تنسيق مصري أردني لخفض التصعيد واحتواء التوترات في المنطقة    حريق ضخم بمستودع الحجز البلدي ببومهل    مفاجأة: دراسة علمية تكشف..عنصر رئيسي يجعل البكاء سبباً لتحسين مزاجك..    الهيئة التونسية للاستثمار تصادق على حوافز لمشروعين بقيمة 79 مليون دينار بقدرة تشغيلية بحوالي 800 شخص    بطاقات ايداع بالسجن في حق ثلاثة كتبة بالمحكمة الابتدائية سوسة 2 من أجل الاستيلاء على محجوز من داخل المحكمة    فتح تحقيق في حادثة سقوط تلميذة من الطابق الاول بمدرسة اعدادية بالمكنين    عاجل/ سقوط شظايا صاروخ مصنع شركة للبتروكيماويات في أبو ظبي..وتعليق العمل به..    إيران: سقوط ضحايا مدنيين تزامنا مع عملية إنزال أمريكية لإنقاذ طيار بمحافظة "كهكيلويه وبوير أحمد"    عاجل/ تعرض منشآت للطاقة ومقار حكومية في الكويت لهجمات إيرانية..    المركز الجهوي لتقل الدم بصفاقس ينظم يوما مفتوحا للتبرع بالدم يوم 8 افريل 2026 بمناسبة الاحتفال باليوم الوطني للتبرع بالدم    تحيل على العشرات من الضحايا: القبض على منتحل صفة مسؤول..وهذه التفاصيل..    جامعة المنستير تحرز على المرتبة الثانية وطنيا ضمن تصنيف 2026 لافضل الجامعات الافريقية على مستوى جودة الانتاج البحثي والعلمي    يهمّ كلّ تونسي: غدوة آخر أجل لخلاص الفينيات    التوقعات الجوية لهذا اليوم..    عاجل/ فاجعة تهز هذه الجهة..وهذه حصيلة الضحايا..    دخول مجاني اليوم إلى المواقع الأثرية والمتاحف في تونس    التشويق يتواصل: مقابلات اليوم تنجم تبدّل الترتيب الكل    الترجّي الجرجيسي الملعب التونسي (0 0): تعادل في طعم الهزيمة لترجّي الجنوب    أخبار النادي الافريقي: الفوز ضروري والمسماري يَتّهم «السّماسرة»    أخبار نجم المتلوي: معاناة متواصلة بسبب غياب الدعم    لجنة التخطيط الاستراتيجي بالبرلمان تستمع إلى ممثلين عن اتحاد الفلاحة بخصوص تنقيح قانون الاستثمار    أكسيوس: القوات الأمريكية أنقذت ثاني فرد من طاقم طائرة إف-15 التي أسقطت في إيران    "جيش" الاحتلال.. مقتل جندي وإصابة آخر بجروح خطيرة في معارك جنوب لبنان    السنغال تمنع الوزراء من السفر إلى الخارج لتوفير النفقات    المهدية : في مؤتمر علمي دولي مُحكّم ...اللّغات.. من الإبداع الأدبي إلى الفضاء الرّقمي    الولادات تتراجع في تونس ونسبة كبار السن في ارتفاع مستمر!    في جلسة عامّة بمجلس نواب الشعب : الصرارفي تنفي نيّة إلغاء مؤسّسات ثقافية    المهرجان الدولي «لمّة الشيفان» في دورته الأولى    تثمين ثروات الصحراء    الستاغ تقوّي الكهرباء في هذه المنطقة: المشاريع الجديدة باش تضمنلكم الضوء بلا انقطاع!    حجم احتياطي العملة الأجنبية    طارق جراية يخلف لطفي السليمي في تدريب الاولمبي الباجي    صالون المرضى بتونس: مختصة في الأمراض الجلدية تحذّر من أن المشاكل الجلدية قد تكون مؤشرا على الإصابة بعدة أمراض خطيرة    افتتاح المشروع الفني "وادي الليل مدينة للخط العربي"    القصرين: نجاح أوّلي لتجربة زراعة اللفت السكري على مساحة 152 هكتارًا وآفاق واعدة لتوسيعها    التقصي المبكر يمثل عاملا حاسما للشفاء التام من هشاشة العظام (طبيبة مختصة)    عاجل/ الإطاحة بمفتش عنه لدى الانتربول في هذه الولاية..    لقاح الإنفلونزا يحمي من ألزهايمر؟...دراسة علمية تكشف    وزارة الصناعة تمنح رخصة بحث عن المواد المعدنية بولاية توزر    شنية حكاية ظاهرة ''العاصفة الدموية'' في مصر ؟    عاجل/ صدر بالرائد الرسمي: يهم السيارات..قرار يمنع تصنيع او توريد هذه الاجهزة..    الرائد الرسمي: فتح مناظرات وطنية للدخول إلى مراحل تكوين المهندسين بعنوان السنة الجامعية 2026-2027    الدخول إلى المواقع الأثريّة والمعالم التاريخيّة والمتاحف مجانا يوم الأحد 5 أفريل 2026    توقيع اتفاقية بين المكتبة الجهوية بجندوبة والمركز المندمج للتعليم والتأهيل ومركز النهوض    عاجل: تواريخ البكالوريا، التعليم الأساسي والمدارس النموذجية رسمياً    الرابطة الأولى: كلاسيكو النجم الساحلي والترجي يتصدر مواجهات الجولة    اليوم السبت: صراع كبير في البطولة الوطنية ''أ'' للكرة الطائرة    الديوانة تنظّم عملية مسح للمواد الخطرة بميناء رادس..وهذه التفاصيل..    البطولة-برنامج اليوم وغدوة: ماتشوات قوية...شوف شكون ضدّ شكون ووقتاش؟    نابل: نسبة امتلاء السدود تتجاوز 60%    طقس اليوم: أمطار متفرقة وارتفاع طفيف في الحرارة    وزارة الشؤون الدينية تنشر دليلا مبسطا حول أحكام الحج والعمرة    ظاهرتان فلكيتان مرتقبتان في تونس في 2026 و2027    عاجل: غلق جسر أمام مطار تونس قرطاج لمدة 3 أيام.. إليكم التفاصيل    الموسيقار عبد الحكيم بلقايد في ذمّة الله    كذبة أفريل؟!    خطبة الجمعة: مكانة المسجد في الإسلام    فتوى الأضحية..شنوا حكم شراء العلوش بالتقسيط ؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بقلم عبد العزيز القاطري: النهضة لمْ تنتَهِ، ومشروع سعيّد آيل للفشل. فهل سنصمت مرّة أخرى؟
نشر في تونس الرقمية يوم 01 - 11 - 2021

يعتقد الكثير، عن حسن نية طبعا، أن النهضة والإخوان انتهوا واندثروا من تونس ومصر، بمجرّد ما آل الحكم لسعيّد والسّيسي بالطّريقة التي نعلمها جميعا ونختلف في تسميتها حسب اصطفافنا معها أو ضدّها.
والغريب أنّ أحدا لم يتساءل لماذا يصمت جماعة النهضة على من يقول باندثارها، ولماذا لا يتصدّون لهم بالشّراسة المعهودة، خاصّة وهم يتحوّزون على آلة مشبّكة من المواقع والصفحات والحيطان قلّما توفّرت لأحد مثلهم؟
يا جماعة، هل تظنّون أنّ صادق شورو والحبيب اللّوز ورضا الجوادي وسعيد الجزيري وذلك الإمام الذي قال أن دم نجيب الشّابي وشكرس بلعيد مطلوب في جرجيس وغيرهم كثير من المنادين بالخلافة وتطبيق الشريعة وإعمال الحدود من جَلد ورَجم وقتل وصلب وقطع الأيدي والأرجل من خلاف، هل تظنّون أنّ النّهضة نبذتهم بمجرّد ذلك الإدّعاء السّخيف "بفصل السياسي عن الدّعوي"؟
أبدا، النهضة لن تندثر هكذا، والتنظيم العالمي للإخوان المجرمين الذي صمد أمام الإعتقالات والإضطهاد والسجون والإعدامات طيلة عشريات، لن ينسحب بهذه السّهولة من موقع طالما سعى لاكتساحه مقابل خسائر جسيمة، بمجرد إلقاء سعيّد لبيان 25، أو لتدابيره التالية. هو تنظيم سرّي محكم، وما نراه منه من حزب ومجلس شورى ومكتب تنفيذي، كل ذلك ليس إلا الجانب العائم من الجبل الجليدي، مجعول للاستهلاك من طرف اساطين الغرب، الحليف المتواطئ، وأذنابه في تونس وفي العالم العربي.
وما جوهر بن مبارك، أو بوعجيلة، أوالشابِّييْن: نحيب وعصام، أو مصطفى بن جعفر، أو السبسي والشاهد وجميع الأحزاب التي تسارعت لحني ظهورها ركوبة للغنّوشي وعصابته، إلّا البعض من أولئك الأذناب.
أمّا الجزء الغائص من جبل الجليد فهو هنا، مازال متربصا بتونس وشعبها، ولن يهدأ له بال حتى يراها ولاية تابعة للخلافة السّادسة، وإيالة خاضعة لسلاجقة العصر الحديث، فقد يُغيّر الثّعبان ثوبه، ولكنّه يبقى ثعبانا.
غير أنّ ما يلفت الإنتباه (ويؤسف له)، هو أن الحاكم بأمره الجديد لم يتّعض هو نفسه بما جنى الجماعة على تونس أوّلا، وعلى أنفسهم بالتّالي، عندما أتوا وأعلنوا فساد كل المنظومة التي سبقتهم ووجوب التّخلّص منها وإحداث منظومة جديدة مطابقة لمفهومهم للحكم، فكان ما كان، واليوم نقف نفس الموقف ممّا كان في عهدهم وقبلهم.
"المنظومة" يا جماعة مفهوم هلامي يختزل بكثير من البساطة واقعا معقّدا، ويضع في شكارة السلبيات كل ما أنجز من خلال تلك المنظومة يوما ما، ويصبغها برداء من الرجس، ويصبغنا برداء من النقاء، ويختصر الأمر في معركة الطيبين، الذين هم نحن، والاشرار الذين ينتسبون للمنظومة. كل هذا إلى حين نصبح نحن ضمن المنظومة، أو نصبح المنظومة ذات نفسها، وعندها يكون الاشرار هم الذين ضد المنظومة، وهكذا دواليك.
كل هذا إلى أن ندرك يوما ما انه ما كان يجب أن نرمي بالرضيع وبماء الغسل معا، وانه كان بالإمكان المراكمة على ما كان، عندها يكون قطار التدارك قد فات.
هذه خطيئة زمرة الفكر الإخواني المقيت، بل إحدى خطاياها القاتلة، برهنت من خلالها انها ليست أحسن ممن سبقها في الحكم، بل أسوأ بأكثر من مّرة من حيث فسادها واستبدادها، زائد التطرف والتكفير والتجارة بالدين. ويتبيّن بكل وضوح انهم لم يكونوا فقط مستفيدين من الدّولة، بل معاول لهدمها، وموالين لأعدائها ولأعداء الحريّة والعدل والفكر في ممالك البترول وحول ربوع الأناضول.
لذلك، إذا ما رمنا إصلاحا حقيقيا وصريحا، وقبل التطرق للمنظومة وطرق إصلاحها، وجب حسم معركة أهمَّ من ذلك بكثير، معركة ضد الخيانة والعمالة وضد معاول هدم الدولة، وذلك لا يكون بإعادة هدم الدّولة والبناء القاعدي ودفع حجر سيزيف إلى أعلى الهضبة من جديد.
وعلى عكس ما يعتقد الكثير من أدعياء الحداثة أو أشباه الحداثيين، هذه المعركة لا تحسم بالعنف، وإن كان حق التصدي للمعتدي بكل الطرق محفوظا، ولا بالسّجون وإن كان من أوكد ما يتوجّب هو محاكمة الإرهابيين وكل من يوفر لهم الغطاء، بل خاصة بنشر قيم الحرية والتسامح والاعتدال والاحتكام للعقل بدل النقل، وفتح أجنحة عقول الأطفال على عوالم الإبداع اللامتناهي.
وقد فطن أحد أحبار الزمرة لأهمية هذا البناء الحقيقي والسّليم ووجوب هدمه، عندما قال لوجدي غنيم، داعية ختان البنات: "هؤلاء (يقصد التونسيين) خصوم لنا، ولكن لن نباشرهم بعداوة ظاهرة، لأن غايتنا أبناؤهم…، وأبناؤهم عندنا اليوم".
لذلك تكونت الجمعيات، وأحدثت التلفزات والإذاعات، وشُيِّدت مدارس تفريخ الإرهابيين والإرهابيات، وتكونت في المساجد الحلقات، وأصبحت بيوت العبادة معاقل للتكفير والتهديدات، وتم حشد خيرة الشباب للمشاركة في حروب بالوكالة ضد الأشقاء في ليبيا وفي سوريا، وتم انتداب الفتيات والنساء ليكنّ متاعا جنسيّا للدواعش، وليعدن بعد أشهر يحملن في أرحامهن وبين ايديهن ثمرة الفجور، وتم زرع الجبال بالألغام وبث القنابل البشرية بين الأشجار وفي السهول وحتى في الشوارع، يُفجّرون الجنود والامنيين، ويذبحون الرعاة الآمنين، ويحصدون أرواح الأبرياء من السّواح والمواطنين، مُحتَمين بالدعم المادّي والاعلامي والسياسي والمعنوي للزمرة.
هذه هي المعركة الحق.
أمّا الذين اعتقدوا يوما، أو لا زالوا يعتقدون، أن المنظومة هي الدّولة ومؤسساتها، فإنّي أذكّرهم بالقائل أن الإدارة مش مضمونة والجيش مش مضمون والقضاء مش مضمون؟ لقد كان همه وهمّ زمرته الإنقضاض على تلك المؤسّسات، تدجينها، توظيفها، ثم تفكيكها، وقد تسنّى لهم الكثير ممّا أرادوا، بدل إصلاحها لما فيه صالح البلاد والعباد.
وإنّي أرى اليوم نفس المشروع بوجه لا يقلّ رداءة وانعداما للكفاءة، وجه الطّهورية والنّقاء للرئيس والزّمرة الجديدة، مقابل نجاسة وفساد الجميع: اليمين، اليسار، الدّساترة، إتحاد الشغل، إتحاد الأعراف، صندوق النّقد، معاهد التّصنيف…
لقد استغلّ الإخوان فساد منظومة التّجمّع للدّعاية لمشروعهم، ولمّا أفلسوا، أصبح التجمّعيون يرقصون على إيقاع ذلك الفشل لإعادة التسويق لمشروعهم والإنتشار مجدّدا لدى فئات قصيرة الذّاكرة، أعماها اليأس من المستقبل فأصبحت تحيط الماضي القريب والقبيح بهالة من الجمال والطهر.
وهذا سبب صمت الإخوان النسبي ودفعهم بزبانيتهم للواجهة تحت مسمّى مواطنون ضد الإنقلاب، تماما مثلما فعلوا ذات أكتوبر 2004، عملا بالمقولة الشعبية "ينخز البهيم ويتّقى بالبرذعة"، لكي يمعن سعيّد وزمرته في مشروعهم، وعندما تصفعه حقيقة الفشل، يظهرون من جديد بمظهر المنقذ المنتظر، ويذكّرون التّونسيين "بإنجازات" عهدهم السعيد.
فإلى متى نضلّ نجترّ المولد المتكرّر للنّسيان، ونخطأ قطار تأصيل الكيان، وننتظر الماء من سدّ غيلان، وهو ينساب من الخزّان، ونلعب دور السندباد والطهارة، فتؤول أعمالنا للخسارة؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.