على هامش المعرض الجهوي السنوي للكتاب نظمت دار الثقافة الشيخ إدريس ببنرت مساء أمس الأول الجمعة ندوة فكرية حول كتابين للدكتور شكري المبخوت في السيرة الذاتية: «سيرة الغائب.. سيرة الآتي: السيرة الذاتية في كتاب الأيام لطه حسين» و«أحفاد سارق النار» بفضاء المعرض، قدم خلالها الروائي محمد الصالح فليس هذين الكتابين وأبرز قيمتهما النظرية والجمالية، موضحا الفرق بين السيرة الذاتية العادية التي يمثلها الكتاب الأول، والسيرة الذاتية الفكرية التي يجسدها الكتاب الثاني، مضيفا أن للكاتب كتابا آخر في السيرة الذاتية بعنوان «الزعيم وظلاله» في السيرة الذاتية في تونس. وقد بين محمد الصالح فليس أن كتاب «سيرة الغائب.. سيرة الآتي» يقوم على جزأين رئيسيين: أولهما نظري سعى من خلاله المؤلف إلى التعريف بالسيرة الذاتية حسب بعض المختصين على غرار «جينات» ولوجون» و«ماي» مبرزا بالخصوص ما يسمى بالعقد أو الميثاق السير ذاتي، وثانيهما تطبيقي حاول خلاله استنطاق النص وفنيات الكتابة لإبراز الجوانب الخفية في حياة الكاتب باعتبار أن كتاب «الأيام «هو « نص مخادع مخاتل، فهو من النصوص التي لا تفصح عن وجوه الفن فيها ولا عن مقاصدها إلا بعد معاشرة ومجاهدة» . وأما بالنسبة الى كتاب «أحفاد سارق النار» فقد أوضح محمد الصالح فليس أن الكاتب ركز على أمرين اثنين، يتعلق أولهما بخصائص السيرة الذاتية الفكرية من حيث تمايزها من السيرة الذاتية العادية وارتباطها بها، ويقوم الثاني على معالجة أربعة نصوص اختارها الكاتب بمنطق البحث عن الخصوصية المميزة لكل واحد منها في السيرة الذاتية الفكرية ، وهي : «حصاد السنين» لزكي نجيب محمود، و»رحلتي الفكرية» لعبد الوهاب المسيري، و»سمر على ضفاف نهر السان» للحبيب الجنحاني، و»على قدر أهل العزم»لحمد الكواري. وبعد تحليل مستفيض لهذه النصوص، خلص المتحدث إلى أن ما يجمع بينها هو كونها سيرا ذاتية فكرية مؤسسة على قيم الإنسانية في توقها إلى الحرية والتقدم والعمل المثمر ،وهي إنسانية البحث في السياق الثقافي العربي عن المعرفة والترقي، ولهذه الأسباب يعتبر زكي نجيب محمود وعبد الوهاب المسيري والحبيب الجنحاني وحمد الكواري معبرين عن المعاني الكبرى التي مثلها بروميتيوس سارق نار المعرفة التي أهداها إلى البشر. وفي رده على أسئلة المتدخلين التي تميزت بالدقة والعمق أوضح المبخوت أن اشتغاله على السيرة الذاتية كان اشتغالا أكاديميا يخضع لضوابط علمية صارمة، وأكد أن السيرة الذاتية هي أخطر أنواع الكتابة، لأن كاتبها مطالب بأن يقول حقيقته، أي دواخله أو ما نعبر عنه ب«الجواجي»، حقيقة الإنسان بتناقضاته ، بفضائله ورذائله، ان يقولها بكامل الحرية، ولكن أتراه يجرؤ على ذلك؟ لقد رأينا كيف كانت ردة الفعل إزاء محمد شكري، والحال أن ما كتبه يعتبر عاديا في الغرب. إننا نرى اليوم أنه كلما أبدى شخص موقفا لا يطابق المنظومة الاجتماعية السائدة يدينه الجميع؛ لذلك لا بد من الحرية الفردية التي هي قضية جوهرية، إن لم نؤسس لها فلا مستقبل لنا. من هنا يكون تناول كتب السيرة الذاتية ليس في ما صاغه المؤلف عن حياته الحقيقية، فذلك جانب ثانوي لا يعنينا، بل الذي يهمنا هو ذلك الجانب الخفي الذي يتستر عليه الكاتب وتشي به فنيات الكتابة. فنحن أمام كتاب كبار محترفين لم يقولوا كل شيء عن ذواتهم، ودورنا هو البحث عن ذلك المعنى الذي صنعوه وهم يكتبون سيرتهم الذاتية، أي عن جوهر الإنسان الحقيقي الكامن خلف تلك الصورة الظاهرة التي يقدمونها لنا. وقبل الاختتام قام الدكتور شكري المبخوت بتوقيع كتابيه استجابة لطلب الكثير من قرائه الذين واكبوا هذه الندوة القيمة.