لطالما قُدِّم الذكاء الاصطناعي على أنه وعدٌ بمصرفية أكثر سرعة وسلاسة وكفاءة. غير أنه اليوم يبدأ في الكشف عن وجه آخر، أكثر واقعية وأكثر حساسية من الناحية الاجتماعية. في بنك HSBC، أكبر بنك أوروبي، لم يعد الذكاء الاصطناعي يُنظر إليه فقط كرافعة للابتكار، بل أصبح أيضًا أداة لإعادة الهيكلة والتبسيط، وربما لتقليص واسع في أعداد الموظفين. فرضية ذات دلالات كبيرة لأكبر بنك في أوروبا أثارت هذه المعلومات صدى قويًا في الأوساط المالية. فبحسب وكالة رويترز، نقلًا عن بلومبرغ، يدرس HSBC سيناريو قد يشمل تقليص ما يصل إلى 20 ألف وظيفة، أي ما يقارب 10% من إجمالي قوته العاملة. وحتى الآن، لا يتعلق الأمر بإعلان رسمي من المجموعة، بل بفرضية قيد الدراسة ضمن عملية إعادة تنظيم أوسع. وقد امتنعت إدارة البنك عن التعليق علنًا على هذه المعطيات. حتى في غياب تأكيد رسمي، فإن مجرد التفكير الجدي في هذا الحجم من التخفيضات يعكس حجم التحول الجاري. فعندما تبدأ مؤسسة بهذا الحجم في التفكير بعشرات الآلاف من الوظائف، لا يعود الأمر مجرد تحسين هامشي، بل تحول في النموذج نفسه. وراء الأرقام: منطق مصرفي جديد بلغ عدد موظفي HSBC نحو 208,720 موظفًا بدوام كامل مع نهاية عام 2025، وهو رقم كان قد تراجع بالفعل بنحو 2,584 وظيفة مقارنة بالعام السابق. إلا أن السيناريو المطروح اليوم يشير إلى قفزة نوعية أكبر بكثير. ما يركز عليه البنك حاليًا ليس وظائف الواجهة الأمامية أو تلك المرتبطة مباشرة بالعلاقة مع العملاء، بل الطبقات الأقل ظهورًا في المنظومة المصرفية: المعالجة، التوثيق، الرقابة، الدعم، والإنتاج الداخلي. أي كل تلك المهام التي تُشكّل العمود الفقري للعمل اليومي داخل المؤسسات المالية الكبرى، والتي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يستوعبها تدريجيًا أو يُسرّعها أو يُؤتمتها. وهنا تحديدًا تكمن طبيعة التحول الحقيقي. فالذكاء الاصطناعي لا يستبدل بعدُ على نطاق واسع صورة المصرفي التقليدي أمام العميل، بل يبدأ أولًا بإعادة تشكيل الكواليس. ربحية قوية… وضغوط متزايدة على التكاليف تكمن المفارقة في أن HSBC لا يتحرك بدافع ضعف مالي، بل على العكس تمامًا. فقد سجّل البنك في عام 2025 أرباحًا قبل الضرائب بلغت 29.9 مليار دولار، مع إيرادات وصلت إلى 68.3 مليار دولار. لكن في عالم المصارف العالمية، لا تلغي الربحية ضغوط الأسواق، بل تعيد توجيهها. فالمؤسسات المربحة مطالبة اليوم بإثبات قدرتها على الحفاظ على هذه الربحية مستقبلًا، في ظل منافسة رقمية متزايدة، وتشديد المتطلبات التنظيمية، وضغوط على الهوامش، وتوقعات أعلى من قبل المساهمين. ضمن هذه المعادلة، يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة لتحقيق وعود مالية: ليس فقط لإنجاز العمل بشكل أفضل، بل بتكلفة أقل. جورج الهيدري وإغراء التبسيط الجذري منذ تولّي جورج الهيدري قيادة HSBC في سبتمبر 2024، يسير البنك وفق شعار واضح: التبسيط. إذ يسعى إلى أن يصبح أكثر وضوحًا ومرونة وتركيزًا. وتشير عمليات بيع بعض الأنشطة، وإعادة الهيكلة الداخلية، وتقليص التكرار، وإعادة تنظيم بعض خطوط الأعمال، إلى رغبة الإدارة الجديدة في تخفيف عبء مجموعة تاريخيًا كبيرة ومعقدة. في هذا السياق، لا يأتي الذكاء الاصطناعي كعنصر خارجي، بل يندمج بسلاسة في هذه الرؤية، مقدّمًا للإدارة أداة تكنولوجية لتعميق مسار قائم بالفعل: نحو بنك أكثر رشاقة وانضباطًا وربحية. ولهذا السبب يتجاوز الموضوع مجرد التكنولوجيا. فما يجري داخل HSBC ليس فقط اعتماد أدوات جديدة، بل إعادة صياغة العلاقة مع العمل البشري داخل مؤسسة كبرى. تخفيضات محتملة… لكن دون صدمة فورية مع ذلك، ينبغي الحفاظ على قدر من الدقة. فلا توجد مؤشرات حتى الآن على أن HSBC بصدد الإعلان عن خطة تسريح جماعية فورية وقاسية. بل تشير رويترز إلى أفق زمني يتراوح بين ثلاث وخمس سنوات، مع احتمال أن تتم التخفيضات عبر عدم تعويض المغادرين، أو من خلال التناقص الطبيعي، أو نتيجة لعمليات بيع أنشطة. وتكمن أهمية هذه النقطة في أن التحول قد يكون تدريجيًا وأقل صخبًا، لكنه عميق الأثر. فقد لا تختفي الوظائف في صدمة واحدة مرئية، بل تتلاشى ببطء عبر قرارات إدارية وإعادة هيكلة وتحسينات في الإنتاجية. وفي الشركات الكبرى، غالبًا ما تكون التخفيضات الصامتة هي الأكثر استدامة. ما الذي يكشفه HSBC عن مستقبل المصارف؟ في جوهره، يتجاوز هذا الملف حدود HSBC ليعكس تحولًا أوسع. فعلى مدى سنوات، تمثلت التحولات المصرفية في إغلاق الفروع، وصعود الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول، وتراجع العمليات المادية، ورقمنة العلاقة مع العملاء. وقد أصبح هذا المسار اليوم شبه اعتيادي. أما الدورة الجديدة فتبدأ من مكان آخر: من داخل "مصنع" العمل المصرفي نفسه. لم تعد الواجهة وحدها هي التي تتغير، بل ورشة العمل أيضًا. فالذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل تكلفة تشغيل البنوك، وآليات معالجة المعلومات، وضبط التدفقات، وتوزيع الأدوار بين الإنسان والتقنية. وعندما يبدأ بنك بحجم HSBC في دراسة مثل هذه السيناريوهات بجدية، فإن القطاع بأكمله يراقب ويقارن ويستعد. تحول تكنولوجي… وتساؤل اجتماعي ومع ذلك، سيكون من التبسيط اختزال هذه القصة في مسألة كفاءة فقط. فخلف مكاسب الإنتاجية يبرز سؤال أعمق: ما هو مستقبل الوظائف الوسيطة في البنوك العالمية الكبرى؟ هنا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى قضية اجتماعية، بل وربما سياسية. فهو لا يهدد مهامًا محددة فحسب، بل قد يهدد مسارات مهنية كاملة، ووظائف انتقالية، ومناطق استقرار كانت تشكّل دعامة للمنظمات الكبرى. لذلك ينبغي قراءة ملف HSBC كإشارة، لا كقطيعة رسمية حتى الآن، بل كلحظة تكشف فيها مؤسسة مصرفية أوروبية كبرى بشكل ملموس ما قد تكلفه موجة الأتمتة الجديدة من وظائف. وعليه، لم يعلن HSBC حتى الآن عن خفض 10% من موظفيه. لكن مجرد دراسة هذا السيناريو كفيل بإظهار عمق التحول. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة للحداثة أو حجة تسويقية، بل أصبح عاملًا يؤثر في البنية البشرية ذاتها للمجموعات المالية الكبرى. وعندما يبدأ أكبر بنك في أوروبا في النظر إلى الذكاء الاصطناعي كأداة لخفض التكاليف بهذا الحجم، فإن الأمر لم يعد تجربة. بل تحذير. اشترك في النشرة الإخبارية اليومية لتونس الرقمية: أخبار، تحليلات، اقتصاد، تكنولوجيا، مجتمع، ومعلومات عملية. مجانية، واضحة، دون رسائل مزعجة. كل صباح. يرجى ترك هذا الحقل فارغا تحقّق من صندوق بريدك الإلكتروني لتأكيد اشتراكك. تعليقات