اعترافات طيارين وجنود اسرائيليين بارتكابهم ابشع واقذر انواع الانتهاكات في حق المدنيين العزل خلال العدوان على غزة من شانها ان تشكل هذه المرة وثيقة ادانة وحجة قانونية ثابتة ومنطلقا لاخضاع القادة الاسرائيليين الذين خططوا ونفذوا لتلك الحرب وهي وثيقة لا تقبل التشكيك بعد اعتراف المجرم بجريمته واقراره بالتعطش للقتل وسفك الدماء الفلسطينية التي تابع العالم في صمت اهدارها على مدى ثلاثة اسابيع من العدوان على غزة... والحقيقة ان اهمية شهادات الجنود الاسرائيليين لا تكمن فيما تم كشفه للعالم من اسرار خفية بشان الاوامر العسكرية وفتاوى الحاخامات الاسرائيليين المتطرفين التي تلقوها باستهداف الفلسطينيين دون تردد واراقة دمهم وتدمير ممتلكاتهم حيثما كانوا ذلك ان العالم الذي تابع في صمت متواطئ اطوار تلك الحرب على مدى اثنين وعشرين يوما بلياليها قد امكن له ان يقف على بشاعة الممارسات الاسرائيلية خلال عملية الرصاص المسكوب وما نجم عن استعمال القنابل الحارقة والاسلحة المحرمة دوليا على جثث النساء والاطفال في المستشفيات وفي مدارس الاونروا وسيارات الاسعاف والبيوت وغيرها من المواقع. بل لعل اهمية تلك الاعترافات انها تاتي اولا من مصدر جسد آلة تلك الجريمة وكان الشاهد على مختلف اطوارها بما يفند مزاعم السلطات الاسرائيلية السياسية والعسكرية على حد سواء بل وكل الذين وقفوا لتبرير تلك العمليات والترويج بانها كانت تستهدف فلول المقاومة الفلسطينية التي جعلت من المدنيين دروعا بشرية لها. ولاشك ان في استهداف عجوز مع حفيديها او امراة تاهت في طريق البحث عن مسلك الى بيتها والتعرض للمدنيين العزل دون ادنى اكتراث بالحياة البشرية او بكرامة الانسان من شانه ان يسقط القناع عن كل التبريرات التي حرصت القيادة الاسرائيلية على تسويقها للعالم لتبرير حربها على غزة واستمرار الحصار الخانق على القطاع المنكوب بعد ذلك. اما الاهمية الثانية التي تكتسيها تلك الاعترافات التي تاتي من صلب المؤسسة العسكرية وهي التي طالما ادعى قادتها وفي مقدمتهم وزير الحرب الاسرائيلي ايهود باراك بان الجيش الاسرائيلي الاكثر اخلاقية بين جيوش العالم انها اسقطت اخر ما بقي من ورقة التوت الاخيرة التي يحاول الكيان الاسرائيلي التستر بها لاخفاء جرائم الاحتلال العنصرية التي تضاهي جرائم النازيين في بشاعتها والتي يواصل ارتكابها منذ عقود بشهادة واعتراف احفاد غولدا مائير وشامير وابناء شارون وبيريز وناتنياهو وليفني وجميعهم من خريجي كلية اسحاق رابين الحربية حقيقة تلك المبادئ الاخلاقية التي يدرب عليها الاجيال المتعاقبة في الجيش الاسرائيلي... ومن هذا المنطلق فان تلك التحركات والاصوات المحتشمة التي بدات تعلو من داخل المؤسسة العسكرية الاسرائيلية للمطالبة بالتحقيق بشان تلك الشهادات لا يمكن ان تخدع العالم وهي ليست اكثر من محاولات لذر الرماد على العيون وتجاوز مرحلة الحرج في انتظار زوال الصدمة وتراجعها من الذاكرة، ذلك ان مجزرة غزة لم تكن الاولى ولن تكون حتما الاخيرة والاصوات الاسرائيلية التي تدعو لاجراء تحقيق داخلي في تلك الجريمة لا تختلف في شيء عن اصوات مماثلة سرعان ما تلاشت كانت طالبت بالتحقيق في صبرا وشاتيلا وقانا وحربي لبنان الاولى والثانية والانتفاضة الاولى ثم الثانية ايضا... ان الدرس الذي يجب استيعابه اليوم انه اذا كان من الغباء الاعتقاد لحظة واحدة بجدوى التعويل على المجرم لاجراء التحقيق في الجريمة ومحاسبة المسؤولين عنها فان الحكمة والفطنة تقتضيان بدورهما ضرورة الاستفادة من هذه الاحداث والتطورات اكثر من أي وقت مضى ومحاولة تفادي اخطاء الماضي وهي كثيرة ويكفي ان نستعرض في هذا المجال قرار محكمة العدل الدولية بشان عدم شرعية جدار الفصل العنصري الذي تاه كما تاهت غيره من الجهود والمكاسب الديبلوماسية في ثنايا الاختلافات والصراعات والانشقاقات الفلسطينية-الفلسطينية التي تنذر اليوم مجددا بامكانية عدم التعامل بالطريقة القانونية والسياسية والانسانية المطلوبة مع اعترافات هؤلاء الجنود الذين يتعين عليهم ان يدركوا ان حياة الشعب الفلسطيني بل ودم كل طفل فلسطيني وكل ام فلسطينية ليست اقل اهمية من حياة الجندي جلعاط شاليط... قد لا يختلف اليوم اثنان في ان اعترافات الجنود الاسرائيليين لا تخلو من خطورة واضحة فهي تحمل في طياتها انتهاكات صريحة ومفضوحة للقانون الدولي ولاتفاقيات جنيف الرابعة وهي كفيلة بملاحقة كل مسؤول اسرائيلي اينما كان وهذه بالتاكيد مسؤولية مشتركة بين الضحية الاولى لهذه الجرائم ولكن ايضا بين مختلف المنظمات والهيئات الانسانية والحقوقية ودعاة حقوق الانسان التي باتت مدعوة بدورها الى الخروج عن اطار بيانات التنديد المتاخرة الى اطار التحرك الفعلي لتهيئة الارضية المطلوبة لمساءلة مجرمي الحرب واخضاعهم للمحاكمة وسحب البساط من امام غيرهم من القيادات العسكرية الاسرائيلية من تكرار جرائمهم تحت ذريعة امن اسرائيل...