تونس الصباح: للتعريف بالدراسات الجديدة حول تاريخ تونس المعاصر وخاصة تاريخ الحركة الوطنية في مختلف أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية أصدر المعهد العالي لتاريخ الحركة الوطنية العدد الثاني عشر من مجلته التي تعنى بدراسة تاريخ البلاد التونسية والمغرب العربي في الفترة المعاصرة وعنوانها "روافد".. وألقت روافد هذه المرة أضواء على المهمشين بالبلاد التونسية خلال الفترة الاستعمارية وفي هذا الصدد نقرأ دراسة مشوقة للجامعي عبد الواحد المكني حول كتابة تاريخ المهمشين بالبلاد التونسية خلال الفترة الاستعمارية مقاربة منهجية وانتروبولوجية.. وورد في الدراسة أن التقارير الرسمية الفرنسية إبان أحداث الزلاج والترامواي سنتي 1911 و1912 حملت إدانة واضحة للسفهاء والاوباش والسفلة والمقصود بهم فئة المهمشين وفاقدي السند والفقراء والنازحين وقد أعدمت السلطات الفرنسية الشابين الشاذلي القطاري وهو عاطل عن العمل والمنوبي الجرجار وهو نادل بمقهى في ساحة عامة وهو على حد قول المؤرخ "اجراء لا يعدو أن يكون ترهيبا وقائيا لمثل هذه الفئات المهمشة والبائسة لاثنائها عن أي مساس بالامن الاستعماري". وحدث كل هذا قبل الحرب العالمية الاولى ولم تكن الثلاثينات زمن بداية التهميش بل زمن تفاقمه.. ولم تكن المدينة الفضاء الوحيد لاحتضان الهامشية الاستعمارية بل هي القطب البارز والاكبر. وجرفت الهامشية الاستعمارية عديد الشرائح الاجتماعية الضعيفة والمفقرة.. ويرمز لفظ الفقر إلى فقراء الصوفية والزوايا والمتزهدين روحيا ودينيا لا إلى فقراء الجيوب فحسب. وتمتد الهامشية إلى فئات أخرى مثل الغرباء والمنبتين عن عائلاتهم والوافدين من مناطق بعيدة وكل من تجاوزوا الحدود في السلوك والمظهر ومجموعات البراينية ونجد في مدينة صفاقس في العهد الاستعماري مشيخة خاصة بالبراينية. وتشمل ظاهرة التهميش الاستعماري الموبوئين وأصحاب العاهات الخطيرة وعجزة التكايا والمشافي على اسعافهم وتشمل المدمنين ضحايا المخدرات وخاصة التكروري ومدمني الخمر الذين تزايد عددهم فظهرت الرابطة التونسية لمكافحة الادمان الخمري سنة 1902. ومن المهمشين أيضا نجد الفتوات جمع فتوة وهو الصعلوك والباندي واللصوص الذين يسطون على المارة والمنازل والاسواق. ويصنف السحرة والمشعوذون والمتدروشون والرمالة والعرافة والغرابة الذين يدعون استخراج الكنوز وتحضير الارواح ضمن خانة المهمشين ثقافيا واجتماعيا وتشمل شريحة المهمشين المساجين المحكومين لفترات طويلة أو بالاشغال الشاقة "الكراكجية" من الكراكة. كما نجد المومسات وضحايا الانحراف الجنسي وقد زاد عددهم خلال الفترة الاستعمارية جراء احداث مواخير رسمية في أغلب المدن الكبرى مثل عبد الله قش بالحاضرة ونهج الجم بصفاقس ويقدر عدد المواخير ودور البغاء العلنية في الايالة التونسية سنة 1936 بنحو 19 منها 7 بمدينة تونس وواحد بباجة و6 ببنزرت و2 بصفاقس و3 بسوسة وقدر عدد المومسات بمدينة تونس في شهر أوت 1935 بنحو 366 منهن 203 امرأة مسلمة و12 يهودية و115 أوروبية وكان عدد سكان المدينة وقتها 200 ألف نسمة. ومن المهمشين نجد جحافل المتسولين خاصة بالمدن الكبرى وفيهم من احترف التسول وكانوا يوجدون بكثافة قرب سيدي محرز ودار الشرع وأبواب سور المدينة وقدر عددهم بمدينة تونس في منتصف الثلاثينات حوالي 4500 شحاذ. وينطبق التهميش على الاطفال المشردين ضحايا التسكع والجوع وانجذب العديد منهم إلى الشذوذ والجنوح وبلغ عددهم بمدينة تونس في جانفي 1942 85 طفلا تراوحت أعمارهم بين 10 و11 سنة ومنهم من له أوصول إيطالية ويهودية. ويصنف قدماء المحاربين ضمن خانة المهمشين وقد عاد أغلبهم من الحروب في حالات نفسية وذهنية صعبة وقدر عددهم سنة 1949 بنحو 44 ألف محارب. ومن المهمشين نجد شريحة من مهووسي الملاعب وتكاثر عددهم منذ الثلاثينات من القرن الماضي وتكاثر العنف بالملاعب. وتحدث الجامعي عن رواج الثقافة الهامشية.. والفن المبتذل مثل الربوخ والاغاني الهابطة والمارقة.. دراسات متنوعة إلى جانب هذه الدراسة يحتوي العدد الجديد من مجلة "روافد" في صفحاته العربية على قسم خاص بالدراسات ويتضمن عشر مقالات تهتم بالجانب الاقتصادي وتحديدا التجارة والتصرف في الملك العمومي وبالجانب الاجتماعي وتحديدا الرياضة وتمرد العسكريين وبالجانب الثقافي وخاصة التعليم والبعثات التعليمية وبالجانب السياسي حول نشأة الفكرة الوطنية التونسية وظروف إعلان الجمهورية والعلاقات بين الحركات الوطنية المغاربية. ويهتم العنصر الثاني بمسألة المصادر واستعمالاتها من خلال أعمال الندوة التي نظمها المعهد حول موضوع استعمالات الارشيف ومسائل في التاريخ تم نشرها في شكل ملف. وحسب المؤرخ الحبيب بلعيد مؤلف افتتاحية "روافد" في عددها الجديد ركزت المساهمات التسع الواردة في هذا الملف على المسائل ذات الطابع التاريخي كما اهتمت بعلاقات علم التاريخ بغيره من العلوم الاجتماعية وبالمصادر الجديدة مثل الصورة والسينما والاعمال الادبية وكذلك بالارشيفات الخاصة وعلاقاتها بكتابة التاريخ. العدد الجديد من "روافد" ثري بالمحتوى وجدير بالمطالعة.