عجيبة فعلا فلسطين, وهي التي لها وقع السحر في النفوس..اذا حضرت قدس الأقداس تراجعت الخلافات وتحركت السواكن واستنفرت المدن والقرى حتى لم يبق نفر على الحياد.. فلسطين هي الكلمة السر التي وكلما سادت قناعة بقرب نهاية الجسد العربي العليل وتجمد وعي الشارع العربي إلا وعادت تخرجه من الوحل وتعيد بث الروح المفقودة فيه ليسقط ما خفي من مخططات ومؤامرات وصفقات... لا ندري إن كان مباحا مطالبة وزراء الخارجية العرب ولجنة مبادرة السلام العربية ومعها القمة الإسلامية المرتقبة مطلع الأسبوع القادم في اسطمبول تذييل بيانهم المرتقب بالمطالبة بمقاطعة البضائع الأمريكية والاستغناء عن الكوكاكولا والسجائر القادمة من أمريكا او دعوة أثرى أثرياء العرب والمسلمين عن التوقف عن ضخ أموالهم في البنوك الأجنبية التي ضاقت بالأرصدة القادمة اليها او تخصيص بعض ما يوفر لاقتناء أسلحة التدمير الذاتي لإطعام الأفواه الجائعة في السودان واليمن والعرق او ما ينفق في اقتناء اللوحات الفنية الشهيرة لإعادة بناء جزء مما هدمته الحرب من مدارس ومستشفيات غزةوسوريا والعراق وليبيا... ولكن في المقابل ندري انه يمكن المطالبة بما هو مباح وما يمكن اعتباره مقدور عليه وهو التخلي عن الانقياد إلى العاطفة واستعادة الحكمة الغائبة والتناغم مع الحق والشرعية الدولية المجهضة والمطالبة صراحة ودون تأجيل بإنهاء الاحتلال عن فلسطينالمحتلة والضغط لتفعيل ذلك ولم لا تعليق أو تجميد قبل إلغاء الاتفاقات مع إسرائيل وغلق سفاراتها في الدول العربية من مصر إلى الأردن.. فهناك قناعة ورغم هشاشة المشهد العربي وانهياره ان هناك بقية من ورقة يمكن الاستفادة منها في هذا الاتجاه لو صدقت النوايا وتوفرت الإرادة... لقد استمرت ومنذ اللحظات الأولى لإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعده المرفوض بمنح ما لا يملك لمن لا يستحق حالة الاستنفار والمسيرات والاحتجاجات والتحركات الرافضة للقرار الظالم وهو ما يعني بكل بساطة أن الموقف الشعبي كان سابقا للموقف الحكومي الرسمي الذي لا يمكنه ان يكون اقل أو دون الرد الذي أجمعت بشأنه الشعوب العربية الفقيرة والغنية ومن هذا المنطلق فان أي موقف لوزراء خارجية الدول العربية في اجتماعهم الطارئ عليه ان يأخذ بعين الاعتبار معنى تلك الصور المتواترة من مختلف أنحاء العالم العربي... ندرك جيدا وإلى حد كتابة هذه الكلمات أن موعد انعقاد اجتماع وزراء الخارجية العرب سيكون في وقت متأخر ولكن كل الأعين تظل متربصة بما سيتولد عنه من قرارات ليس امام أصحابها والموقعين عليها اكثر من خيار لا بديل عنه. فاما الارتقاء الى حجم الحدث والاستثمار في مختلف المواقف الدولية الرافضة للغطرسة الأمريكية الإسرائيلية وإما القبول بالمهانة والمذلة وطأطأة الرؤوس وإعلان الهزيمة النهائية.. ندرك جيدا حجم القوة الأمريكية والإسرائيلية وندرك استحالة المواجهة العسكرية وهذا منذ وقت طويل.. ولكن في المقابل ندرك جيدا أنه بالإمكان الكشف عن الحد الأدنى من صدق الإرادة والنوايا للخروج من دائرة السقوط إلى الهاوية.. ربما لم يكن الرئيس الأمريكي يدري وهو يعلن قراره المهين انه يسدي للفلسطينيين والعرب خدمة جليلة بل لعله دفع عن غير قصد الى عودة القضية الفلسطينية الى سطح الأحداث لتتصدر المشهد وتخرج من وضع الجمود السياسي والديبلوماسي وحتى الإعلامي الذي فرض عليها على مدى السنوات الماضية وانصراف الدول العربية الى همومها الداخلية وصراعاتها الدموية وحروب الاستنزاف والتدمير التي تسرق دمائها وإمكانياتها وتهدد حاضرها ومستقبلها. بالأمس قالت الأممالمتحدة كلمتها بشأن القرار الأمريكي وبات الرئيس ترامب معزولا في هذه الخطوة التي استنكرتها الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي كما الدول الأوروبية وغيرها.. والحقيقة انه لا يجب الاغترار بهذا الموقف الذي لا يزيد عن كونه دعما معنويا لأصحاب القضية ورسالة ربما تهدف إلى تهدئة الخواطر إلى حين مرور العاصفة. وقد بدأت أصوات كثيرة تقودها العاطفة تطالب إدارة الرئيس ترامب بالتراجع عن إعلانه قبول نقل السفارة الأمريكية من تل ابيب إلى القدس. وقد خرج وزير الخارجية الأمريكي تيليرسون يروج بدوره بأن العملية قد لا تبدأ قبل سنتين. وهنا أصل الداء الذي يستوجب التوقف عنده. وموقف تيريلسون لا يعني بأي حال من الأحوال تحول في المواقف. بل انه سيكون من الغباء الاعتقاد للحظة ان هذا وارد ولكن تصريحات وزير الخارجية الأمريكي الذي لا يعرف متى تنتهي مهمته في الإدارة الأمريكية تتنزل في إطار اقتسام الأدوار والدفع إلى تهدئة الاحتجاجات التي طالت البيت الأبيض.. موقف الأممالمتحدة الذي قد يراه البعض ايجابيا لا يحمل في طياته ما يمكن ان يدفع إلى تغيير المشهد الفلسطيني نحو العودة إلى سيادة وسلطة العدالة الدولية. ومن هنا فان أي موقف للجامعة العربية ولوزراء الخارجية العرب لا ينتبه إلى ذلك سيكون بمثابة الجبل الذي تمخض فولد فأرا. والواقع أيضا ان إعلان السلطة الفلسطينية رفض استقبال مبعوث ترامب نائبه بنس لن يكون له تأثير بدوره في حالة عدم تثبيت أي قرارات عملية تبدأ: - بالاستثمارجديا في مناخ التعاطف الشعبي والرسمي والتسلح بحج الدعم والاعتراف بعلوية الشرعية الدولية إلى المطالبة بتطبيقها على ارض الواقع والمطالبة بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينيةالمحتلة وإلزام حكومة ناتنياهو بذلك. - وعلى الأوروبيين أن يعلموا أن الفلسطينيين لا يريدون منهم كلاما او وعودا أو عطفا بل إعلانا صريحا من على منبر الأممالمتحدة واعتراف بالدولة الفلسطينية.. -تماما كما أنه لن يكون لاجتماع وزراء الخارجية معنى اذا لم يقترن بخطوات عملية لإطلاق خارطة طريق قابلة للتحقيق تدفع الى ترتيب البيت الفلسطيني وسحب البساط امام كل التدخلات والابتزازات ومحاولات شق اسفين الخلافات بين الإخوة الأعداء. -اجتماع وزراء الخارجية العرب مطالب بوقفة جدية وقرار لا يقبل التأجيل بوقف الحرب في اليمن وتعزيز وحدة سوريا ووقف حالة الفوضى الهدامة التي تنخر الأوطان والشعوب. اذ لا معنى لوحدة بين الدول العربية والحال أن اليمن يموت جوعا وأطفاله عرضة للكوليرا ولا معنى أيضا لموقف او دور عربي والحال أن مكونات الجسد العربي تنزف وجراحها تتعمق كل يوم أكثر والأدهى والأمر ان يحدث ذلك بفعل الإخوة الأعداء.. ولا معنى للحديث عن انتصار للقضية الفلسطينية والحال أن أيد عربية تعبث بمصير القضية وتسعى إلى زرع الشقوق ونشر الفتنة بين أبنائها... - هناك حاجة اليوم إلى خطة عمل لتحديد الأولويات لتكون القضية على الاجندا الدولية والإقليمية وفي كل المحافل باعتبارها قضية احتلال.. -ليس المطلوب اليوم ان يتراجع ترامب عن قراره فحسب بل ان يصححه بتفعيل الاعتراف بالدولة الفلسطينية. لان الاعتراف قائم وكل دول العالم تقريبا ممثلة في فلسطينالمحتلة ولديها سفارات فلسطينية.. لقد حرك قرار ترامب الشارع العربي من الماء الى الماء وكانت رسالته واضحة وكذبت كل الوعود والتطمينات التي قد يكون ترامب تلقاها بشأن خنوع وجمود الشارع العربي الذي مهد الطريق للعمل السياسي والديبلوماسي رفضا للقرار الأمريكي الظالم بشأن مصير القدس والذي سيجعل كل الاجتماعات العربية والإسلامية القادمة أمام اختبار خطير في مواجهة الغضب الشعبي...