عند أيّ تغيير على مستوى إدارة شؤون الدّولة، يسارع الحكّام الجدد إلى إجراء تحويرات على مستوى المسؤوليات العليا في الدّولة والإدارة، وذلك بإعفاء من تمّت تسميتهم من طرف سابقيهم في الحكم، أو إحالتهم على التّقاعد الوجوبي دون أي شكل من أشكال المحاسبة للبعض، ودون وجود أي موجب أو مبرّر للبعض الآخر، ودون احترام الإجراءات القانونية للجميع. وفي كل مرّة تتمّ تنحية الموالين للحكّام السّابقين وتعيين الموالين للجدد دون اعتبار لأيّة عوامل موضوعية مثل الكفاءة أو الخبرة أو ملاءمة تكوين المسؤول الجديد ومؤهّلاته للخطّة، ودون أن تضبط له أيّة أهداف ولا أيّة خطّة عمل لتحقيقها، وبالتّالي أيّة معايير لتقييم عمله على رأس الإدارة أو المؤسّسة. إلّا أنّ بعضهم ينجح في تخطّي هذه القاعدة وتجنّب الإقالة بمجرّد تغيير الحكومات، وليس للحظّ أي دخل في ذلك، بل السّر في ذلك يعود لقدرتهم على التّلون والتّلاؤم مع الأوضاع، ولتمكّنهم من إرشاء دوائر النفوذ السياسي عبرالإستجابة للتّدخلات والتّوصيات، ودوائر النفوذ المالي عبر تسهيل المعاملات على حساب التراتيب الجاري بها العمل وعلى حساب المتعاملين الآخرين. وتمثّل إدارة الدّيوانة مثالا حيّا لهذا الواقع، ففي حين لم تتجاوز فترة مكوث أغلبية المديرين العامّين على رأسها بضعة أشهر، وأحيانا بضعة أسابيع، بل وبضعة أيّام، فإنّ اثنان منهما نجحا في البقاء لمدة تناهز الأربع سنوات لكل منهما، "أكلوا" خلالها أكثر من رئيس حكومة، وأكثر من وزير مالية، وعاصروا أكثر من رئيس جمهورية، باعتماد وسائل الإرشاء المشار إليها، مستغلين النفوذ الخيالي الذي تمنحه لهما الخطّة، ومعوّلين في ذلك على شبكة علاقات سعوا لتكوينها وتدعيمها داخل رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ومجلس النواب والأحزاب الحاكمة بفضل الخدمات والتسهيلات، وعلى مجموعة مضيّقة من الضبّاط الموالين الذين باعوا ضمائرهم مقابل تعيينات على المقاس يستثمرونها بدورهم للإثراء، ومقابل امتيازات مثل السيارات الإدارية وبونوات المحروقات والمهام بالخارج. لكن الأخطر بكثير هو أن يتم توظيف مقدّرات الدّولة من محجوزات كالسيّارات وأجهزة التلفاز والمكيفات وغيرها من البضائع التي يشقى أعوان الدّيوانة من أجل تقفّي أثرها وحجزها، والّتي يفترض أن يتمّ بيعها وتحويل محصول البيع لفائدة الخزينة تخفيفا لعجز الميزانية، يتم توظيفها في شكل إحالات لفائدة جميع الجهات النّافذة في الدّولة من وزارات وولايات ومحاكم وغيرها من السّلط، رشاوى مقنّعة ضمانا لصمتها عن بقية التّجاوزات ولديمومة الخطّة. بل وصل الأمر إلى اختراق هيئة مكافحة الفساد عن طريق هذه الإحالات، وقد كافأت تلك الهيئة إدارة الدّيوانة بإسنادها جائزة أفضل مؤسسة عمومية للحوكمة ومكافحة الفساد وذلك خلال حفل نظمته بمدينة الثقافة بتونس حضره وزير المالية ووزير التربية ووزير الشؤون الثقافية وبالطّبع المدير العام، في إطار "ما جزاء الإحسان إلّا الإحسان"، والحال أنها تحتلّ مرتبة لا تحسد عليها ضمن الإدارات الأكثر فسادا حسب جميع الدّراسات. بالمقابل، يتم التّنكيل بكلّ من تسوّل له نفسه الامتناع عن الإنخراط في هذا التّمشي وفي الممارسات وترهيبهم عن طريق سحب الخطط والإمتيازات، ثم النّقل التعسفية، وصولا للإجراءات التّأديبية المباشرة وحتّى العزل والإحالة على التّقاعد الوجوبي بشتّى الطّرق التعسفية. وقد ساعدتهم في ذلك النصوص التشريعية والتّرتيبية المنظمة لسير العمل في هذه الإدارة المفصلية في مجال الإقتصاد والجباية، وخاصّة الأمر عدد 1845 لسنة 1994 المؤرخ في 6 سبتمبر 1994 المتعلق بتنظيم الإدارة العامة للديوانة، والذي يسند كامل السلطة المطلقة لمديرها العام في التصرف في الرقاب والأموال والسيارات والتجهيزات دون حسيب ولا رقيب. لذلك يتظاهر جميع المديرين العامين برغبتهم في إعادة هيكلة الإدارة وفي وضع برنامج لتعصيرها حال تعيينهم، ولكن سرعان ما يتنكّرون لوعودهم بمجرّد مرور بعض أسابيع واكتشافهم لما قد يخسرونه من نفوذ بسبب أيّ تغيير، فيقبرون المخطّطات الجاهزة، ويشرعون في مخطّطات جديدة يشغلون بها الرّأي العام، ثم يغادرون دون إنجازها، وهكذا دواليك. وأورد في هذا الصّدد مشاريع أوامر أشرفت شخصيا على إعدادها صحبة فريق من خيرة ضبّاطنا بإذن من الحبيب الصيد رئيس الحكومة في منتصف سبتمبر 2015، وكذلك برنامج تعصير الدّيوانة 2016-2020، وقد تمّ الإنتهاء من الإعداد وإحالة المشروع إلى الجهات المختصّة من طرفي في 9 جانفي 2016، وتمّ صرف النظر عنه لما يمثّله من تهديد لمصالح دوائر التهريب والغش من المتعاملين ولمربعات الفساد داخل الإدارة بفضل تكريس التوزيع العصري للمهام واللامركزية والشفافية ولامادّية الإجراءات، وهي كلها مفاهيم تتعارض مع منظومة الفساد المكرَّسة داخل الإدارة وفي محيطها التي تحتاج للغموض والضبابية كي تستمر وتزدهر. وحال استلام المدير العام الحالي لمهامه، وبدل استعادة ذلك المشروع والتعجيل بتحيينه ووضعه حيّز التّطبيق نظرا لخطورة الوضع الإقتصادي، فقد تم تجاهله والشّروع في إعداد مشروع جديد تمت تسميته المخطط الإستراتيجي لتعصير الديوانة التونسية 2020-2024، مخطّط لا زال يراوح مكانه إلى حدّ كتابة هاته الأسطر. لذلك، أطالب السيد رئيس الجمهورية والسيدة رئيسة الحكومة والسيدة وزيرة المالية بتكوين لجنة فنية متكونة من خبراء في مجال الدّيوانة والرّقابة المالية والإدارية يعهد لها بصفة استعجالية ب: 1- تحيين مشروع إعادة الهيكلة المنجز في جانفي 2016 ووضعه حيّز التطبيق في أجل لا يتجاوز الثلاثة أشهر. 2- فتح تحقيق حول طرق التصرف في المحجوزات وجميع الإحالات للسيارات والبضائع لفائدة جميع المستفيدين والتّأكد من وجودها والعمل على استرجاعها وبيعها وتأمين محصول البيع لدى الخزينة. 3- فتح تحقيق حول إحالة عشرات الضّباط على التقاعد الوجوبي دون تقديم أي تعليل، ودون فتح تحقيقات حول ما إذا كانوا فعلا متورطين في ملفّات فساد، مع ما سببه ذلك من إثقال لكاهل صندوق التقاعد، وإحالة ملفات من ثبت فسادهم على العدالة وإرجاع الأبرياء إلى عملهم، وحول إيقاف آخرين عن العمل لمدّة أشهر بطريقة تعسفية ثم إرجاعهم للعمل وصرف جميع مستحقاتهم وما سببه ذلك من خسارة للخزينة، وهي حالات سوء تصرف متأكدة. 4- فتح تحقيق حول النقل في مراكز العمل الحسّاسة مثل المطارات والموانئ ومخازن التسريح والمؤسسات الخاضعة للرقابة الديوانية، وحول بعض التسميات بالولاءات وبالتّوصيات في الخطط الوظيفية مثل المراقبين العانين والمديرين ورؤساء المكاتب. 5- فتح تحقيق حول أكبر الصفقات المنجزة ومدى احترامها للتراتيب الجاري بها العمل، وخاصة الصفقات المتعلقة بالخافرات وبالسيارات، وقد توليت التحقيق في إحداها وإحالتها على العدالة في صائفة 2016 إبان إشرافي على التفقدية العامة دون نتيجة تذكر إلى اليوم، وحول أسباب عدم إشغال المقر الجديد للإدارة في المركز العمراني الشمالي من طرف مختلف المديرين، مقر استغرقت عمليات دراسته وإنجازه عقدين من الزّمن، مع تواصل إشغال المقرّات الحالية على وجه الكراء من نفس المالك. 6- وعموما في جميع أوجه التّصرف في الموارد البشرية والمالية وفي مجالات الإعلامية والتقنيات الديوانية البحتة ومقاومة الغش والتهريب والنزاعات والتتبعات في ظل تأكد تواطؤ الإدارة في خسارة قضايا بمليارات الدّينارات جرّاء التهاون غير البريء في احترام آجال التتبع والإستئناف والتعقيب. وإنّي إذ ألجأ لوسائل الإعلام للتعبير عن موقفي وعدم اعتماد القنوات الرسمية تفاديا لشبكة العلاقات المشار إليها، فقد سبق لي أن توجهت في السابق لرئيس الحكومة بمطلب مقابلة مضمّن بمكتب الضبط بالقصبة بقي دون ردّ وتسبّب لي في سعي البعض للتنكيل بي ونصب المكائد، مُعبّرا على استعدادي للمشاركة في اللجنة المطالب بها واقتراح بعض الأعضاء من ضمن إطارات مباشرة أو متقاعدة من ضمن الضباط أو اختصاصيي المراقبة الإدارية والمالية من قدماء الCGF، أو الخبراء الخواص لضمان حيادها.