولمة البديلة؟
- لا شك أن النخبة الرأسمالية العالمية تتمتع بمرونة ذهنية ساعدتها حتى الآن على أخذ دروس من جميع أزماتها وخاصة أزمة 1929. كما لا شك أن الرأسمالية أكثر الأنظمة الاقتصادية التي عرفتها الإنسانية قدرة على التكيف مع المستجدات. لكن لا ينبغي أن تحجب الشجرة الغابة فما زالت الرأسمالية تكابد تناقضات بنيوية أحدها تلك التي قال عنها برناردشو"الرأسمالية مثل رأسي ولحيتي وفرة في الإنتاج وسوء في التوزيع" وكان رأسه أصلع ولحيته كثة. انضافت إليها اليوم تناقضات أخرى مثل تناقض الإنتاج اللامحدود مع الموارد الطبيعية المحدودة وغير القابلة للتجديد وهذا ما جعل العلماء يتوقعون كارثة أيكولوجية كونية إذا استمر الإنتاج بمعدلاته الحالية ومنها غلبة الرأسمال المضارب على الرأسمال المنتج مما دفع كثيراً من الاقتصاديين إلى توقع كارثة مالية وربما اقتصادية عالمية ومنها اتجاه الرأسمالية إلى إلغاء المنافسة عبر تعميم الاحتكار. باختصار يشخص الاقتصاديون المشكلة الأولي للعولمة، أي رأسمالية عصرنا، بأنها غياب الضبط REGULATION العالمي بعد أن غدا الضابط الذي كانت تمارسه الدولة القومية عاجزاً عن ضبط حركة الرأسمال العابر للحدود. من اليسار يقترح جاك أتالي تحويل مجلس الأمن إلى حكومة عالمية على غرار لجنة بروكسيل وتحويل الأمم المتحدة إلى برلمان عالمي على غرار البرلمان الأوربي للتصدي لغياب الضابط العالمي للعولمة، ومن اليمين يقترح هنري كيسينجر حكومة عالمية للقيام بنفس الوظيفة قائلاً:" لقد أصبحت دولنا القومية مثل الدول الإقطاعية الصغيرة التي عجزت عن إسعاد مواطنيها ". والبديل هو حكومة عالمية. واضح أن المفكرين المعاصرين عادوا مجدداً إلى فكرة الحكومة العالمية التي اقترحها كانط في كتابه" في سبيل سلام دائم" وهي الفكرة التي أخذها عنه ماركس ثم اليسار عموماً حاول الكانطي الرئيس الأمريكي ويسلون تجسدها في "عصبة الأمم المتحدة" ثم" الأمم المتحدة" ثم اليوم تحويل الأمم المتحدة إلى حكومة عالمية ..
العولمة البديلة هي في الواقع عولمتان : العولمة التروتسكية - الفوضوية وهي صيغة أقرب ما تكون إلى الحكومة العمالية العالمية التي تلغي التبادل السلعي وهو حلم منشط للخيال لكن قلما تحقق في الواقع. أما العولمة البديل الثانية فهي لا تحلم بإلغاء العولمة الحالية بل تسعي فقط لضبطها بتخفيف آثارها الجانبية على ضحاياها من شعوب وطبقات العالم الفقيرة كما تطالب فيما تطالب باستثناء قطاعات أساسية من قانون القيمة الرأسمالي مثل الصحة والتعليم والثقافة.
أشعر بأنني قريب من هذا التيار، فالتجربة التاريخية برهنت حتى الآن على أن إلغاء اتجاه تاريخي كالعولمة ضرب من المحاولات اليائسة وأجدى منه محاولة ضبط هذا الاتجاه التاريخي. ضبط الاتجاه التاريخي - لا إلغاؤه - هو كما يبدو المجال المتاح للتدخل البشري في حركة التاريخ حتى ليبدو ممكنا تحويل طبيعة الرأسمالية تدريجياً بسلسلة من الضوابط واللمسات الإصلاحية التي تحد من وحشيتها شيئاً فشيئاً لتجعلها أخيراً في متناول الإنسان .. والنقاش مفتوح.
* سلمان الحميدة: أي مفكر ترك أثراً عميقاً على مسيرتك الفكرية؟
- كما أن النص هو في الواقع تناص أي ملتقى لعدة نصوص تلاقحت على مر العصور، كذلك الفكر الذي يحمله مثقف هو ملتقي تيارات فكرية عديدة تبدو أحياناً في الظاهر متناقضة. في مطلع الشباب تأثرت بطة حسين وشبلي شميل ولطفي السيدوسلامه موسي وأحمد أمين والعقاد الشاب وبرموز الإسلام المستنير مثل قاسم أمين والطاهر الحداد والفاضل بن عاشور وعلال الفاسي وأيضاً بالقديس أو جستين.. إلخ، كما تأثرت بالتيار الوجودي خاصة سارتر ثم تأثرت بالتيار الماركسي وخاصة ماركس وروزا لكسمبروج ثم بالتيار التحليل النفسي وخاصة فرويد ورايش. هذه التيارات جميعاً أثرت فيّ بنسب من الصعب تحديدها إلا إذا لجأت إلى التبسيط السائد في الثقافة العربية. لهذا السبب أفضل عدم ارتكاب هذه الخطيئة الفكرية المميتة.
* جميل الدمشقي: لك إطلاع غزير على التراث العربي، ولغتك السياسية فيها شيء من سحر البيان، هل فكرت يوماً أن تكتب شعراً، أن تصير شاعراً، ولو افترضنا أنك اخترت الشعر منذ زمان ما الذي كان سيتبقى من فكر العفيف النقدي؟
- قلت قبل قليل أن النص تناص .. ونصي يلتقي فيه النقدي بالشعري، والعقلاني بالوجداني، والذاتي بالموضوعي، فربما كان إهداء عبد القادر الجنابي ليّ إحدى قصائده قائلاً:" إلى العفيف الأخضر الشاعر سراً" في محله" .. كتبت الشعر .. في الواقع كتبت قصيدة حرة تأثرت فيها بنازك الملائكة نشرتها في اليومية التونسية "الصباح" 1958 وزعمت أنها قصيدة من ديوان سميته "إحتراق" . وفعلاً كنت آنذاك أحترق عاطفياً وفكرياً. كما نشرت في نفس الصحيفة في الوقت نفسه تقريباً ترجمة قصيدة لبودلير من "أزهار الشر" وترجمت في كتاب "العسف" (دار الآداب بيروت 1965) قصائد نضالية للجزائري بشير حاج علي. حفظت منذ كان سني 18 عاماً ديوان المتنبي ولزوم ما لا يلزم للمعري وقصائد عديدة لكثير من الشعراء قدماء ومحدثين لو أمتلك حقاً موهبة شعرية جعلت مني شاعراً لما أثر ذلك على فكري النقدي. فالشعر والفكر النقدي يتكاملان ولا يتناقضان. جوته شاعر ومفكر في آن وهو القائل:" ما من شاعر كبير إلا وهو فيلسوف كبير" وفعلاً فأفلاطون رغم كراهيته للشعراء وهو في الواقع شاعر في محاوراته حيث يلتقي قارئه بالشعر والعقلانية معاً .. والأمثلة لا تكاد تحصى.
*أشرف عبد الفتاح عبد القادر: في حديث سابق لك قلت:" على القراء ألا ينتظروا مني سماع ما يتوقعونه لأنني سأفاجئهم دائماً بالجديد، فالحقيقة رمادية"، يتهمك الكثيرون بأنك تغير أفكارك ، حتى إن أحدهم قال لك في فضائية الجزيرة، بأنك أخضر، وأصفر، وأحمر،فهل على الكاتب أو المفكر أن يراجع أفكاره أم يتراجع عنها؟ وهل هناك فرق بين التراجع والمراجعة؟
- في نظري إحدى أكبر نواقص عدد كبير من المثقفين في العالم العربي هي أنهم لا يقولون لقارئهم إلا ما ينتظره قارئهم منهم. لماذا؟ لأن القارئ هو الرأي العام، وهذا الأخير يمثل في لا شعور الإنسان الأبوين. بما أن أبوينا ربيانا بالتأنيب والتذنيب على أن نكذب عليهما بإخفاء الحقيقة، لأن قول الحقيقة لابد أن يكون مصحوباً بتأنيب أو تذنيب أو ضرب . إلخ، فاستقر في لا شعورنا أن لا نقول للقارئ أي للأبوين إلا ما يريد سماعه منا. وهذا المرض مستشرى خاصة لدي قادة المتأسلمين. يذكر السسيولوجي الجزائري عبد الرحمن اللاموشي في كتابه "الإسلاموية والسياسة" الصادر عن دار لارماتون الفرنسية، أنه عندما قيل للسفير الأمريكي في الجزائر لماذا توقفت عن استقبال محفوظ نحناح؟ أجاب:" لأنه سيقول لي ما أريد أن أسمعه منه"، فيما يخصني أشعر. بما كما يشعر الأنبياء، أنني مسكون برسالة وأن عليّ أن أبلغها كما هي. ولو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري لكي لا أبلغها كما هي لبلغتها أو هلكت دونها. ففيّ شيء ما إن لم يكن شيئاً كثيراً من محمد بن عبد الله.
نعم أغير أفكاري بمجرد أن أكتشف أن الواقع تجاوزها أو لم تكن متكيفة معه، تذكر يا أشرف كلمة ماركس الجميلة" كل شيء يتغير إلا قانون التغير"، في نظري من يكابر أمام الوقائع والواقع لا يمكن أن يكون مثقفاً حقاً، ذكرتني بالإسلاموي الذي وصفني بالأخضر والأصفر والأحمر وبكل ألوان الطيف .. لا بأس، فأنا ثوري ورجعي، متدين وملحد، مادي وروحي، شاعر سراً وناثر جهراً، فأنا كتلة متفجرة من المتناقضات المتعايشة سلمياً ..أنا ثوري عندما يتعلق الأمر بالوقوف بحزم ضد حروب العرب الانتحارية ضد إسرائيل وغيرها، و"رجعي" عندما يتعلق الأمر بتوقيع السلام، فأنا مع السلام بأي ثمن كان لأن السلام هو أثمن ثمن. والمجتمعات العربية تحتاج إلى هذا السلام مع إسرائيل وإيران وشعوب العالم أجمع التي شن عليها الإرهاب الإسلاموي حرباً انتحارية، لتحقيق المهام الحيوية التي تطرح نفسها عليها منذ قرون وتلخصها كلمة واحدة هي التنمية، وأنا متدين بكل دين يكون ملاذاً روحياً للغلابي والحزاني والمتألمين، ديناً يكون زفرة الإنسان المكبل بالأغلال وقلباً في عالم لا قلب له وروحاً لحقبة لا روح فيها، فأنا متدين بكل دين روحي، أي فصل بين الزمني والدنيوي وعانق فيه يسوع روح الله غاندي .. دين هو :"من يرتضي غير التسامح ديناً فلن يقبل منه، كما قال صديقي د. محمد عبد المطلب الهوني" وتذكر قول ابن عربي :
لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي / إذا لم يكن ديني إلى دينه دانى
وقد صار قلبي قابلاً كل صورة / فمرعي لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف / وألواح توراة ومصحف وقرآن
أدين بدين الحب أنّي توجهت / ركائبه ، فالحب ديني وإيماني
فأنا على دين ابن عربي.وأنا ملحد بكل دين يكون دين دولة، يكون دين تعصب، وبكل دين جهادي واستشهادي، وبكل دين يضطهد الفرد والمرأة وغير المسلم بغرائزه البدائية وعقوباته البدنية. وأنا مادي بالمعني الفيزيائي للمادة القائل بأن "المادة هي الطاقة التي تأخذ شكلاً"، وأنا روحي بمعني أن الروح هو الطاقة التي تسري في العالم،على الكاتب أن يعيد التفكير في أفكاره دون توقف أي أن يراجع أفكاره دائماً ليمتحنها على ضوء حركة الواقع وأن يتراجع عنها كلما اكتشف أنها لم تعد أو لم تكن أصلاً متكيفة مع الواقع. إذاً لا وجود لفارق جوهري بين المراجعة والتراجع فالهدف هو دائماً واحد: البحث عن الحقيقة التي هي دائماً تاريخية، أي نسبية. لماذا؟ لأن معرفتنا بالواقع نسبية وقدرة عقولنا على الإحاطة به والأدوات التي تستخدمها لإدراكه بها نسبية هي الأخرى، فلا يمكننا إدعاء امتلاك الحقيقة التي لا تحول ولا تزول إلا إذا سقطنا في مهاوي التعصب والعياذ بالله.
* أشرف عبد الفتاح عبد القادر: هناك ثلاثة أشياء محرم التفكير فيها في العالم العربي وهي: الجنس والسياسة والدين، وقد كتبت مقالاً في "الحياة" قلت فيه "إن مهمة الكاتب هي كسر المحرمات ، وان المحرم لا يكسر إلا مرة واحدة"، فمتي سيتكلم العالم العربي عن المسكوت عنه، ويفكر في اللامفكر فيه بصوت عال؟
- سيتكلم العالم العربي عن المسكوت عنه، أي يفكر في اللامفكر فيه عندما يصبح حديثاً. المجتمعات التقليدية هي تعريفاً مجتمعات المسكوت عنه. لماذا؟ لأن الفرد لم يوجد فيها وما إن يوجد فيها حتى تحوله إلى "خليع" أي مخلوع من حماية القبيلة وهذا كان مصير الخلعاء في الجاهلية مثل الشنفري وتأبط شراً .. إلخ، أما في الإسلام السلفي فالفرد الذي يحاول أن يمتلك رأسه وفرجه ف"هي" زانية ترجم لأنها تصرفت بفرجها الذي يملكه أبوها وأخوها وزوجها وأقرب ذكر إليها وإلا فالأمة التي تقيم عليها حد الرجم، و"هو" مرتد يفصل رأسه عن جسده كما فصل هو رأسه عن رأس القبيلة الجمعي وفكر بنفسه بدلاً من التفكير برأس القبيلة ..
الشيء من مأتاه لا يستغرب: الجنس مسكوت عنه في مجتمعاتنا إلا نادراً لأنها مازالت من حيث الأساس - وخاصة في الجنس - تقليدية حتى العظم وفصامية حتى الجنون: تمارس الجنس حتى كما يمارس في الأفلام التجارية ولكنها تمارسه بالصمت والشعور بالذنب ..فياليتها لم تزن ولم تصمت ..، والسياسية مسكوت عنها لأن الحداثة السياسية مازالت تطرق أبواب العالم العربي الموصدة بأقفال أسطورية: في الحكم التقليدي - الذي هو دائماً حكم فردي - السياسة ملك للحاكم فهو صانع وصاحب القرار وهو قاضيه وهو منفذه ف"الكل في واحد" كما وصف محمد عبده المستبد الشرقي ممثلاُ بمحمد علي.. أو بصدام حسين ..، الدين هو الآخر مسكوت عنه في المجتمعات التقليدية التي لم تحررها الحداثة العلمانية بفصل الديني عن الزمني وجعل الديني والزمني معاً موضوعاً للبحث العلمي الذي لا يعترف بأية قيود غير قيود منهجه العلمي. ومن نافلة القول أن استفزاز المؤمنين هو ضرب من السادية الإلحادية التي لا ضرورة لها ولا حكمة فيها. بل إن استفزاز المؤمنين ضرب من الاضطهاد الديني المرفوض.
تجتاز المجتمعات العربية اليوم أزمة حداثة عاصفة ستخرج منها أكبر الظن من المسكوت عنه إلى المفكر فيه بصوت عال، إن لم يكن صاخباً.
* أشرف عبد الفتاح عبد القادر:ذكرت أن سقوط بغداد دون قتال واستسلام صدام دون مقاومة له دلالة ومغزى لا تقل دلالة على انهيار جدار برلين. فكيف تري مستقبل العراق؟ وهل الحل الأمثل هو الكنفيدرالية ، أم تقسيم العراق إلى ثلاث دول: دولة سنية، ودولة شيعية، ودولة كردية؟ وهل العلمانية هي زورق النجاة لها من حرب أهلية داخلية؟
- الأحداث الكبرى مثل سقوط جدار برلين أو استسلام بغداد دون قتال هي نقطة الأوج في مسار تاريخي تراكمي CUMULATIF طويل. أيضاً استسلام بغداد دون قتال هي نقطة انفجار المكبوت العراقي ضد حكم صدام حسين الفردي الدموي. سقوط جدار برلين أعقبه انتقال بلدان الستار الحديدي السابق إلى الحداثة السياسية والاقتصادية وباختصار إلى ظهور المجتمع المدني الذي يشكل وازناً لسلطة الدولة التي تستبد حتماً إذا لم تعارض سلطتها وسطوتها سلطة أخرى وسطوة أخرى، والحق مع شاعر القطرين خليل مطران الذي قال: إنما يبطش ذو الأمر إذا / لم يخف بطش الأولي ولوه أمرا
استسلام بغداد دون قتال قد يحمل هو الآخر لا للعراق وحده بل للعالم العربي كله بشارة الانتقال تدريجياً وعبر خضات وتراجعات مؤقتة يعرفها التاريخ جيداً إلى حكم المؤسسات وباختصار إلى الحداثة السائدة في عصرنا.
الحكم المركزي الفردي الدموي للعراق طويت صفحته بعد صدام بل إن الحكم المركزي الديمقراطي في البلدان الرأسمالية المتقدمة لم يعد مطروحاً على جدول الأعمال في هذه البلدان التي قطعت شوطاً كبيراً في اللامركزية وفي الكنفيدرالية، حسبنا أن نعرف مثلاً أن ألمانيا دولة كنفيدرالية
[اتحادية] .. إلخ، إذاً لم يبق أمام العراق إلا حلان حلو ومر:الكنفيدرالية الديمقراطية التي تعطي لجميع أقليات العراق القدر الضروري من حقوقها - طالما حصول كل أقلية على حقوقها كاملة لا يكون إلا على حساب حقوق الأقليات الأخرى - الكنفيدرالية في العراق هي الحل الوسط بين ما يريده العراقيون وما يستطيعونه. وإذا فشل الحل الكنفيدرالي فلن يبقي إلا الحل المر وهو تقسيم العراق الذي سيكون في الواقع أكبر مشكل: حاملاً لمشروع حروب داخلية وإقليمية. أراهن على حكمة العراقيين وبعد نظر النخبة العراقية من جميع الطوائف.على النخبة السنية العراقية أن تنسي المعادلة البريطانية 1920: العراق لا يحكمه إلا السنة لأنهم كعرب مقبولون من الشيعة العرب وكسنة مقبولون من الأكراد السنة. هذا العقد الطائفي تفكك اليوم ولابد من عقد طائفي - وطني جديد هو الكنفديرالية.
طبعاً العلمانية هي طوق النجاة للعراق ولغير العراق، خاصة في البلدان التعددية دينياً، لكن ينبغي أن تكون علمانية مرنة تأخذ في الحسبان ثقافة كل بلد وكل طائفة. الاستطلاع الأخير في العراق أوضح أن 20% فقط يريدون دولة إسلامية، أما الباقون فيريدون دولة حديثة وديمقراطية. وهذا واعد خاصة وأن شيعة العراق كانوا دائماً علمانيين بمن فيهم رجال الدين الذين قلما زجوا بأنفسهم في السياسة. عكس شيعة إيران.
* منال مصطفي الشيخ: تؤكد في مراراً في كتاباتك سواء في "الحياة" أو في "إيلاف" وفي غيرهما على أن الأزمة الحقيقية تكمن في شيئين: تخلف صناعة القرار العربي ، وافتقاد النخبة الفكرية للشجاعة الفكرية والنخبة السياسية للشجاعة السياسية. فهل توضح ذلك لقارئ هذا الحديث؟
- بالتأكيد، تخلف صناعة القرار العربي هو الجذر التربيعي للتأخر التاريخي العربي، فكل إنجاز حديث كان وراءه قرار صائب. القرار الصائب تصنعه المؤسسات التي تدار كطائرة بدون طيار فالفرد فيها يصبح رقماً قابل للاستبدال بسهولة استبدال المرء لحذائه، لأن المؤسسات الجمعية الصانعة للقرار هي التي تحكم فعلاً، أما الملك أو الرئيس فيحكم اسماً، أما في الحكم الفردي التقليدي فالفرد هو الذي يصنع القرار . في عالم متشعب ومعقد لا يستطيع فالفرد مهما كان متعدد المواهب أن يحيط بكل شيء علماً، أما إذا كان الحاكم الفردي متعدد الحماقات مثل صدام حسين ومن لف لفه فالكارثة مؤكدة وهذا ما عاشه الشعب العراقي وشعوب المنطقة آلاماً تشبه آلام الصلب.
الغائبان الأكبران في ممارسات النخبتين الفكرية والسياسية هما الشجاعة الفكرية والشجاعة السياسية. الوعي بمتغيرات الواقع يأتي متأخراً عن الواقع إلا لدى قلة نادرة من المثقفين الذين يلعبون دور محطة الإنذار المبكر. فمازالت النخبة الثقافية في معظمها غير مدركة لمتغيرات الحقبة منذ سقوط جدار برلين ومغامرة صدام في الكويت وعواقبها وإفلاس الانتفاضة الفلسطينية الثانية - انتفاضة العمليات الانتحارية التي أسقط عليها المثقفون كل توقعاتهم المهدوية بل الفصامية الهاذية حتى أن بعضهم قال أنها لن تحرر فلسطين وحسب ولا الوطن العربي وحسب بل ستحرر العالم كله من السيطرة الأمريكية الصهيونية - وسقوط بغداد دون قتال واستسلام صدام دون مقاومة وعد بها هو نفسه أنصاره داخل وخارج العراق وانتظرها الملايين الذين لا ترضيهم إلا نهاية تراجيدية لبطلهم .. أصاب النخبة الفكرية بالشلل الذهني فراحت تتأتأ .. أما النخبة السياسية الأكثر تعاملاً مع متغيرات الواقع الدولي فإنها بدأت تدرك أن سياسة النعامة انتحار وهكذا بدأت تتصالح مع عصرها: النخبة التونسية ذات التقليد البورقيبي الشهير في الشجاعة السياسية تبنت في قمة تونس الأخيرة مشروع إصلاح العالم العربي حداثياً وديمقراطياً. والنخب الليبية التي طالما عاندت الواقع الدولي تحلت بشجاعة سياسية نادرة عندما استدارت في سياستها الخارجية بزاوية 180 درجة فتخلت عن مشروع إنتاج أسلحة الدمار الشامل، كجزء من كل، ودخلت بحزم في التطبيع مع النظام الدولي. وفضلاً عن ذلك نصحت لسوريا وكوريا وإيران بالتخلي عن صنع أسلحة الدمار الشامل، فتشجيعاً أخوياً وتحية حارة للعقيد القذافي الذي برهن على مرونة ذهنية فاجئتني بكل سرور ..ولا شك أن هذا الاتجاه الليبي هو الذي يمتلك زمام المستقبل أما إذا واصلت النخب السياسية الأخرى - خاصة سوريه عنادها العصابي - فإنها ستلقي مصيراً كمصير عراق صدام.
* منال مصطفي الشيخ: كتبت مقالاً في جريدة "الحياة" بعنوان " لابد من إعادة هيكلة الجامعة العربية"، كيف نعيد هيكلتها؟ وهل هناك ضرورة لوجودها وهي التي لا تتخذ أي قرارات مصيرية ، بمعني آخر هل أصبح وجودها وعدمه سيان؟
- التجمعات الإقليمية على غرار الاتحاد الأوربي ضرورة تاريخية في حقبتنا. فالبلد الذي لا يشكل سوقاً كبيرة لن يجتذب الراسميل الضرورية لنموه. والمواصفات الدولية لمثل هذا البلد هو أن يكون سكانه مائة مليون على الأقل. إذن العالم العربي في حاجة إلى تجمع اقتصادي يبدأ بمناطق تبادل حر ثنائية ومتعددة الأطراف قد تتطور إلى سوق مشتركة عربية مستقبلاً.
الجامعة العربية كانت "خير من بلاش" لكنها كانت ملغومة بتناقضات تناحرية منذرة بالانفجار، وقد انفجرت اليوم (28/3/2004) في تونس حيث تم تأجيل القمة إلى أجل غير مسمي لأن وزراء الخارجية العرب لم يتفقوا على المشاريع الثلاث الأساسية المقدمة إليهم: مشروع الإصلاح المصري، ومشروع الإصلاح التونسي
(الذي يرسم كهدف للدول العربية تجفيف ينابيع الإرهاب والتقدم الحثيث إلى الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتربوي)، ومشروع الإصلاح الليبي الشجاع الذي يطالب الدول العربية بنسيان التفكير في أسلحة الدمار الشامل وفي التصالح مع النظام الدولي السائد كخطوة أولي نحو التصالح مع شعوبها ومجتمعاتها المدنية.
بشيء من التفاؤل أقول ماتت الجامعة العربية، تحيا الجامعة العربية: تنظيم أو عدة تنظيمات إقليمية تأخذ الدرس من الإجماع الذي شل الجامعة العربية منذ ظهورها - القرارات لا تتخذ بالإجماع إلا في المجتمعات التقليدية، مثلاً الهنود الحمر في أمريكا الشمالية يتداولون في مجلسهم القبلي أحياناً لمدة شهر لأن القرارات لا تؤخذ إلا بالإجماع، فعلى الأغلبية أن تقدم باستمرار تنازلات للأقلية لكي يصدر القرار بالإجماع -و باختصار أن نأخذ الدرس من التناقضات التي أدت إلى شلل وفشل الجامعة العربية.
الجامعة العربية صورة للعالم العربي قبل غزو الكويت الذي كان أول قنبلة موقوتة انفجرت في صلبها، أما بعد سقوط نظام صدام فلم تعد قادرة على احتواء التناقضات العربية المتفجرة فتأخير قمة تونس إلى أجل غير مسمي هو نعي للجامعة العربية القديمة وللعالم العربي القديم ولصنع القرار العربي القديم.وحسناً فعلت تونس بتأجيلها.
* رزق شحاته: الشيخ أحمد ياسين، الزعيم الروحي لحماس، ماذا استفادت إسرائيل من قتله وهو الشيخ المقعد؟ وهل هي رسالة لعرفات بأن الدور عليه؟ وهل ستتوقف حماس عن عملياتها الانتحارية؟
- قتل شارون أحمد ياسين لكي تحكم حماس غزة.أذكر أن ايهود باراك كتب في أغسطس الماضي مقالاً طويلاً ترجمته "القدس العربي" قال فيه باختصار شديد لشارون " انك بدون مشروع سياسي تريد الانسحاب من طرف واحد من غزة واستقدام قوات دولية لها وقيام انتخابات تفوز فيها حماس لكي تقول ليس لي شريك أتفاوض معه .. وحذره من العواقب الديمغرافية لهذا القرار على إسرائيل .. استشهدت مراراً في "الحياة" بتصريح لنتنياهو قال فيه:" إن مصلحتنا هي أن تحكم حماس غزة لتفادي التفاوض" على دولة فلسطينية لم ينضج لها إلا حزب العمل، أما حزب الليكود فمازال، في مجمله، غير ناضج لها. هذا في تقديري هو الهدف من قتل أحمد ياسين.
لا أحد يستطيع أن يعرف ما يدور في رأس شارون - الذي هو رأس من القش - لكن قتل عرفات سيكون خدمة لمنظمة فتح، منافسة حماس، وهذا لا يندرج في منطق شارون: تسهيل حكم حماس لغزة.
فكرت حماس، عندما بدأت حكومة شارون تقتل قادتها - وقد كان ذلك خطاً أحمر مسكوتاً عنه - وأعلنت استعدادها لهدنة طويلة وأعلن أحمد ياسين نفسه تخليه ضمناً عن مشروع حماس "تحرير فلسطين حتى آخر ذرة تراب" عندما قال:" إن حماس تقبل بدولة فلسطينية في حدود 1967 .. وهذا أشبه ما يكون بالثورة الثقافية-الدينية داخل حماس. السؤال هو: هل سيردع قتل ياسين قيادي حماس الذين رفضوا حتى الآن الزج بأبنائهم في طابور المرشحين للعمليات الانتحارية؟ أم أنه بالعكس سيؤجج غريزة الموت فيهم فيواصلوا العمليات الانتحارية بوتائر أشد من السابق.
الخاسرون الكبار في هذه اللعبة الدموية هم الشعب الفلسطيني الذي طال ليله وعذابه، والشعب الإسرائيلي الذي مازال يعيش تحت طائلة الخوف منذ قرون متطاولة، وشعوب المنطقة التي يتعلل بعض حكامها برفض كل إصلاح قبل "تحرير الأرض المحتلة"، وشعوب العالم التي باتت رهينة للإرهاب الإسلاموي العابر للحدود.
* رزق شحاته: مسألة توريث الحكم، ظاهرة جديدة في العالم العربي، فهل أصبحت جمهورياتنا ممالك؟ فما رأيك فيها؟
- الشكليات لا تهمني، أن تحكم العالم العربي جمهوريات أو ملكيات، الأمر عندي سيان، الرهان الحقيقي هو طبيعة الأنظمة التي تحكم العالم العربي، هل هي أنظمة حاملة لمشروع حداثي يتقدم تدريجياً ولكن على نحو أكيد إلى الليبرالية الاقتصادية والسياسية والحداثة الدستورية والقانونية والتربوية واحترام حريات وحقوق الإنسان الأساسية عبر مسار متكامل يفضي في النهاية إلى الحداثة السياسية : الديمقراطية. أم ستستمر دار لقمان على حالها بجمهوريات عتيقة هنا وملكيات لا تقل عتاقة هناك؟ كل المؤشرات تناضل ضد هذا الخيار الأخير؟ فالأنظمة العربية اليوم في عين العاصفة ولا يسعها إلا أن تتقدم إلى الأمام أو تسقط مغشياً عليها.
* أستاذ عراقي: لو طلبت منك مدرسة ابتدائية عربية ما، أن تلقي درساً على تلامذتها بماذا ستحدثهم؟ وأية نصيحة في نظرك يجب أن يسمعوا؟
- إذا كانت المدرسة في أي بلد عربي غير تونس، فسأنصحهم بالفرار من درس التعليم الديني السلفي الجهادي والإستشهادي حتى لا يمسخهم إلى قتلة وقتلي.
-تمت اعادة التشر على الوسط التونسية بتاريخ 4 جويلية 2007


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.