من إيطاليا إلى أمريكا، وجدت «الأممية اليمينية المتطرفة» معركة جديدة. أو بالأحرى ليست معركتها، لكنها ستتصرف وكأنها كذلك. رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني تجرأت على الإدلاء بتصريح بشأن النهاية المأساوية للناشط الفرنسي من اليمين المتطرف كوينتان ديرانك، الذي قُتل بعد تعرضه للضرب على يد ناشطين من اليسار المتطرف. و قد وصفت ميلوني هذه المأساة بأنها «جرح لكل أوروبا». الرئيس الفرنسي لم يُعجبه ذلك، فوجه انتقادات لاذعة نحو روما. لكن ذلك لم يمنع واشنطن من إطلاق تعليقات في غير محلها حول هذه الفاجعة، وصلت حد القول إن إدارة دونالد ترامب تتابع التحقيق عن كثب. هنا أيضًا لم يُعجب باريس الأمر. كنا قد تحدثنا عن السلاح الجديد لوزارة الخارجية الفرنسية، «French Response»، الذي اختبره إيلون ماسك بعد تصريحاته بشأن استدعائه من قبل القضاء الفرنسي على خلفية شبهات بجرائم بالغة الخطورة. ولن يكون «French Response» هو من سيرد على «النيران» الأمريكية هذه المرة، بل وزير الخارجية جان-نويل بارو شخصيًا. و ربما يتدخل الرئيس إيمانويل ماكرون لاحقًا، إن لم تلتقط البيت الأبيض جيدًا الإشارة التي تبعث بها باريس. بارو استدعى هذا الاثنين 23 فيفري، عند الساعة السابعة مساءً، السفير الأمريكي في فرنسا تشارلز كوشنر، لتوجيه «تأنيب» رسمي على خلفية التدخل في التحقيق الجاري. و تأتي هذه الاستدعاء إثر الرسالة غير المسبوقة التي صدرت الجمعة الماضية. فقد أعادت السفارة الأمريكية في باريس نشر تعليق لمكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، جاء فيه أن «التطرف اليساري العنيف في تصاعد، ودوره في وفاة كوينتان ديرانك يُظهر التهديد الذي يمثله للأمن العام». إنه تدخل مباشر في الشؤون الداخلية لفرنسا. أمر لا يُحتمل، وغير مقبول، بل سوريالي. صحيح أن إدارة ترامب، في هذا المجال، داست كل الخطوط الحمراء وخرقت كل الأطر الدبلوماسية المعروفة حتى الآن. «سنواصل متابعة الوضع ونأمل أن يُقدَّم مرتكبو هذه أعمال العنف إلى العدالة»، هكذا شدد المكتب... و ماذا ستفعل واشنطن إذا رأت أن الملف لم يُعالج كما ينبغي؟ وأي ورقة سيستخدمها ترامب للتعبير عن غضبه تجاه ماكرون؟ بما أننا نسبح في كامل العبث، فلنبقَ فيه! في برنامج «Questions politiques»، أعلن رئيس الدبلوماسية الفرنسية الردّ: «سنستدعي سفير الولاياتالمتحدة في فرنسا، لأن سفارة الولاياتالمتحدة في فرنسا علقت على هذه المأساة (...) التي تخصّ الجماعة الوطنية (...)، نحن نرفض أي توظيف لهذه المأساة، التي تُفجع عائلة فرنسية، لأغراض سياسية»، مؤكّدًا أن فرنسا «لا تتلقى أي درس من الأممية الرجعية» بشأن العنف الإيديولوجي. و أضاف بارو بلهجة حازمة: «لن نسمح» بأن «تُقدَّم لنا» تحليلات سياسية. المهمة لن تكون سهلة أمام الوزير؛ فهو يتعامل مع «زبون» من العيار الثقيل. وجود تشارلز كوشنر، والد صهر ترامب شديد النفوذ جاريد كوشنر، في وزارة الخارجية الفرنسية (كي دورسي)، حدث «له وزنه». هذا المروج العقاري شديد الثراء، الداعم والممول للرئيس، لم يكن ينبغي أصلًا تعيينه سفيرًا. إذ سبق أن أُدين بجرائم بالغة الخطورة (وليس الوحيد؛ فسفير الولاياتالمتحدة لدى الاتحاد الأوروبي أيضًا)... و كان تشارلز كوشنر قد افتتح، في أوت 2025 وبضجة كبيرة، مهمته في باريس بتصريح مفاده أن السلطات المحلية لا تكافح «طفرة» معاداة السامية بالقدر الكافي من الحزم. فتم استدعاؤه على الفور إلى الخارجية الفرنسية، لكنه لم يحضر قط، وأرسل بدلًا منه القائم بالأعمال. وهذه المرة أيضًا، من غير المرجح جدًا أن يتكبد السفير «المثير للجدل» عناء الحضور... و ماذا سيحدث إن اعتذر عن الحضور للوزير؟ لا شيء. فمن غير المعقول أن تُقدم فرنسا على طرده، فترامب لا ينتظر سوى ذلك ليُصعّد ضد ماكرون، وضد النبيذ والمنتجات الفاخرة الفرنسية، وغيرها. لذا، في أقصى الأحوال، ستنتهي القضية باحتجاج رسمي... إلى غاية فضيحة جديدة موقّعة من واشنطن. تعليقات